LOGINفي زاوية مُظلمة من قصر العائلة حيث تسللت خيوط الضوء الخافتة من خلال الستائر الثقيلة لتنعكس على جدران الغرفة، جلست غسق بمفردها على الأريكة الفاخرة، عيناها متجمدتان على نقطة بعيدة، كان ذهنها غارقًا في دوامة من الأفكار المتضاربة، يحاول أن يفهم ما حدث في الليلة الماضية التي لم تنم فيها ولو للحظات، كانت الكلمات التي سمعته يقولها لها ما زالت تلاحقها تملأ أذنيها بكل تفاصيلها..
"راح نلتقي مرة ثانية يا غسق، بس المرة الجاي تكون الدعوة منكِ أنتِ."
كان هذا آخر ما قاله لها شاهين، كانت تلك الكلمات تردد داخل ذهنها بشكل مستمر لا تستطيع التخلص منها، لم تكن قد قابلت شاهين من قبل ولم يكن بينهما سابق معرفة، لكن اللقاء الذي جرى بينهما في تلك الليلة كان مختلفًا، كانت عيونها رغم القلق الذي أصابها تلتقط تفاصيله الغامضة، وكل كلمة نطق بها كانت تحمل في طياتها معنى غير واضح شيء كان يثير الشكوك ويغذي قلقها...
"لماذا قال ذلك؟"
تساءلت غسق متعجبة إن كان يقصد شيئًا أكبر، هل كان يقصد تهديدًا خفيًا أو مجرد حديث عابر؟
عقلها كان مشوشًا يتنقل بين تلك الكلمات المريبة وبين مشاعر غريبة تجاه هذا الشخص الذي لم تعرف عنه شيئًا سوى تلك اللحظة العابرة، كانت قد أدهشتها طريقة حديثه التي بدت وكأنها تحمل شيئًا من الغموض، لماذا كانت المرة القادمة التي قالها مهمة جدًا؟ وما الذي يعنيه أن تكون الدعوة منها هي؟ هل كان يراهن على شيء ما، أم كان يختبر شيئًا في شخصيتها؟
كانت غسق تراقب الزمان يمر ببطء، كل ثانية كانت كالعمر، أفكارها تتنقل بسرعة غير مفهومة كأنها تجد نفسها في دوامة لا تعرف كيف تخرج منها، كانت تحاول فهم دوافع شاهين، لكنها تدرك جيدًا أنه لا شيء في تلك اللحظة يمكن أن يكون واضحًا، كان يبدو لها أنه كان يحمل شيئًا في صوته، شيئًا غير مرئي لا تستطيع تحديده...
شعرت بشيء يضغط على صدرها، كأن تلك اللحظة قد تركت داخلها فراغًا كبيرًا، فراغًا ممتلئًا بالأسئلة التي لم تجد لها إجابات، كانت تعتقد أن تلك اللقاءات العابرة قد لا تكون مهمة لكن حديثه معها وإصراره على معرفة أسمها غيّر كل شيء، كانت تعلم في أعماقها أن تلك الكلمات لا يمكن أن تكون مجرد صدفة ولكنها لم تكن تستطيع أن تجد طريقة لفهمها...
أخذت عدة أنفاس متكررة محاولة تهدئة نفسها، لكنها لم تستطع إيقاف تلك الأفكار التي كانت تدور في رأسها، ماذا كان يقصد بها؟ ماذا يعني أن يكون اللقاء التالي برغبتها؟ هل كان يعرف شيئًا عنها؟ لماذا هذا الحديث المراوغ؟
غسق كانت لا تزال جالسة على الأريكة في غرفتها، عيونها متجمدة على نقطة بعيدة، أفكارها تتجاذبها كالأمواج العاتية، تمنت لو أن لديها القوة لتكشف المزيد عن نوايا شاهين ولكنها كانت تدرك أيضًا أن المجهول يحمل مفاجآت لا يمكن التنبؤ بها...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ذات الصباح الهادئ والمشرق، حيث كانت أشعة الشمس تنساب بلطف عبر النوافذ المفتوحة، تُضيء أركان البيت القديم رغم فخامته وتملأه بدفءٍ يغمر القلوب، كان الصباح يتسلل بهدوء يحمل معه نسيمًا عليلًا يعبق برائحة الأرض والمطر الذي طالما حلمت به ضي، كانت الأشعة تلامس وجوههم بلطف، وتنعكس على الصحون المتناثرة على السفرة المصنوعة من الخشب، حيث كانت أمهم تعد لهم وجبة الفطور بعناية وحب وتضبط اللحظة التي ستجمعهم حولها...
كانت ضي جالسة على طرف السفرة، عيونها ضائعة في تأمل الضوء الذي يتسرب عبر الزجاج، كانت أصابعها تداعب قطعة الخبز برفق، بينما أذناها تلتقطان أنغام العالم الذي يدور حولها وكأنها تسمع لحنًا خفيًا في الهواء، كان قلبها في عالم آخر بعيدًا عن الحديث، تحلم في مكان ساكن حيث الموسيقى والهدوء ورجلٌ حالم ذو الصفاتٍ المدهشة التي طالما حلمتْ به....
أما تولاي الشقيقة الأقوى والأكثر عزيمة فكانت تجلس بالقرب من أمها، عيونها مشدودة نحو الوجوه المحيطة بها ولسانها يتردد في التفكير عميقًا في كل كلمة، كانت تعرف أن الأمور في هذه الأيام ليست كما يجب، وأن ما يحدث حولهم أكبر من أن يُفهم بسهولة، كانت شخصيتها القوية تجعلها تميل دائمًا إلى التفكير بعقلانية وحذر...
أمهم التي كانت تراقبهم بعين الحنان بدأت حديثها وهي تضع الصحون أمامهم:
– اليوم الأخبار ما هي بزينة، سمعتوا وش صار مع سعدون؟
كلماتها كانت ثقيلة ولكنها خرجت ببطء وكأنها تتجنب ذكر التفاصيل، تولاي التي لم تكن تميل للكلام الكثير نظرت إلى أمها بثبات وقالت:
– وش اللي صار؟
أغمضت أمهم عينيها للحظة وكان الألم واضحًا على ملامحها وهي تخبرهم:
– سعدون، اللي كان يشتغل بأراضي الجعافرة، قتل أبو غالب جارنا، الراجل الطيب اللي كان يشتغل مع الأنفار.
ضي، التي كانت تحب أن تسبح في بحر أفكارها، التقطت الكلمات بصعوبة، وكأنها تُسحب إلى واقع لا تود مواجهته...
– وأنا كنت أفكر وش اللي خلا أم بندر ما تخدمنا اليوم؟ كيف صار ذا؟ وليه؟!
همست بصوت خافت لكن تولاي كانت قد عرفت أن القصة أكبر من مجرد حادث...
كانت تولاي دائمًا تهتم بالتفاصيل فقالت بحزم:
– هالأمور ما تصير بلا سبب، أكيد فيه شيء أكبر ورا اللي صار.
كانت أمهم تتحاشى أن تزيد في الحديث عن المأساة، أضافت:
– الدم ما يمحى بسهولة، واللي صار بين سعدون وأبو غالب ما هو خلاف عابر.
سألتها ضي بقلق:
– أبوي وينه الحين؟
اجابتها امها بتفكُر وحزن:
– واقف مع عيلة أبو غالب يا بنيتي، ما يقدر يتركهم، أقلها لين يعرفوا وش بيسوون بجثة الرجَّال.
ابتسمت ضي بحزنٍ وأشارت بيدها إلى السماء من خلال النافذة:
– كنت أسمع صوت الريح كأنها تعزف لحن غامض يحوي شي عميق چواته.. شي غريب، اعتقد أنه ينذر باللي جاي.
نظرت تولاي إلى أختها بعينين حادتين، ثم قالت بصوت منخفض ولكن قاطع:
– الريح تاخذنا لطرق ما نعرفها، بس في النهاية لازم نكون جاهزين لكل شيء، وإيدينا تقدر تغيّر اتجاهها.
الأم صمتت، ثم أردفت بصوت هامس:
– الحياة صعبة يا بناتي، ما في أحد يقدر يهرب من عواقب اللي يصير ولا من القدر.
وتلك اللحظة بينما كانوا يتناولون الفطور على السفرة، كانت كلماتهم محملة بالقلق، والهمسات بين ضي و تولاي تكشف عن عوالم داخلية مختلفة، كانت تَسكن قلب كل منهما بطرقٍ لا يعرفها الآخر، ولكنهم جميعًا في النهاية، يعلمون أن الوقت قد حان لمواجهة ما ينتظرهم...
في قصر شاهين كانت الأجواء مشحونة بالاحتفال، والأصوات تندمج في صخب من الفخر والاعتزاز، كل شيء في تلك اللحظة كان يعبر عن القوة والهيبة، السفرة التي كانت تمتد بتأنٍ فوق الأرضية المزخرفة، تعكس هالة من الجلال والمجد، محاطة بعائلة الجعافرة التي اجتمعت على طعام فاخر يعكس مكانتهم، كان الجد جعفر الرجل الذي طالما كانت عينيه مليئتين بالمَكر، رفع نظره إلى الأعلى في حركة دائرية متفاخرًا، فيما كان يلتقط الكلمات التي يرددها الرجال من حوله، كانت كلماته تتناغم مع وقع يده التي تمسك بالكأس محكمًا...
– الشاب هاذ علّم الكل من نكون! ترى انها خطوة زينة ما حد قدر يفكر فيها وانت سويت اللي ما قدر عليه أحد!
قال الجد جعفر بنبرة حادة وواثقة بينما رفعت يده كأس العسل المصفى الذي أعد خصيصًا لهذه المناسبة ثم ارتشفه بلذة عاكسًا رضاه التام...
شاهين الذي كان يجلس في أطراف السفرة نفض فكره لحظة ليتلقى الإطراء، فرفع رأسه قليلًا وعيناه تتنقلان بين الوجوه المتأملة، قبل أن يعانق ابتسامته المكان، ابتسامة لطالما كانت تميز شخصيته المتكتمة، لكن في أعماق قلبه كان هناك شيء مختلف، شعور غريب انتابه، كان ذهنه بعيدًا عن كل الحشود من حوله، لم يكن قلبه مع هؤلاء الذين كانوا يرون فيه بطلًا، ولم تكن أذنه مصغية لكلماتهم المملوءة بالإعجاب....
في عقله كان الصوت الذي يتردد على مسامعه لا ينتمي لهذه اللحظة، كان الصوت الآخر هو صوت غسق، يتخلل كيانه كدفق من الأنغام غير المكتملة، لا يزال كلامها يتردد في ذهنه كأصداء بعيدة كما لو أن الكلمات التي نطقتها بالأمس ما زالت تلاحقه تبث فيه قلقًا وسؤالًا لا يهدأ...
"انت چنيت؟ تبغى تختبر قوتي؟ ما راح اتردد بقتلك ان قربت خطوة مني."
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







