Mag-log inكان الضباب الصباحي لا يزال يلف قصر آشبورن عندما وقفت ليان في الفناء الخارجي.كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب
.أمامها.اصطفت العربات الفاخرة المجرورة بالخيول الأصيلة.ا صوت صهيل الخيل و حركة الخدم السريعة لترتيب الحقائب كان يملأ المكان بجلبة متواصلة.كانت ليان ترتدي رداء السفر البسيط الخاص بالخادمات.و تضم حقيبتها القماشية الصغيرة بملامح يملأها الوجل.في عمق الحقيبة.. كانت تخبئ كتاب السيدة صفاء القديم.تميمة أمانها الوحيدة وسط هذا المجهول .فجأة.ساد الصمت الفناء.توقف الخدم عن الحركة و ابتعدوا بآلية ليفتحوا ممراً واسعاً.لقد ظهر.خرج فارس الكيلاني من البوابة الكبرى للقصر.بملابس السفر السوداء الصارمة، و معطفه الفاخر الذي يتمايل مع خطواته الحازمة.الرجل يفرض حضوراً هائلاً يجعل كل من حوله يبدون بلا قيمة.تقدم نحو حصانه الأسود الضخم.و بحركة رشيقة و محترفة، اعتلى صهوته و أمسك باللجام بهيبته المعهودة.استدار برأسه ببطء.و مررت عيناه الصقريتان نظرة فاحصة على اصطفاف الخدم .لم تتوقف عيناه عند أحد.. حتى وصلت إليها.تسمرت نظراته القاتمة على وجه ليان لثانيتين.ثانيتان شعرَت فيهما أن أنفاسها قد سُرقت من صدرها. لم تكن هناك ابتسامة على وجهه الصارم، فقط ذلك الغموض المرعب الذي يتحدى ثباتها.أدار فارس وجهه نحو الطريق ببرود، و أشار بيده لتبدأ المجموعه بالتحرك.حركت ليان قدميها الثقيلتين و ركبت عربة الخدم الخلفية.و مع أول اهتزاز للعربة و هي تتجاوز الأسوار الحديدية الشاهقة، أغلقت عينيها و هَمست لنفسها:— ساكون بخير استمرت العربة في الحركة لساعات طويلة فوق الطرقات الترابية.كانت ليان تجلس قرب النافذة الخشبية الضيقة لعربة الخدم الخلفية. كان جسدها متشنجاً، و عقلها لا يتوقف عن حياكة المخاوف من فارس الكيلاني وال فخ الذي ينتظرها.لكن.. مع تراجع ضباب المدينة، بدأت ملامح الأرض تتغير.ابتعدت أسوار أوزبروك الرمادية الكئيبة تماماً .و حلّت محلها مساحات شاسعة لا نهاية لها من المروج الخضراء اليانعة.فتحت ليان النافذة ببطء. لتندفع إلى داخل العربة نسمة هواء عليلة، باردة، و نقية.. لم تستنشق مثلها طوال حياتها في أحياء المداخن الملوثة. تطلعت إلى الأفق بذهول.كانت تلال الريف المتموجة تبدو كأنها بساط زمردي مدفوع تحت أشعة الشمس الدافئة.أشجار البلوط العملاقة تتراقص أوراقها برفق مع الرياح.وقطرات الندى اللامعة تتلألأ فوق الزهور البرية الملونة كألوف الجواهر. في تلك اللحظة بالذات.. تبخر كل توترها.نسيت خوفها من فارس و نسيت كابوس والدها و سالم.تلاشت الهواجس من رأسها تماماً و كأنها لم تكن.ارتسمت على شفتيها ابتسامة حقيقية، عفوية، و ناعمة.اتسعت عيناها بانبهار طفولي و هي تراقب سرباً من الطيور البيضاء يحلق بحرية فوق الجداول المائية الصافية التي تخترق المزارع. شعرت بالسعادة تتسلل إلى أعماق قلبها الوجل.السعادة التي حُرمت منها لسنوات، كانت هنا.. تنتظرها وسط هذا الجمال الفطري الساحر. استندت برأسها إلى حافة النافذة، و أغمضت عينيها لتستمتع بدفء الشمس على وجنتيها الصافيتين. لم تكن تعلم أن على بُعد أمتار قليلة منها..كان فارس الكيلاني يقود حصانه الأسود بذات الهيبة الصارمة. لكنه أبطأ من سرعة جواده قليلاً ليصبح محاذياً لعربة الخدم.التمحت عيناه الصقريتان وجهها المسترخي عبر النافذة المفتوحة. رأى ابتسامتها الصادقة. و لمح ذلك البريق النقي في عينيها و هي تتأمل الطبيعة.توقف فارس عن الحركة لثانية كاملة.ضاقت عيناه بغموض حذر، وا هتز شيء في ملامحه الجافة.. توقفت العربات أخيراً أمام بوابة منزل الريف الفاخر .كان منزلاً أثرياً شاسعاً، مبنياً من الحجارة الرمادية القديمة، وتتسلق جدرانه نباتات اللبلاب الخضراء .نزلت ليان من العربة الخلفية و هي تتأمل المكان بهدوء.عند عتبة الباب الخشبي الكبير.. كان هناك رجل و امرأة في نهاية عقدهما السادس.إنهما السيد و السيدة عثمان .ظهرت عليهما علامات الكبر، و انحنت ظهورهما قليلاً بفعل وقوف السنين، لكن وجوههما كانت تشع طيبة و ترحيباً صادقاً. ترجل فارس الكيلاني عن صهوة حصانه الأسود .تحركت ليان بغريزتها لتراقبه؛ كانت تتوقع أن يندفع الخدم لفتح الأبواب له بجفاف كما يحدث في قصر المدينة. لكن.. ما حدث جعل عينيها تتسعان بذهول حقيقي.تقدم فارس نحو الزوجين العجوزين بخطوات سريعة. تلاشت نظراته الصقرية الحادة تماماً، و اختفى الجمود ا الذي يغلف جسده الفارع .انحنى بهيبته المعهودة ليقبل يد السيدة عثمان برفق شديد واحترام طاغٍ. قالت السيده عثمان بحنان— أهلاً بك يا سيدي الصغير.. لقد اشتقت إليك القلوب .انطلق صوت السيدة عثمان المرتعش وهي تمسح على كتفه بحنان أموي دافئ .ابتسم فارس ابتسامة حقيقية، دافئة ونادرة؛ ابتسامة لم تلمح ليان مثلها على وجهه قط.فقد نشأ فارس ويزيد بين يدي هذين الزوجين عندما كانا في خدمة والده الراحل طوال عقود .قال بود — وأنا اشتقت إليكما وإلى هذا المنزل.. .. آمل أنكما لم تجهدا نفسيكما بالتحضير.قالها فارس بنبرة صوت لينة، تفيض بالامتنان والنبل، نبرة جعلت ليان تشعر بالقشعريرة؛ فهذا الرجل الجاف يملك قلباً يعرف الولاء لمن يستحق. التفت السيد عثمان نحو الخيول والعربات، وقال بصوت أجش مهذب:— رفاقك سيصلون خلال ساعة يا سيدي، وكل شيء جاهز لاستقبالهم. أومأ فارس، و قد عاد بروده المعتاد ببطء و هو يلتفت نحو الخدم الواقفين في الخلف؛ و من بينهم ليان التي كانت تتابع المشهد بقلب مضطرب. استقرت عيناه عليها لثانية، قبل أن يتحدث إلى السيدة عثمان:— لقد أحضرتُ معي خادمين من المدينة ليعاوناكم في تلبية طلبات الضيوف. خذوهم للداخل وابدأوا في ترتيب الأجنحة فوراً. انحنت ليان فوراً مع بقية الخدم وبدأوا بنقل الحقائب إلى الداخل. بينما كانت تخطو عبر العتبة، التفتت لتلمح فارس يتحدث بوقار مع السيد عثمان قبالة الحديقة.انفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم







