تسجيل الدخول
كان الصباح هادئًا على نحوٍ نادر، والشمس تتسلل بخجل من بين ستائر غرفة ألما الواسعة، فتنعكس أشعتها الذهبية على الأرضية الرخامية وعلى المرآة الكبيرة التي وقفت أمامها وهي ترتب خصلات شعرها الأسود الطويل، بينما كانت عيناها السوداوان الواسعتان تتأملان انعكاسها للحظات قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة دون أن تعرف لماذا شعرت بالسعادة منذ أن فتحت عينيها. ربما لأنها كانت تعرف أن قيس سيأتي إليها اليوم، وربما لأن وجوده في حياتها أصبح جزءًا من تفاصيلها اليومية التي لم تعد تتخيل أيامها من دونها.
ارتدت ألما فستانًا أنيقًا بلون بيبي بلو هادئ، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها، ثم التقطت هاتفها من فوق الطاولة لتجد رسالة منه وصلت قبل دقائق. قيس: "كوني جاهزة... سأصل إليك خلال نصف ساعة." ابتسمت ألما وهي تقرأ الرسالة مرة أخرى، ثم كتبت له: "وأين سنذهب هذه المرة؟" لم تمر سوى ثوانٍ حتى ظهر ردّه. قيس: "اتركي الأمر لي." ضحكت بهدوء وهي تهز رأسها، فقد كان قيس يحب المفاجآت، وكان يعرف تمامًا كيف يجعل أبسط يوم معها يبدو مختلفًا. في الجهة الأخرى من المدينة، كان قيس يقف أمام المرآة في جناحه الخاص داخل فيلته الفاخرة، يرتب أزرار قميصه الأسود تحت سترته الأنيقة، ثم وضع ساعته في معصمه والتقط مفاتيح سيارته المرسيدس. كان رجلًا يعرف كيف يفرض حضوره دون أن يتحدث كثيرًا؛ طويل القامة، أنيقًا، واثقًا من نفسه، وملامحه تحمل تلك الهيبة التي جعلت الجميع في شركته يحسبون خطواتهم أمامه. كانت حياته مختلفة عن حياة معظم من حوله؛ شركة كبيرة تحمل اسم عائلته، منزل ضخم تحيط به حديقة واسعة، سيارات فاخرة، اجتماعات لا تنتهي، ومواعيد تملأ أيامه، لكنه كان يرى أن كل تلك الأشياء تصبح بلا قيمة عندما يكون بعيدًا عن ألما. قبل أن يغادر، نظر إلى هاتفه فظهرت أمامه صورة تجمعه بها. كانت ألما تضحك في الصورة بينما كان ينظر إليها وكأنه لم يكن يرى شيئًا آخر في العالم. ابتسم دون أن يشعر. ثم قال لنفسه بصوت منخفض: "ألما..." كان اسمها وحده كافيًا ليغيّر ملامحه. بعد قليل توقفت سيارته أمام منزل عائلتها، وما إن ترجل منها حتى رفعت ألما عينيها نحوه من خلف النافذة، فابتسمت تلقائيًا. لم تكن بحاجة إلى سبب لتفرح برؤيته؛ كان قيس بالنسبة إليها أكثر من مجرد حبيب، كان الشخص الذي اعتادت أن تخبره بكل شيء، أول من تلجأ إليه عندما تحزن، وأول من تبحث عنه عندما تكون سعيدة. خرجت إليه، وما إن اقتربت حتى فتح لها باب السيارة بنفسه. قال وهو ينظر إليها بإعجاب واضح: "كنت أعرف أنك ستكونين جميلة، لكنك اليوم..." توقّف لحظة وكأنه يبحث عن كلمة مناسبة. ابتسمت ألما وقالت بخجل: "لكنني ماذا؟" اقترب منها قليلًا وقال: "أجمل من أن أجد كلمة تصفك." ضحكت وهي تخفض عينيها. "أنت دائمًا تبالغ." قيس : "وأنتِ دائمًا لا تصدقينني." ثم مد يده إليها، فأمسكتها وجلست إلى جانبه. انطلقت السيارة بهما بعيدًا عن المنزل، بينما كانت ألما تنظر من النافذة إلى الشوارع التي تمر من حولهما، وقيس بين الحين والآخر يلتفت إليها دون أن يستطيع منع نفسه. لاحظت نظراته فقالت: "لماذا تنظر إليّ هكذا؟" قيس : "لأنني أحب النظر إليك." ألما : "قيس..." "ماذا؟" "قد أعتاد على كلامك." ابتسم. "هذا ما أريده." التفتت إليه، فوجدته يبتسم لها بتلك الطريقة التي لطالما جعلت قلبها يخفق بسرعة. كان حبهما قد بدأ منذ سنوات، وكبر معهما بهدوء حتى أصبح شيئًا يشبه اليقين. لم يكن أحد منهما يتخيل أن يأتي يوم يتساءل فيه عن الآخر، أو أن تدخل بينهما مسافة لا يستطيعان عبورها. بالنسبة إلى ألما، كان قيس هو الرجل الذي اختارته من بين الجميع. وبالنسبة إلى قيس، كانت ألما المرأة التي اعتقد أنه سيبقى يحبها مهما تغيرت الحياة من حوله. لكن الحياة لا تحافظ دائمًا على الوعود التي يقطعها الناس في أجمل أيامهم. في ذلك اليوم لم تكن ألما تعرف شيئًا عن المستقبل. كانت فقط تجلس إلى جانب الرجل الذي أحبته، تبتسم لكلماته، وتستمع إلى صوته، وتصدق أن السعادة التي تعيشها الآن ستبقى كما هي. أما قيس، فكان يقود سيارته وهو يظن أن حياته مكتملة. شركة ناجحة. عائلة ثرية. منزل فاخر. مستقبل مضمون. والمرأة التي يحبها إلى جانبه. لم يكن يعلم أن بعض القصص تبدأ بأجمل لحظاتها... قبل أن تبدأ في الانهيار. ولم تكن ألما تعرف أن هذا الاسم، الذي لم يعني لها شيئًا في ذلك اليوم، سيصبح بعد وقت قصير جزءًا من أكثر فصول حياتها ألمًا. أما الآن... فقد كانت ألما تضحك بجانب قيس، وهو يمد يده إليها للحظة فوق مقعد السيارة، فتتشابك أصابعهما. قال لها بصوت هادئ: "أريد أن يبقى كل شيء بيننا هكذا." نظرت إليه وقالت: "إلى الأبد؟" ضغط على يدها برفق، ثم أجاب دون تردد: "إلى الأبد." ابتسمت ألما. وصدقت وعده.لم تستطع ألما أن تنام بسهولة في تلك الليلة، فبعد أن عادت إلى غرفتها وأغلقت بابها، بقيت واقفة أمام المرآة للحظات طويلة، تنظر إلى انعكاسها وكأنها تحاول أن تفهم سبب ذلك الشعور الغريب الذي استقر في صدرها منذ الحفلة. لم يحدث شيء واضح يمكنها أن تلوم قيس عليه، لم يقل لها كلمة جارحة، ولم يتصرف معها بقسوة، بل على العكس، كان قد أمسك يدها وقبّل جبينها وقال إنه يحبها، ومع ذلك كانت هناك تفاصيل صغيرة لا تستطيع إخراجها من رأسها؛ ابتسامته لميار، الطريقة التي كان يصغي بها إليها، وتلك النظرة العابرة التي لم تكن ألما معتادة عليها.جلست على حافة سريرها وأخذت هاتفها، فتحت محادثتها مع قيس، ثم توقفت عند صورته، قبل أن تكتب له: "هل وصلت إلى المنزل؟" وبعد ثوانٍ ظهر أنها قرأ الرسالة، لكنها لم تحصل على رد فورًا، فوضعت الهاتف جانبًا وحاولت أن تتجاهل الأمر، إلا أن الشاشة أضاءت بعد دقائق.قيس: "نعم، وصلت. وأنتِ؟"ابتسمت ألما قليلًا.ألما: "وصلت أيضًا."ثم أضافت بعد تردد: "كانت الحفلة جميلة."جاء رده: "كانت كذلك."حدقت في الجملة القصيرة، ثم كتبت: "هل أنت متعب؟"اجابها "قليلًا."أرادت أن تسأله عن ميار، لكنها تراجعت
مرّت عدة أيام بعد ذلك المساء، وكانت ألما تحاول أن تتعامل مع التغير الذي بدأ يظهر في قيس وكأنه شيء عابر لا يستحق القلق، لكنها في كل مرة كانت تراه فيها تشعر أن هناك مسافة صغيرة نشأت بينهما دون أن تعرف متى بدأت بالضبط. لم يتوقف عن الاتصال بها تمامًا، ولم يتوقف عن قول إنه يحبها، لكنه لم يعد الرجل الذي كان يبحث عن أي فرصة ليكون معها، وأصبح من السهل عليه أن يؤجل لقاءً بينهما أو ينهي مكالمة بحجة اجتماع جديد.وفي صباح يوم الجمعة، كانت ألما تجلس أمام المرآة في غرفتها، ترتب شعرها الأسود بينما كانت ندى وريان تجلسان خلفها وتتحدثان عن الحفلة التي ستقام في المساء. كانت ألما ترتدي فستانًا أنيقًا بلون بني داكن، وتضع أقراطًا بسيطة تلمع مع كل حركة، بينما كانت ريان تراقبها من خلال المرآة.قالت ندى بحماس: "هذه المرة لن أسمح لكِ بالجلوس طوال الحفلة إلى جانب قيس، أريدك أن تقضي الوقت معنا."ابتسمت ألما وقالت: "إذا جاء قيس أصلًا."ساد صمت قصير.نظرت ريان إليها من خلال المرآة."ماذا تقصدين؟"خفضت ألما عينيها وهي تعدل أحد أقراطها."لا شيء... أخبرني أمس أنه قد يتأخر."قالت ريان: "وقد يتأخر فقط؟"تنهدت ألما ثم ا
في الأيام التالية، عادت حياة قيس إلى روتينها المعتاد؛ اجتماعات طويلة داخل الشركة، مكالمات لا تنتهي، ملفات تنتظر توقيعه، ومواعيد متتالية تملأ ساعات يومه، بينما كانت ألما تحاول أن تحافظ على المساحة الجميلة التي اعتادت أن تجمعهما بعيدًا عن ضغوط العمل. كانت تراه كلما استطاعت، وأحيانًا تكتفي بمكالمة قصيرة في منتصف النهار، لكن شيئًا بسيطًا بدأ يتغير دون أن يكون واضحًا بما يكفي ليجعلها تشعر بالخوف.لم يعد قيس يرسل لها رسائله الكثيرة كما كان يفعل، وأصبح أحيانًا يتأخر في الرد، ثم يعود معتذرًا بحجة انشغاله. لم تكن ألما غاضبة، فهي تعرف طبيعة عمله، وكانت دائمًا تقول لنفسها إن نجاحه يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، لكنها بدأت تلاحظ أنه عندما يكون معها أصبح هاتفه أقرب إليه من أي وقتٍ مضى.في صباح أحد الأيام، كانت ألما تستعد للخروج برفقة ندى وريان، عندما وصلتها رسالة من قيس."لدي اجتماع طويل اليوم، قد لا أستطيع رؤيتك."توقفت أمام المرآة، وقرأت الرسالة أكثر من مرة.لم تكن الكلمات مؤلمة، لكنها كانت مختلفة عن قيس الذي اعتادت أن تعرفه.كتبت: "حسنًا، أتمنى أن يكون يومك هادئًا."انتظرت رده.لم يصل شيء.و
كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحًا عندما دخل قيس إلى قاعة الاجتماعات، ووضع الملف الذي يحمله أمامه قبل أن يجلس في رأس الطاولة. كان الاجتماع متعلقًا بأحد المشاريع الجديدة التي تسعى الشركة إلى تنفيذها، ولهذا كان يتوقع أن يكون طويلًا ومملًا كغيره من اجتماعات العمل، لكنه عندما دخلت ميار القاعة تغير شيء بسيط في انتباهه دون أن يعرف السبب. جلست ميار في الجهة المقابلة له، وبدأت تتحدث عن تفاصيل المشروع بثقة وهدوء، وكانت تعرف جيدًا ما تقوله، تجيب عن الأسئلة دون تردد وتعرض أفكارها بطريقة جعلت قيس يصغي إليها باهتمام أكبر مما اعتاد أن يصغي إلى الغرباء في الاجتماعات الأولى. قال قيس بعد أن انتهت من حديثها: "فكرتك جيدة، لكن تنفيذها سيحتاج إلى وقت أطول." أجابته بهدوء: "أعرف، ولهذا أعددت خطة بديلة." فتحت الملف أمامها وبدأت تشرح له التفاصيل. بقي قيس صامتًا وهو يتابع حديثها، ثم قال: "يبدو أنك درستِ المشروع جيدًا." ابتسمت ميار: " لا أحب أن أدخل اجتماعًا دون أن أكون مستعدة." ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه قيس. "هذا جيد." لم يكن في الأمر شيء يتجاوز العمل، ولم يكن قيس يرى ميار أكثر من امرأة ذكية وجديدة ف
في صباح اليوم التالي، استيقظت ألما على صوت هاتفها الذي اهتز فوق الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، فمدت يدها بتكاسل والتقطته، لتجد رسالة من قيس وصلت قبل دقائق، وكأن الرجل لم يستطع أن يبدأ يومه دون أن يطمئن عليها. ابتسمت وهي تقرأ كلماته، ثم جلست على حافة السرير تنظر من نافذتها الواسعة إلى الحديقة الهادئة أمام المنزل، حيث كانت قطرات الندى لا تزال عالقة فوق أوراق الأشجار. كانت الرسالة قصيرة: "صباح الخير يا ألما، لا تنسي أنني سأراك قبل أن أذهب إلى الشركة." كتبت له: "صباح الخير، سأنتظرك." ثم نهضت واتجهت إلى الحمام لتغتسل وبعد أن خرجت اتجهت إلى خزانة ملابسها، واختارت إطلالة أنيقة وبسيطة؛ فستانًا بيج بلون هادئ ينسجم مع بشرتها، وتركت شعرها الأسود الطويل منسدلًا على ظهرها، قبل أن تضع عطرًا خفيفًا اعتاد قيس أن يمدحه كلما شعر برائحته. لم تكن تعرف لماذا اهتمت بمظهرها إلى هذا الحد في صباح عادي، لكنها كانت تفعل ذلك دائمًا عندما تعلم أنها ستراه. بعد أقل من ساعة، ظهرت سيارة قيس أمام منزلها، فتوجهت ألما إلى الخارج، وما إن رأته حتى ابتسمت دون تفكير. كان يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وقميصًا أبيض وساعة فاخرة،
كان قيس قد قرر أن يقضي ذلك اليوم بعيدًا عن أجواء العمل والاجتماعات التي لا تنتهي، ولذلك قاد ألما إلى أحد أكثر الأماكن التي يحبها في المدينة؛ منتجعًا فاخرًا يقع على أطرافها، تحيط به الأشجار العالية وتطل شرفته الواسعة على البحر. كان المكان هادئًا وأنيقًا، وتنتشر فيه المطاعم الراقية والمقاهي ذات الجلسات المفتوحة، بينما كانت الموسيقى الهادئة تصل إلى مسامع الزائرين من بعيد.عندما توقفت سيارة قيس أمام المدخل، نزل أولًا ثم اتجه نحو ألما وفتح لها الباب، فمدت يدها إليه ونزلت وهي تنظر حولها بإعجاب.قالت وهي تبتسم: "قيس، المكان جميل جدًا."نظر إليها للحظة قبل أن ينظر إلى المكان. "أعرف."رفعت حاجبها باستغراب. "أنت لم تنظر إليه حتى."ضحك بهدوء وقال: "لأنني كنت أنظر إليك."هزت ألما رأسها وهي تبتسم. "أنت مستحيل.""وأنتِ تحبين ذلك."لم تجبه، واكتفت بأن أمسكت بذراعه وسارت معه نحو الداخل.كان قيس يعرف الأماكن التي تحبها ألما، والأطعمة التي تفضلها، وحتى التفاصيل الصغيرة التي كانت تنساها أحيانًا عن نفسها. كان هذا أحد الأشياء التي جعلتها تشعر أن علاقتهما مختلفة؛ فهو لم يكن يسمع كلماتها فقط، بل كان يتذكرها







