Home / الرومانسية / رجال الله / جحيم العسيرات

Share

جحيم العسيرات

last update publish date: 2026-05-26 17:00:00

في صباح هادئ يملأه السكون، اختلطت أشعة الشمس الذهبية التي تخللت أغصان الأشجار العتيقة برائحة التراب المبلل بالندى، كانت الحديقة التي تحتضن القصر تعج بأصوات الطبيعة الخافتة؛ همس الرياح بين الأوراق وحفيف الأشجار، وكأنها تُخبر الجميع قصصًا دفنتها السنوات...

الجدران العالية للقصر بأحجارها الداكنة والنقوش التي تحمل عبق التاريخ، بدت كشاهدة أبدية على الحكايات التي صنعت هذا المكان...

الهواء داخل القصر كان مفعمًا بهيبة غامضة، هدوءٌ يتخلله نسمات منعشة، لكنه لم يكن سوى قناع يغطي التوتر الكامن في الأرجاء، القاعة الكبرى التي تتصدرها أعمدة شاهقة وأقواس محفورة بدقة فنية، كانت تبدو كأنها معبد صامت للزمن، الضوء المتسلل من النوافذ العتيقة انعكس على الأرضية الرخامية الملساء ليرسم أشكالًا متعرجة من الظلال وكأنها لوحة فنية متجددة...

وفي قلب القاعة تربعت السفرة الكبيرة مزينة بأطباق تراثية تحمل طابع الصعيد الأصيل، الملوخية الخضراء كزمردة على مائدة مليئة بالألوان، بجانبها أرز أصفر مطرز ببصل محمر تفوح منه رائحة تفتح الشهية، أما الفتة فقد غُمِرت بمرق اللحم الغني، وكأنها تحمل دفء الموروث القديم، الحمام المحشي المشوي الذي تراقصت عليه انعكاسات الضوء كان يبدو كتحفة فنية، بجواره قطع اللحم المشوي المتلألئة تحت وهج الشمس، كل طبق كان يُروى بعناية وكأنه يحكي قصة حب بين الأيدي التي أعدّته والتقاليد التي صاغته...

حول السفرة جلس رجال العائلة، وجوههم تحمل ملامح القوة والوقار، الكبير بينهم "رشيد" الذي جلس في مكان بارز، ظهره مستند إلى كرسي من خشب مُطعّم بالنقوش الذهبية، وكأن الكرسي ذاته يعلن عن مكانته...

عيناه الداكنتان اللتان تحملان مزيجًا من الحكمة والحذر، كانت تراقب الجميع بلا تردد، وإلى يمينه جلس "مبارك"، ذو الملامح الصارمة والجسد الممشوق، تعكس تعبيراته توترًا خفيًا، أما "طارق" الأصغر سنًا، فكانت عيناه المتوقدتان تلمعان بذكاء لا تخطئه العين، وكأنه يخفي أسرارًا تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر...

أما عن بقية الأبناء فتراصوا حول آبائهم كلاٌ في مقعده..

كل شيء في القاعة كان يوحي بالترقب؛ الصمت، النظرات، حتى حركة الهواء، كانت جميعها مشبعة بانتظار أمر أو قرار، في تلك اللحظة رفع "عُسير الكبير"، الرجل الذي يشبه عمودًا من أعمدة هذا القصر يده بإشارة بسيطة، لكنها حملت معها هيبة التاريخ، توقفت الأنفاس وحدّقت الأعين إليه بانصياع كامل...

– رشيد..

نطق الجد بصوت هادئ لكنه نافذ:

– رشيد، ودّي أعرف وش صار بينّا وبين عيلة الوقاداب والجعافرة.

الكلمات خرجت كالسهم، تخترق الصمت وتفرض واقعًا جديدًا، رشيد الذي كان يعلم أن ما سيقوله سيحدد مسارًا خطيرًا، التقط أنفاسه ثم تحدث بنبرة مشوبة بالتوتر

– يا سيدنا، الحال ضاق مع الوقاداب، شاهين... ذبح سعدون.

ساد القاعة صمت ثقيل، كأن الكلمات علقت في الهواء... عيون الجد ظلت مثبتة على رشيد لكنه لم يتحدث بل انتقل ببصره نحو مبارك الي انطلق الشرر من حدقتيه بشكلٍ قد يحرق البلدة بأكملها، أكمل رشيد بصوت أخفض وكأنه يخشى وطأة ما يقوله:

– اللي زاد الطين بِلّه، يا سيدنا، متل ما تعرف سعدون أخو مرة ولدنا الكبير، فمصيبتهم صارت مصيبتنا، والغضب يفور بدمهم.

تجاعيد وجه الجد بدت كأنها تتعمق مع كل كلمة، بينما كانت عيناه تعكسان أفكارًا تتصارع في ذهنه، الجميع كان يعلم أن هذه اللحظة ليست عادية وأن الصراع القادم لن يمر دون أن يترك أثرًا في نفوسهم وفي تاريخ العائلة...

سأل الجد عُسير بصوتٍ واضح:

– احكي لي وش اللي صار؟

رشيد الذي كان يعرف جيدًا أن الجد لا يسأل إلا عما يستحق أن يُعرف تنهد بعمق وأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يرد:

– "علي" حكى لي كل شيء يا سيدنا، القصة بدت لما صارت مشاجرة بين غازي من الجعافرة وسعدون من الوقاداب، سعدون تعدّى حدوده مع غازي ولد عم شاهين، وأخذ أرضه غصب، واعتدى على أنفار مزارعين غازي وقتل واحد منهم، المقتول كان أبو غالب، الرجال اللي بيته قدّام أرض الجعافرة، و النتيجة كانت كارثية، شاهين ما استحمل اللي صار، طلع في نص الليل وذبح سعدون في بيته، قدّام عياله وزوجته.

عيني "مبارك الكبير" اتسعت، كما لو أن الخبر وقع عليه كالصاعقة، نظراته كانت مركزة على رشيد الذي لم يخفِ التوتر في وجهه، كان الجد يمرر كلمات رشيد في ذهنه، وكان الأمر يبدو أكبر من مجرد خلاف عائلي بسيط، عائلة الوقاداب كانت خطيرة وكذلك الجعافرة ولا يمكن التغاضي عن هذا النوع من المشاكل بسهولة، فقد اشتعلت الحرب بينهما ويجب أن تتخذ العُسيرات جانب منهما..

و في تلك اللحظة فَهم رشيد أن جدّه قد حان وقت تأملّه في الأحداث، وأن القرارات القادمة ستكون من صِنعه وحده...

كانت زهرة مختبئة وراء الباب الخشبي السميك، قلبها ينبض في صدرها كأنه على وشك الخروج، كان كل شيء في هذا المكان ثقيلًا حتى الهواء نفسه كان يبدو مشبعًا بالهمسات التي تصلها بصعوبة عبر تلك الفجوات الضيقة بين الألواح، كانت أذناها مشدودة، تلتقط كل كلمة، كل همسة تخرج من فم الرجال داخل القاعة كأنها أسيرة لصوتهم، عاجزة عن الهروب، رغم أن قلبها كان يحثها على الرحيل...

الحديث الذي يتبادلونه كان يتسلل إلى أعماقها، يمزق صمتها ويترك ندبًا في داخلها وكأن كل كلمة تخرج تمثل سكينًا يجرحها، وكل حديث عن القتل والدم والانتقام يملأ الأفق بالكآبة من حولها، عرفت أن ما يحدث الآن هو بداية فوضى قد لا تجد العائلة بعدها طريقًا للنجاة، شعورها الداخلي كان يقول لها إنهم يقفون على حافة كارثة وما حدث لآل الوقاداب لن يكون إلا بداية لحدث أكبر بكثير...

أصابتها رعشة شديدة في يديها حتى شعرت أن أصابعها لن تستطيع التماسك أكثر من ذلك، كانت قبضتها على طرف فستانها القطني مشدودة كأنها تحاول إمساك شيء غير مرئي، شيء قد يعيد إليها توازنها المفقود، شعرت وكأنها تتمزق بين جدران الزمن؛ شبح الماضي الذي لا ينفك يطاردها، وحاضرها الذي أصبح قاتمًا يضغط على صدرها بكل قوته...

أما المستقبل، فكان شيئًا مبهمًا بعيد المنال، يكاد يكون وهمًا في غياهب اللا معلوم...

وخاصة عندما نطق أحدهم باسم العائلة، كأنما قطع الزمن لحظة واحدة، شعر قلبها وكأن شوكة حادة قد اخترقته، هي تعرف تمامًا ما يعنيه ذلك الاسم بالنسبة لهم جميعًا، وماذا قد يحدث إذا خرجت الأمور عن السيطرة، فكرت في سعدون الذي قُتل بدم بارد أمام عائلته، في زوجته وأطفاله الذين تحملوا تلك اللحظة القاسية، كيف ستكون ردود فعلهم؟ ماذا سيحدث الآن بعد أن اشتعلت النيران في صدورهم؟ أسئلة كانت تتوالى في ذهنها مثل أمواج البحر العاتية، ولكن كل إجابة كانت تبتعد عنها أكثر...

جف حلقها وجعلتها محاولات التنفس أشبه بالمغادرة في صحراء قاحلة، أغمضت عينيها لحظة محاولة تهدئة نفسها، لكنها لم تستطع الهروب من أفكارها المبعثرة، كانت تعلم في قرارة نفسها أن جدهم عُسير لن يترك الأمور تذهب بعيدًا، ولكنه في ذات الوقت كان يعلم تمامًا أن الدماء التي أُريقَت لا تُمحى بسهولة، كانت تدرك أن تلك الدماء ستكون أثقل من أي قرار يمكن اتخاذه، وأنها ستترك أثرًا عميقًا في الجميع ولكن هذا كله لا يعينها، سوى أن لا يُفتح صندوق أسرارها ويتم التضحية بأحد ولديها..

حينما أغمضت عينيها شعرت بأن المكان يضيق حولها، ارتخت مفاصلها كما لو كانت تسحب نفسها بعيدًا عن كل ما يثقل قلبها، زحفت خطواتها نحو الزاوية البعيدة حيث الضوء خافت والأفكار كالعواصف في رأسها، كان قلبها مثقلًا، كما لو أن سرًا ضخمًا يستقر فيه، شيء لن تجرؤ على البوح به لأحد، وبينما كانت تتحرك أدركت أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوة، وأن هذه العاصفة التي تلوح في الأفق لن تُبقي شيئًا إلا الخراب إن لم تقف هي في وجه الاحداث وتتفكر في حلٍ ينجي ولديها، فهي لم تهرب بهما من براثن العصابات لتُلقي بهما في قلب الثأر...

فكرة واحدة كانت تتردد في عقلها مثل صدى في غياهب الليل: "لابد أن أفعل شيئًا... قبل أن تبتلعنا هذه الدوامة العاتية."

وفي تلك اللحظة قطع الصمت الهادئ الذي عم المكان صوت الجد عُسير كالرعد الذي يشق سكون الليل وهو ينطق باسمه، لكن الكلمات كانت كأنها أحكام تنتظر التنفيذ: - يمان... تعال هنا.

كان صوته رصينًا، عميقًا، مليئًا بالقوة والهيبة، وكأن كل حرف يخرج منه كان يحمل معه قرارًا لا يمكن التراجع عنه..

زهرة التي كانت مختبئة خلف الباب، شعرت بدقات قلبها تتسارع بشكلٍ مُرعب، كان الخوف يغمرها لدرجة أنها توقفت عن التنفس، وعينيها تتابعان المشهد بعجز وكأنها تجمدت في مكانها...

تحولت جميع الأنظار داخل القاعة إلى يمان، كان الجميع ينتظرون حركة منه وكانت العيون مشدودة إليه كأنما تتوقع شيئًا عظيمًا، يمان الشاب الذي كان دومًا غامضًا وصامتًا، والذي كانت عيناه تحملان تفاصيل قصة خفية لا أحد يعلمها سواه، نهض فجأة من زاويته المظلمة، كانت خطواته متأنية لكنه في ذات الوقت لم يكن هناك تردد في مشيته، اقترب من الجد عُسير كأنما يحمل على عاتقه عبء تاريخ طويل من الأجيال، ثم بيد ثابتة وضع يده على رأس الجد في احترام تام وقبّل يده بقوةٍ تكاد تُفجر كل ما في قلبه من مشاعر، ثم جلس إلى جانبه والحركة كانت سريعة لكنها مشبعة بالعاطفة والولاء...

الجد عُسير الذي كان دائمًا رمز الحكمة في العائلة نظر إليه لحظة طويلة وكانت عيناه غارقتين في تفكير عميق، كأنما يحاول فك طلاسم لا يفهمها بعد، همس بصوت منخفض لكنه كان مشبعًا بالثقل:

– الوقت جا يا يمان، علشان نعرف وش بيكون عليه المستقبل.

كان صوته غير واضح كأن كلمات قديمة تتناثر بينهما، وكانت عيناه المرهقتان لا تترك يمان لحظة وكأنهما تبحثان في ملامحه عن شيء قد فقده الزمن، عن لمحة لولده الغالي الذي قُتل بهتانًا وغدرًا في غير أرضه...

كانت زهرة ما زالت تقف وراء الباب، قلبها ينبض بجنون، الهواء في المكان حولها كان خانقًا، كل نفس كانت تلتقطه كان يبدو كالثقل على صدرها، وفي تلك اللحظة شعرت بأن كل شيء حولها قد تحول إلى غبار يطير في الهواء، وأن الوقت توقف ليكشف لها عما هو قادم، كانت عيناها رغم أنها لم تكن ترى بشكل كامل، كانت تقترب برأسها إلى باب القاعة بين الحين والآخر الرجال في الداخل كانوا يحدقون في يمان وكان من الواضح أن الجميع على حافة من اللحظة المفصلية...

لكن في قلبها كانت هناك أسئلة تمزق عقلها:

"ما الذي سيحدث الآن؟ هل نحن على أعتاب تغيير لا يمكن إيقافه؟"

وحينها شعرت بأن ثقل الحقيقة بدأ ينزل عليها، فكل شيء بدأ يتضح ببطء كما لو أن طيفًا مظلمًا يلوح في الأفق، هي تعلم أن الوقت قد حان لتتغير الكثير من الأشياء ولكن السؤال الأهم في قلبها كان:

"عن ماذا سيتحدثون؟"

الفكر داخل زهرة كان في حالة ارتباك، مشاعرها متضاربة بين القلق والفضول وبين الخوف مما هو آتٍ، ومع هذا الصمت الذي ملأ الغرفة كان شيء واحدًا فقط يشغل بالها: الحقيقة التي لا مفر منها...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status