首頁 / الرومانسية / رجال الله / الفتى الطائش

分享

الفتى الطائش

last update publish date: 2026-05-30 03:27:50

تأملت نظراته، وقد اكتمل لديها الشعور بأنها اختارت الولد الصحيح الذي يجب أن يواجه تلك الأسرار ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:

– كانت خطتي أن نستمرّ على هذا الحال حتى تنقضي أربعون يومًا على وفاة زوجي، ثم نعود إلى وضعنا الطبيعي. لكن، أتدري؟ كثيرًا ما كان يساورني شعور بأنّ كلّ ذلك لن يكون كافيًا، وأنّ الحقيقة ستطفو على السطح في نهاية الأمر، وأنا لم أكن أعترض بالعكس دومًا كنت أريد أن أسقط عن كاهلي كل تلك الأسرار القاتمة حتى أستطيع العيش بينكما في هدوء، ولكن القدر لم يرد أن يمنح لي تلك الحياة.

كانت زهرة جالسة في صمت، تتأمل ما حولها بتركيز عميق، كأنها تحاول ترتيب قطع اللغز الذي ما زال يراوغها، منذ لحظة عودتها إلى الصعيد، لم تكن قد وجدت السلام الذي كانت تبحث عنه، لكن هناك، بين جدران شقة زوجها الراحل، حدث ما فتح أمامها بابًا جديدًا من الفهم فأكملت:

– أتذكر حين عدنا كندا؟

قالت زهرة، بصوت متوتر يشبه من يقتلع جرحًا قديمًا من أعماقه، ثم صمتت لحظة، وكأنها تستحضر المشهد بكل تفاصيله لتُكمل:

– وقتها عُدت معك وتركت يمان نائمًا هنا، وأخبرت جدك بوجوده هو الوحيد في العائلة الذي يعرف أنكما أثنان، ولم يكن مني، بل عرف أبيك حين ولدتكما.

أخذت نفسًا عميقًا وأردفت:

– حين دخلنا شقة أبيك كنت أظن أنّ كلّ شيء سيمضي على نحو طبيعي… سنمكث قليلًا وأعود لأخذ يمان وأعرف بعضكما على بعض وأقص لكما هذه الحكاية وأنتما معًا، ولكني ضُربت على رأسي حتى وجدت أمرًا لم أكن أتوقّعه.

رفعت زهرة رأسها ببطء، وعينيها تلتقيان بعيني يامن في لحظة مشحونة بالقلق، كأنها تستعد للكشف عن سر كان يخبئه الزمن لفترة طويلة، كان هناك نوع من الجدية في وجهها، كأن كل كلمة ستقولها الآن ستكون محورية في تغيير كل شيء:

– لقد أخبرتك وقتها أن حياتنا في خطر، ولكني لم أقص عليك الأمر بصدق، لقد عثرت في مكتب أبيك على جهاز يوقف الزمن.

نطقت بها زهرة ببطء شديد، وكأنها تزن وقع الحروف على قلبه، تراقب ملامحه بحثًا عن أي ارتجافة دهشة أو صدمة قد تفلت منه..

أجفل يامن قليلاً، وكانت عينيه تومضان بعدم تصديق، لكنه لم يتكلم، فاستمرت هي في الحديث، وكان صوتها يحمل بين طياته الحيرة والخوف معًا، وكأنها عادت إلى تلك اللحظة المظلمة التي اكتشفت فيها ما لا يُصدق:

– كان والدك يعمل على ذلك الجهاز منذ وصوله إلى مركز الأبحاث، وحين أُقيل من عمله، أخفاه في مكان لا يخطر على بال أحد، اكتشفتُ من الرسالة التي تركها معه، أنّه تلقّى تهديدات متكررة لتسليمه، لكنه رفض، ورفضه ذاك كان السبب في قتله وكان سببًا هامًا وراء إخفائه لحقيقة وجود اثنين من أبنائه، وتفريقه بينكما في منزلين مختلفين، خوفًا من أن تُستَخدم أنت أو أخيك وسيلة ضغط عليه، كان يحاول إبعادنا جميعًا عن هذا السر، ولهذا أخفى الجهاز في موضع يستحيل على أيّ شخص الوصول إليه.

كان شكله غريبًا للغاية، لا يشبه أي اختراع مألوف، أقرب إلى شيء انسلّ من عالم آخر، قطعة تبدو وكأنها جاءت من المستقبل أو من بُعد مجهول، لم يكن مجرد أداة تكنولوجية، بل سرّ قادر على تجميد الزمن، وإيقاف كل حركة، كل لحظة، كل نفس… حتى يصبح المكان بأكمله ساكنًا في اللحظة التي يختارها حامله.

توقفت زهرة عن الحديث، وقد امتلأت عيناها بكثير من الأفكار التي كانت تراودها في تلك اللحظة الحاسمة، لكنها لم تترك المجال للصمت يطول، فاستكملت حديثها بلهجة حاسمة، وحدقتيها تومضان بالكشف عن حقيقة مرعبة:

– وأنت تعلم يا يامن أنّ ذلك الجهاز لم يكن اختراعًا عاديًّا كما ظننتُ في البداية، ولم يكن مجرّد أداة ميكانيكية فحسب، بل كان يحمل أثرًا أعظم بكثير من قدرته على إيقاف الزمن، لقد كان قادرًا على التلاعب بجوهر الواقع وتغيير أو تجميد اللحظات الفاصلة في حياة الإنسان، وكأن الهدف منه أن يجعل كل شيء ممكنًا تحت سيطرة من يملكه.

صمتت زهرة للحظة، كما لو كانت تفكر في كل كلمة تتحدث بها، ثم نظرت إلى يامن وأكملت:

– حينها فقط أدركتُ الحقيقة… أن زوجي كان يخفي ذلك الجهاز ليحمي نفسه أولًا، ثم لأسباب أعظم بكثير تتعلّق بحياته وحياة آخرين. كان يعلم أنّ وقوع هذا الجهاز في الأيدي الخطأ قد يغيّر مجرى كل شيء، ويطلق فوضى لا يمكن إصلاحها أبدًا.

ثم أضافت، وهي تُحاول ترتيب أفكارها:

– كان دائمًا يحاول إخفاء كل شيء عني، ربما ليحافظ على أماننا، لكن في النهاية، حين وجدته، أدركت أنّ كل شيء قد تغيّر في لحظة واحدة… وجدت نفسي أمام أمرٍ يفوق كلّ تصوّر، شيءٍ أكبر من قدرتي على التخيل أو الاحتمال.

ابتلعت ريقها، وأخذت نفسًا عميقًا واستطردت:

– وكان لزامًا عليَّ أن أكون بالغة الحذر، حتى لا يقع ذلك الجهاز في الأيدي الخطأ؛ إذ لو عثروا على مكانه، لتمكّنوا من تغيير كل شيء.

دققت النظر في وجه ولدها وعينيها تلتقيان بعينيه، كانت تعرف أنه لم يستوعب كل شيء بعد، لكن الوقت لم يكن في صالحهم، وكان يجب أن يقرروا ما سيحدث بعد ذلك..

وقفت زهرة وهي تعتدل في وقفتها وبدا واضحًا أنها تحاول جاهدة أن تجعله يستوعب كل ما مروا به:

– كانوا قادمين يبحثون عنه، كانوا يطاردون ذلك الجهاز، ولم أكن أعي السبب تمامًا حينها، ولكن بعدما فهمت الحقيقة، انكشفت كل الأمور… هم الذين قتلوا زوجي.

لحظة صمت طويلة مرت، وزهرة كانت تقف على حافة الحقيقة وهي تتنفس بصعوبة، لكن ما قالته كان كافيًا لإحداث هزة في الذاكرة لديها، فتقدمت بضع خطوات وتوقفت أمام المرآة أمامها وأكملت:

– انقلب كل شيء في لحظة، وكانت حياتي تتغيّر دون أن أشعر. كانوا يطلبون ذلك الجهاز بأي ثمن، لسبب أعظم بكثير مما توقّعت.

نظرت لوجهها المحتقن عبر المرآة وتوقفت عند نظرة عينيها الخائفة كأنها تخشى أن يسمعها أحد:

– لكن الأمر لم يكن بذلك الحدّ فقط، فقد اكتشفتُ بعدما قتلوا أبيك أنهم لم يكونوا يبحثون عن الجهاز فحسب، بل كانوا يلاحقونني أيضًا، في مقر عملي، وفي كل مكان آخر، كانوا يحاولون الوصول إليّ بأي وسيلة كانت ليتأكدوا أنني لا أعرف شئ.

توقفت لوهلة، ثم أكملت وهي تشعر بقلقها يزداد:

– حينها كان لزامًا عليّ أن أتخذ قرارًا، وكنت أعلم أنهم لن يهدئوا، ولن يتركوا أثرًا إذا ما اكتشفوا مكاني. لذا، قررتُ أن نبقى في الصعيد، رغم أنّ تلك الأيام كانت مليئة بالعذاب، ولكنّي كنت مضطرةً لتحمّلها على أمل أن نجد فرصة أخرى لنعيش بأمان، بعيدًا عنهم.

كان ترى انعكاس يامن من خلفها في المرآة يجلس وعيناه تتعلقان بها بذهول، حتى شعرت بأن كل كلمة خرجت من فمها كانت تهز كيانه بقوة وتعيد تشكيل ما بداخله، ولكنها كانت تتمنى أن يخذلها ويكون بقدر تلك المسؤولية التي وضعتها على عاتقه، أكملت حديثها وهي تعود كي تجلس موضعها:

– كنت أعلم أن كل لحظة هنا ستكون مشحونة بالخوف، لكني كنت على يقين أننا في مأمن نسبي، تواصلت مع صديقتي الوحيدة في العمل، التي كنت أثق بها، وأخبرتني أنَّهم يطاردونني في كل مكان أعمل فيه، ويحاولون العثور عليَّ بأي وسيلة كانت.

حركت زهرة يدها بحركة تعبيرية، كأنها تود أن تُخلص نفسها من كل الخوف الذي اجتاحها:

– الحقيقة أنهم كانوا يلاحقونني، كأنهم على علم بكل خطوة أخطوها، ومن هنا، قررت أن أكون حذرة، أحمي نفسي وأحميكما، وأعيش في الظل حتى يكتب الله لي سهولة في الأمر، وتتاح فرصة جديدة تعيدني إليكما وتضمن لنا الأمان.

نظر يامن إليها، وعينيه تملأهما الدهشة والقلق، وكأنّ الكلمات التي نطقت بها فاقت استيعابه. تنفّس بعمق، محاولًا أن يرصّ أفكاره التي تلاطمت في ذهنه بسرعة، ثم سأل بصوت هادئ، لكنه مشحون بالتوتر: - هل يعني ذلك أنّهم كانوا على علم بكل شيء عنك وعنا؟

ابتسمت زهرة ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تفتقر للراحة وهي تجيبه:

– نعم، كانوا يتتبعون خطواتي بين الحين والآخر أينما ذهبت، وكل حركة قمت بها، كانت أعينهم ترصدها، لم يكونوا يكتفون فقط بمحاولة كشف الحقيقة، بل كانوا يسعون أيضًا للسيطرة على كل شيء يخصنا.

استمر يامن في النظر إليها، ثم سأل بصوت أكثر حدة: - ولماذا لم تخبريني من قبل؟ كان بإمكانك أن تخبريني في وقتٍ سابق.

توقفت زهرة عن الحديث للحظة، وعينها تتنقل بين يديه كما لو كانت تحاول ترتيب كلماتها:

– كنتُ أعلمُ أنَّ كلَّ حركةٍ مني قد تزيد من الخطر على حياتنا، وكان لا بدَّ لي من أن أكون شديدة الحذر، إذ لو قرروا في يومٍ ما إيجاد ذلك الجهاز، لما استطعتُ أن أوقفهم عن أخذه، كنتُ في موقفٍ صعب، لا أستطيع أن أكون واثقةً من أي شيء حولي حتى أعز صديقاتي.

عاد يامن إلى التحديق فيها، وكأنما يحاول أن يفهم كل شيء في رأسها، كان الصمت يلف الغرفة للحظة، ثم قال:

– حقًا... هل يعني ذلك أن كل ما عشتماه كان تحت مراقبة دائمة؟ وأن كل خطوة خطوتها كانت محسوبة مسبقًا؟

زهرة تأملته بعينين مليئتين بالأسى وهي تقول:

– نعم، وكان الأمر أعمق من مجرد مراقبة عادية، لو علموا بأننا اكتشفنا أمر الجهاز، لكان بإمكانهم أن يغيروا مجرى كل شيء، كانوا سيأخذونه ويقتلوننا كما فعلوا بأبيك.

همست بهذه الكلمات وهي تنظر تجاه الباب بريبة تخشى أن هناك من يترصدها ويصغي إليها..

لكن يامن كان قد بدأ يستوعب الموقف بالكامل..

– هل كنتِ تخفين عنا كل ذلك من أجل حمايتنا؟

سألها بنبرة هادئة، إلا أن صوتَه كان يعتصره وقع الصدمة التي تعتريه..

أومأت زهرة برأسها ببطء، وقالت:

– كان الهدف واضحًا وبسيطًا، وهو الحفاظ على حياتكم وحماية مستقبلكم. لو كنتم قد علمتم الحقيقة منذ البداية، لكانت حياتنا معرضة للخطر في كل لحظة. كان لزامًا عليّ أن أعيش في الخفاء حتى تتحسن الظروف لصالحنا، لكن مع مرور الوقت، تأكدتُ أنّ لا شيء سيتغير إلا إذا اتخذنا خطوة جريئة.

أمسكت بكف ولدها وعينيها مليئة بالألم وهي تقول له:

– وكنت أعلمُ أنَّ لحظة المواجهة تلك ستأتي لا محالة، اللحظة التي يتوجب عليّ فيها مواجهة الحقيقة… مهما كانت مُرة ومؤلمة.

سألها يامن بصوت خافت، لكن كان في نبرته الكثير من الأسئلة التي تبحث عن إجابة لم تكن واضحة بعد:

– بالنسبة لـ يمان، هل هو نائم؟

كان صوته يعبر عن حيرة واضحة، والفكرة لم تستقر بعد في ذهنه، وربما كان عقله يحتاج إلى بعض الوقت لاستيعاب تلك الصدمة..

التقطت زهرة أنفاسها ببطء، تحضر الكلمات التي ستنطقها الآن، تلك التي قد تكون هي الأكثر تعقيدًا في حياتها، نظرت إليه بعينيها الغارقتين في القلق، وأجابت بصوت خفيض:

– نعم، هو نائم… لكن القصة ليست كما تظن.

نطقت بكلماتها ببطء، محاولة تخفيف وقعها على قلبه:

– يمان ليس كشخص عادي، عقله معقد للغاية، ولن يتقبل الأمر بسهولة كما قد تتخيل.

وقف يامن في مكانه، مشوشًا، يحاول أن يفهم تفاصيل الصورة الكبيرة، فسألها بنبرة أقرب للشك:

– هل يعني ذلك أنّه لن يدرك أنني أخوه؟ وكيف يكون تفكيره معقدًا إلى درجة تمنعه من تقبّل وجودي؟

أغمضت زهرة عينيها لفترة قصيرة، كما لو أنها تستجمع نفسها، ثم أجابت بابتسامة قصيرة كان الألم فيها واضحًا رغم المحاولة لإخفائه:

– يمان، ولدي، ذلك الرجل الذي ترعرع على اللطف والحنان والرحمة، تغير كليًا بعد رحيل والدك، انغلق على نفسه، وضعفت قدرته على مواجهة الحقائق القاسية التي تحيط به، لذلك بات لزامًا علينا أن نعي ما يجري داخل هذا القصر، فقد غاصت تلك، العائلة المثقلة بالأحزان، في دوامة من الثأر والدماء، وفي صباح ذلك اليوم، نادى جدك يمان، الذي يحمل في طياته صفات والدك، وكان يرى بوضوح أن الحلول لا تكمن في الانتقام، كان يؤمن بأن الحوار والتفاهم هما السبيل، لا العنف.

ثم همست له بصوت يحمل سرًا دفينًا:

– وأنت تعلم جيدًا أن جدكما عسير لا يرضى بالحلول السريعة، فهو دائمًا ما يتبع مسارًا مختلفًا، وطريقًا خفيًا لا يُكشف إلا للنادرين.

ثم أضافت، وكأنها تحمل عبئًا ثقيلاً في صدرها:

– ومن خلال عيشي في هذه الأرض واحتكاكي بعقولهم، أدركت جيدًا أن للثأر طريقين لا ثالث لهما: إما الموت... أو الزواج.

الكلمات التي نطقتها زهرة كانت كالصاعقة على رأس يامن:

– زواج!

قالها بدهشة، وعينيه تتسعان من الصدمة، لم يصدق ما سمعه، إذ كانت الكلمات تحمل أكثر مما يستطيع استيعابه في تلك اللحظة..

أومأت زهرة برأسها بحزن عميق، وكان الألم يطغى على ملامح وجهها:

– نعم، الزواج. وإذا قرروا أن يكون هذا هو الحل، فعلينا أن نواجهه. لكنني لا أعلم… قلقة للغاية. كانت عيونها تغمرها الهموم، وكأنها ترى في كل خطوة مقبلة ظلًا ثقيلاً:

– جدك لا يملك في العائلة سوى أخيك يمان وهو لن يقبل هذه الفكرة بسهولة، أنا أعرف طباعه، وسيكون هذا أكبر تحدٍ يواجهه، وإن رفض سيتحول جدك لكَ.

جحظت عين يامن وهو يحاول أن يمتص وقع الكلمات التي سمعها، ثم قال بصوت غاضب:

– ماذا يعني أن يتحول جدي لي؟ أن أتزوج وأعيش في هذا البؤس طوال حياتي؟ لا، يا زهرة، انسَ هذا الأمر تمامًا.

خفضت زهرة رأسها قليلاً، وكان الصوت الذي خرج منها مثقلًا بكل ما تحمل من قلق:

– هذا هو الحل الذي قد يلجؤون إليه، ولهذا السبب لا أستطيع التنبؤ بما سيحدث الآن، يجب أن أكون مستعدة وقوية، لأن الوضع أكبر منا جميعًا، وأن خيار الزواج أو الموت قد يكون الحقيقة الوحيدة المتبقية، وهذا يجعلني أشعر بالخوف عليكما.

غاصت نظرات يامن في أعماقها، تحمل عبء تساؤلات عميقة وتوتر مكبوت، ثم سألها بصوت هادئ متردد:

– وأنتِ... كيف تنوين التصرف؟

زفرت زهرة بضيق وهي تحاول أن تبدو متماسكة قدر الإمكان أمامه:

– ليست لدي إجابة مؤكدة، لكني مضطرة لأن أكون على استعداد لكل احتمال. فليس هناك ما يهمني أكثر من سلامة أولادي، وعليّ أن أضعهم دائمًا في المقام الأول.

تنفست زفرة ثقيلة، والصمت يلفّ الغرفة كغطاءٍ بارد. كلماتها خرجت محمّلة بثقل العالم، كل ثانية تمر تقترب بها من حافة قرار لا مفر منه، ذلك القرار الذي سيقلب حياتهم رأسًا على عقب بلا رجعة:

– تعرف يا ولدي حين يحين الوقت، لا شيء يوقفك عن اختيار مصيرك، سواء استعددت له أم لا، الواقع يفرض عليك القرار وأنت ما عليك سوى تفادي الكارثة حتى تمر.

قالتها وعيونها تشتعل بقلقٍ دفين، لكنها كانت تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها، فأمسكت كفيه بقوة وهي تقول له:

– لم أعد وحدي الأن يا يامن لقد أخبرتك كل شئ.

داخلها كانت تجري معركة أعظم، صراع بين سكينة الأمان وهول المخاطرة، بين حبها العميق لأولادها ورغبتها في حمايتهم مهما كلف الثمن، وكان شيء ما، أعظم وأشد، يلوح في الأفق، ككابوسٍ يتجمع ببطء ليطوقهم جميعًا..

سحب يامن كفيه من بين قبضتها و بصوت هادئ لكنه مشحون بالتوتر قال لها:

– لستِ وحدك، أنا بجانبك في كل خطوة، لكن إذا بلغنا تلك المرحلة، ماذا سنفعل؟ حين تُفرض علينا الخيارات القاسية، الموت أو الزواج... هناك شيء خاطئ في كل هذا.

ظلّت زهرة صامتة، عينيها تغوصان في دوامة من الحيرة، والعالم بأسره يترقب وزن كلماتها التي ستفجر مصيرهم، ثم هبط صوتها إلى همسٍ خافت يكتنفه الثقل:

– لسنا نواجه مجرد تهديد خارجي، بل صراعًا مميتًا في أعماقنا... أمرٌ أعظم من مجرد انتقام أو قرار عابر، هناك قوة كونية تتحرك في الظل، والله وحده يعلم إن كنا قادرين على مجابهتها كما نتصور أم لا.

ثم وجهت نظرها نحو الأفق البعيد، وهي تركز أفكارها المتشابكة وأضافت:

– أشعر بقلق عميق... لأنه في النهاية، ليس الموت أو الزواج وحدهما الحل، بل هناك أمر آخر يجري خلف الستار، شيء ما زال غامضًا حتى الآن.

شعر يامن بأن هناك شيء خطير كان يتربص بهم، وكأنهم كانوا يسيرون في الظلام، لا يعرفون متى أو كيف ستنقض عليهم الحقيقة..

ثم أكملت زهرة، وقد علت وجهها ملامح عزم رغم القلق:

– إذا كان لا بد أن تُنكشف الحقيقة، فنحن على استعداد لها، وكل شيء سيحدث في حينه... وهذا الوقت ليس ببعيد.

وفي هدوء غامض يكسو المكان، فُتح الباب بصرخة من الحركة الثقيلة، وبرز عُسير واقفًا على العتبة.. وجهه الصلب يشبه صخور الجبال، وعيناه الحادتان تخترقان الأجواء كسهام مشتعلة، محمّلتان بأعباء سنين من قسوة الانتقام، نظراته الثاقبة توغلت في أعماق زهرة، كاشفة عن كل أسرارها المدفونة خلف ستار الصمت الطويل..

زهرة، التي كانت تتحدث بكل تردد، توقفت فجأة عندما رأت عُسير يقف في عتبة الباب، وعينيه اللامعتين تراقبانها بنظرة تمتلئ بالغضب المكتوم، لم يكن هناك مكان للهروب، وكل كلمة قالتها سابقًا كانت كأنها الآن تُعاد إليهم كالصاعقة..

ظهر أمامهم الجد عُسير مستندًا إلى عصاه، شامخًا كجبلٍ لا يهتز، عيناه تلمعان كجمرٍ مكبوت تحت رمادٍ ثقيل، ساد صمتٌ خانق في الغرفة، قبل أن يشقه صوته الحاد، كالسيف القاطع:

– أنا وبس اللي لي الحق أقرر... متى وكيف يِدري.

ارتجفت زهرة من وقع كلماته، لكن عُسير لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، فتابع بصوتٍ غاضب يزداد برودًا كلما اشتد:

كنتِ تدرين إني داري… ومع ذا فتحتِ فمك من غير إذني! منو عطاكِ الحق تسوّين على كيفك؟! من تظنين نفسك عشان تاخذين قرار ما هو لكِ؟!

اقترب منها ببطء، كأن خطواته تُطوّقها، وغرس عصاه في الأرض بقوة جعلت صداها يتردد في جدران الغرفة:

– كسرتي كلمتي يا زهرة... وهالخطا ما يمرّ بلا ثمن.

بينما وقفت زهرة عاجزة، تتعثر الكلمات في حلقها، شعرت في أعماقها أن الخطر يزحف إليها كزلزال يسبق الانفجار، وأن العواقب لن تكون مجرد تهديداتٍ عابرة، بل عاصفة قادمة لا مفر منها..

ثم دوّى الصوت الذي جعل قلب يامن يتوقف للحظة، التفت عُسير نحوه، عيناه كخناجر تلمع تحت ضوءٍ خافت، وقال بصوتٍ هادئٍ يقطر بالوعيد:

– وإنت يا يامَن... لا تحسب روحك بعيد عن هالسالفة. ترا العواقب بتجيك، تدري بالحق ولا تجهله.

كانت نظرات عُسير ثابتة، لا ترمش، تحمل في صمتها وعدًا قاسيًا بأن القادم سيضرب بسرعة وبلا رحمة، لكن حين التفتت عيناه نحو غرفة يمان التي تفصل بينها وبين غرفة يامن مجرد حائط..

بدت نظرته مختلفة، مزيجًا من الصرامة والرجاء، وكأن قلبه ــ رغم قسوته ــ يعترف أن هذا الشاب هو بقايا ابنه الذي فقده؛ قوته، هيبته، وطيبته، بل وحنانه الذي لم يُرَ في أحدٍ سواه، كان يمان بالنسبة إليه الامتداد الذي لم يخنه يومًا، الابن الذي يسمع ويطيع، الذي يثبت دائمًا أنه ظلّ الجد وظلّ العشيرة..

أما يامَن، فكان في نظر عُسير مجرد فتى طايش، يحمل دمًا غريبًا عنه، يذكّره دومًا بأصله من أمٍّ كندية نشأت في مجتمع فاسدٍ لا يعرف للعرض ولا للشرف قدرًا. لم ير فيه صلابة العشيرة ولا هيبة الرجال، بل ظلّ عُسير يعتبره غريبًا مهما حمل اسمه..

تطلع يامن بنظرات زهرة التي تحملان له رسالة صامتة، واستغاثة مكتومة وتحذيرًا مبطنًا:

انتبه... الخطر أكبر مما تظن..

ثم حرك عُسير عصاه على الأرض بقوة، صدى ارتطامها بالحجر تردّد في الغرفة كجرس إنذار، قبل أن يدير ظهره ببطء ويغادر بخطوات ثقيلة ثابتة، كأن خروجه إعلانٌ لبدء معركة لم يعد من الممكن إيقافها..

ظل الصمت يخيّم بعده، لكن صداه بقي حاضرًا... كما لو أن جدران المكان نفسها تحفظ تهديده وتردده بلا نهاية.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status