Masuk
الفصل الأول
الحكاية الأولى على لسان؛ حنان فياض.. الزوجة.
لم يكن زفافي في ذلك القصر الأسطوري الباذخ في قلب أبوظبي احتفالاً بالحب، ولا تجسيداً لأحلام الفتيات الوردية؛ بل كان أقرب إلى مزاد علني بارد، تُعرض فيه المشاعر كبضاعة كاسدة لإنعاش صفقات الأثريات المخملية التي يديرها زوجي وأبوه بنفوذ وجشع لا يرحمان.
وقفتُ وسط الحشد النخبوي كدمية صامتة، مذهولة من برودة الأجواء من حولي. رجال الأعمال ببدلاتهم الرسمية الفاخرة، والنساء الأنيقات اللواتي تفوح منهن رائحة العطور الباريسية المغشوشة بالزيف، يتبادلون النظرات السامة والابتسامات المنافقة. كنتُ أقف في تلك المساحة الفارهة بفستاني الأبيض الشاحب، الضيق الذي صُمم ليعصر جسدي النحيل؛ وشعرت بأنظارهم جميعاً تخترقني كخناجر مصقولة، كأنهم يقيّمون السعر الذي دُفع فيّ، ويفحصون مدى ملاءمتي للقب الجديد الذي أُلصق بي عنوة.
فجأة، تحولت الهمسات الخافتة التي تملأ القاعة إلى همهمات مستنكرة وضجيج مكتوم عندما خانني جسدي المنهك، وتملكتني نوبة سُعال حاد ومباغت. تعثرت خطوتي فوق الحذاء العالي، واهتزت الكأس في يدي، لتسقط قطرات الكحول القرمزية وتلطخ مقدم فستاني الأبيض الحريري. كانت تلك أول مرة أحاول فيها تجرع ذلك السائل المر، فقط لأبدو مثلهم، لأندمج في عالمهم النرجسي، لكن جسدي رفض الزيف ففضحني أمام الجميع.
انشقت الصفوف فجأة، وتقدمت والدتي بخطوات سريعة متوترة. لم أرَ في عينيها ذرة واحدة من الشفقة أو الأمومة؛ بل لمعت فيهما تلك النظرة الجشعة السوداء التي حفظتها عن ظهر قلب منذ طفولتي. اقتربت مني بسرعة وهي تلتقط منديل المائدة، وتبلله بماء الصودا بعصبية. ضغطت على قماش الفستان بقسوة أوجعتني، وهتفت بفحيح حاد حارق بجانب أذني:
"اثبتي يا غبية! لا تفسدي صفقة العمر... النقود التي دفعوها لإنقاذنا من الفقر والديون أثمن بكثير من وعكتكِ العابرة هذه! تماسكي وإلا أعدتكِ إلى الجحيم الذي جئتِ منه!"
وقبل أن أتمكن من التقاط أنفاسي المتهدجة أو الرد على قسوتها، امتدت ذراع ثقيلة غليظة من الخلف، تلتف حول خصري بقوة غاشمة، جاذبة إياي إلى صدره العريض بلا رحمة، مستعرضاً تملكه لي أمام الملأ. إنه هو... شاهين عز الدين. الرجل الذي يلقبونه في السوق بـ "الصقر".
ارتسمت على وجهه الأربعيني وسامة ماكرة، وارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة واثقة، متهكمة، التهمت كل الحرج والتوتر السائد في القاعة. نظر إلى الضيوف بعينين صقريتين تتحديان الجميع، وقال بنبرة جهورية ملطفاً الأجواء بذكاء حاد: "رقيقة كالفراشة عروسي... هل رأيتم فراشة تشرب الخمر من قبل؟! اعذروها، فهي لا تزال غضة على طقوسكم."ثم التفت إلى والدتي، وبعينين تشعان سلطة مطلقة ونفوذاً يخرس الألسن، قال مكملاً بجرأة ووقاحة أثارت ضحكات الحشد الإباحية الساخرة:
"لا عليكِ يا عمتي... لا داعي لتنظيف الفستان، سوف أخلعه عنها بأي حال بعد قليل!" طبع قبلة خاطفة باردة كالجليد على شفتي، وتركني واقفة هناك، ممزقة الأشلاء بين ضحكات الضيوف المتهكمة، ونظرات خالي –والد زوجي– الذي كان يرمقني من بعيد بنفور واضح واشمئزاز مكتوم، كأنه يرى فيّ وصمة عار ملتصقة بماضٍ عائلي لم أختره يوماً. في تلك اللحظة القاسية، تبخر كل جمالي المزيف؛ شعري المستعار المصفف بعناية، ومساحيق التجميل الفاخرة، وفستاني الأسطوري، كلها لم تشفع لي أمام الحقيقة المرة: أنا مجرد جارية تم شراؤها لتزيين مملكته.لم أحتمل المزيد من تلك النظرات، فانسحبنا مسرعين نحو باب للقصر هرباً من أصدقائه السمجين الذين حاولوا ملاحقتنا بعباراتهم الثقيلة. وضعني شاهين في سيارة رباعية وانطلق بي للمجهول. وصلنا بعد لحظات شحيحة لفندق فخم فسألته:" أين نحن"
" في الجنة حبيبتي .. آدم وحواء عندما كانا في الجنة كان وحيدين .. علينا أن نحذوا حذوهم"
قلت في حيرة " لا أفهم"
" لا ترهقي رأسك الصغير هذا بالفكر"
أغلق شاهين باب المصعد الخاص بالفندق بحدة أحدثت صدى مدوياً، وفي ثانية واحدة، تحللت تلك الابتسامة الدبلوماسية عن وجهه، وتحول إليّ بجمود وعيناه تتفحصان حذائي ذي الكعب العالي بنظرة جادة ومفاجئة:
"هل في وسعكِ العدو بهذا الحذاء؟" نظرت إليه بحيرة مشوبة بالخوف وسألت: "لماذا؟ إلى أين سنركض؟" كرر بصرامة أشد وعيناه تضيقان: "أجيبيني.. هل في وسعكِ؟" بلعت ريقي وقلت بتردد: "أظن ذلك..." لم ينتظر طويلاً، بل قال وعادت مسحة المكر إلى وجهه: "إذن.. هيا بنا يا حبيبتي!" بمجرد أن فتح باب المصعد في الطابق العلوي من الفندق، سحبني من يدي بعنفوان وقوة غريبة، يجر خطاي المتعثرة حتى وصلنا إلى الغرفة. صدمتني الغرفة فور دخولي؛ لم تكن الجناح الأسطوري الذي يتخيله المرء لعروس رجل أعمال كوني. الأثاث الكلاسيكي الداكن، الإضاءة الخافتة الحمراء، والترتيب العشوائي... كل شيء فيها كان يصرخ بالموقت. بدت كغرفة مستأجرة لليلة عشق عابرة مدفوعة الثمن... تماماً كصفقة زواجنا. وقفت في منتصف الغرفة أتنفس بصعوبة، مستغرقة في أفكاري السوداء، حتى قاطع شرودي صوته الجهوري المستنكر: "أين أنتِ؟ هل سمعتِ كلمة مما قلته منذ دخلنا؟" التفت إليه بتشتت وقلت: "عذراً... ماذا قلت؟" اقترب مني بخطوات هادئة كفهد يستعد للانقضاض. أمسك أطراف أصابعي برقة مصطنعة أثارت حفيظتي وخوفي، ثم قادني وأجلسني على طرف السرير الوثير. تلاقت أعيننا في صمت ثقيل، فقال بنبرة دافئة، تحمل تفهماً بارداً يخفي وراءه الكثير: "أعلم أن لديكِ الكثير من الأسرار يا حنان... لا أريد جرحكِ، ولا نبش ما لا ترغبين في الحديث عنه. لكنني أود طمأنتكِ؛ أسرارنا منذ الليلة ستظل حكراً علينا، وأي شيء حدث في ماضيكِ يخصكِ وحدكِ، ولا يهمني منه شيء طالما أنكِ أصبحتِ ملكي." ابتسمت بأسى مرير، ابتسامة لم تخلُ من التحدي والوجع الكامن في أعماقي: "حتى أنت تظن ذلك؟ لا بأس... يبدو أن الجميع على يقين تام من قذارتي وسوء سمعتي، حتى الرجل الذي اشتراني بماله.""لا أفهم ما تعنيه بهذا الكلام السوداوي!" قالها وهو يمد يده ليضرب أرنبة أنفي بخفة ودلال، محاولاً تغيير مجرى الحديث القاتم. ثم تابع وعيناه تتأملان ملامحي بشغف مفاجئ: "جميلة، وغامضة، وخفيفة الظل.. أنتِ معجزة تائهة في هذا الزمن! لولا ثقتي التامة بأنكِ ابنة عمتي، لقلت إنك الإرث الوحيد والشرعي للفنانة سعاد حسني... بل أنتِ أجمل بكثير، عيناكِ كعيون القطط البرية تلمع في الظلام، وشفاكِ خريطة مرسومة من شهد وخمر."
نزلت كلماته المعسولة المتقنة عليّ كالصاعقة. كان هذا الرجل يتقن لغة النساء كساحر محترف يعرف متى يضرب وأين يداعب، مجرداً إياي من خجلي وحذري الدفاعي بعنفوان مبارز يوناني لا يعرف الهزيمة. في تلك الليلة، وبلمساته الحانية تارة والقاسية تارة أخرى، استطاع أن ينتزع مني كل ذكرى مقيتة مع رجل مر في حياتي قبله، وحولني من فتاة محطمة خائفة من ظلها، إلى امرأة عاشقة مستسلمة بين يديه... امرأة تائهة سُلبت إرادتها لتصبح "كراميلا" الصقر.
استيقظت في عصر اليوم التالي، والضوء الذهبي يتسلل عبر الستائر المخملية الثقيلة. شعرت بأصابع ثخينة، دافئة، تمشط خصلات شعري المنسدل برقة غير معهودة فيه. انتفضت فزعة، وابتعدت عن صدره العريض الذي كنت أتوسده.
نظر شاهين إليّ بغرابة، وضاقت عيناه الشاسعتان لتلمع فيهما مسحة من الوجوم والضيق المفاجئ:
"هل أنا بشع ومخيف إلى هذا الحد في الصباح يا حنان؟! أخبرتني بالأمس في لحظة صفاء إنني وسيم ولا يمكنكِ العيش بدوني... يبدو أن كلام الليل يمحوه النهار، وأنه كان كلاماً لا أساس له من الصحة."شاهين عز الدينلطالما كنتُ نحساً ولا أنكر، نحساً لا رادع له ولا كوابح. لقد كنتُ لعنة مصبوبة على كل من اقتربتُ منه أو اقترب مني.. حتى حنان لم تسلم من ذلك النحس. النحسُ يُصيبهم والخير كله يتدفق عليّ، وكأنني أقتات على خرابهم لأشيد مجدي.كانت البداية مبكرة للغاية؛ لم يكد جسدي الصغير يخرج إلى النور حتى طُلقت أمي من أبي مباشرة في ذات الليلة. حملتني رضيعاً يصرخ، ومضت بي إلى منزل جدي "عز الدين"، ألقتني هناك على عتباتهم وولت مدبرة، وكان هذا أفضل وأكرم ما فعلته في حياتها برمتها. فحتى إنجابي ومجيئي إلى هذا العالم كان خطأً فادحاً لا يُغتفر، خطأً مني أنا تحديداً وليس من أبي فحسب.أبي لم يتزوجها حباً؛ بل تزوجها لأنها كانت عنساً قبيحة الشكل، سليطة اللسان، ولكنها ثرية للغاية. ورغم ذلك، كانت حريصة أشد الحرص على مالها، شحيحة بقبضتها، فلم تنوّل أبي مبتغاه ولم تمنحه مفاتيح خزائنها، فسرعان ما هجرها غاضباً، وسرعان ما هجرتني هي الأخرى تبعاً له. وأنا اليوم شاكر كل الشكر لجحودها ذاك؛ فلولاه لتذوقتُ مرار اليتم والذل باكراً، ولم أكن لأنعم بطفولة سوية تذكرني أيامها البهية بحناني المقيم.كنتُ طفلاً مدللاً لأقصى ا
عمر عبد المولى.كانت حنان تقف هناك بلا مساحيق تجميل، ولا بأردية لا تفضل ارتداءها إلا إرضاءً لبروتوكولات الحياة الأرستقراطية الجديدة التي فُرضت عليها فرضاً؛ جلباب حريري فيروزي اللون، فضفاض يغطي جسدها بالكامل، وشعرها الغجري طليق ثائر على كتفيها، وليس مثبتاً بمائة دبوس من المجوهرات كما كانت تبدو في الحفل الباذخ قبل ساعات قليلة.لم تكن تلك الهيئة البسيطة المباغتة هي التي انتظرتُ رؤية زوجة رجل فاحش الثراء عليها؛ فقد انتظرتُ —في مخيلتي المريضة— رؤيتها مكسوة بالمجوهرات المكلفة، والملابس العارية الفاخرة التي تظهر مفاتنها المنسية؛ تلك المفاتن التي لا تفارق خيالي ولا تفك أسر عيني. فلقاءاتنا القديمة الساخنة في غرفتي المتواضعة بمصر، وتحت سقفها المتشقق، كانت هي سكني وملاذي الوحيد من الضيق والفقر والعدم الذي شمل حياتي كلها وتمدد فيها منذ فراقها.نظرتْ إليّ حنان بنفس نظرة التقزز والازدراء القديمة، كأنها تطالع حشرة ضالة اقتحمت ردهة قصرها، إنما لم تستطل نظراتها تجاهي كالعادة، وعادت فوراً بكليتها للزوج المحمول على أكتاف الحرس بدمائه وثمالته. طلبت من الرجال بصوت باكٍ مخنوق بالعبرات أن يمددوه على أريكة مخ
عمر عبد المولى.سارعتُ بالتقدم إليه لأبرئ ساحة حنان وأدافع عن كبريائي، إنما تعس الحظ كان لي بالمرصاد كما اعتدتُ دائماً منذ أن تركتني. فما إن خطوتُ خطوة واحدة تجاهه، حتى راحت قدمي اليمنى في رحلة تزحلق عنيفة على الإسفلت المبتل، وسقطتُ أنا على ظهري كحمار أعنته الحمولة الزائدة!انفجر شاهين ضاحكاً على حالي المخزي، وتقدم مني وهو يغالب قهقهاته ليعاونني على النهوض. إنما باءت محاولاته بالفشل الذريع؛ لأن وزني يفوق وزنه بأرطال عديدة. لكنه لم يستسلم، وسحبني بقوة غاشمة كادت أن تخلع كتفي الأيمن من موضعه.. ويزعم بعد كل هذه القوة أنه مريض!قلتُ له متوسلاً وأنا أتحامل على جسدي:"إنها تحبك أنت يا سيد شاهين.. تحبك أكثر مما أحبتني يوماً. حنان لا تتحمل أي ضغط، وهي تعيش في ضغط دائم ومثير معك."رد وهو يجذبني:"ليس الآن يا عمر.. هيا ساعدني لتنهض.. تباً كم يبلغ وزنك اللعين؟!"تابعتُ وأنا على الأرض:"حنان لا تحاول إسعاد أحد.. حنان تستحوذ على الرجل فحسب وتطوعه ليكون المخلوق الذي تريده هي! ليس في وسعك ترويضها بل هي من تروضك.. هل تفعل ذلك معك الآن؟"فجأة، انزلقت يده عن يدي، وبدا على وجهه الكدر والهم الشديد؛ وحينه
عمر عبد المولى استجمعتُ آخر نبتة شجاعة نمت بداخلي وشاخت بهجر حنان، وقلت بصوت مرتجف:"سيد شاهين.. هل لي أن أسألك أنا هذه المرة؟""بالطبع يا عزيزي.""هل أنت.. هل أنت سعيد مع حنان؟"قام عن الكرسي في بطء، وتمشى لخطوات واضعاً كفيه على فخذيه وحتى ركبتيه بتألم كاشف لشيخوخته؛ فقد كان يتنهد بعمق ويكتم آلام جسده المتهالك. أما عيناه الشاخصتان فقد ارتكزتا على القمر المكتمل في تلك الليلة، ثم قال بنبرة دافئة:"نعم.. سعيد كل السعادة. لم أكن بتلك السعادة منذ سنوات عديدة؛ منذ عملت كمراسل حربي لأول مرة في حياتي ووقفت أمام الكاميرا.. حنان هي الكاميرا يا عمر! وكأنها مبرمجة لترى في داخلي ما لا يراه أحد سواها، حتى أنا.. ترى فيّ أشياء ظننتُ أنني فقدتها وضاعت مع العمر، إنما هي تستعيدها بكل سهولة. معها أشعر أنني شاب في العشرين من عمري، أمامي العالم أجمع لأخوضه وأفتحه.. فقد شختُ باكراً لأكون (شاهين عز الدين).. ومع حنان، أنا أعوض كل ما فاتني."سألته بمرارة:"وما الذي قد يفوتك وأنت تملك كل شيء في هذا العالم؟"أجاب وهو يلتفت إليّ:"الحياة الطبيعية يا عمر.. امرأة تحبك لشخصك وتتفانى لإرضائك، بينما أنت مجرد وغد متك
عمر عبد المولى.تركني شاهين وابتعد عن السياج الحديدي، متجهاً بخطوات متثاقلة نحو المقاعد المصفوفة على طول الرصيف المحاذي للمحيط. انحاز لمقعد ذي قوائم حديدية مدهونة بالأزرق، مبطن بقطاعات طولية من خشب السنديان تضمن جلسة مريحة. جلس عليه بثقل هائل، وبدا أن هواء البحر الممتزج بالرطوبة قد زاد من حدة ثمالته وسكره.في تلك اللحظة، تمنيتُ من كل قلبي أن يقرر العودة سريعاً إلى حنان قبل أن يسقط صريعاً أمامي وأُتهم أنا بقتله! هذا الخاطر المرعب كان يتآكلني من الداخل منذ أن رأيته برفقتها في الحفل؛ إذ حدثتني نفسي اللئيمة أنه لو تعثر هذا العجوز بحجر في الطريق، سأكون أنا المتهم الأول بنقل ذلك الحجر ليغدو أسفل قدميه. فأنا المدان دوماً في رواياتهم؛ خطيب الزوجة السابق الذي ظهر فجأة من العدم في اجتماع عمل، ثم في حفل باذخ لا ناقة له فيه ولا بعير.اقتربتُ منه والوجل يخلع قلبي، وقلت بقلق مصطنع:"هل أنت بخير يا سيد شاهين؟"التفت إليّ بعينيه الزائغتين وسألني فجأة:"بماذا كانت تدللك حنان؟"امتعضتُ من أسئلته السخيفة التي تنبش في قبرها، والتوى فمي بحنق مكتوم، إنما قلت في النهاية:"لا شيء.. لم تكن تدللني.""وأنت.. بم
عمر عبد المولىترك شاهين تحديقه في المحيط تماماً، واستعاض عنه بتصويب عينيه الثعبانيتين نحوي، وقال مفككاً عقدي:"أنت طامع يا عمر.. وطمعك يكمن في أشياء لا يصح لأمثالك الطمع بها من الأصل؛ لأنها تحمل مقاييس محددة وثابتة، وغير قابلة للتمدد لتناسب رغباتك."في الواقع، لم أفهم مطلقاً ما الذي كان يرمي إليه شاهين بكلماته الفلسفية المعقدة تلك، فقلت مدافعاً عما أعرفه عن نفسي:"أنا لم أطمع يوماً في شيء ليس من حقي."ابتسم لي شاهين بابتسامة تفيض بالأسى على حالي وعلى غبائي في آنٍ واحد؛ لأنه أدرك فوراً أنني أجهل ما يعنيه، وقال موضحاً بلهجة الأستاذ المصحح:"الطمع المحمود والمنطقي يا عمر يكون في السعي نحو وظيفة أفضل.. نقود أكثر.. إنما البحث عن إنسان أفضل فهذا هو الغباء والدحض بعينه؛ فلن تجد الإنسان الأفضل على الإطلاق أبداً. أنت كنت مجرد شاب منبوذ في محيطك، وفجأة أعجبت بك أميرة متمردة مثل حنان.. في تلك اللحظة ارتفع سقف طموحك بشكل مرضي لأنك لم تعد تشعر بالنبذ والعقد كما السابق، ولذلك اتجهت فوراً إلى المقامرة."قاطعته بحنق:"أنا لم أقامر يوماً في حياتي!"بدا عليه الضيق الشديد من قلة حيلتي، وقال متأففاً بسأ
الفصل الثاني عشر شاهين عز الدينالمدهش في هذه الحالة الجديدة التي تملكتني منذ أن دخلت حنان حياتي، أنني لم أجد نفسي يوماً أفرض وجودي على امرأة في هذا العالم إلا هي؛ لا أنتظر إجابات تقرر مصيري إلا منها، ولأول مرة في حياتي، شعرتُ بنشوة الرضا عندما رأيت أكتافها ترتفع في استسلام كسيح لعرضي الأخير. وهك
الفصل الحادي عشر شاهيز عز الدينكانت حنان لا تزال محافظة على مظهرها المتمرد الحاد، وهو ما أثار في داخلي حماسة أكبر هذه المرة. حماسة كنتُ أعلم أنها ستلهب وسائل الإعلام والباباراتزي قريباً، عندما يتم تصوير الإعلامي الشهير "شاهين عز الدين" مع فتاة جديدة، مختلفة الخصال والصفات عن كل النساء اللواتي واع
الفصل العاشرشاهين عز الدينكنتُ غارقاً في بحر من المشكلات القانونية والإعلامية منذ وفاة زوجتي وأمها، وعلى الرغم من تلك الهموم الجسام التي جثمت على كاهلي لتثقله، كانت حنان هي همي الأكبر... والوحيد.وهج عينيها الصغيرتين، ذلك الألق الغريب والمتمرد فيهما، كان كافياً لإذابة ما تجمد في أوصالي إثر بغض مع
الفصل التاسع الحكاية الثانية، على لسان شاهين عز الدين؛ الزوج.حاجتي كانت واضحة، قولاً واحداً ما بعده قول: أنا بحاجة إلى زوجة. زوجة بمواصفات خاصة بعض الشيء، مواصفات لا دخل لذوقي الشخصي بها بالمناسبة؛ بمعنى أدق، لم تكن من انتقائي الحر، بل كنتُ فيها كالمُكْرَهِ لا البطل.أنا، في الأصل، أستنكر بشدة م







