LOGINبدأ روعها يهدأ شيئاً فشيئاً، وعادت دقات قلبها لتنتظم في صدرها، وهي تهز رأسها بالإيجاب إشارةً إلى أنها استوعبت كلماته الصارمة، ولم يعد لديها ما تضيفه أو تستفسر عنه. أدركت أن القائد لا يطيق الفضول أو لغو الحديث، ويميل إلى العقول الواعية والنفوس المطيعة؛ لذا اكتفت بالصمت، وراقبته وهو يستدير بجسده نحو الشخص الثاني الذي ظل حاضراً منذ بداية هذا السيناريو المعقد، صامتاً كتمثال لم يقطع حديثهما ولم يتدخل في نزاعهما.
نطق القائد ببرود آسر: — "علي.. إذا احتاجت أي شيء، أحضره لها.. وأبقِ عينك عليها." أجاب علي بطاعة عسكرية: — "عُلِم، سيادة القائد." بذات الثقة التي تسكن نظراته، والاتزان الذي يحكم خطواته، خرج القائد متبختراً بوقار وثبات، تاركاً خلفه عينين تلاحقانه بذهول. تمتمت الطبيبة وهي تراقب طيفه الراحل: — "بالنظر إلى حالته الحالية وقوته الطاغية، لو أخبرتُ أحداً أن هذا الرجل كان بالأمس فقط يصارع الموت من طلقة رصاصية، لظن أنني أمزح معه.. غريب أمر هذا القائد، وغريبة هي هذه الدنيا." تعالت ضحكة علي الرزينة تعقيباً على كلماتها، والتفت إليها مجيباً بأريحية لم تعهدها منذ وصولها: — "من هنا استحق لقب 'القائد الشيطان'.. كلامه قليل وفعله قتيل. منغلق العقلية، بارد المشاعر، غامض الشخصية، وفي ساحات الوغى قاهر. قلبه متحجر وانتقامه لا يرحم.. قد يبدو لكِ هادئاً، لكن خلف ذلك الهدوء تشتعل شرارة داخلية، وسكوته في حد ذاته عاصفة رعدية. تحركاته متقونة وخطواته موزونة، رزانته وثباته جعلاه يحقق المستحيل.. دخوله كإعصار جارف، وخروجه وقار يليق بالمقابر.. لا يعرف سوى الجد والنصر وسفك الدماء؛ لحماية الشعب وسحق الأعداء." "ماذا فعلت في حياتك.. حتى يظل الخطر يقتفي أثرك دوماً؟" من بين كل ما قاله علي، ترددت هذه الجملة التي سألتها لنفسها بالأمس وهي تضمد جراح القائد. راودها إحساس مريح حين وجدت أخيراً إجابة لسؤالها: "أنا وأنت متشابهان نوعاً ما.. إحساسي بالمسؤولية تجاه المرضى الذين يحتاجون مساعدتي جعلني أعرض حياتي للخطر وينتهي بي المطاف بين يديك.. وإحساسك بالمسؤولية تجاه حماية وطنك جعلك تعرض حياتك للخطر وينتهي بك المطاف بين يدي." ثم تساءلت في سرها بذهول: "كيف لشخص يعرض حياته يومياً للموت في سبيل إنقاذ الآخرين، أن يقتل نفساً بريئة أنقذت حياته في منتصف الليل معرضةً نفسها للخطر أيضاً؟!" تنهدت بحيرة، عاجزة عن الحكم عليه؛ هل تحاكمه بناءً على مهنته المليئة بالمخاطر وتضحيته المستمرة، أم تقاضيه على قسوة شخصيته المتعجرفة وغطرسته في التواصل وجفاف الرحمة في قلبه؟ طردت صورته من مخيلتها بعد أن تذكرت وقاحته، والتفتت نحو علي بابتسامة لطيفة قائلة: — "تشرفت بمعرفتك يا سيد علي.. الوقت والموقف لم يسمحا لنا بحديث لائق نتعرف فيه على بعضنا بطريقة أفضل.. أنا 'عبير'." رد علي بابتسامة فاتنة زادت ملامحه وسامة: — "ما رأيكِ لو أدعوكِ لتناول القهوة في منزل القائد؟ [ضحك بخفة ثم تابع]: اعتبريه اعتذاراً مني، وفي الوقت نفسه فرصة لنتعارف بشكل كامل وصحيح." رسمت عبير ذات الابتسامة اللطيفة، وقد توردت وجنتاها من برودة الجو ومن وقع الموقف، وهي تتأمل ملامحه الجذابة بعينيها البنيتين اللامعتين. كانت لحيته السوداء الخفيفة تحدد ذقنه بأسلوب شبابي عصري، يتماشى مع تسريحة شعره الفاحم المصفف بدقة. ملامحه السمراء، من حاجبيه وأهدابه، كانت متناسقة تماماً مع تقاسيم وجهه، وبشرته الحنطية تفيض نقاءً. دون أن تشعر، تاهت في تفاصيله الدقيقة حتى أيقظها علي بنبرة مرحة: — "هل أعتبر هذا السكوت موافقة؟"خرجت وهي مطأطئة الرأس، وما تزال دموعها تشقّ طريقها بصمت فوق خديها.رفعت عينيها الحزينتين نحو رغد، وظلت تتأملها لعدة دقائق بعينين منكسرَتين، وكأنها تنتظر منها أن تفهمها، وأن تتوقف عن إدارة ظهرها لها... كانت نظراتها تحمل رجاءً صامتًا، وكأنها تقول لها دون كلمات: لا تتركيني وحدي في هذا الرحيل.وفي النهاية، لم تستطع رغد الصمود أكثر.اندفعت نحوها وألقت بنفسها بين ذراعيها، تعانقها بقوة.تعالت أصوات شهقاتهما، وكل واحدة منهما تعبّر عن حبها للأخرى بطريقتها الخاصة.عبير لم تكن قادرة على الابتعاد عنها، ورغد كانت أكثر عجزًا منها عن تركها.أما ياسر، فظل واقفًا بعيدًا، واضعًا يديه في جيبيْه، لا يزال عاجزًا عن استيعاب القرار المفاجئ الذي اتخذته عبير.كيف قررت الرحيل بهذه السرعة؟ وكيف لرغد أن تساندها بدل أن تحاول إقناعها بالبقاء؟!ورباب أيضًا؟!لم يكن لديه أدنى شك في أن هناك أمرًا آخر خلف هذا القرار.كان متأكدًا أن شيئًا ما يقف وراء رغبتها في مغادرة المنطقة والعودة إلى مدينتها؛ فهو يعرفها جيدًا، ويعرف أنها تحب القائد، وأنه ليس من السهل عليها أن تتخلى عنه وتقرر الابتعاد عنه بهذه السهولة.فالدكتورة عبير
بدأت عبير تجمع حاجياتها، بينما ظلت رباب تتبعها من زاوية إلى أخرى، تسألها بقلق عمّا حدث.كان ياسر واقفًا عند باب البيت، شارد الذهن، لا يفهم شيئًا مما يجري، ولا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. أما رغد، فكانت تقف بعيدًا عنهما، عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تراقب ما يحدث بصمت، دون أن تنطق بكلمة واحدة.جمعت عبير كل ما جاءها من عهد، وكأنها تجمع بقايا عمرها معه، ثم أغلقت حقيبتها.غمزت رباب لياسر، ففهم إشارتها، وأغلق باب البيت، ثم عادت إليها، وأمسكت بيدها لتوقفها. أدارتها نحوها حتى أصبحتا متقابلتين، وأخذت تحدّق في وجهها بقلق.رباب: ما الذي يحدث؟ إلى أين أنتِ ذاهبة؟عبير [وهي تبكي]: أريد أن أرحل، يا أختي.لم تحتمل رباب رؤيتها بتلك الحالة، فعانقتها إليها، وما إن ارتمت عبير بين ذراعيها حتى أطلقت العنان لدموعها. شدّت عليها بقوة، ودفنت رأسها في عنقها وهي تبكي وتشهق، بينما راحت رباب تربّت على ظهرها بحنان.رباب: ماذا حدث، يا حبيبتي؟ ما بكِ؟وبسرعة، بدأت عبير تخبرها بكل ما حدث، وكانت رباب في كل مرة تسمع فيها كلمة جديدة من عبير، تشعر بصدمة أشد من التي سبقتها.أوجعها حالها، وأحزنها ما تمرّ به، حتى وجدت نفسها
كانت تضمّ رغد إليها بقوة، وتتشبث بها وكأنها تخشى أن تفلت من بين يديها، بينما راحت تتحدث بهستيريا، ونبرتها مثقلة بالاختناق، مغلوبة على أمرها... كان في صوتها شيء موجع، شيء يشبه صرخةً حُبست طويلًا في أعماق صدرها.ومن بين كلماتها، كان بالإمكان الشعور بتلك الغصّة العالقة في قلبها، وبالنيران المستعرة في صدرها. كان القهر قد بلغ بها حدًّا لم تعد معه قادرة على وصف ما يعتمل داخلها، إلا أن ملامحها المنهارة، ونظراتها المكسورة، ودموعها التي لم تتوقف، كانت جميعها تروي عن ذلك الوجع أكثر مما تستطيع الكلمات أن تفعل.عبير: الآن أنا حامل... أي إن لديّ طفلًا منه. لا أعرف كيف سأخبره، ولا كيف سأبتعد عنه... الأمر صعب عليّ، والله، ليس سهلًا أبدًا... لكنني سأقسو على قلبي، وسأضع فوقه جمرة، وأتحمّل مرارة فراقه... المهم أن يكون هو بخير.لا أستطيع أن أتحمّل أن أراه يعاني بسببي، ثم أبقى صامتة أتفرج عليه... وهذا الجنين الذي بيننا، ساتخلى عنه.أبعدتها رغد عنها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة، وكأن الكلمات التي سمعتها للتو لم تدخل عقلها بعد.رفعت يدها، وفي لحظة غضب امتزجت فيها الصدمة بالخوف، هوت صفعة حارّة على وجه عبير، فا
لم تدرِ كيف ولا متى وجدت نفسها عند تلك البحيرة التي اعتاد عهد وعلي الجلوس بجانبها.. كانت شاردة تتبع خطواتها الوهنة، حتى وجدت نفسها تجلس على صخرة قريبة، منكمشة على ذاتها، وعيناها تتأملان صفاء الماء المنساب من أعلى الصخر.سرحت في أفكارها تفكر وتتأمل، حاسة أن خاطرها عاش في دقيقة واحدة عمراً كاملاً. كلمات ليلى لمست روحها، ليس لأنها ضعيفة وتتأثر بأي حديث، بل لأنها شعرت بصواب كلامها؛ فمنذ أن وطأت قدمها هذه المنطقة، والمشاكل تلاحق عهد دون توقف.كان عليه أن يتزوج بها رغماً عنه ليحميها من السلطات العليا.. وكان عليه أن يحميها من أحقاد عمر ومن غيرات ليلى.. وكان عليه أن يصونها من ذلك الوحش الذي سلبها والديها.ربما كان هذا هو الحل الوحيد الذي تستطيع من خلاله حمايته هي الأخرى، فبُعدها عنه هو أقل مساعدة يمكن أن تقدمها له، ولعلها بذلك تجازيه على كل ما قدمه من خير لأجلها.شعرت بيد تُوضع على كتفها، فأفاقت من غفلة أفكارها فزعة، وتلفتت إلى الخلف بسرعة، لكنها اطمأنت حين وجدت رغد تقف وراءها.ابتسمت لها رغد وقالت بنبرة خافتة: "أخيراً وجدتكِ.. قضيت وقتاً وأنا أبحث عنكِ!"عادت عبير لتنظر أمامها، وأجابت
كانت تطل إلى الخارج فيظهر لها ذلك الكم الهائل من الجنود المصطفين، فتملكها الخوف الشديد وخشيت أن تمر من أمامهم، وهي التي كانت السبب في إيصالهم إلى هذه الحالة... لقد سمعت أن المارشال أجل أمر البحث عن الخائن الذي وشى بهم حتى يفتح القائد عهد عينيه ويتولى الأمر بنفسه... حالياً هي تشعر بالندم الشديد.... مخلوعة وخائفة على عهد وتريد الذهاب لرؤية كيف أصبح حاله، لكنها لا تملك الوجه الذي تقابله به.وفي تلك اللحظة، لمحت المارشال يدخل إلى منزل ابنه ورغد بجانبه يسرعان خطواتهما، وبعض الجنود يرافقونهم... تراجعت واختبأت وراء جدار أحد المنازل وجلست تفكر في طريقة تمكنها من رؤيته دون أن يراها أحد، لكنها لم تجد أي فكرة، وفي النهاية استسلمت وقررت العودة من حيث جاءت. ولكن قبل أن تتحرك، وقفت عبير أمامها فجأة.بمجرد أن رفعت رأسها، شعرت بصفعة قوية أمالت وجهها حتى ارتجت أسنانها في فمها واصطكت فكاها بقوة.وضعت يدها على وجهها تحاول استيعاب سبب صفعها، بينما جذبتها عبير نحوها من شعرها وضغطت عليه، وهي تصوب نظراتها الحادة في عينيها.عبير: بأي وجه تأتين إلى هنا، هممم؟ليلى: آي، اتركي شعري... هل جننتِ؟!عبير: لق
بقيت الخطوات الأخيرة لإغلاق الجرح على عبير.... نزعت رباب قفازاتها وتنفسات الصعداء عندما عرفت أن العملية الخطيرة قد نجحت، ونظرت إلى ياسر الذي كان يثبت عينيه على عبير منتظراً إياها أن تكمل كل شيء ليرتاح... لقد ركز معهم كثيراً منذ أن وضعوا أيديهم في الجرح وعندما استخرجوا الرصاصات وحتى عندما نُظف الجرح من الداخل؛ كانت الخطوات مضبوطة ومتتالية لكي لا يلمسوا أي عضو من أعضائه، لأن منطقة الإصابة خطيرة كما قالت عبير.... خيطت الجرح وعقمته قبل أن تضع الضمادات، وطلبت من رباب أن تحضر لها ثياباً دافئة لتلبسها له، وهذا ما حدث فعلاً.ألبسته سترة سوداء، ووضعت وسادة تحت رأسه، وفي النهاية غطته.أمسك ياسر رأسه بين يديه يسترجع أنفاسه، واقتربت منه رباب تطبطب على كتفه... أما عبير فقد ركزت نظراتها أمامها على وجه عهد ونطقت:عبير: كل شيء على ما يرام... تنفسه طبيعي ونبضاته منتظمة، وحتى الضغط في معدله الطبيعي.... والآن جاء الوقت الذي يجب أن تخبرني فيه بما حدث... وبلا أن تحاول إقناعي بأنكم خسرتم المعركة وهذا هو سبب إصابة القائد... وضغطت على الكلمات التالية القائد الشيطان، والذي هو عهد... هو زوجي.... وأنا أعرفه
عمر: "أتمنى ألا أكون قد تسببتُ لك في أي مشكلة بينك وبين زوجتك يا سيادة القائد."سحب عهد نفساً عميقاً وزفره بهدوء وكأنه يتنهد، وحاول تغيير مساره متجاهلاً إياه، لكن الرائد لم يكتفِ بذلك، بل استوقفه قائلاً:— "لماذا تتعامل ببرود، في حين أن زوجتك أنقذت ألد أعدائك؟"جمع عهد ملامحه وثبت نظره للأمام، ب
ما إن سمعت عبير صوته الرزين حتى استعادت رباط جأشها واعتدلت في جلستها، أما رباب فقد رفعت رأسها نحوه وبقيت فاغرة فاها بذهول؛ وضعت يديها على صدرها وتراجعت قليلاً إلى الخلف فوق الأريكة، تتفحصه من رأسه إلى أخمص قدميه بدهشة لم تستطع إخفاءها.عبير بارتباك: "هذه صديقتي.. اسمها رباب، وهي طبيبة متدربة ومسا
أثارتها تصرفاته الهادئة المريبة، وأسلوبه الراقي الذي يغلف غموضاً دفيناً، وسامته وأناقته.. كل تفصيلة فيه كانت لغزاً بحد ذاته. وبينما هي غارقة في بحر من الأفكار المتلاطمة، يشدها سؤال وتدفعها حيرة، أيقظها صوت كوابح السيارة الحاد حين توقفت فجأة. استعادت وعيها في تلك اللحظة، وانطلق لسانها متسائلاً بنبر
يدك في يده.. تشعرين بإحكام القبضة، كأنه يخاف أن تذوبي بين أصابعه فتنفلتي منه كقطرة مطر.. خطوه يتبع خطوكِ في متاهات العتمة، والمطر ينساب همسًا لا رذاذًا.. بابتسامته العذبة يسرق منكِ دقات قلبكِ، لا ينسيكِ إياها.. كلمة دافئة، نظرة تغوص في الأعماق، وفيض من صمت يتكلم.. حب لا يُقال، بل يُعاش.. هذا هو ال







