Masukعبير: "اسمع.. إياك أن تراودك نفسك بالاقتراب مني، أو تظن أنه بما أننا تحت سقف واحد ولا يعلم بوجودي أحد، يمكنك استغلال الموقف لمصلحتك وتفكر في لمس خصلة واحدة من شعري!"
رد القائد ببرود قاطع: — "أنتِ لستِ ممن يُشتهى لمسهم." تصاعدت حرارة الخجل في وجنتيها من وقع هذا الرد القاصف الذي ألجم لسانها، فنطقت بصدمة: — "عفواً؟ ماذا قلت؟" استطرد القائد دون أن يرف له جفن: — "ستخلعين الرداء أم أنتزعه بيدي؟ أمامك خمس ثوانٍ لتقرري." كانت لا تزال تحت تأثير "القصف الجوي" الذي تعرض له كبرياؤها، فردت محاولة استعادة توازنها: — "على فكرة.. أنت لست من نوعي المفضل أيضاً!" نفد صبره، فاستدار نحوها وخطا خطوات وئيدة مقترباً منها. ما إن رأته يتقدم حتى اتسعت حدقتاها وراحت تتراجع للخلف بذعر، ورفعت يديها أمامها كدرع واهٍ، مغمضة عينيها وهي تطلق كلمات متقطعة: — "توقف.. توقف! سأخلعه.. نعم سأفعل.. لكن ليس لدي ما ألبسه! لم أحضر معي شيئاً وكل هذا بسببك، لذا تحمل المسؤولية!" رمقها بنظرة ملؤها الازدراء، ثم تحرك نحو خزانة غرفته، واستل سترة قطنية من ثيابه ورماها نحوها بخشونة قائلًا: — "ارتدي هذه.. ثم احرقيها حين تنتهين." ضيقت عينيها وهي تتأمله، وبحكم خلفيتها الطبية، أدركت فوراً أنه يعاني من نوع حاد من "الوسواس القهري"؛ ذاك الذي ينقسم بين الهوس بالنظافة والهوس بالتملك. أدركت أن هذا ليس مجرد طبع عسكري قاسٍ، بل هو اضطراب نفسي وصحي يحكم تصرفاته، ومع ذلك، استمرت في مماطلته ومجادلته، فقط لتستفز عقليته وتنتقم منه لما فعله بها صباحاً، حين حبس أنفاسها وأرعب قلبها، ناهيك عن سيل الإهانات التي وجهها لها الآن. سألته بتحدٍ: — "ولماذا لن تعود بحاجة إليها بعد أن أرتديها؟ أليست ملكك؟" دنا منها القائد، وهمس بكلمات عميقة جعلتها تنصت إليه بذهول: — "الحاجة حين تمسها يد غيري، تسقط من ملكيتي.. ببساطة، أنا أمقت الأشياء المستعملة." لامست كلماته حقيقة ما في نفسها؛ فالحاجات المستعملة غالباً ما تفقد بريقها وتتحول إلى عبء يصعب تدويره، وما إن يخرج الشيء من حوزتك لمصلحة غيرك، فلا معنى للتمسك به.. الأفضل التخلي عنه للأبد. ردت عبير بنبرة مصطنعة من التأثر: — "يا إلهي.. كدتُ أن أتأثر بكلامك!" ثم حدثت نفسها وهي تراقبه يبتعد: "وماذا لو كنتُ أنا وأنت النوع المفضل لبعضنا البعض حقاً؟ لكن يبدو أن للقدر ذوقاً آخر لم نحسب له حساباً." خطف القائد نظرة خاطفة نحوها، ثم غير منحى بصره بسرعة، محركاً رأسه بقلة حيلة وتعجب من عنادها. أشار بيده نحو إحدى الغرف في المنزل دون أن ينبس ببنت شفة، ففهمت عبير أنه يأمرها بتبديل ملابسها هناك. وبينما كانت هي تنصرف، التقى القائد بـ "علي" الذي كان يرفع يده ليدق الباب، فأشار إليه بعينيه ودفعه للخارج، مغلقاً الباب وراءهما بحزم. سار القائد في المقدمة يتبعه علي، والسكوت سيد الموقف، يلفهما هدوء القرية الرصين. سلكا طريقاً ترابية وعرة حتى وقفا جنباً إلى جنب عند بحيرة صغيرة تتوسط القرية. تنحنح علي بصوت خافت، مستجمعاً شجاعته للحديث: — "سعادة القائد.. كيف حال جرحك الآن؟" استدار القائد ببطء، وثبت نظره في عيني علي، ورد بهدوء وثقة: — "بخير.. وهذا بفضلك." أجاب علي بارتباك ملحوظ: — "أدرك أن وجود الدكتورة يشكل ضغطاً كبيراً عليك في منزلك.. سأحاول إيجاد حل في أسرع وقت ممكن لتغادر المنطقة بسرية." قاطعه القائد بنبرة جادة: — "حالياً، فكر فقط في حمايتها.. إذا وقعت في أيديهم، فأنت تعلم يقيناً المصير الذي ينتظرها. إذا مرت هذه الأيام الثلاثة بسلام، فلن يكون خروجها صعباً كما كان الأمر في البداية." رد علي بطاعة: — "حاضر سعادة القائد.. سأبقي عيني عليها وأحرص على أمنها." استنشق القائد الهواء وزفره بصعوبة، ثم سأل فجأة: — "الجو ساخن اليوم، أليس كذلك؟ هل أنا الوحيد الذي يشعر بهذه الحرارة؟" نظر إليه علي باستغراب: — "الحرارة؟ الجو بارد يا سيدي!" اقترب منه بقلق ووضع يده على جبهته، ليتفاجأ بحرارة جسده: — "سعادة القائد.. حرارتك مرتفعة جداً!" في هذه الأثناء، كانت عبير قد جففت شعرها وتركته منسدلاً على كتفيها، وارتدت الملابس القطنية التي منحها إياها؛ رغم أنها كانت فضفاضة، إلا أنها بدت مناسبة ودافئة. تجولت في أرجاء المنزل تتفحص التفاصيل عن بُعد، حريصة على ألا تلمس شيئاً لتتجنب غضب "القائد الشيطان". توقفت أمام مكتبة شاهقة تعج بالروايات والوثائق والسجلات المهنية التي تعكس ثقل مسؤوليات القائد. اختارت كتاباً وتوجهت إلى الأريكة ذاتها، لفت نفسها بغطاء صوفي وجلست تقرأ لتمضية الوقت، وهي تحدث نفسها: — "رغم غموضه وصرامته، إلا أن لشخصيته جاذبية خاصة.. وهذا واضح من ولاء الصداقة التي تجمعه بمرافقه. تُرى، هل علاقته بكل فريقه مبنية على هذا القدر من الوفاء؟" وعند البحيرة، قال علي بقلق: — "حرارتك مرتفعة يا سعادة القائد." أجاب القائد بهدوء: — "أظن أنه بسبب الجرح.. عليّ تعقيمه وتبديل الضمادة." أمسك علي بذراعه بحنو وسار بجانبه قائلاً: — "امنح نفسك قسطاً من الراحة.. أعلم أنك تحاول إخفاء إصابتك، لكن رفقاً بنفسك. يكفيك حمل حماية المنطقة وأهلها على عاتقك، لا تزد على همك هماً آخر وتعرض حياتك للخطر لأجلنا." سأله القائد بهدوء: — "من أين نبعت هذه الكلمات العاطفية المليئة بالمشاعر الآن؟" ضحك علي ضحكة خفيفة ثم أجاب بجدية: — "بالنسبة لنا، أنت القبعة التي تتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى لحمايتنا.. وأقل ما يمكننا فعله هو الاهتمام بك حين تكون في حاجة إلينا." رد القائد بوفاء عميق: — "وإذا لم أحمكم.. فمن سيهتم بي وأنا في حاجة إليكم؟" كان سؤالاً يحمل في طياته إجابة تختصر معاني الولاء المطلق بين القائد ورجاله.خرجت وهي مطأطئة الرأس، وما تزال دموعها تشقّ طريقها بصمت فوق خديها.رفعت عينيها الحزينتين نحو رغد، وظلت تتأملها لعدة دقائق بعينين منكسرَتين، وكأنها تنتظر منها أن تفهمها، وأن تتوقف عن إدارة ظهرها لها... كانت نظراتها تحمل رجاءً صامتًا، وكأنها تقول لها دون كلمات: لا تتركيني وحدي في هذا الرحيل.وفي النهاية، لم تستطع رغد الصمود أكثر.اندفعت نحوها وألقت بنفسها بين ذراعيها، تعانقها بقوة.تعالت أصوات شهقاتهما، وكل واحدة منهما تعبّر عن حبها للأخرى بطريقتها الخاصة.عبير لم تكن قادرة على الابتعاد عنها، ورغد كانت أكثر عجزًا منها عن تركها.أما ياسر، فظل واقفًا بعيدًا، واضعًا يديه في جيبيْه، لا يزال عاجزًا عن استيعاب القرار المفاجئ الذي اتخذته عبير.كيف قررت الرحيل بهذه السرعة؟ وكيف لرغد أن تساندها بدل أن تحاول إقناعها بالبقاء؟!ورباب أيضًا؟!لم يكن لديه أدنى شك في أن هناك أمرًا آخر خلف هذا القرار.كان متأكدًا أن شيئًا ما يقف وراء رغبتها في مغادرة المنطقة والعودة إلى مدينتها؛ فهو يعرفها جيدًا، ويعرف أنها تحب القائد، وأنه ليس من السهل عليها أن تتخلى عنه وتقرر الابتعاد عنه بهذه السهولة.فالدكتورة عبير
بدأت عبير تجمع حاجياتها، بينما ظلت رباب تتبعها من زاوية إلى أخرى، تسألها بقلق عمّا حدث.كان ياسر واقفًا عند باب البيت، شارد الذهن، لا يفهم شيئًا مما يجري، ولا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. أما رغد، فكانت تقف بعيدًا عنهما، عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تراقب ما يحدث بصمت، دون أن تنطق بكلمة واحدة.جمعت عبير كل ما جاءها من عهد، وكأنها تجمع بقايا عمرها معه، ثم أغلقت حقيبتها.غمزت رباب لياسر، ففهم إشارتها، وأغلق باب البيت، ثم عادت إليها، وأمسكت بيدها لتوقفها. أدارتها نحوها حتى أصبحتا متقابلتين، وأخذت تحدّق في وجهها بقلق.رباب: ما الذي يحدث؟ إلى أين أنتِ ذاهبة؟عبير [وهي تبكي]: أريد أن أرحل، يا أختي.لم تحتمل رباب رؤيتها بتلك الحالة، فعانقتها إليها، وما إن ارتمت عبير بين ذراعيها حتى أطلقت العنان لدموعها. شدّت عليها بقوة، ودفنت رأسها في عنقها وهي تبكي وتشهق، بينما راحت رباب تربّت على ظهرها بحنان.رباب: ماذا حدث، يا حبيبتي؟ ما بكِ؟وبسرعة، بدأت عبير تخبرها بكل ما حدث، وكانت رباب في كل مرة تسمع فيها كلمة جديدة من عبير، تشعر بصدمة أشد من التي سبقتها.أوجعها حالها، وأحزنها ما تمرّ به، حتى وجدت نفسها
كانت تضمّ رغد إليها بقوة، وتتشبث بها وكأنها تخشى أن تفلت من بين يديها، بينما راحت تتحدث بهستيريا، ونبرتها مثقلة بالاختناق، مغلوبة على أمرها... كان في صوتها شيء موجع، شيء يشبه صرخةً حُبست طويلًا في أعماق صدرها.ومن بين كلماتها، كان بالإمكان الشعور بتلك الغصّة العالقة في قلبها، وبالنيران المستعرة في صدرها. كان القهر قد بلغ بها حدًّا لم تعد معه قادرة على وصف ما يعتمل داخلها، إلا أن ملامحها المنهارة، ونظراتها المكسورة، ودموعها التي لم تتوقف، كانت جميعها تروي عن ذلك الوجع أكثر مما تستطيع الكلمات أن تفعل.عبير: الآن أنا حامل... أي إن لديّ طفلًا منه. لا أعرف كيف سأخبره، ولا كيف سأبتعد عنه... الأمر صعب عليّ، والله، ليس سهلًا أبدًا... لكنني سأقسو على قلبي، وسأضع فوقه جمرة، وأتحمّل مرارة فراقه... المهم أن يكون هو بخير.لا أستطيع أن أتحمّل أن أراه يعاني بسببي، ثم أبقى صامتة أتفرج عليه... وهذا الجنين الذي بيننا، ساتخلى عنه.أبعدتها رغد عنها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة، وكأن الكلمات التي سمعتها للتو لم تدخل عقلها بعد.رفعت يدها، وفي لحظة غضب امتزجت فيها الصدمة بالخوف، هوت صفعة حارّة على وجه عبير، فا
لم تدرِ كيف ولا متى وجدت نفسها عند تلك البحيرة التي اعتاد عهد وعلي الجلوس بجانبها.. كانت شاردة تتبع خطواتها الوهنة، حتى وجدت نفسها تجلس على صخرة قريبة، منكمشة على ذاتها، وعيناها تتأملان صفاء الماء المنساب من أعلى الصخر.سرحت في أفكارها تفكر وتتأمل، حاسة أن خاطرها عاش في دقيقة واحدة عمراً كاملاً. كلمات ليلى لمست روحها، ليس لأنها ضعيفة وتتأثر بأي حديث، بل لأنها شعرت بصواب كلامها؛ فمنذ أن وطأت قدمها هذه المنطقة، والمشاكل تلاحق عهد دون توقف.كان عليه أن يتزوج بها رغماً عنه ليحميها من السلطات العليا.. وكان عليه أن يحميها من أحقاد عمر ومن غيرات ليلى.. وكان عليه أن يصونها من ذلك الوحش الذي سلبها والديها.ربما كان هذا هو الحل الوحيد الذي تستطيع من خلاله حمايته هي الأخرى، فبُعدها عنه هو أقل مساعدة يمكن أن تقدمها له، ولعلها بذلك تجازيه على كل ما قدمه من خير لأجلها.شعرت بيد تُوضع على كتفها، فأفاقت من غفلة أفكارها فزعة، وتلفتت إلى الخلف بسرعة، لكنها اطمأنت حين وجدت رغد تقف وراءها.ابتسمت لها رغد وقالت بنبرة خافتة: "أخيراً وجدتكِ.. قضيت وقتاً وأنا أبحث عنكِ!"عادت عبير لتنظر أمامها، وأجابت
كانت تطل إلى الخارج فيظهر لها ذلك الكم الهائل من الجنود المصطفين، فتملكها الخوف الشديد وخشيت أن تمر من أمامهم، وهي التي كانت السبب في إيصالهم إلى هذه الحالة... لقد سمعت أن المارشال أجل أمر البحث عن الخائن الذي وشى بهم حتى يفتح القائد عهد عينيه ويتولى الأمر بنفسه... حالياً هي تشعر بالندم الشديد.... مخلوعة وخائفة على عهد وتريد الذهاب لرؤية كيف أصبح حاله، لكنها لا تملك الوجه الذي تقابله به.وفي تلك اللحظة، لمحت المارشال يدخل إلى منزل ابنه ورغد بجانبه يسرعان خطواتهما، وبعض الجنود يرافقونهم... تراجعت واختبأت وراء جدار أحد المنازل وجلست تفكر في طريقة تمكنها من رؤيته دون أن يراها أحد، لكنها لم تجد أي فكرة، وفي النهاية استسلمت وقررت العودة من حيث جاءت. ولكن قبل أن تتحرك، وقفت عبير أمامها فجأة.بمجرد أن رفعت رأسها، شعرت بصفعة قوية أمالت وجهها حتى ارتجت أسنانها في فمها واصطكت فكاها بقوة.وضعت يدها على وجهها تحاول استيعاب سبب صفعها، بينما جذبتها عبير نحوها من شعرها وضغطت عليه، وهي تصوب نظراتها الحادة في عينيها.عبير: بأي وجه تأتين إلى هنا، هممم؟ليلى: آي، اتركي شعري... هل جننتِ؟!عبير: لق
بقيت الخطوات الأخيرة لإغلاق الجرح على عبير.... نزعت رباب قفازاتها وتنفسات الصعداء عندما عرفت أن العملية الخطيرة قد نجحت، ونظرت إلى ياسر الذي كان يثبت عينيه على عبير منتظراً إياها أن تكمل كل شيء ليرتاح... لقد ركز معهم كثيراً منذ أن وضعوا أيديهم في الجرح وعندما استخرجوا الرصاصات وحتى عندما نُظف الجرح من الداخل؛ كانت الخطوات مضبوطة ومتتالية لكي لا يلمسوا أي عضو من أعضائه، لأن منطقة الإصابة خطيرة كما قالت عبير.... خيطت الجرح وعقمته قبل أن تضع الضمادات، وطلبت من رباب أن تحضر لها ثياباً دافئة لتلبسها له، وهذا ما حدث فعلاً.ألبسته سترة سوداء، ووضعت وسادة تحت رأسه، وفي النهاية غطته.أمسك ياسر رأسه بين يديه يسترجع أنفاسه، واقتربت منه رباب تطبطب على كتفه... أما عبير فقد ركزت نظراتها أمامها على وجه عهد ونطقت:عبير: كل شيء على ما يرام... تنفسه طبيعي ونبضاته منتظمة، وحتى الضغط في معدله الطبيعي.... والآن جاء الوقت الذي يجب أن تخبرني فيه بما حدث... وبلا أن تحاول إقناعي بأنكم خسرتم المعركة وهذا هو سبب إصابة القائد... وضغطت على الكلمات التالية القائد الشيطان، والذي هو عهد... هو زوجي.... وأنا أعرفه
بدأ روعها يهدأ شيئاً فشيئاً، وعادت دقات قلبها لتنتظم في صدرها، وهي تهز رأسها بالإيجاب إشارةً إلى أنها استوعبت كلماته الصارمة، ولم يعد لديها ما تضيفه أو تستفسر عنه. أدركت أن القائد لا يطيق الفضول أو لغو الحديث، ويميل إلى العقول الواعية والنفوس المطيعة؛ لذا اكتفت بالصمت، وراقبته وهو يستدير بجسده نحو
— "هل تظنين أن الأمر بهذه البساطة التي تصورينها؟"قاطعته قبل أن يتم جملته، وقد بلغت القلوب الحناجر:— "قلتَ إنكم لا تقابلون الإحسان بالإساءة.. إذن اصنع فيّ معروفاً وقدمني للسلطات العليا؛ لم أعد أطيق البقاء هنا ثانية واحدة!"زفر الشاب بضيق من شدة عنادها وصلابة رأسها، وقرر أن يخاطبها باللغة التي ت
"أين أنا؟ ومن ذاك الشاب الذي طاوعته وجئت معه بمحض إرادتي؟ ومن يكون هذا المصاب بطلق ناري؟.. ومن أطلق عليه الرصاص؟ هل ساعدتُ في إبقاء مجرمٍ مطلوب للعدالة على قيد الحياة، أم أنني أنقذت درعاً من دروع الوطن؟ ما حقيقتهما؟ ومن يكونان حقاً؟"تساؤلات جارفة تقاذفتها كأمواج هائجة، وأفكار تشابكت في شبكة تحلي
— "أناء دافئ.. وخيط وإبرة، أرجوك!"تلفظت بهذه الكلمات المبعثرة بينما كانت الرجفة تسري في جسدها من أخمص قدميها حتى منبت شعرها. كان صرير أسنانها من فرط الخوف مسموعاً كالنقر الرتيب، ودقات قلبها لا تزال تقرع في صدرها كالأجراس الثائرة. شعرت بتنميل يجتاح أطرافها، والوقت أضحى ثقيلاً كأن عقارب الساعة قد