Share

فصل 9: خلف القناع الأخضر

last update publish date: 2026-04-02 15:13:24

​بدأ روعها يهدأ شيئاً فشيئاً، وعادت دقات قلبها لتنتظم في صدرها، وهي تهز رأسها بالإيجاب إشارةً إلى أنها استوعبت كلماته الصارمة، ولم يعد لديها ما تضيفه أو تستفسر عنه. أدركت أن القائد لا يطيق الفضول أو لغو الحديث، ويميل إلى العقول الواعية والنفوس المطيعة؛ لذا اكتفت بالصمت، وراقبته وهو يستدير بجسده نحو الشخص الثاني الذي ظل حاضراً منذ بداية هذا السيناريو المعقد، صامتاً كتمثال لم يقطع حديثهما ولم يتدخل في نزاعهما.

​نطق القائد ببرود آسر:

— "علي.. إذا احتاجت أي شيء، أحضره لها.. وأبقِ عينك عليها."

أجاب علي بطاعة عسكرية:

— "عُلِم، سيادة القائد."

​بذات الثقة التي تسكن نظراته، والاتزان الذي يحكم خطواته، خرج القائد متبختراً بوقار وثبات، تاركاً خلفه عينين تلاحقانه بذهول. تمتمت الطبيبة وهي تراقب طيفه الراحل:

— "بالنظر إلى حالته الحالية وقوته الطاغية، لو أخبرتُ أحداً أن هذا الرجل كان بالأمس فقط يصارع الموت من طلقة رصاصية، لظن أنني أمزح معه.. غريب أمر هذا القائد، وغريبة هي هذه الدنيا."

​تعالت ضحكة علي الرزينة تعقيباً على كلماتها، والتفت إليها مجيباً بأريحية لم تعهدها منذ وصولها:

— "من هنا استحق لقب 'القائد الشيطان'.. كلامه قليل وفعله قتيل. منغلق العقلية، بارد المشاعر، غامض الشخصية، وفي ساحات الوغى قاهر. قلبه متحجر وانتقامه لا يرحم.. قد يبدو لكِ هادئاً، لكن خلف ذلك الهدوء تشتعل شرارة داخلية، وسكوته في حد ذاته عاصفة رعدية. تحركاته متقونة وخطواته موزونة، رزانته وثباته جعلاه يحقق المستحيل.. دخوله كإعصار جارف، وخروجه وقار يليق بالمقابر.. لا يعرف سوى الجد والنصر وسفك الدماء؛ لحماية الشعب وسحق الأعداء."

​"ماذا فعلت في حياتك.. حتى يظل الخطر يقتفي أثرك دوماً؟"

من بين كل ما قاله علي، ترددت هذه الجملة التي سألتها لنفسها بالأمس وهي تضمد جراح القائد. راودها إحساس مريح حين وجدت أخيراً إجابة لسؤالها:

"أنا وأنت متشابهان نوعاً ما.. إحساسي بالمسؤولية تجاه المرضى الذين يحتاجون مساعدتي جعلني أعرض حياتي للخطر وينتهي بي المطاف بين يديك.. وإحساسك بالمسؤولية تجاه حماية وطنك جعلك تعرض حياتك للخطر وينتهي بك المطاف بين يدي."

​ثم تساءلت في سرها بذهول: "كيف لشخص يعرض حياته يومياً للموت في سبيل إنقاذ الآخرين، أن يقتل نفساً بريئة أنقذت حياته في منتصف الليل معرضةً نفسها للخطر أيضاً؟!"

​تنهدت بحيرة، عاجزة عن الحكم عليه؛ هل تحاكمه بناءً على مهنته المليئة بالمخاطر وتضحيته المستمرة، أم تقاضيه على قسوة شخصيته المتعجرفة وغطرسته في التواصل وجفاف الرحمة في قلبه؟ طردت صورته من مخيلتها بعد أن تذكرت وقاحته، والتفتت نحو علي بابتسامة لطيفة قائلة:

— "تشرفت بمعرفتك يا سيد علي.. الوقت والموقف لم يسمحا لنا بحديث لائق نتعرف فيه على بعضنا بطريقة أفضل.. أنا 'عبير'."

​رد علي بابتسامة فاتنة زادت ملامحه وسامة:

— "ما رأيكِ لو أدعوكِ لتناول القهوة في منزل القائد؟ [ضحك بخفة ثم تابع]: اعتبريه اعتذاراً مني، وفي الوقت نفسه فرصة لنتعارف بشكل كامل وصحيح."

​رسمت عبير ذات الابتسامة اللطيفة، وقد توردت وجنتاها من برودة الجو ومن وقع الموقف، وهي تتأمل ملامحه الجذابة بعينيها البنيتين اللامعتين. كانت لحيته السوداء الخفيفة تحدد ذقنه بأسلوب شبابي عصري، يتماشى مع تسريحة شعره الفاحم المصفف بدقة. ملامحه السمراء، من حاجبيه وأهدابه، كانت متناسقة تماماً مع تقاسيم وجهه، وبشرته الحنطية تفيض نقاءً. دون أن تشعر، تاهت في تفاصيله الدقيقة حتى أيقظها علي بنبرة مرحة:

— "هل أعتبر هذا السكوت موافقة؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   ​الفصل [125] صدمة الحقيقة

    ​كانت تطل إلى الخارج فيظهر لها ذلك الكم الهائل من الجنود المصطفين، فتملكها الخوف الشديد وخشيت أن تمر من أمامهم، وهي التي كانت السبب في إيصالهم إلى هذه الحالة... لقد سمعت أن المارشال أجل أمر البحث عن الخائن الذي وشى بهم حتى يفتح القائد عهد عينيه ويتولى الأمر بنفسه... حالياً هي تشعر بالندم الشديد.... مخلوعة وخائفة على عهد وتريد الذهاب لرؤية كيف أصبح حاله، لكنها لا تملك الوجه الذي تقابله به.​وفي تلك اللحظة، لمحت المارشال يدخل إلى منزل ابنه ورغد بجانبه يسرعان خطواتهما، وبعض الجنود يرافقونهم... تراجعت واختبأت وراء جدار أحد المنازل وجلست تفكر في طريقة تمكنها من رؤيته دون أن يراها أحد، لكنها لم تجد أي فكرة، وفي النهاية استسلمت وقررت العودة من حيث جاءت. ولكن قبل أن تتحرك، وقفت عبير أمامها فجأة.​بمجرد أن رفعت رأسها، شعرت بصفعة قوية أمالت وجهها حتى ارتجت أسنانها في فمها واصطكت فكاها بقوة.​وضعت يدها على وجهها تحاول استيعاب سبب صفعها، بينما جذبتها عبير نحوها من شعرها وضغطت عليه، وهي تصوب نظراتها الحادة في عينيها.​عبير: بأي وجه تأتين إلى هنا، هممم؟​ليلى: آي، اتركي شعري... هل جننتِ؟!​عبير: لق

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   ​الفصل [124] وفاء الجنود

    ​بقيت الخطوات الأخيرة لإغلاق الجرح على عبير.... نزعت رباب قفازاتها وتنفسات الصعداء عندما عرفت أن العملية الخطيرة قد نجحت، ونظرت إلى ياسر الذي كان يثبت عينيه على عبير منتظراً إياها أن تكمل كل شيء ليرتاح... لقد ركز معهم كثيراً منذ أن وضعوا أيديهم في الجرح وعندما استخرجوا الرصاصات وحتى عندما نُظف الجرح من الداخل؛ كانت الخطوات مضبوطة ومتتالية لكي لا يلمسوا أي عضو من أعضائه، لأن منطقة الإصابة خطيرة كما قالت عبير.... خيطت الجرح وعقمته قبل أن تضع الضمادات، وطلبت من رباب أن تحضر لها ثياباً دافئة لتلبسها له، وهذا ما حدث فعلاً.​ألبسته سترة سوداء، ووضعت وسادة تحت رأسه، وفي النهاية غطته.​أمسك ياسر رأسه بين يديه يسترجع أنفاسه، واقتربت منه رباب تطبطب على كتفه... أما عبير فقد ركزت نظراتها أمامها على وجه عهد ونطقت:​عبير: كل شيء على ما يرام... تنفسه طبيعي ونبضاته منتظمة، وحتى الضغط في معدله الطبيعي.... والآن جاء الوقت الذي يجب أن تخبرني فيه بما حدث... وبلا أن تحاول إقناعي بأنكم خسرتم المعركة وهذا هو سبب إصابة القائد... وضغطت على الكلمات التالية القائد الشيطان، والذي هو عهد... هو زوجي.... وأنا أعرفه

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   الفصل [123] سباق مع الموت

    ​كانت تشعر وكأنها تسير فوق الجمر وهي تروح وتجيء في الغرفة، تنتظر عبير أن تخرج أخيراً لتبشرها بالنتيجة... وفي لحظة، وقفت في مكانها حين سمعت من جهة السلالم ضجيج خطوات متسارعة، فعرفت أنه لا بد أن يكون القائد والنقيب قد وصلا.​التفتت إلى الخلف، وإذ بباب المنزل يُفتح بقوة وعلى مصراعيه... أسرعت بخطواتها لكي تخبر عبير بوصول القائد.​ولكنها تجمدت في منتصف طريقها مصدومة من المنظر الذي تراه أمام عينيها... اتسعت عيناها ووضعت يديها على فمها، ودون أن تشعر صرخت بأعلى صوتها:​رباب: ماذا حــــدث؟؟؟؟​على أثر صرختها، خرجت عبير مفزوعة واضعة يدها على صدرها من شدة الرعب، فلم تستوعب ما سمعته أذناها، ولكن بمجرد أن رأت هذا المنظر أمامها تجمدت الدماء في عروقها... كان ياسر وعلي يحملان عهداً بينهما وهو كخرقة بالية بين أيديهما.​ارتجف قلبها بين ضلوعها، ودون أن تشعر انهمرت دموعها... أصابها دوار حاد لم تعد معه قادرة على ابتلاع ريقها أو الوقوف على قدميها، ولا حتى استيعاب اللحظة التي هي فيها.​وضعوه على الأريكة وبدأ علي يجرد ثيابه عنه، أما ياسر فنظر إلى عبير الواقفة في مكانها مصدومة تبكي في صمت وتصوب عينيها نحو عهد

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   الفصل [121_122] فخ الخيانة

    ​صداقتهما عميقة إلى هذا الحد... الحد الذي جعلها قادرة على أن تروي لها كيف بدأ حبهما، وعن علاقتهما الحميمة وكيف مرت أول ليلة لهما معاً... وحتى رباب فضفضت لها عن ياسر وعن المشاعر التي بينهما وعن أجمل لحظاتهما، وهكذا حتى غلبهما النوم معاً.​كانت الخطة تسير وفق ما اتفقوا عليه، وفجأة بدأت مواقعهم تُستعمر... على غفلة، أصبح الأعداء يتربصون بهم في الأماكن التي اتفقوا أن تكون مخابئهم، وكأنهم على علم بخطتهم، وبدأ الجنود يتخذون مواقع ليست مواقعهم ودون أي ضمان لسلامتهم... رفع ياسر جهاز اللاسلكي يبلغ القائد بالرسالة:​"سعادة القائد... خطتنا فشلت... هناك من وشى بنا، خطتنا فشلت... أعيد وأكرر... خطتنا فشلت".​ضغط على جهاز اللاسلكي بيده وضغط على فكه حين أدرك من يقف وراء هذا الأمر.​عهد: الخطة البديلة (B) لا يعلمها الرائد عمر، أليس كذلك؟​ياسر: لا، ولكنها تشكل خطراً عليك يا سعادة القـ...​عهد مقاطعاً إياه: النقيب ياسر... أخبرهم أن ينتقلوا إلى الخطة البديلة (B).​ياسر: عُلِم يا سعادة القائد...... حول الخط باتجاه الجنود وضغط على الزر يعلن رسالة القائد: "لننتقل إلى الخطة البديلة (B)، أعيد وأكرر، انتقلوا إ

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   ​الفصل [119_120] خيانة

    ​انحنى إلى مستواها واضعاً ركبته على الأرض، وطبع قبلة حنونة ودافئة على جبهتها... ابتعد يتأملها لعدة ثوانٍ، ثم عاد وطبع قبلة أخرى فوق شفتيها الدافئتين بتأثير الكحول.​أطال القبلة ثم ابتعد عنها وهو لا يود فراقها... سحب عليها الغطاء جيداً وخرج دون أن يتلفت نحوها مجدداً، لأنه يعلم أنه قد يتراجع عن الذهاب ويترك عمله بسببها.​تبعته بنظراتها حتى خرج وأغلق الباب خلفه، ثم أغلقت هي عينيها مستسلمة للنوم.​مضى النهار وشارف على الانتهاء، وكل من كان في الخارج عاد إلى منزله، بينما رباب التي لا تملك منزلاً كانت تقف عند باب عبير... تعبت من الطرق دون أن يجيبها أحد.​وفي النهاية بدأت تطرق بعنف... طرقت بيديها وقدميها حتى سمعتها... فتحت لها عبير الباب وعيناها ذابلتان ومنتفختان، وشعرها مبعثر ينسدل على كتفيها... وجهها عابس وملامحها غارقة في النوم، وتضع يدها على رأسها إذ يبدو عليها الإعياء الشديد.​عبير وهي تفتح عينيها نصف فتحة: رباب؟! اعذريني لم أسمعكِ فقد كنت نائمة.​رباب وهي تتفحصها من أعلاها لأسفلها: ولو كنتِ ميتة لسمعتِني وليس نائمة فقط.​دفعت الباب بيدها وتقدمت داخلة... أغلقته عبير خلفها وتبعتها تجر خطو

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   ​الفصل [117_118] هجوم الدكتورة

    ​غيرت عبير خطواتها متجهة نحو المطبخ وقالت:​عبير: أنا سأطهو شيئاً خفيفاً.​أطفأ السيجارة في النافذة ووضع يديه في جيبيه متجاوزاً إياها بخطواته في منتصف طريقها.​عهد: خليكِ مكانكِ، أنا سأتولى الأمر.​فتح الثلاجة وأخرج السمك من جديد، غسله وشرحه... جهز الخضراوات التي كانت قد سُلقت وغطاها، وقبل أن يخرج قال لها:​عهد: هذه المرة إن احترق السمك سألحقكِ به.​قهقهت بلطافة وهي تتبعه بنظراتها حتى خرج... فكرت ألا تنزل إليه لكي لا تحدث مشكلة أخرى... ولم تدرِ ماذا تفعل، إذ غلبها الملل بدونه، فبدأت تفتش وتستكشف المكان... مرت بجانب مصباح جانبي فلمحت هناك زجاجتين مخبأتين خلفه... انحنت تحاول معرفة ما تحتويه الزجاجتان... لم تكن عليهما أي علامة، لكن السائل الذي بداخلهما كان أحمر اللون.​حاولت تجاهلهما، لكن الفضول غلبها، فرفعت إحداهما وفتحتها بتردد وقربتها من أنفها تستنشق رائحتها... لم تعرف ما هذا السائل، وقررت أن تتذوق منه قليلاً، لأن الغلاف كان مرسوماً عليه العنب، مما يعني أنه صالح للشرب.​عبير: أصلاً سأتذوق فقط، ولن يصيبني أي مكروه.​ارتشفت منه رشفة وأغلقت عينيها جامعة ملامح وجهها، فلم تتحمل مذاقه إذ ب

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   الفصل [82_83]: عهد.. وقانون التملك

    ​ابتلعت ريقها، وشعرت وكأن نبضات قلبها قد توقفت لبرهة.. حاولت جاهدة أن تستجمع شتات نفسها وتسيطر على اضطراب مشاعرها، ثم نطقت بكلمات حاولت أن تجعلها جادة: لم أعد أفهمك يا سعادة القائد؟!​زاد من إحكام قبضته عليها، غارساً أطراف أصابعه في خصرها الرشيق، وهو يغرق عينيه البحريتين في عينيها البنيتين بنظرة تف

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   الفصل [80_81]: ثورةُ الغضب.. ولينُ اللقاء

    ​طوال الطريق لم يوجه إليها كلمة واحدة، ولم يشح بنظره عنها للحظة. حتى عندما ترجل من السيارة، لم يرمقها بنظرة واحدة، بل انطلق بخطواته السريعة تسبقه، بينما كانت هي تلهث خلفه، تحاول جاهدة اللحاق به بخطواتها الصغيرة المتعثرة، مطرقة برأسها ومنتحبة في سرها، وهي تضغط على حقيبتها بقوة وقلبها ينقبض خوفاً.​ك

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   الفصل [78_79]: نصرُ الإنسانية.. ووعدُ الوزير

    ​وقفت عبير لبرهة طويلة تتأمل تلك النسوة، ثم ابتسمت وانحنت بنظرها نحو الأطفال من جديد؛ وجدتهم يرقبونها بأعين يملؤها الأمل، وكأنهم يخشون أن تتراجع عن وعدها بعلاجهم بعدما سمعت عن معاناتهم مع شح المياه والصراعات. ​انحنت عبير لمستواهم بحنان قائلة: لا تخافوا.. ستصبحون جميعاً بخير. ​رفعت بصرها فور سماع

  • دروس الحب تحت ظل السلطة   الفصل [76_77]: استيقاظٌ مُبكر.. ومشاكسات النقيب

    ​تراجعت عبير عنها ببرود تام، وقد رسمت على وجهها تعابير جامدة، ثم استدارت تمشي بوقار، تتمايل برشاقة جسدها الذي رغم فضفاضة ملابس عهد، إلا أنه ظل بارزاً بجماله الفطري.​بقيت ليلى في مكانها شاخصة البصر، مذهولة من حدة الرد الذي تلقته، بينما أخذ الدكتور الوافد يتبع عبير بنظراته الفضولية، وما إن صعدت بجان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status