LOGINمالَت الطائرة إلى الهدوء، وصوت محركاتها كان يُسمع بشكل ضبابي في الخلفية، كان مالك جالسًا في مقعده، عيناه ثابتتان على الأفق من خلف الزجاج، كانت الظلمة تحيط بكل شيء كما لو أن السماء قد خافت من الإجابة على أسئلته!
ذهنه كان مشوشًا بما يكفي لجعل الليل يمتد أكثر من حقيقته، لكنه كان يعرف أن هناك أمرًا غير مكتمل في كل ما حدث!
أسئلة ملك لا تتركه، تتسلل إليه في كل لحظة وتطارد أفكاره كظل ثقيل لا يقدر على التخلص منه، هي بكلماتها القليلة التي سمعها عبر صوت أخيها جعلته يتساءل عن حقيقة ما جمعهما، هل كانت تلك اللحظات التي قضياها معًا قبل أن يُعقد قرانهما حقيقة أم مجرد خيوط وهمية رُسمت في الظلام؟ كيف لتلك الابتسامة الغامضة أن تتحول إلى سرٍ مُعقد دون أن يكتشفه؟
كلما كانت الطائرة تقترب من وجهتها، كان هو يبتعد عن الراحة!
فكرة أن يعود إلى قصره لم تعد تمثل له الأمان الذي كان يظنه، كان يشعر أن هناك شيء ينتظره خلف جدرانه، شيء لم يكن يراه من قبل ولغزٌ لا يستطيع تفسيره حتى هذه اللحظة....
خطواته على مَدّرج المطار كانت ثقيلة، ولكن لم يكن ذلك بسبب ثقل جسده، بل لأن عقله كان يحمل من الأسئلة ما يكفي ليفقده التركيز وهو يسير نحو البوابة، لم يكن يفكر في منزله الذي طالما اعتاد عليه، بل كان كل تفكيره في تلك اللحظة التي لم يقدر على تجاوزها، مشاهدهما المتكررة معًا وموافقتها على الزواج منه، وحدقتيها اللتان كانتا تتلألأ ببريقٍ خاص حينما رأته!
كان يبحث في داخله عن إجابة تُشفي قلبه، كيف لها أن تُنكر كل ما حدث؟! لكنه شعر أن الطريق مُغلق أمامه، وكأن كل شيء في العالم كان يرفض أن يكشف له الحقيقة!
عندما دخل إلى القصر سُمعت صوت أقدامه ترن في المكان الواسع، وكأن الأصداء التي تخرج منه تلاحقه وتثير في قلبه حيرة أكبر، كانت الأضواء خافتة والجو في الداخل كان أكثر برودة من الخارج، الأثاث القديم الجدران التي اعتاد عليها كلها كانت كما تركها منذ عدة ساعات لكنها أصبحت أكثر عزلة الأن، بل أكثر بعدًا عن كل شيء.
كان رجاله في انتظاره عند المدخل، وعلى رأسهم حمزة..
تجمعوا حوله وابتساماتهم تعكس الترحاب والاحترام لكن مالك كان في حالة ذهنية مختلفة تمامًا..
قال حمزة بصوتٍ هادئ وهو مطأطأ الرأس:
– حمدًا لله على سلامتك يا أمير.
أمأ له مالك ثم التفت للبقية وأجاب بصوتٍ خافت، وكأن الكلمات خرجت عنوة من بين شفتيه:
– حفظكم الله... العملية القادمة ستتم خلال ثماني وأربعين ساعة، وعلينا أن نكون مستعدين جيدًا... سنلتقي بعد ساعتين في اجتماع هام.
ثم التفت بعيدًا عنهم وسار بخطوات ثابتة نحو الداخل، كان عقله لا يزال مشغولًا بمزيج من الأسئلة وفضول لا ينتهي حول ما حدث لملك، وكيف أن هذه اللقاءات الغامضة تُبقيه في حالة من الاضطراب..
حين اقترب من جناحه، شعر أن النوم لن يزوره هذه الليلة، شيء ما كان يختبئ في هدوء تلك اللحظة، وفي ظلام ذلك الرواق الخانق..
توقّف أمام غرفته، ثم التفت فجأة، وغيّر وجهته... إلى غرفتها..
وقف مالك عند باب غرفة عائشة وجسده مشدود كوترٍ على وشك الانقضاض، وعقله يغلي بأفكار متناقضة متشابكة لا يكاد يسيطر عليها، قلبه ينبض بسرعة غير معتادة وكأن هناك نغمةً موسيقيةً غير مرئية تتسارع في أذنه وتدفعه نحو شيء لا يعرفه، شيء يستشعره ولكنه يخشى مواجهته، كانت خطواته الأخيرة مترددة، لم يجرؤ على فتح الباب تمامًا، و في لحظات كهذه كل شيء يبدو عميقًا، معقدًا، في حين أن الحقيقة التي كان يتهرب منها تلوح أمامه كظلٍ ثقيل...
إنه يعرف أنه في تلك اللحظة على وشك أن يتخذ خطوة غير قابلة للتراجع، غرفة عائشة التي لطالما كانت ملاذًا له، تحمل الآن ثقلًا لم يكن ليشعر به قبل ذلك، كان يشعر بأن جدران تلك الغرفة من الخارج تراقب تفاصيله، تجترح الأسئلة التي بدأ يشك في إجابتها، وتثير في نفسه مشاعر غير متوقعة...
لا يستطيع أن ينكر أنها كانت تحتفظ بمفتاح لجزء من حياته، جزء كان قد أغمض عينيه عن استكشافه، لكنه كان الآن على وشك فتحه...
لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا..
لم تكن "ملك" مجرد فتاة مرّت في حياته، بل كانت مثل شرارة سقطت في قلب هادئ فأشعلته..
منذ أن التقت عيناهما، تغيّر شيء ما بداخله، شيء لم يستطع تفسيره..
حاول تجاهل الأمر، مرارًا، لكن صورتها كانت تعود دومًا، أقوى من قبل، تغزو أفكاره، وتخترق هدوءه..
كان مالك يعيش في عالم يعرفه جيدًا، كل ما فيه مألوف، متوقَّع، حتى ظهرت هي..
بداخله صراع لا يفهمه: بين أمان يعرفه منذ سنوات، وقوة غريبة تسحبه نحوها..
لم تكن "ملكة أحلامه"، لكنها كانت تحمل شيئًا لا يمكن مقاومته...
ربما كان اضطرابًا، وربما شيء أعمق، لكنه بالتأكيد سلبه راحته المعتادة، وكلما حاول أن يبتعد، انجذب أكثر وخاصة بعدما عرف أنها علاجه الوحيد..
شيء ما في حضوره قربها يجعله متوتّرًا، كأن يدًا خفيّة تدفعه نحو المجهول..
لكن وسط كل هذا التخبّط، شعر أنه يجب أن يفهم، أن يواجه، أن يعرف ما يحدث له ولها..
هل هو فقط أمام مشاعره؟ أم أن القدر يخبئ له أمرًا أعظم؟
وفجأة، شعر برغبة عارمة في الهروب...
أن يغادر الغرفة، يعود إلى ما كان يعرفه، حيث لا عيون تسكن رأسه، ولا قلق يعصف به..
حرك يده على المقبض لكن رؤية عائشة واجتماعه بها تداخلت مع صورته الأخيرة مع ملك، في تلك اللحظات التي كانت عيونها تشع بعاطفة غير مفهومة، وكان صوتها يحمل في طياته أسئلة لا جواب لها، كم هو غريب هذا الشعور، وكم هو معقد الموقف! أهو خوف؟ أم هو مجرد قلق من المجهول؟
مال على الباب ليخوض معركته الداخلية مع عائشة الفتاة الوحيدة التي ستداوي علته، وبينما هو يقف على عتبة هذه اللحظة الحاسمة، كان يدرك شيئًا واحدًا:
لا شيء سيعود كما كان.
في صباح هادئ يملأه السكون، اختلطت أشعة الشمس الذهبية التي تخللت أغصان الأشجار العتيقة برائحة التراب المبلل بالندى، كانت الحديقة التي تحتضن القصر تعج بأصوات الطبيعة الخافتة؛ همس الرياح بين الأوراق وحفيف الأشجار، وكأنها تُخبر الجميع قصصًا دفنتها السنوات...
الجدران العالية للقصر بأحجارها الداكنة والنقوش التي تحمل عبق التاريخ، بدت كشاهدة أبدية على الحكايات التي صنعت هذا المكان...
الهواء داخل القصر كان مفعمًا بهيبة غامضة، هدوءٌ يتخلله نسمات منعشة، لكنه لم يكن سوى قناع يغطي التوتر الكامن في الأرجاء، القاعة الكبرى التي تتصدرها أعمدة شاهقة وأقواس محفورة بدقة فنية، كانت تبدو كأنها معبد صامت للزمن، الضوء المتسلل من النوافذ العتيقة انعكس على الأرضية الرخامية الملساء ليرسم أشكالًا متعرجة من الظلال وكأنها لوحة فنية متجددة...
وفي قلب القاعة تربعت السفرة الكبيرة مزينة بأطباق تراثية تحمل طابع الصعيد الأصيل، الملوخية الخضراء كزمردة على مائدة مليئة بالألوان، بجانبها أرز أصفر مطرز ببصل محمر تفوح منه رائحة تفتح الشهية، أما الفتة فقد غُمِرت بمرق اللحم الغني، وكأنها تحمل دفء الموروث القديم، الحمام المحشي المشوي الذي تراقصت عليه انعكاسات الضوء كان يبدو كتحفة فنية، بجواره قطع اللحم المشوي المتلألئة تحت وهج الشمس، كل طبق كان يُروى بعناية وكأنه يحكي قصة حب بين الأيدي التي أعدّته والتقاليد التي صاغته...
حول السفرة جلس رجال العائلة، وجوههم تحمل ملامح القوة والوقار، الكبير بينهم "رشيد" الذي جلس في مكان بارز، ظهره مستند إلى كرسي من خشب مُطعّم بالنقوش الذهبية، وكأن الكرسي ذاته يعلن عن مكانته...
عيناه الداكنتان اللتان تحملان مزيجًا من الحكمة والحذر، كانت تراقب الجميع بلا تردد، وإلى يمينه جلس "مبارك"، ذو الملامح الصارمة والجسد الممشوق، تعكس تعبيراته توترًا خفيًا، أما "طارق" الأصغر سنًا، فكانت عيناه المتوقدتان تلمعان بذكاء لا تخطئه العين، وكأنه يخفي أسرارًا تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر...
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







