LOGINجلس مالك، المعروف بين أتباعه بلقب أمير المؤمنين، في غرفة ضيقة تتوسطها طاولة خشبية قديمة.، فوقها انتشرت خرائط دقيقة للمدينة المستهدفة، وصور لأشخاص بعينهم، بجانب حقيبة سوداء بداخلها الحزام الناسف ومفجرات معدّة بعناية..
مدّ يده مرتديًا قفازًا جلديًا أسود، وبدأ يراجع أجزاء الحزام، يضغط على الأسلاك ويتأكد من ثبات الدوائر الإلكترونية، كخبير يحفظ مهنته عن ظهر قلب..
همس في نفسه، وكأن كلماته ليست إلا صدى لسر يعرفه وحده:
– هذه ليست قضية إيمان ولا جهاد... إنها مسرحية، وكل ما عليّ أن أضمنه هو أن يؤدي الممثل دوره كما كُتب له.
طرق أحد أعوانه الباب بخفة ثم دخل بخوف ظاهر:
• سيدي، كل شيء جاهز، والمجموعة بانتظار التعليمات الأخيرة.
خرج مالك من غرفته بخطوات واثقة، متشحًا بردائه الأسود، ولحيته الكثّة تزيد من هيبته في أعين أتباعه، وقف على منصة خشبية صغيرة نصبت وسط القاعة، فيما التف حوله العشرات من جنوده بعيون متقدة تنتظر كلماته كأنها وحي منزل..
رفع يديه إلى السماء يتمتم بدعاءٍ يحفظه ثم أنزلهما ببطء، وصوته خرج جهوريًا، يملأ المكان:
• يا رجال العقيدة! أنتم صفوة الله في أرضه، أنتم المختارون الذين اصطفاهم الخالق للجهاد، اليوم تُفتح لكم أبواب الجنة على مصراعيها، ومن يسقط منكم شهيدًا فليعلم أن الحور العين بانتظاره، وأن الخلود في النعيم حق له.
ارتفعت أصوات التكبير من بين الصفوف، فابتسم مالك ابتسامة خفيفة، ثم أردف بصوتٍ أشد حماسة:
• كونوا على قلب رجل واحد، لا يخذل بعضكم بعضًا، ولا تنظروا إلى الحياة، فإنها زائلة، ولكن انظروا إلى ما هو أبقى... إلى النعيم الذي وعد الله به عباده المجاهدين الصادقين.
أشار بيده نحو الحقيبة السوداء التي وُضعت أمامه مردفًا:
• هذا طريقكم، وهذه وسيلتكم للوصول، بها سترفعون راية النصر عالية، وبها ستكسرون عدوكم وتدكون حصونه عن بكرة أبيها، من يضعها على صدره، فقد باع الدنيا واشترى الآخرة.
ارتجّت القاعة بهتافات الجنود، ووجوههم يكسوها الإيمان الأعمى وفي تلك اللحظة، نظر مالك إليهم بعين باردة تخفي حقيقة نواياه، وقد انعكست صورته في المرآة المعلقة على الجدار بجواره لتُظهر وجه قائد يراه أتباعه وليًّا من أولياء الله، بينما في أعماقه، لا يرى سوى عميلٍ بارد ينفذ ما كُتب له على طاولة سياسية بعيدة..
بعد أن هدأت الهتافات قليلًا، مد مالك يده كأنه يرسم دائرة في الهواء، وقد خرج صوته آمرًا وحازمًا:
• لن يخرج في هذه المهمة إلا من اختاره الله واصطفاه، لذلك فليتقدم من يرى نفسه أهلًا للبذل، ثابت القلب، لا يرجع ولا يضعف.
سكنت القاعة للحظة، ثم بدأ بعض الشباب يتقدمون بخطوات مترددة، بينما آخرون رفعوا صدورهم بثبات كأنهم يتنافسون على شرف الموت..
أشار مالك بعينيه الحادتين إلى خمسة منهم، وقال بصوت عميق:
• أنتم... قد كُتبت أسماؤكم في لوح القدر، وستكونون طليعة النصر، لا تترددوا، فإن الموت قادم لا محالة، ولكن السعيد من يختار أن تكون آخرته في سبيل الله.
اقترب منهم واحدًا تلو الآخر، وضع يده على صدورهم بقوة، كأنه يطبع في قلوبهم عهدًا لا رجعة فيه، ثم التفت إلى الباقين وقال:
• أما أنتم... فلتبقوا على أهبة الاستعداد، كل واحدٍ منكم سيلقى دوره عاجلًا أم آجلًا، دماؤكم لن تُهدر، وستكونون سيوفنا المشرعة حتى يقضي الله أمره.
عاد إلى الحقيبة السوداء، ركلها بقدمه قليلًا لتصدر صوتًا معدنيًا ثقيلًا، ثم قال ببرودٍ لا يخلو من رهبة:
• فيها عهدكم، وفيها خلاصكم، من يحملها يحمل مفاتيح الجنة، ومن يتراجع... فقد أغلق على نفسه باب الرحمة.
ارتفعت الهتافات مرة أخرى، "الله أكبر! الله أكبر!"، بينما في عيني مالك لمعت نظرة شيطانية باردة، تخفي وراء كل ذلك الحماس المزعوم حقيقة واحدة:
"هم يموتون لأجل الجنة... وهو يرسلهم ليُشعلوا نارًا بين أعداءً يدفعون الثمن باهظًا وهم لا يعرفون أنه يحرّكهم كالدمى."
أشار مالك بيده إشارة سريعة إلى معاونه سالم ومن معه من الرجال، ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:
• خُذوا إخوانكم إلى الغرفة السفلية... وهيئوا قلوبهم، ولقّنوهم ما ينبغي أن يقولوا إذا جاء وقتهم، وأخبروهم أن كل كلمة ستخرج من أفواههم ستُسجَّل وتُبَثّ لتُشعل الدنيا نارًا.
انحنى سالم احترامًا، ثم اقترب من المختارين وهم يبتسمون بفخرٍ زائف، كأنهم على موعد مع قدرٍ مقدس، خرج بهم واحدًا تلو الآخر، حتى لم يتبقَ في القاعة إلا مالك ورجاله المقرّبون.
جلس مالك على الكرسي الكبير في صدر القاعة، أخرج من جيبه خريطة مطوية، نشرها على الطاولة، وعيناه تتأمل خطوطها بتركيزٍ حاد وهو يشرح لهم باقي المهمة:
• هنا... في قلب السوق القديم. تفجيرٌ واحد سيكفي ليمزق ثقة شعبٍ كامل بحكومته، لن يسألوا عن الحقيقة... سيبحثون فقط عن دمٍ يعلقونه برقبة أعدائهم وسيكون ذلك في الدقائق التالية للانفجار.
اقترب منه أحد رجاله بتردد، ثم همس:
• مولاي... ألن نخشى أن يُكتشف أمرنا؟ أن يُفهم أنهم أدوات بيدنا؟
ابتسم مالك ابتسامة باردة، ثم قال:
• الخوف نعمة لا يعرفها إلا الضعفاء، نحن لا نُخفي آثارنا... نحن نغرق خصومنا بدمائهم حتى يعجزوا عن رؤية حقيقتنا.
ثم مد يده إلى الحقيبة السوداء الثانية، فتحها قليلًا ليكشف عن المتفجرات المزروعة بعناية، وقال بنبرة أشبه بالقسم:
• بهذا الحديد والنار... سنكتب سطورًا جديدة من الفوضى، وسيظن العالم كله أن يدًا خفية تقاتل لأجل عقيدة، بينما هي في الحقيقة تقاتل لأجلنا... ولأجل من يدفع الثمن.
أغلق الحقيبة ببطء، ثم رفع رأسه إلى رجاله:
• استعدوا... فاللعبة لم تبدأ بعد.
مد مالك يده وأشار بإصبعه على نقطة في منتصف الخريطة، وقال بصرامة:
• هنا... وفي قلب السوق، حيث يلتقي الناس من كل ملة في تلك البلد، ضربة واحدة هناك وستكون في ساعة الذروة، كفيلة بأن تزرع الشك في كل بيت، وتحوّل الجار إلى عدو لجاره.
أمسك قلماً أسود وبدأ يرسم دوائر صغيرة حول النقطة:
• المكان محاط بثلاث طرق رئيسية... الشرطة ستصل متأخرة، والدم سيغطي الأرض قبل أن يسمعوا أول صرخة، وكل من سينجو من هذه المجزرة، سيحمل الكراهية في قلبه، ويصبّها على من نريده نحن.
ثم ضرب القلم بقوة على الخريطة وقال:
• التفجير لن يكون غاية... بل شرارة، الشرارة التي تجعل دولتين تتحاربان دون أن تدركا أن أحدًا آخر قد أشعل النار بينهما.
اقترب حمزة منه وقال بقلقٍ ظاهر:
• وكيف نضمن أن التهمة تقع على من نريد؟
ابتسم مالك، وفتح درجًا في الطاولة أخرج منه جوازات سفر مزورة وأعلامًا لدولة بعينها، ثم قال ببرودٍ لئيم:
• سنجعل كل الأدلة تشير إليهم، أشلاء الانتحاريين، سيكون بها تلك الوثائق، والتسجيلات... حتى الصرخة الأخيرة سيظنونها صرخة عدوهم، لن يبقى شك، ولن يُطرح سؤال.
أغلق الدرج بعنف، ثم نظر في أعين رجاله واحدًا واحدًا:
• هذه ليست عملية انتحارية... هذه عملية ميلاد، ميلاد حرب جديدة... ونحن القابلة التي ستجعلها ترى النور.
تحرك من أمامهم وتركهم يجهزوا ما أمرهم به وانتقل هو ومعه حمزة لغرفة جانبية..
جلس مالك وحمزة أمام حقيبة معدنية صغيرة، كانت محكمة الإغلاق، تتنفس غموضًا ورهبة..
مد مالك يده، وفتح القفل بحذر، فانكشف الداخل: أسلاك دقيقة، دوائر كهربائية، مادة متفجرة مصفوفة بعناية كأنها لوحة فنية مرسومة بالموت..
قال مالك ببرود:
• هذه ليست مجرد قنبلة... هذه رسالة مكتوبة بالنار، حين تنفجر، لن تسقط فقط أجساد، بل ستسقط ثقة أمة بأكملها، فلا يوجد بلدٌ تصنع هذه القنبلة سوى تلك التي يجب أن تقع أعينهم عليها.
أخذ حمزة نفسًا مرتجفًا وسأل:
• وكيف ستصل إلى السوق؟
ابتسم مالك بخبث، ثم أشار إلى صندوق خشبي ضخم بجانبه، وعليه ملصق يحمل شعار
"مساعدات غذائية".
• ستسافر كهدية... تمر عبر المعابر بلا شكوك، محمية بالأوراق الرسمية التي أعددناها، حين تصل، سيتكفل رجالنا بوضعها في قلب المكان المزدحم، لتتحول لحظة العطاء إلى لحظة خراب.
اقترب من الصندوق، وضع يده عليه كأنه يباركه، ثم قال بصوت أشبه بالوعظ:
• دماؤهم هي الحبر الذي نكتب به التاريخ، وكلما زاد نزيفهم... زادت قوتنا.
طلب من حمزة حملها وخرج ثانية لرجاله الذين يثق فيهم..
طلب من حمزة أن يريهم ما بتلك الحقيبة، ثم رفع رأسه عاليًا وخاطب رجاله الذين اصطفوا أمامه:
• تذكروا... لسنا نقتل لأجل القتل، نحن نحرك العالم كما نشاء، والدماء مجرد وسيلة لتحقيق ما نريده، أقنعوا البقية بضرورة الفوز بالجنة والنجاة من النار، واجعلوهم يحفظون تلك الكلمات في قلوبهم وهم يضحون بأرواحهم، فمن يشك منهم لحظة في نوايانا فاتركوه يغادر الآن، لأن من يظل معي سيُخلَّد، ولو لم يُذكر اسمه.
انحنت الرؤوس، وتعالت الهتافات:
• السمع والطاعة... يا أمير المؤمنين!
في صباح اليوم التالي، خرجت شاحنة صغيرة من أحد المخازن المهجورة على أطراف المدينة، كانت مغطاة بملصقات الإغاثة الإنسانية، يقودها شاب لا يعلم أن ما يحمله خلفه ليس سوى موتٍ متخفٍ في صورة خبز وأرز..
من بعيد، كان مالك يراقب الموكب عبر شاشة متصلة بالأقمار الصناعية، عيناه تلمعان بالرضا وهو يرى خطته تمشي على الأرض كأنها قدر محتوم..
قال لحمزة بصوت منخفض لكنه نافذ:
• حين تصل الشاحنة إلى قلب السوق، لن يساور أحدهم الشك، كلهم سيركضون لاستقبال المساعدات، وهم لا يعلمون أن ما ينتظرهم هو لحظة لن تُمحى من التاريخ.
أومأ المعاون وهو يسأله:
• وماذا عن توقيت التفجير؟
أخرج مالك ساعة رقمية صغيرة، ووضعها أمامه على الطاولة، ثم قال:
• اثنا عشر ظهرًا، حين تكون الشمس في كبد السماء، والناس في أوج ازدحامهم... هناك فقط تنفجر الرسالة، وسيكون رجالنا الخمس في أماكنهم حينها، عليك فقط أن تتأكد من وقوفهم في أماكنهم المحددة في تلك الدقيقة.
حرك حمزة رأسه بطاعة قائلًا:
– لا تقلق يا سيدي فكل شيئًا حتى الأن يسير كما تريد.
سكت لحظة، ثم أكمل بابتسامة باردة:
• عندها فقط لن يهم من عاش أو مات، المهم أن أصابع الاتهام ستشير للاتجاه الذي نريد... وستبدأ النار تحتدم بين الدولتين.
نظر مالك لحمزة وعيناه تتقدان بحذرٍ ليستطرد:
– لا أريد ولو خطأ واحدًا يا حمزة، تأكد مع الرجال من كل خطوة حفظتكم إياه.
طمأنه حمزة:
– كل ما تريده سيتم وفقًا لرؤيتك يا سيدي.
أشتر له مالك ليذهب فانحنى بإجلال قبل أن يخرج من الغرفة ويغلق الباب خلفه، رفع مالك هاتفه وضغط زر الاتصال ليأتيه رد معاذ على الجانب الآخر قائلًا:
– كاميرات المراقبة جميعها أمامي وسيارة الرجال تسير في الاتجاه الصحيح وقد مروا من أول كمين بسلام.
سأله مالك بصوتٍ مضطرب:
– وسيارة الإغاثة؟
أجابه معاذ بهدوءٍ كمن يسيطر على مهمته بقوة:
– لقد مرت أيضًا وهي في أمان حتى الموعد المحدد.
كان مالك يهمُّ بإنهاء الاتصال، غير أنّ صوت معاذ ارتفع فجأة يوقفه:
• تمهّل يا مالك... لم تُجبني عن ملك ولم تطمئنني على حالها في لقائكما الأخير.
انقبض وجه مالك كمن ضُرب على وترٍ حساس، وزفر بحدةٍ نافد الصبر:
• دع شقيقتك جانبًا الآن يا معاذ، ووجّه ذهنك إلى مهمتك... هذا ما يهمني.
لكن معاذ لم يتراجع، بل جاءه صوته حادًّا، يقتحم جدار التجاهل:
• لا تفرّ من سؤالي، وأجب بصدق، ما الذي جرى بينكما؟
انعقد فكّا مالك، وتكسرت كلماته بين أسنانه في غيظٍ مكتوم
• لا جديد! ما زالت شقيقتك العزيزة تصدّني بكل ما تملك من عنادٍ وكبرياء، كلما دنوتُ منها، أقامت بيننا سدًّا من الصمت والرفض..
وأنت تسألني الحلّ؟ أيّ حل أجد؟! أنا مالك، أمير المؤمنين، الذي يحوك خيوط الفتن بين الدول كما يُحاك النسيج، ويُسقط العروش دون أن يترك أثرًا، أعجز أمام امرأة لا يتجاوز طولها المتر والستين!
ارتجّ صدر معاذ ضاحكًا رغمًا عنه، وانفلتت منه قهقهة مدوّية كأنها خرقٌ لرهبة اللحظة، فاشتعلت ملامح مالك غضبًا، وانفجر فيه بصوت كالرعد:
• اصمت يا رجل! وعُد إلى عملك حالًا قبل أن أفقد صبري وأجعلك تندم على ضحكك!
ظلّ الصدى معلقًا في الأثير، ومعاذ يحاول كبح ضحكته، بينما وجه مالك ابتسم للحظة قبل أن يزداد تصلبًا كالصخر، وقد استعاد هيبته في نفس الثانية.
***
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







