Share

عودة الأمير

last update Tanggal publikasi: 2026-06-08 06:03:49

ــ معاذ... ملك... ادخلا.

من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..

أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..

اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...

ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:

ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...

فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..

خلفها كان معاذ واقفًا، عيناه تتنقلان بين عائشة ومالك، حتى تكسرت نظراته الحادة على صديقه القديم، فاندفع صوته عميقًا، قاطعًا لحظة الضعف تلك:

ــ إلى أي شيء تخطّط يا مالك؟

ارتجف حدقتي عائشة من وقع سؤاله والتفتت نحوه ببطء، عينيها اتسعتا بدهشةٍ صامتة، وهناك نظرة غامضة تتساءل: كيف؟ كيف عرف؟

رفع معاذ حاجبيه بابتسامةٍ جانبية تحمل مزيجًا من المرارة والفخر، ثم قال بصوتٍ واثقٍ يقطع السكون:

ــ لا تنظري إليّ هكذا يا عائشة... أنا أعرف مالك أكثر مما تعرفينه وقبل أن تعرفينه، هو عشرة عمري، وأعرف طباعه كما أعرف كفي، مالك لا يأكل ولا يشرب من يد أحدٍ قط... ومعنى أن تجرع ولو القليل من الماء من يد أحد أنه يخطط لشيء ما.

تسمرت عائشة مكانها، صدمتها لا تخطئها عين، بينما تابع معاذ بحدةٍ أكبر وقد خطا خطوة للأمام:

ــ ولكن العجيب في ذلك الأمر أنه لم يطلعني عليه، ولأول مرة منذ أن التصق بعضنا ببعض.

رفعت ملك وجهها المبلل بالدموع في حيرةٍ مرتجفة، وهي ما زالت ملتصقة بجسد مالك، عيناها تهيمان بين معاذ الصارم، وعائشة الجامدة، ثم استقرت نظراتها أخيرًا على ملامح زوجها، كأنها تبحث فيه عن جواب يبدد الغشاوة التي حاصرتها..

أغمض مالك عينيه لحظة، جمع أنفاسه المتقطعة، ثم حاول أن يرفع نصف جسده جالسًا على السرير، مسنودًا على ذراعيه، والصراع الذي يخوضه بين وهن جسده وقوة الإرادة يتجسد فيه واضحًا، رفع نظره إلى معاذ وصوته يخرج مبحوحًا لكنه واضح:

ــ لا تجعل عقلك يسرح بعيدًا يا صديقي يا، أنا لو شككت يومًا في نفسي، ما كنتُ لأشك فيك أنت أبدًا، الحكاية فقط... أنّ الوقت خانني، ولم أجد فسحةً لأقول لك.

تصلبت ملك في مكانها، وتوقفت دموعها لوهلة، بينما ارتجفت شفتيها وهي تتهدج بمرارة قائلة:

ــ كل هذا... كان لعبة؟!

قالتها وكأنها طُعنت بخنجرٍ غادر، كلماتها خرجت متقطعة، محملة بصدمةٍ لم تستوعبها بعد، عينيها اتسعتا وكأنها تنظر إلى غريب لا إلى زوجها..

وقبل أن تبتعد عنه أكثر، مدّ مالك يده المرتعشة، لكنه قبض على معصمها بقوةٍ مفاجئة، كمن يتشبث بحياته الأخيرة، جذبها نحوه بقسوةٍ عاشقٍ خائف من الضياع، ثم همس بصوتٍ مبحوح يفيض رجاءً:

ــ اهدئي... بالله عليكِ، اهدئي، أُقبل يدك لا تبتعدي عني ثانية، أنا لم أصدق حتى الأن أنك عدتِ لي... أقسم أنني كنتُ على شفا الجنون بفقدك، سأشرح لكِ كل شيء... كل كلمة، فقط امنحيني فرصة.

ارتعشت أنفاسها بين يديه، ودموعها انهمرت مجددًا، لكن قلبها كان يضرب في صدرها بعنفٍ كأنه يتأرجح بين رغبةٍ عميقة في تصديقه، وخوفٍ جارف من أن يكون قد باعها في مسرحيةٍ جديدة لا تدري أين ستنتهي..

أما معاذ، فظل واقفًا مكانه، نظراته لا تفارق مالك، فيها مزيجٌ من الغضب المكبوت والحيرة والولاء القديم الذي يحاول أن يتمسك به، كانت قبضته مشدودة إلى أن ابيضت أصابعه، لكنه لم ينطق بكلمة، كأنه يترك المساحة للصراع الذي اشتعل بين ملك ومالك..

أما عائشة فقد كانت تتابع المشهد بعينين ساكنتين، وهي تسرف النظرات نحو معاذ متفهمة ما يشعر به الأن..

تبادل مالك ومعاذ نظراتٍ صامتة، ثم أدار رأسه ببطء نحو عائشة، وقال بصوتٍ هادئٍ حازم:

ــ أريد أن أبقى مع ملك وحدنا، اتركاني الآن.

وقفت عائشة لثوانٍ وقد انعقد في عينيها اعتراض مكبوت، لكن ملامحها ظلت جامدة وهي تخفي ما يعتمل في صدرها، أطرقت رأسها قليلًا، ثم استدارت بخطى بطيئة نحو الباب، وخرجت من الغرفة دون أن تلتفت، تتنفس بضيق وهناك دمٌ ساخن يشتعل في عروقها..

أما معاذ، فبقي واقفًا ينظر إلى مالك نظرةً ممزوجة بالخذلان والقلق، كأنه يريد أن يعترض أو يسأله المزيد، لكنه في النهاية ابتلع كلماته، وأدار جسده متثاقلاً، وخرج هو الآخر، يغلق الباب خلفه ببطءٍ وجسده متوتر من اختلائه بعائشة في الخارج، فهو لن يستطيع الخروج من ذلك المكان إلا بأمر مالك لانهم لا يعرفون حتى الأن ما الذي يجب عليهم أن يخبروا البقية به..

سكن المكان إلا من أنفاس ملك المتسارعة، وهدير قلبها الذي يخبط في صدرها، رفعت عينيها إلى مالك، فوجدته يستجمع ما تبقى من قوته، ويحاول أن يجلس مستقيمًا على السرير، ثم قال بصوتٍ مبحوح لكنه يحمل يقينًا:

ــ هناك الكثير من حولي يا ملك خونة… وكل فترة لابد أن أختبرهم، أعرف من سيبيعني ومن سيبقى حتى النهاية، وهذا ما أفعله قبل كل عملية، هكذا يحدث دائمًا، بطريقةٍ أو بأخرى.

شعرت ملك بمرارةٍ تسري في حلقها، فزمت شفتيها وقالت بحدةٍ مرتعشة:

ــ طبعًا… زوجتك عائشة هي الاستثناء، هي التي لن تخونك أبدًا، ولن تكشف سرك مهما حدث، أليس كذلك؟

ارتفع حاجباه قليلًا، ثم انحنى فمه بابتسامةٍ ساخرة، وبصوت خافت يحمل شيئًا من السخرية والدفء في آنٍ واحد قال لها:

ــ هل تغارين منها؟

انتفضت على الفور، وأشاحت بوجهها عنه، وهي تقول بعنادٍ طفوليٍّ مشوب بالدموع:

ــ لا… لا أغار، ثم إنك أصلًا لا تعنيني… ولا تلزمني.

ضحك مالك بخفةٍ متعبة، لكن في ضحكته بريق انتصارٍ خفي، مدّ يده فجذبها نحوه بقوةٍ مفاجئة، حتى ارتطمت أنفاسها بأنفاسه، فشهقت وقد اختض جسدها من حركته المفاجئة ليخرج صوته يغمرها بخشونةٍ عاشقة:

ــ كاذبة… قلبك يفضحك قبل لسانك.

حاولت أن تتراجع، لكن ذراعيه التفّتا حولها، وصوته انخفض وهو يهمس بقرب أذنها:

ــ قبل أن أفقد وعيي تمامًا… سمعتك. كنتِ على وشك أن تقولي لي شيئًا… لقد رجوتني قائلة:

"ارجع لي"، كي تبوحي به.. أليس كذلك؟

ارتجفت أوصالها، واحمر وجهها بحرارةٍ مباغتة، وجسدها يعترف بعشقها رغم إنكار لسانها، ارتفعت أنفاسها لاهثة وهي تنظر إلى عينيه القريبتين، نظراتها تتأرجح بين خوفٍ واعترافٍ لا تريد أن تمنحه إياه..

فقرب مالك وجهه منها بحركة متردّدة لكنها مشحونة بحرارةٍ مكبوتة، وعيناه تلمعان بعشقٍ وحاجة إليها لم يعد يستطيع السيطرة عليها، ثم رفع يده المرتجفة وأمسك وجهها بين كفّيه بخشوعٍ ووله، قبل أن يطبع على شفتيها قبلةً عميقة، قبلةً حملت معها وجع السنين، وظمأ الروح، طالت قبلته بإعلانٌ غير منطوق أن لا نجاة له إلا بها..

لكن ملك ارتعشت فجأة، وتصلّبت أطرافها، ثم دفعت صدره بيديها المرتبكتين، وابتعدت عنه بأنفاسٍ متلاحقة، وعينيها مشتعلة بمرارةٍ جارحة، وهي تقول له بصوتٍ متكسّر:

ــ قلبك خائن يا مالك… كيف تُقسِم لي أنني الوحيدة، وأنت تُبقي تلك المرأة في حياتك، قريبةً منك كأنها لا تُفارقك؟!

أطرق مالك برأسه قليلًا، ثم رفعه مبتسمًا بسخريةٍ رقيقة، وقال بصوتٍ متهدّج:

ــ أعترفي أنك تغارين عليّ منها.

شهقت ملك وارتجفت شفتاها في إنكارٍ مرتبك، فأجابت بسرعةٍ جريحة:

ــ قلت لكَ لا أغار.

أمال برأسه قليلًا وهو يتطلع إليها ويضيق عينيه في حركة جعلتها تبتسم رغمًا عنها قائلة:

• حسنًا سأعترف.. ولكنك بعدها لن..

قهقه مالك بخفوتٍ عابس، وهزّ رأسه كمن سمع شيئًا يدمي قلبه ويُثير شفتيه في الوقت ذاته، اقترب أكثر وهمس لها بصدقٍ دامٍ وقطع حديثها قائلًا:

ــ عائشة… ليست كما تظنين. عائشة شقيقتي يا ملك.

تسمرت ملك في مكانها، وفتحت عينيها بدهشةٍ مشوبةٍ بالذهول:

ــ شقيقتك؟! لكنك لم يكن لك أشقاء حين كنا جيرانًا! كنتَ ولدًا وحيدًا!

تنهد مالك تنهيدةً طويلة، وغامت عيناه بذكرياتٍ ثقيلة أسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم قال بصوتٍ مبحوح:

ــ كنت وحيدًا فعلًا ولم يكن لي أشقاء من أمي وأبي ولكن أمّي… بعد أن طلّقها أبي، تزوجت رجلًا آخر، وأنجبت منه عائشة، أنا أكبرها بثلاثة عشر عامًا، لكنّها لم تعش معنا… كانت مع أبيها، لم أعرف دفء وجودها في البيت، ولم أحسّ يومًا أنني أخٌ حقيقي حتى توفى والدها وعاشت معنا وأصبحت هي أختي الوحيدة… وآخر ما تبقى لي من ذلك البيت الممزق.

تساقطت الكلمات من فمه كالجرح المفتوح، وكأنها اعترافٌ لم يسبق أن باح به، رفعت ملك يديها إلى فمها غير مصدقة، ثم لمعت عيناها ببريقٍ مختلف، خليط من الفرح والحزن، وضعت كفها على وجنته بحنانٍ ثم همست بصوتٍ مخنوق:

ــ لم أعرف شئ من هذا، لقد كدت تبدوا أنت ووالدتك عائلة مستقرة رغم عدم وجود أبيك في أغلب الوقت.

رفع مالك عينيه نحوها، وفيهما حزنٌ عميق لكن يجاوره نورٌ رقيق، وحاول أن يتخطى ذلك الجزء من حياته سريعًا دون الخوض أكثر فيه، فمدّ ذراعيه ليجذبها إلى صدره، واحتواها بعناقٍ طويل، كأنّه يحاول محو كل شكٍّ من قلبها وهمس عند أذنها بصوتٍ متقطع:

ــ صدّقيني يا ملك… في حياتي، ما أحببتُ سواك، ولا عرفتُ قلبًا غير قلبك، ولا لامستُ يدًا غير يدك.

أطبقت ملك جفنَيها والدموع تنحدر ببطء، وللمرة الأولى يُصدّقه قلبها، ولو على مضض.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status