LOGINردت عليه عبير مستخدمة ذات أسلوبه المتواضع ولطافة كلماته التي تبعث على الارتياح:
— "قطعتي سكر، من فضلك." حدثت نفسها وهي ترقبه: "كم تبدو محبوباً ومصدراً للطمأنينة.. يرتاح قلبي لابتسامتك وكلماتك ، ربما أنت الوحيد في هذا المكان الذي أرى في عينيه الأمان." اتخذا مجلسهما في ركن دائري بوسط الدار، تتوسطه طاولة خشبية صغيرة مطلية باللون الأسود، تحيط بها أرائك دائرية محشوة بالقطن ومغلفة بثوب حريري وردي شاحب. لفت نظر عبير بساطة الأثاث التي تعكس حياة الجيوش المتقشفة؛ حياة عادية جداً وتخلو من البهرجة. رفع علي كأسه بلباقة، وجالت نظراته نحوها بابتسامة باهتة قبل أن يكسر الصمت قائلاً: — "تبدين هادئة ورصينة.. على عكس مزاجك المتقلب وعنادك سابقا." أجابته عبير بنبرة مماثلة: — "وأنت تبدو قليل الكلام وتتحرك برزانه.. على عكس طبيعة عملك وقوتك العسكرية." ضحك علي بقهقهة شابها نوع من الخجل، وقال: — "لا تبالغي في تقديري.. أنا مجرد مرافق عسكري.. للقائد رددت عبير الكلمتين الأخيرتين وهي تتمعن في معناهما بعمق، ثم سألت بفضول لم تستطع كبحه: — "القائد الشيطان.. حتى أنا لقبته بالشيطان دون أن أعلم أن هذا هو لقبه الحقيقي.. ولكن، ما هو اسمه الأصلي؟" تلاشت الابتسامة عن وجه علي فجأة، وأجاب بصرامة: — "لا أحد يتجرأ على التلفظ باسمه الحقيقي هنا.. الجميع يناديه بـ 'القائد' فحسب." أصرت عبير قائلة: — "لم تجبني على سؤالي.. ما اسمه؟" تجرع علي رشفة من كأسه ثم نطق بنبرة تحذيرية: — "دعيني أقدم لكِ نصيحة كاعتذار للمرة الألف على الموقف الذي وضعتكِ فيه: ما دمتِ هنا، فكلما حافظتِ على هدوئكِ، حافظتِ على حياتكِ." فكرت عبير في سرها وهي تحلل شخصية علي: "لقد أصيب رئيسه وسط هجوم ناري، وخرج هو في جوف الليل ليجد من يسعفه دون أن يكترث للعواقب، وكان من الممكن أن يلقى حتفه قبل العودة.. والآن، حتى اسمه يخشى النطق به دون إذن. لا بد وأنه رجل وفيّ للقائد حتى آخر رمق." دار بينهما حديث طويل تعرفا فيه على بعضهما، محاولين تعويض ما فاتهما بسبب ظروف لقائهما القاسية. وفي النهاية، نبهها علي من ارتكاب أي خطأ قد يكشف وجودها، ثم انصرف لأداء مهامه، مخلفاً إياها وحيدة مع أفكارها في منزل القائد. تسلل الملل إلى روحها وغلبها الكسل، فنهضت لترتب الطاولة وغسلت أكواب القهوة ونظمت ما تبعثر، محاولة ألا تغير معالم المكان كثيراً. نظرت إلى هيئتها في المرآة؛ رائحة العرق تنبعث منها وشعرها مبعثر بشكل فوضوي، فهي لم تنعم بحمام دافئ منذ ليلة أمس. قررت أن تنسى همومها قليلاً وتأخذ حماماً ساخناً يريح جسدها المنهك قبل عودة القائد. وهنا كانت الصدمة الكبرى؛ كان الحمام رجولياً بامتياز، من بابه إلى جدرانه. لا وجود لصابون أنثوي، ولا شامبو برائحة الزهور، ولا مرطبات جسم أو عطور بناتية. استهزأت بظنونها وهي تحدث نفسها بتهكم: — "بالتأكيد لا تدخل النساء إلى هذا البيت.. ماذا كنت أتوقع أن أجد في حمام 'شيطان' مثله؟ من المؤكد أنه عازب مقيت، فلا توجد امرأة عاقلة قد ترضى بالارتباط بوحش في هيئة إنسان." بسبب البرد القارس الذي ينهش العظام، نزعت ثيابها بسرعة واستسلمت لدفء المياه، مستعينة بما وجدته متاحاً أمامها؛ ففركت جسدها بصابونه، وغسلت شعرها بشامبوه، وعطرت بشرتها بعبير عطره الخاص، ثم سترت جسدها برداء حمامه الحريري الأسود. ومع خروجها من الحمام، تجمدت الدماء في عروقها واتسعت حدقتاها ذهولاً؛ فقد وجدته قابعاً على كرسي أمامها، مربعاً ذراعيه، واضعاً رطلاً فوق الآخر، وملامحه الخبيثة لا تبشر بخير أبداً. فجأة، انتفض واقفاً في مكانه، ورفع سبابته في وجهها مصدراً أمراً صارماً لا رجعة فيه: — "اخلعيه.. فوراً!" ردت عبير بذهول وعدم استيعاب، وهي تتلعثم في حروفها: — "هاه؟.. مـ.. ماذا؟!" لمح القائد ساقيها البيضاء الناعمتين تحت الرداء، وانكشاف عنقها وجزء من صدرها، مع خصلات شعرها المبتلة المنسدلة على كتفيها، فاستدرك فجأة أنه يقف أمام امرأة في كامل أنوثتها. استدار بسرعة معطياً إياها ظهره، لكنه حافظ على نبرة الغضب والصرامة في صوته: — "قلت لكِ اخلعيه.. أسرعي ولا تضيعي الوقت!" حينها فقط أدركت أنه يطالبها بنزع ردائه الحريري الأسود. لمعت في عينيها نظرة مكرة، وارتسمت على ثغرها ابتسامة شبه شريرة، وقررت أن تستفز كبرياءه كرجل وتطعن في أخلاقه العسكرية: — "هكذا إذن.. في البداية كنتُ أحمل عنك فكرة الشيطان البارد، الصارم، القاسي والغامض.. ذو القلب المتحجر عديم الشفقة والرحمة والغفران. القاتل، الوحش، وكل صفات القذارة.. لكنك طلعت منحرفاً جاهلا، عديم الخجل والحياء! كيف تطيق التعايش مع ضميرك؟ وكيف تجرؤ على مطالبتي بنزع قطعة الثوب التي تستر جسدي العاري أمامك دون أن يطرف لك جفن؟" شددت قبضة يدها على الرداء وهي تتنهد بصوت مكسور، متصنعة الخذلان، بينما كانت في الحقيقة تنتقم لكرامتها وتحاول استنفاد صبره رداً على ما بدر منه صباحاً: — "أعتذر منك.. لكنك سقطت من عيني تماماً، يا سعادة القائد." ضاق ذرعاً بثرثرتها، وزفر بغيض من جملتها "سقطت من عيني". كز على قبضة يده بقوة حتى سُمع طقطقة أصابعه في أرجاء الغرفة، فقفزت عبير من مكانها مدركة أنها حركت أعصابه وأيقظت وحشه الكامن. شعرت بمتعة خفية وهي تراه يفقد هدوءه، لكنه سرعان ما استعاد زمام المبادرة ورد عليها بقصف صاعق: — "من كثرة ما مستواكِ متدنٍ.. لم أشعر حتى بسقطتكِ تلك." كان رداً قاتلاً أطاح بزهوها فوق السحاب؛ فقد ظنت أنها تستطيع إثارة غيرته أو ارتباكه، فإذا بها تتلقى طعنة في قلبها الهش ببروده المعهود. استطرد القائد بنبرة أكثر حدة: — "أنا أمقت أن يلمس أحد ممتلكاتي.. وأكره أن يُعتبر أمري مجرد طلب. اخلعي ذلك الرداء برضاكِ.. وإلا خلعته بيدي." أصبح الموقف أكثر جدية مما تخيلت. خلال دقائق معدودة، بدأت تحفظ نبرات صوته وتدرس معاني كلماته؛ فعاد الرعب ليتملكها مجدداً، وكتمت صوتها داخلها، وشددت إغلاق الرداء بيديها وهي تحاول لملمة كرامتها وجمع شتات نفسها للمواجهة من جديد.. فالمهم في قاموسها الآن هو "النضال" من أجل النجاة.وضعت عبير يدها على بطنها وخفضت عينيها، كأنما تُصبر نفسها وجنينها... أجالت نظرها فيما حولها تُودّع المنطقة وسكّانها الذين أخذوا يرمقونها ويتساءلون فيما بينهم: "إلى أين تتوجه الدكتورة عبير؟"رفعت عينيها نحو بيت «القائد الشيطان» لآخر مرة، ثم استدارت وصعدت إلى السيارة بعد أن استقلّها ياسر وإلى جانبه رباب. كانت رغد تطلّ عليهم من نافذة الغرفة التي يرقد فيها عهد... حرّكوا السيارة فاحتكت إطاراتها بالأرض مُثيرةً خلفها غبارًا كثيفًا، بينما وقف الجنود يحيّونهم بحرارة... راقبتهم رغد حتى تواروا عن الأنظار، ثم تنهدت وابتسمت نصف ابتسامة، وعيناها تتابعان منظر الجنود الذين شيّعوا الراحلين بأبصارهم.رغد: «نسيتُ أنّها -ورغم كونها طبيبة- لا تستطيع علاج قلبها...!»التفتت بنظرها نحو عهد الذي كان ما يزال فاقدًا لوعيه، وحرّكت رأسها حسرةً وهي تقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله».طوال الطريق، كان ينظر إليها عبر مرآة سيارة الـ «جيپ»، وكلما التقت أعينهما، شاحت ببصرها بعيدًا كي لا تمنحه فرصة لسؤالها أو الاستفسار عن سبب قرار مغادرتها... ضمّ شفتيه وعاد ينظر أمامه، بينما كانت رباب تفرك أصابعها بتوتر. مرت ساعات طوي
خرجت وهي مطأطئة الرأس، وما تزال دموعها تشقّ طريقها بصمت فوق خديها.رفعت عينيها الحزينتين نحو رغد، وظلت تتأملها لعدة دقائق بعينين منكسرَتين، وكأنها تنتظر منها أن تفهمها، وأن تتوقف عن إدارة ظهرها لها... كانت نظراتها تحمل رجاءً صامتًا، وكأنها تقول لها دون كلمات: لا تتركيني وحدي في هذا الرحيل.وفي النهاية، لم تستطع رغد الصمود أكثر.اندفعت نحوها وألقت بنفسها بين ذراعيها، تعانقها بقوة.تعالت أصوات شهقاتهما، وكل واحدة منهما تعبّر عن حبها للأخرى بطريقتها الخاصة.عبير لم تكن قادرة على الابتعاد عنها، ورغد كانت أكثر عجزًا منها عن تركها.أما ياسر، فظل واقفًا بعيدًا، واضعًا يديه في جيبيْه، لا يزال عاجزًا عن استيعاب القرار المفاجئ الذي اتخذته عبير.كيف قررت الرحيل بهذه السرعة؟ وكيف لرغد أن تساندها بدل أن تحاول إقناعها بالبقاء؟!ورباب أيضًا؟!لم يكن لديه أدنى شك في أن هناك أمرًا آخر خلف هذا القرار.كان متأكدًا أن شيئًا ما يقف وراء رغبتها في مغادرة المنطقة والعودة إلى مدينتها؛ فهو يعرفها جيدًا، ويعرف أنها تحب القائد، وأنه ليس من السهل عليها أن تتخلى عنه وتقرر الابتعاد عنه بهذه السهولة.فالدكتورة عبير
بدأت عبير تجمع حاجياتها، بينما ظلت رباب تتبعها من زاوية إلى أخرى، تسألها بقلق عمّا حدث.كان ياسر واقفًا عند باب البيت، شارد الذهن، لا يفهم شيئًا مما يجري، ولا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. أما رغد، فكانت تقف بعيدًا عنهما، عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تراقب ما يحدث بصمت، دون أن تنطق بكلمة واحدة.جمعت عبير كل ما جاءها من عهد، وكأنها تجمع بقايا عمرها معه، ثم أغلقت حقيبتها.غمزت رباب لياسر، ففهم إشارتها، وأغلق باب البيت، ثم عادت إليها، وأمسكت بيدها لتوقفها. أدارتها نحوها حتى أصبحتا متقابلتين، وأخذت تحدّق في وجهها بقلق.رباب: ما الذي يحدث؟ إلى أين أنتِ ذاهبة؟عبير [وهي تبكي]: أريد أن أرحل، يا أختي.لم تحتمل رباب رؤيتها بتلك الحالة، فعانقتها إليها، وما إن ارتمت عبير بين ذراعيها حتى أطلقت العنان لدموعها. شدّت عليها بقوة، ودفنت رأسها في عنقها وهي تبكي وتشهق، بينما راحت رباب تربّت على ظهرها بحنان.رباب: ماذا حدث، يا حبيبتي؟ ما بكِ؟وبسرعة، بدأت عبير تخبرها بكل ما حدث، وكانت رباب في كل مرة تسمع فيها كلمة جديدة من عبير، تشعر بصدمة أشد من التي سبقتها.أوجعها حالها، وأحزنها ما تمرّ به، حتى وجدت نفسها
كانت تضمّ رغد إليها بقوة، وتتشبث بها وكأنها تخشى أن تفلت من بين يديها، بينما راحت تتحدث بهستيريا، ونبرتها مثقلة بالاختناق، مغلوبة على أمرها... كان في صوتها شيء موجع، شيء يشبه صرخةً حُبست طويلًا في أعماق صدرها.ومن بين كلماتها، كان بالإمكان الشعور بتلك الغصّة العالقة في قلبها، وبالنيران المستعرة في صدرها. كان القهر قد بلغ بها حدًّا لم تعد معه قادرة على وصف ما يعتمل داخلها، إلا أن ملامحها المنهارة، ونظراتها المكسورة، ودموعها التي لم تتوقف، كانت جميعها تروي عن ذلك الوجع أكثر مما تستطيع الكلمات أن تفعل.عبير: الآن أنا حامل... أي إن لديّ طفلًا منه. لا أعرف كيف سأخبره، ولا كيف سأبتعد عنه... الأمر صعب عليّ، والله، ليس سهلًا أبدًا... لكنني سأقسو على قلبي، وسأضع فوقه جمرة، وأتحمّل مرارة فراقه... المهم أن يكون هو بخير.لا أستطيع أن أتحمّل أن أراه يعاني بسببي، ثم أبقى صامتة أتفرج عليه... وهذا الجنين الذي بيننا، ساتخلى عنه.أبعدتها رغد عنها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة، وكأن الكلمات التي سمعتها للتو لم تدخل عقلها بعد.رفعت يدها، وفي لحظة غضب امتزجت فيها الصدمة بالخوف، هوت صفعة حارّة على وجه عبير، فا
لم تدرِ كيف ولا متى وجدت نفسها عند تلك البحيرة التي اعتاد عهد وعلي الجلوس بجانبها.. كانت شاردة تتبع خطواتها الوهنة، حتى وجدت نفسها تجلس على صخرة قريبة، منكمشة على ذاتها، وعيناها تتأملان صفاء الماء المنساب من أعلى الصخر.سرحت في أفكارها تفكر وتتأمل، حاسة أن خاطرها عاش في دقيقة واحدة عمراً كاملاً. كلمات ليلى لمست روحها، ليس لأنها ضعيفة وتتأثر بأي حديث، بل لأنها شعرت بصواب كلامها؛ فمنذ أن وطأت قدمها هذه المنطقة، والمشاكل تلاحق عهد دون توقف.كان عليه أن يتزوج بها رغماً عنه ليحميها من السلطات العليا.. وكان عليه أن يحميها من أحقاد عمر ومن غيرات ليلى.. وكان عليه أن يصونها من ذلك الوحش الذي سلبها والديها.ربما كان هذا هو الحل الوحيد الذي تستطيع من خلاله حمايته هي الأخرى، فبُعدها عنه هو أقل مساعدة يمكن أن تقدمها له، ولعلها بذلك تجازيه على كل ما قدمه من خير لأجلها.شعرت بيد تُوضع على كتفها، فأفاقت من غفلة أفكارها فزعة، وتلفتت إلى الخلف بسرعة، لكنها اطمأنت حين وجدت رغد تقف وراءها.ابتسمت لها رغد وقالت بنبرة خافتة: "أخيراً وجدتكِ.. قضيت وقتاً وأنا أبحث عنكِ!"عادت عبير لتنظر أمامها، وأجابت
كانت تطل إلى الخارج فيظهر لها ذلك الكم الهائل من الجنود المصطفين، فتملكها الخوف الشديد وخشيت أن تمر من أمامهم، وهي التي كانت السبب في إيصالهم إلى هذه الحالة... لقد سمعت أن المارشال أجل أمر البحث عن الخائن الذي وشى بهم حتى يفتح القائد عهد عينيه ويتولى الأمر بنفسه... حالياً هي تشعر بالندم الشديد.... مخلوعة وخائفة على عهد وتريد الذهاب لرؤية كيف أصبح حاله، لكنها لا تملك الوجه الذي تقابله به.وفي تلك اللحظة، لمحت المارشال يدخل إلى منزل ابنه ورغد بجانبه يسرعان خطواتهما، وبعض الجنود يرافقونهم... تراجعت واختبأت وراء جدار أحد المنازل وجلست تفكر في طريقة تمكنها من رؤيته دون أن يراها أحد، لكنها لم تجد أي فكرة، وفي النهاية استسلمت وقررت العودة من حيث جاءت. ولكن قبل أن تتحرك، وقفت عبير أمامها فجأة.بمجرد أن رفعت رأسها، شعرت بصفعة قوية أمالت وجهها حتى ارتجت أسنانها في فمها واصطكت فكاها بقوة.وضعت يدها على وجهها تحاول استيعاب سبب صفعها، بينما جذبتها عبير نحوها من شعرها وضغطت عليه، وهي تصوب نظراتها الحادة في عينيها.عبير: بأي وجه تأتين إلى هنا، هممم؟ليلى: آي، اتركي شعري... هل جننتِ؟!عبير: لق
بدأ روعها يهدأ شيئاً فشيئاً، وعادت دقات قلبها لتنتظم في صدرها، وهي تهز رأسها بالإيجاب إشارةً إلى أنها استوعبت كلماته الصارمة، ولم يعد لديها ما تضيفه أو تستفسر عنه. أدركت أن القائد لا يطيق الفضول أو لغو الحديث، ويميل إلى العقول الواعية والنفوس المطيعة؛ لذا اكتفت بالصمت، وراقبته وهو يستدير بجسده نحو
— "هل تظنين أن الأمر بهذه البساطة التي تصورينها؟"قاطعته قبل أن يتم جملته، وقد بلغت القلوب الحناجر:— "قلتَ إنكم لا تقابلون الإحسان بالإساءة.. إذن اصنع فيّ معروفاً وقدمني للسلطات العليا؛ لم أعد أطيق البقاء هنا ثانية واحدة!"زفر الشاب بضيق من شدة عنادها وصلابة رأسها، وقرر أن يخاطبها باللغة التي ت
"أين أنا؟ ومن ذاك الشاب الذي طاوعته وجئت معه بمحض إرادتي؟ ومن يكون هذا المصاب بطلق ناري؟.. ومن أطلق عليه الرصاص؟ هل ساعدتُ في إبقاء مجرمٍ مطلوب للعدالة على قيد الحياة، أم أنني أنقذت درعاً من دروع الوطن؟ ما حقيقتهما؟ ومن يكونان حقاً؟"تساؤلات جارفة تقاذفتها كأمواج هائجة، وأفكار تشابكت في شبكة تحلي
— "أناء دافئ.. وخيط وإبرة، أرجوك!"تلفظت بهذه الكلمات المبعثرة بينما كانت الرجفة تسري في جسدها من أخمص قدميها حتى منبت شعرها. كان صرير أسنانها من فرط الخوف مسموعاً كالنقر الرتيب، ودقات قلبها لا تزال تقرع في صدرها كالأجراس الثائرة. شعرت بتنميل يجتاح أطرافها، والوقت أضحى ثقيلاً كأن عقارب الساعة قد







