مشاركة

ألم الماضي

last update تاريخ النشر: 2026-05-30 03:26:08

كانت نظراته عميقة، تحمل بين طياتها عتابٌ كبير ولوم والكثير من الغضب، ومع ذلك لم يطلق لسانه بكلمة، عندها أيقنت أن ما تحكيه لم يكن خاتمة الحكاية كما ظنّت، بل بداية جديدة… بداية لكشف ما ظلّ غامضًا، ولغوصٍ أعمق في فهم ما جرى بين الماضي والحاضر، وما ينتظر أن يحدث بعدها..

تنهدت زهرة مرة أخرى، كما لو كانت تتهيأ للغوص في الجزء الأثقل من القصة، ثم رفعت بصرها مباشرة إلى يامن، وفي عينيها مزيج من المرارة والإصرار، وقالت:

– حينها طلبتُ منه أن يترك لي الطفلين، فأنا أمّهما، وأنا التي تولّت تربيتهما، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، وقال إنه لن يتنازل عنهما أبدًا، وأن عليهما أن يظلّا معه الاثنان ما دمت قد أخترت رجُلًا آخر، حاولتُ معه بشتى الطرق، لكنه كان عنيدًا، لا يرى سوى وجهة نظره.

تنهدت ببطء، وكأنها تعيد استرجاع تفاصيل تلك المواجهة القاسية، ثم تابعت بصوت محمل بثقل الذكريات:

– لم يكن أمامي سوى اللجوء إلى القضاء، فرفعت عليه قضية حضانة، وحين علم بالأمر، استشاط غضبًا، وحاربني بكل السبل كي أتراجع، لكننا في النهاية… توصّلنا إلى اتفاق.

رمقها يامن بحدة، وكأنه يدرك أن الجزء القادم هو الأهم، فتابعت:

– قال لي:

"اتفقنا، لن آخذ الولدين منك، لكن بشرط… أن نبقى على ما نحن عليه، نتقاسم تربيتهما كما كنا من قبل." وحين سألته عن السبب، أجاب:

"لا أريد لرجلٍ غريب أن يدخل حياة أولادي، ولا أن يعيشوا تحت سقفٍ يشاركهم فيه من ليس منهم، وإن رغبتِ في الزواج، فليكن بعيدًا عنهم، بعيدًا عن بيتنا، وبعيدًا عن حياتهم… وسأفعل أنا الشيء نفسه إن قررت الارتباط بامرأة أخرى.

ساد الصمت لوهلة، قبل أن تتابع بصوت منخفض، وكأنها تخشى الاعتراف بما حدث بعد ذلك:

– تزوجتُ بالفعل، لكنني لم أُدخل زوجي إلى بيتي، بل كنت أذهب إليه كل يوم، أقضي معه وقتي، ثم أعود وأترك أحدكما في المنزل، وحين كنت أذهب إلى شقّة طليقي لأمضي وقتًا مع ابني الآخر، كنت أقطع صلتي تمامًا بزوجي، وكأن حياتي انقسمت بين عالمين… عالم أبنائي، وعالم زوجي الآخر.

نظرت إلى يامن لترى أثر كلماتها عليه، لكنه لم يرد، فقط كان ينظر إليها نظرة خالية من التعبير، وكأن عقله يحاول استيعاب كل ما يسمعه منها، كانت تعلم أن هذه ليست النهاية، لكنها أيضًا لم تكن متأكدة مما سيحدث بعدها..

أخذت زهرة نفسًا عميقًا، وكأنها تستجمع ما تبقى من شجاعتها قبل أن تتابع حديثها، ثم قالت بصوت مبحوح من ثقل الذكريات:

– ومع مرور السنوات، بدأت ألحظ الفارق… الفارق الذي كنت أتجاهله، أو لعلّي كنت أرفض الاعتراف به، ابني الذي كان معي، وهو أنت يا يامن، نشأ في حياة منفتحة، بلا قيود ولا حدود، وانجذب مع أصدقائه إلى طريقٍ مختلف، طريقٍ لم أكن قادرة على السيطرة عليه، أمّا يمان، الذي نشأ مع أبيه، فقد تربّى على الانضباط، والخلق، والرجولة، والمسؤولية… حتى صار رجلًا، وقد رأيت ذلك بعيني.

بدت كلماتها ثقيلة، وكأنها تعترف لنفسها لأول مرة بما حدث، نظرت إلى يامن ، لكنها لم تجد في عينيه سوى الحقد وهو ينظر إليها بصمتٍ متوتر، فتابعت وعينيها تهربان بعيدًا عنه، كأنها تخشى رؤية نظرة اللوم فيهما:

– لقد كنتَ معي، لكنك كنت تائهًا… رفقةُ سوء، سهرٌ، سجائر، وفتيات..

كنتَ تظن أن الحرية أن تحيا بلا قيود، وألا تُصغي لكلامي، أمّا أنا… فكنت ضعيفة أمامك، ربما لأنني كنت أراك تبتعد، وأخشى أن أفقدك إلى الأبد..

أمّا أخوك، فعلى الرغم من أنه كان يقيم مع أبيه أسبوعًا واحدًا فقط، فقد رأيت الفارق… كان مؤدّبًا، هادئًا، لا يخطئ، متفوقًا في دراسته، متديّنًا، حنونًا عليّ، وكنتُ أشعر دائمًا أنه أقرب إليّ منك، رغم أنك كنت تعيش معي طوال الوقت..

ضغطت أصابعها على يديها، وكأنها تحاول منع نفسها من الانهيار، ثم أضافت بصوت أكثر وهنًا:

– كانت حياتي كلّها مبنية على خطأ، كنتُ أظن أنني أستطيع تقسيمها بين عالمين، لكنني في النهاية… خسرتُ كليهما، زوجي الآخر لم يستطع تحمّل هذا الوضع، فانفصل عني بعدما أدرك أن حياتي مضطربة، وأنا بدأت أفقد السيطرة عليك… وبدأ خوفي منك يحلّ محل خوفي عليك.

توقفت للحظة، ثم نظرت مباشرة إلى يامن، وعينيها مليئتان بالندم، وقالت:

– حينها فقط أدركت أنني كنت مخطئة… وأيقنت أنّ عليّ إصلاح ما أفسدته، قررت أن أعود إلى أبيك، لا حبًّا فيه… بل من أجلك، ومن أجل مستقبلك، حتى لا تفقد نفسك أكثر مما فقدتها.

ساد الصمت في المكان، بينما كانت الكلمات تتردد في أذن يامن، تهز كيانه، تجعله يرى الماضي من زاوية لم يرها من قبل..

ارتجفت أنامل زهرة وهي تعبث بطرف وشاحها، كأنها تبحث فيه عن بعض السكينة، ثم رفعت بصرها ببطء، وقد تلألأت عيناها بمزيج من الإصرار والوجع، وقالت بصوت خافت يثقل عليه عبء ما مضى:

– لكن واجهتنا مشكلة كبيرة عند عودتنا، إذ كان لا بدّ أن نجد طريقة نعرّفكما بها على بعضكما البعض. غير أنّ أباك رأى أن يبقى الوضع على ما هو عليه فترةً من الزمن، حتى نعثر على حل مناسب...

كنت أعلم أنه لم يكن يشعر بالأمان تجاهي، وكان يتصور أنني سأعود لفترة قصيرة ريثما أجد رجلًا ثالثًا يقبل بظروفي الغريبة هذه، غير أنّ الكارثة الحقيقية كانت حين بدأتما تطرحان الأسئلة عن سبب تنقلكما المستمر بيننا.

شردت زهرة بعينيها، واقشعرّ جسدها كأنها تتألم من ثِقل ما تحمله ثم أردفت:

– وجدنا أن المبرّر الوحيد لتلك التنقّلات، وحتى لا تشعرا بأن حياتكما غير طبيعية، هو أن نخبركما بأننا نعمل في مكان بعيد، وأن أباك يقيم هناك أسبوعًا، ثم أذهب أنا لأقيم في المكان نفسه في الأسبوع التالي، كان كلّ واحد منكما يظن أنّه الوحيد ولم يخطر ببال أيٍّ منكما أن يشكّ في هذه الحكاية لحظة واحدة.

سكتت قليلًا، ثم أكملت بصوت أثقل، وكأنها تجر قدمها إلى أكثر لحظات حياتها إيلامًا:

– استمرينا على هذا الحال سنين أخرى، وكلما فاتحتُ أباك بضرورة أن نعرّفكما إلى بعضكما وأن نعيش كأيّ أسرة طبيعية، كان يثور ويغضب وتشتعل بيننا مشاجرة كبيرة، ولم أكن أفهم سبب تصرّفه هذا، ولا سرّ إصراره على أن تبقيا بعيدين عن بعضكما، وألّا يعلم أحدكما بوجود الآخر..

إلى أن جاء اليوم الذي انهار فيه كلّ شيء… اليوم الذي لم يعد فيه أبوك من عمله.

شعر يامن ببرودة تجتاح جسده، ونظر إلى أمه بحدّة، وهو يدرك أن هناك كارثة على وشك أن تُروى:

– كان عائدًا من عند يمان أخاكَ بعد أن أنهى أسبوعه معه، وكان في طريقه إليك، لكن القدر كانت له كلمته الأخرى… ففي طريق العودة وقعت الحادثة، وفاضت روحه في الحال.

قالتها وكأنها تتجرع مرارتها من جديد، ثم نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع، لكنها لم تبكِ، وكأنها بكت بما فيه الكفاية من قبل:

– تبدّل كل شيء بعد ذلك… فجأة وجدت نفسي وحيدة، تتحمّل كاهلي مسؤوليتكما كاملة، فيما أصبح السر الذي كنا نخفيه قنبلة موقوتة، ولأول مرة وجدتني عاجزة عن إدراك كيف سنواجهه.

كان يامن قد توقف عن التنفس للحظة، شعر وكأن العالم يدور من حوله… ما سمعه لم يكن مجرد قصة، بل كان زلزالًا يهدم كل ما كان يظنه حقيقة..

أخذت زهرة نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول استجماع قواها قبل أن تُلقي بالحقيقة الأخيرة، ثم تابعت بصوتٍ يملأه الاضطراب:

– لم أكن أتخيّل أن أهله في الصعيد سيكونون بهذا العناد… فقد رفضوا تمامًا أن يُدفن ابنهم في بلد غريبة، وأصرّوا على أن يعود إلى الأرض التي وُلد فيها، الأرض التي ينبغي أن تحتضنه ميتًا كما احتضنته حيًّا.

كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة، كأنها تجرّ معها ذكريات ثقيلة:

– كنتُ يومها في حيرةٍ شديدة، لا أدري ما أفعل… أمامي جثمان زوجي، وابني الذي كان يعيش معه، وأنا وحدي في بلد بعيدة، لم أكن أعرف إلى أين أذهب ولا ماذا أصنع، لكن لم يكن أمامي خيار سوى أن أحمل الجثمان، وأصطحب يمان معي، وأعود إلى الصعيد.

بلعت ريقها، وعينيها تهربان من نظرات يامن التي أصبحت أكثر حدّة، ثم أضافت:

– ما إن انتهينا من دفنه، حتى كان عليّ أن أعود إليك… كان الخوف يعتصرني، وهناك إحساسٌ كبيرٌ بأن أي خطأ صغير قد يبدّد كل شيء كان يتفاقم بداخلي، ومع ذلك، كنت مصمّمة، فلا بد أن أعود بك، ولم أجد سبيلًا لتحقيق ذلك سوى أن أستعمل جواز سفر يمان.

سقطت الجملة الأخيرة منها بصوت خافت، لكنها كانت كالصاعقة في أذن يامن، الذي ارتجف قلبه وهو يدرك للمرة الأولى أن حياته كلها كانت قائمة على كذبة!

تنهدت زهرة ثم التقطت أنفاسها، وهي تحاول استجماع أفكارها وكلماتها، قبل أن تبدأ في الحديث، وكانت عيناها غارقتين في بحر من الذكريات التي لا ترغب في استرجاعها:

– كانت المشكلة أنكما قد كبُرتما بما يكفي، وازدادت أسئلتكما، وأبسطها كان عن أسمك، كنا قد أوهمناك بأن اسمك الحقيقي هو يمـان، لكننا نناديك يامن لأن والدك كان يحب هذا الاسم، أما أخوك فحمل اسم يمان كما هو، وذلك حتى تتمكنا من متابعة حياتكما في المدرسة وفي الأوراق الرسمية دون أن يثير الأمر أي شكوك..

ولكن ما كان يؤرقني أنني واثقة أنك لن تتأثر كثيرًا إذا اكتشفت أن لك أخًا، لكن الحقيقة أن يمان هو الذي كان سيتحطم تمامًا لو عَرف، فقد كان يحلم منذ زمن بعيد بأن يكون له إخوة، وكان يحدثني دائمًا عن أمله في ذلك، ويروي لي كيف يتمنى أن يشاركهم حياته، كنت أرى الشوق يلمع في عينيه كلما تحدّث عن هذا الأمر، وكنت أعلم أنه إذا اكتشف الحقيقة… فإن قلبه سيتأذى بشدة.

توقفت زهرة للحظة، كأن الكلمات تثقل لسانها، ثم تابعت بحذر شديد:

– حين جئت إلى الصعيد هنا، كان أمامي قرار واحد فقط، وكان عليّ أن أتخذه بسرعة حتى أستطيع تمريركما في وسط العائلة دون أن يشعر أحد بأنكما أثنان، قررت أن أجعله أخيك يصدق أنه يُعاني فقدانًا جزئيًا في الذاكرة، وأخبرته أن ذلك نتيجة للحالة النفسية العصيبة التي مرّ بها بعد وفاة والده، قلت له إن ذاكرته باتت مشوشة، وإنه لم يعد قادرًا على تذكّر بعض التفاصيل المهمة من ماضيه، كان ذلك التفسير هو ما برّر له كل التصرفات التي بدت غريبة عليه، وساعدني على إيجاد مخرج لكل ما لم يكن يجد له تفسيرًا حيث يستيقظ من سباته ويباشر حياته بعدك.

رفعت زهرة عينيها إلى يامن، وقد تملكتها مشاعر مختلطة، ثم تابعت بصوت منخفض:

– كنت أعلم أنّ هذا ليس حلًّا دائمًا، لكنه كان الحلّ الوحيد آنذاك، وكان لا بدّ من الإقدام عليه حتى لا تتأذيا، خصوصًا يمان، الذي طالما تمنى أن يكون له أخ، وكنت أشعر أنّه لن يحتمل صدمة الحقيقة بعدما توفاه أباه الذي كان يمثل له كل شئ في هذه الحياة، كنت أدرك أنّه يعيش في وهم، لكن ذلك الوهم كان كل ما أستطيع منحه إيّاه في تلك اللحظة.

ثم أضافت، والحزن يختلط في صوتها:

– كنت أتناوب بينكما، فيقضي كلّ منكما يومًا معي، وحين يخرج يمان، كنت أحاول أن أخلق معه عالمًا بعيدًا عن الواقع، كنت أجعل لكلّ يوم نكهة مختلفة، لعلّه يستطيع أن يحتمل، ويعيش وكأنّ كلّ شيء طبيعي.

تأملت نظراته، وقد اكتمل لديها الشعور بأنها اختارت الولد الصحيح الذي يجب أن يواجه تلك الأسرار ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:

– كانت خطتي أن نستمرّ على هذا الحال حتى تنقضي أربعون يومًا على وفاة زوجي، ثم نعود إلى وضعنا الطبيعي. لكن، أتدري؟ كثيرًا ما كان يساورني شعور بأنّ كلّ ذلك لن يكون كافيًا، وأنّ الحقيقة ستطفو على السطح في نهاية الأمر، وأنا لم أكن أعترض بالعكس دومًا كنت أريد أن أسقط عن كاهلي كل تلك الأسرار القاتمة حتى أستطيع العيش بينكما في هدوء، ولكن القدر لم يرد أن يمنح لي تلك الحياة...

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

  • رجال الله   مفترق الخوف

    ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…

  • رجال الله   سيوف العائلات

    كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status