FAZER LOGINجلست صفاء الكيلاني في غرفة الجلوس الخاصة بها بعد الظهيرة.
كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ الطويلة، لتنعكس فوق الأثاث الفاخر و الستائر المطرزة بعناية. أغلقت الكتاب الذي كانت تقرأه ووضعته جانبًا. ثم ضغطت الجرس الصغير الموضوع على الطاولة. بعد دقائق قليلة، دخلت إحدى الخادمات. — سيدتي؟ — أرسلي إليّ أمينة ومارتا. — حالًا سيدتي. غادرت الخادمة بسرعة. أما صفاء فارتشفت رشفة صغيرة من الشاي. كانت تفكر في الفتاة الجديدة. ليان مراد. منذ الليلة الماضية و اسمها يتردد في أنحاء القصر. كان الصمت يلف الغرفة، و لا يقطعه سوى حفيف الأوراق و صوت طرقات خفيفة ومترددة على الباب الخشبي المحفور بزخارف دقيقة."تفضلا"، انطلق صوت صفاء هادئاً و لكنه يحمل نبرة الآمر المطاع.انفتح الباب ببطء، و تراجعت خطوتين لتسمح بدخول امرأتين هما العمود الفقري لإدارة القصر و سكانه: أمينة، رئيسة الخدم الصارمة التي لا تفوتها شاردة و لا واردة في أروقة آشبورن، و مارتا، رئيسة الطهاة ذات الجسد الممتلئ و الملامح التي أنهكها وقوف السنين أمام النيران المشتعلة.انحنت المرأتان باحترام شديد، و قالت أمينة بصوت منخفض: "لقد استدعيتِنا يا سيدتي؟" وضعت صفاء ريشتها جانباً، وشبكت أصابعها الفاخرة المزدانة بالخواتم فوق الطاولة، ثم رفعت نظراتها الثاقبة التي ورثها عنها ابنها الأكبر فارس. نظرت إليهما لثوانٍ طويلة جعلت التوتر يتسلل إلى قلب أمينة و مارتا، قبل أن تنطق باسمٍ واحد:"ليان.. أريد معرفة كل شيء عنها منذ اللحظة التي وطئت فيها قدمها القصر البارحة".تبادلت أمينة و مارتا نظرة سريعة، قبل أن تتقدم أمينة خطوة، و تتحدث بنبرتها العملية المعتادة: "سيدتي، كما أمر السيد الصغير يزيد، قمتُ بالإشراف على إعطائها ملابس نظيفة و السماح لها بالاغتسال. وحسب مراقبتي لها.. الفتاة ليست عادية. عندما تخلصت من الطين و الرماد، تبين أنها تملك ملامح بالغة النقاء والجمال. لكن الأهم من جمالها هو سلوكها؛ إنها مطيعة جداً، اكملت امينه : الفتاة خفضت رأسها و لم تتذمر من أي أمر، و تنفذ القوانين بدقة دون أن ترفع عينيها في وجه أحد، وكأنها تدرك تماماً أين تقف" .التفتت صفاء نحو رئيسة الطهاة: "وأنتِ يا مارتا؟ كيف كان أداؤها في المطابخ السفلية؟" تنحنحت مارتا، و مسحت كفيها بمئزرها الأبيض بآلية قبل أن تجيب: "في الحقيقة يا سيدتي.. لقد وضعتها تحت أقسى الاختبارات منذ الصباح الباكر لقطع دابر أي كسل. جعلتها تغسل جبالاً من الأواني النحاسية الثقيلة و تفرك الأرضيات الحجرية الباردة. كنتُ أتوقع أن تبكي أو تشتكي كعادة فتيات الأحياء الفقيرة عندما يدخلن قصر آشبورن.. لكنها لم تفعل".صمتت مارتا لثوانٍ ثم تابعت بنبرة إعجاب لم تستطع إخفاءها: "لقد عملت بصمت و بجدية تامة، وأظافرها كادت تنزف من شدة الفرك دون أن تنطق بكلمة شكوى واحدة. و الأغرب من ذلك يا سيدتي.. أن يديها، ورغم شقاء العمل، بدتا ناعمتين و كأنها كانت تعتني بنفسها بحرص شديد قبل مجيئها إلى هنا. الفتاة تملك كبرياءً غريباً يمنعها من إظهار الضعف". ضاقت عينا صفاء الكيلاني و هي تستمع إلى التقريرين. ملامح الذكاء و الحرص الشديد لدى ليان، و قدرتها على تحمل العمل الشاق بكبرياء، مع الحفاظ على نظافتها، كلها صفات أكدت لصفاء أن هذه الفتاة ليست مجرد متشردة عابرة قادها الحظ إلى بوابات آشبورن. هناك عمق في شخصيتها، و ربما.. دافع أقوى يمنحها هذه الصلابة سالت صفاء بهدوء ."هل حاولت التقرب من الخدم؟ أو طرح أسئلة عن عائلتنا؟" سألت صفاء بنبرة حذرة. أجابت أمينة على الفور: "أبداً يا سيدتي. إنها تتجنب الحديث الجانبي تماماً و تكتفي بهز رأسها امتثالاً للأوامر. لكن.." ترددت أمينة قليلاً."تحدثي يا أمينة، لا أحب التردد"، قالت صفاء بحدة خفيفة. ابتسمت رئيسة المطبخ. قالت مارتا مقاطعه — جميع العاملات في المطبخ أصبحن يتحدثن عنها. تنهدت أمينة. — مارتا... — ماذا؟ هذا صحيح. سألت صفاء: — و لماذا؟ قالت مارتا ببساطة: — لأنها جميلة. صمتت الغرفة للحظة. ثم أضافت: — جميلة بشكل لافت جدًا وتمتلك قوام ممشوق حتى بعد ليلة كاملة من المطر و الطين. تنهدت أمينة. — أخشى أن يسبب ذلك بعض المشكلات لاحقًا. لم تعلق صفاء. لكنها تذكرت وجه الفتاة للحظة. نعم. كانت جميلة فعلًا. جميلة بطريقة يصعب تجاهلها. وقفت صفاء من خلف مكتبها، و تحركت ببطء نحو النافذة الكبيرة المطلة على الساحة الخلفية حيث يقف الخدم. التفتت إلى أمينة و مارتا وقالت بحسم:"أبقياها في المطبخ و تحت المراقبة الشديدة. لا تدعاها تقترب من أجنحة العائلة العلوية إلا بأمر مباشر مني. سأتركها تعمل لعدة أيام أخرى لنرى إن كان هذا القناع من المثالية سينكشف أم لا.. و في نهاية الأسبوع، أحضراها إلى مكتبي هنا.. أريد مواجهتها بنفسي".انحنت أمينة و مارتا باحترام: "أمركِ يا سيدتي الكبيرة".انفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم







