로그인امتدت يدها المرتجفة نحو السكين الموضوعة على صينية الطعام، وقبضت عليها بقوة حتى شعرت بنصلها وهو يخترق أطراف أصابعها، ثم رفعتها بحدة مصوبة إياها نحو رقبته ودنت به أكثر حتى غرز طرفه في عرقه النابض ولكنه لم يتجاوز جلده بعد، بينما عيناها المشتعلتان بالغضب والخوف تضيقان بتوتر بالغ ...
– أعدني إلى أهلي حالًا، وإلا…
تعثرت كلماتها لكنها لم تتراجع بل شدّت قبضتها أكثر على المقبض البارد بينما أنفاسها تتلاحق بعصبية شديدة..
لم يتحرك خطوة.. لم يرتجف.. بل ظل ينظر إليها بنفس البرود القاتل وكأن التهديد الذي تحمله السكين في يدها مجرد وهم لا قيمة له...
علا صوتها أكثر وكأنها تحاول أن تغطي به على صمته الثقيل:
– أتسمعني؟! قلتُ أعدني حالًا!
لكن ردة فعله لم تتغير ظلت عيناه مثبتتين عليها بثقة غريبة، ثقة أشد وطأة من أي رد فعل عنيف كانت تتوقعه منه كأنه كان يعرف تمامًا أنها لن تؤذيه... وكأنها هي نفسها لم تكن متأكدة مما يمكنها فعله
فشعرت بالاختناق و بالضعف يتسلل إليها بعجزها عن إجباره على شيء...
لكن هناك شيء واحد يمكنها فرضه عليه، شيء سيجعله ينهار ولا بد أنه سيفعل ما أمرته به..
وبسرعة خاطفة أدارت السكين وضغطت سنها الحاد على رقبتها هي!
الشعور البارد للشفرة جعل جسدها ينتفض لكنه لم يكن شيئًا أمام العاصفة التي كانت تصيب رأسها بالجنون التام...
– إن لم تُعدني، فسأقتل نفسي أمامك.
شهقت وصوتها المرتعش مشحون بالانفعال واليأس، نظراتها كانت تائهة بين عينيه تبحث عن أي أثر للخوف أو حتى للقلق.. لأي مشاعر...
لكن لا شيء على الإطلاق!
لم يتحرك خطوة بل لم يتغير أي شيء في ملامحه، لم يكن هناك حتى أثر للدهشة، فقط نظر إليها بنفس الثبات الغامض كأنه كان يتوقع ذلك كأنه كان يعلم أنها ستصل إلى هذه المرحلة...
ثم بصوتٍ منخفض.. عميق كحافة هاوية لا قرار لها، قال:
– أفعليها.
كلماته كانت مثل طعنة أكثر فتكًا من السكين التي تمسك بها، جمدت الدم في عروقها وجعلت عقلها يصرخ... لماذا؟ لماذا لم يحاول منعها؟ لماذا لم يندفع إليها لينزع السكين من يدها كما يفترض به أن يفعل؟!
صرخت والغصة تخنق حلقها والدموع تحرق عينيها:
– ولِمَ لستَ خائفًا؟
– لأنني أعرفكِ جيدًا، وأدرك أنّكِ لن تفعليها.
كان يحاول أن يشتت ذهنها ويجعلها تشك فيما تشعر به حتى تمنحه فرصة للاقتراب منها، ولكنها نظرت إليه بتحدِ واضح فطن من خلاله أنها في حالة من الجنون ستدفعها لفِعل ما تهدد به!
لذا لم يكن أمامه سوى خيار واحد...
وفي اللحظة التي لامس فيها نصل السكين بشرتها، كان مالك قد تحرك... بسرعة خاطفة وبحرفية قاتلة قبل أن تتمكن من الضغط على رقبتها قبض على معصمها بقوة، التفّ خلفها في حركة مباغتة وانتزع السكين من يدها بمهارة مَن اعتاد التعامل مع المواقف المستحيلة، ارتطمت السكين بالأرض بصوت حاد لكن ملك لم تستسلم بدأت ترفس بعنف و تضربه بقبضتيها وهي تصرخ بجنون بعدما فقدت السيطرة تمامًا على عقلها:
– أطلق سراحي وأعدني إلى أهلي، إنّي أكرهك… أفهمت؟ أكرهك!
كانت تقاوم بكل ما أوتيت من قوة لكن قبضته كانت حديدية، فقد أحكم يديه حول معصميها محاولًا منعها من إيذاء نفسها أكثر، ولكنها كانت تصرخ، تتلوى، تضرب رأسها في صدره، حتى شعر أن ذراعيه بالكاد تستطيعان احتواء طوفان الغضب والانهيار الذي اجتاحها...
عندها تذكر عائشة...
تذكر كيف أعطته الحقنة المهدئة قبل أن يغادر كيف نظرت إليه بجدية وحاولت إقناعه:
– قد تحتاجها يا مالك… حتى وإن زعمت أنّك قادر على التصرّف، فإنّ من نحبّهم قد يتحوّلون أحيانًا إلى أعداء لأنفسهم، وإن حدث ذلك فلا تتردّد… صدّقني، إنّه الحلّ الوحيد.
ترك معصمها للحظة و أخرج الحقنة من جيبه و تحرك بسرعة قبل أن تلاحظ، وفي غمضة عين غرز الإبرة في جلدها وهو يردد:
– أعتذر لكِ يا ملك، سامحيني.
همسها بصوت بالكاد يُسمع وسط صرخاتها، لكن تأثير المخدر بدأ يعمل بسرعة، صراخها هدأ تدريجيًا ومقاومتها خفت، جفونها أصبحت ثقيلة وكأنها تحارب النوم لكنها تخسره...
وأخيرًا.. سكنت تمامًا بين ذراعيه و لم يبقَ سوى أنفاسها المرتجفة وجسدها المستسلم...
حملها بين ذراعيه وهو ينظر إلى وجهها المتعب وهمس مجددًا ولكن هذه المرة بصوت أكثر هدوءًا وأكثر ألمًا:
– لن أسمح لكِ بإيذاء نفسك... حتى وإن اضطررتُ لحمايتكِ من نفسكِ.
جلس بجوارها يتأمل ملامحها الغافية تحت تأثير المهدئ، أنفاسها المنتظمة كانت الدليل الوحيد على هدوئها المؤقت، لكن عقله لم يعرف الراحة...
كان يعلم أن ما حدث لم يكن طبيعيًا وأن فقدانها للذاكرة لم يكن مجرد صدفة...
استند بظهره إلى الكرسي وأغمض عينيه للحظات و لكن الذكريات سحبته إلى الوراء عدة ساعات حين قصد عائشة في غرفتها يبحث عن إجابة لما أخبره به معاذ...
كان يجلس على الأريكة في غرفتها الخاصة مرفوع الكفين إلى وجهه يحاول استيعاب الأمر، بينما هي تقف أمامه تحمل كوبًا من الأعشاب الساخنة و تمدّه به قائلة بهدوء:
– اشرب هذا... يبدو أنك على وشك الانفجار.
لكنه لم يحرك يده لأخذ الكوب فقط رفع عينيه المثقلة بالتوتر وقال لها بصوت خافت لكنه حاد:
– ملك لا تتذكر شيئًا يا عائشة... أتتصورين؟ لا تتذكر أنها وافقت على الزواج بي! معاذ قال إنها مقتنعة بأنها كانت مخطوفة... كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
تنهدت وهي تجلس قبالته تضع الكوب أمامه على الطاولة الصغيرة، وتتشبث بأطراف الغطاء الصوفي الذي يلف كتفيها قبل أن تقول له:
– في تفسيري، هناك أمران قد يكونان السبب، وكلاهما ليس سهلًا...
نظر إليها بترقب فتابعت بجدية:
– في البداية، المخدّر الذي أعطيتَه لها حينها قد يكون سبّب فقدانًا مؤقتًا للذاكرة، وهذا أمر وارد مع بعض الأنواع وبعض الأشخاص، لكنني لستُ مقتنعة بأن ذلك هو السبب الوحيد...
عقد حاجبيه في قلق وسألها:
– والثاني؟
وضعت يديها فوق ركبتيها وقالت ببطء:
– الصدمة النفسية التي أصابتها حين أفاقت واكتشفت أنك متزوّج، جعلت عقلها يرفض تقبّل الحقيقة، فلم يحتمل وطأتها، فأدخلها في حالة فقدان مؤقّت للذاكرة كآلية دفاعية. وبمعنى أدق، خدعها عقلها ليحميها من الألم.
ظل صامتًا للحظات يحاول فهم الأمر لكنها أكملت بتحذير واضح في نبرتها:
– لكنك تدرك أن هذا مؤقّت، أليس كذلك؟ ليست حالة ستدوم إلى الأبد، فذاكرتها ستعود... غير أن المشكلة لا تكمن في عودة الذكريات، بل في الكيفيّة والتوقيت!
رفع نظره إليها سريعًا وكأنه التقط تحذيرها المخفي فسارعت بالشرح:
– حين تستعيد ذاكرتها، لن تستعيدها بهدوء... لا، بل سيعيش عقلها الصدمة من جديد وكأنها تحدث لأول مرة، والمشاعر التي كبحتها أو قاومتها ستنفجر فجأة... وحينها، عليك أن تكون بجانبها، وأن تكون مستعدًّا لأي شيء.
عاد للحاضر وهو يحدّق في ملك يدها مسترخية بجوارها أنفاسها مستقرة لكنها بدت وكأنها على حافة عالم آخر، عالم لا يعلم متى ستفيق منه...
ابتلع ريقه وهو يراقبها و يعلم أن العاصفة لم تهدأ، بل هي فقط في مرحلة الهدوء الذي يسبق الانفجار الحقيقي... وحين يحدث عليه أن يكون مستعدًا لمواجهتها بكل قوته...
قبل عدة أيام..
كانت السيارة تتهادى بسرعة لدرجة أنها تتجاوز قدرتها على الفهم، كما لو أنها تمزق الليل بكل ما فيه من هدوء، بينما الرياح تتسلل عبر النوافذ تغمر المكان بصوت غير مُحتمل من الهسهسة، يرافقها صوت المحرك الذي يضج في أذنيها مثل دقات قلب متسارعة، أنفاسها تنساب وهي غير قادرة على مواكبة وتيرة الارتباك المتصاعد داخلها، عيناها تتسعان مع كل ثانية، تزدادان خوفًا وعقلها يتشابك بين الصدمة والغضب، لم تفهم بعد كيف تحول يومها في لحظة إلى هذا الكابوس، قلبها كان ينبض بعنف كأنما يحاول الهروب من كل ما يحيط بها، بينما نبضاته تسعى للابتعاد عن تلك اللحظة العجيبة التي لا تملك تفسيرًا لها...
أما هو فكان يجلس بثبات يديه تمسك بعجلة القيادة وكأنها الوحيدة التي تبقيه متوازنًا في عالم يسير دائمًا في اتجاهه، عينيه مثبتتان على الطريق تائهة في الظلام الذي يحيط بهم مع أن حركته كانت مدفوعة بشيء أكبر من مجرد قيادة سيارة في صمت الليل...
لم يكن هذا مجرد اختطاف... كانت هذه لحظة انتزاع من الواقع وكأنها نقلت إلى عالم آخر، عالم لا تعرفه بعد ولا تستطيع فهمه...
حاولت أن تتحرك أن تجد مخرجًا أو حتى فرصة للقتال، لكن يديها مكبلتان بقيود ثقيلة، ورأسها يعصف به ألم مرير، كانت كل حركة تشعر بها كعقاب وكل ثانية كانت تمر كفاصل بين الوعي والفقدان، كل ما استطاعت فعله هو التقاط أنفاس متسارعة وعيناها تتنقلان بين الظلام من حولها وبينه، كأنما تبحث عن شيء يمكنها التمسك به في هذا البحر العميق من الغموض..
– من أنت؟ وماذا تريد مني؟!
لكن حتى صراخها لم يُحدث أي تغيير، هو فقط كان يضغط على المقود كأنما يحاول استيعاب هذه اللحظة التي تجري أسرع من قدرته على السيطرة عليها...
– أطلق سراحي حالًا! سيعلم الجميع أنك اختطفتني، ولن تفلت من العقاب!
عندها كأنما استفاق من عالمه الخاص، التفت إليها وعينيه باردتين يفتقران للتعبير، لكن هناك شيء غريب كان يختبئ خلف تلك النظرة شيء لم توقنه لكنه كان قاسيًا، ثقيلًا، وحارًا في نفس الوقت...
– لن يعلم أحد بالأمر… لأنّه لا أحد سيتمكّن من انتزاعك منّي مجددًا.
كلمات مبهمة و معبرة عن شيء أكبر من مجرد تهديد، كان هناك شيء في عينيه يلامس جزءًا من روحها وكأن تلك الكلمات قد تم قولها لعقود، حتى لو كانت المرة الأولى التي تسمع فيها من أحد هذا النغمة...
قبل أن تتمكن من الرد أو حتى التفكير في كلامه، شعرت بدوار مفاجئ، رأسها كان يتمايل كما لو أنه يحملها إلى مكان آخر، جسدها بدأ يفقد القدرة على تحمل هذه اللحظات المرهقة وكل شيء حولها صار بعيدًا... حتى عينيه التي كانت تغرق في عينيها كأنهما آخر شيء حقيقي في هذا العالم قبل أن تغلق عينيها شيئًا فشيئًا وتنسحب منها الحياة ببطء حتى غابت عن الوعي تمامًا....
كانت تلك هي اللحظة التي تحولت فيها حياتها إلى ضباب حيث اختفى كل شيء ما عدا ذلك الوجه الذي ما زال يتشبث في أعماقها كآخر ما تبقى من ذكرياتها..
بعد عدة ساعات..
كانت الفيلا تغرق في صمت عميق وكأنها تحتفظ بأسرارها في الظلام، الأضواء الخافتة التي كانت تضيء المكان أشبه بلمسات شبحية تنبعث من المصابيح الجانبية تعكس تردد الأنفاس... الهواء البارد والمشحون بعطر خشب الصندل كان يدخل من النوافذ المفتوحة بهدوء ليضيف ثقلاً على الأجواء الساكنة...
كانت هناك على السرير تستلقي في سبات عميق، لكن ذهنها كان مشغولًا بأفكار غير مرئية، بينما كان هو جالسًا بجوارها عيناه مثبتتان على وجهها، محملتين بشيء من الترقب كأنه يعرف أن هذه اللحظة ستأتي لا محالة...
ثم فجأة تغيرت الأمور، صدرها بدأ يلهث تنفست بسرعة عيناها فتحتا على اتساعهما وكأنها كانت تقاوم الاستسلام لهذا الواقع الغريب، كانت تعيش في حالة من اللاوعي مع شعور بالارتباك يملأها وهي تحاول أن تُدرك ما يحدث حولها، و قبل أن يستقر نظرها عليه كان هو جالس في هدوء مطلق ينظر استعادتها لوعيها بالكامل..
حاولت أن تجلس بسرعة لكن جسدها خانها، ارتباكها كان يظهر في تنفسها المضطرب وعينيها التي كانتا تجوبان المكان في محاولة يائسة للفهم...
ثم تحدثت بصوت مبحوح تملؤه الصدمة والارتباك:
– أين أنا؟
لم يلتفت إليها بل كانت عيناه ثابتتين تغلفهما نظرة عميقة تكاد تُطمئنها، وفي الوقت نفسه تحمل غموضًا لا يمكن تفسيره...
كان هناك شيء في عينيه لا يمكن تجاهله شيء يجعل الكلمات عاجزة عن إيصال المعنى...
انتفضت محاولة أن تتذكر اللحظة الأخيرة التي كانت فيها بكامل وعيها، فتسعت عيناها ووجدت نفسها تطلق السؤال الذي كان يراودها منذ أن رأت عيناها للوهلة الأولى:
– أنت... مالك؟
وقف ببطء وبدأ يقترب منها خطواته كانت ثابتة، وكأنما يسير في مسار كان قد رآه قبل أن يبدأ، كان عيناها تتابعانه في محاولات للفهم لكنها لم تتمكن من السيطرة على دوامة المشاعر التي اجتاحت قلبها وعقلها...
ثم فجأة انفجر غضبها وصوتها ارتفع وهي تحاول أن تستجمع قوتها:
– أنت… هل اختطفتني؟! ما الذي أفعله هنا؟!
نظراته كانت ثابتة و صوته كان هادئًا بشكل غريب لكن فيه يقين لا يقبل الجدل وهو يجيبها بصوت منخفض يحمل عاطفة لا يمكنها تجاهلها:
– لقد أعدتكِ لمكانك الصحيح.
تجمدت الكلمات ولم تصل إلى عقلها مباشرة، وكأنها تائهة بين ما تعتقده وبين ما يراه هو حقيقة، قلبها بدأ ينبض بسرعة أكبر لكن عقلها كان في حالة من الإنكار.. ما الذي يعنيه بكلامه؟! كيف يمكن أن تكون هنا إذا كانت حياتها في مكان آخر؟
حاولت الابتعاد لكن كانت مشاعرها مختلطة بين الفزع والتحدي:
– أأنتَ مجنون؟! هذه ليست حياتي! أعدني إلى حيث كنتُ فورًا!
لكن هو بحركاته البطيئة اقترب أكثر منها كأنما لا يريد أن يرعبها لكنه في الوقت ذاته يعيد فرض سطوته دون أن يبذل جهدًا، حضوره وحده كان يكفي لزيادة سرعة دقات قلبها ورغم محاولتها الابتعاد كانت تزداد قربًا منه...
كان صوته الآن أكثر هدوءًا لكن يلتقط منه ترددًا غريبًا وهو يسأل بصوت رقيق:
– حياتكِ؟! أتسمّين ما كنتِ تعيشينه حياةً يا مَلَك؟ مع ذلك البائس الذي كنتِ ترضين به خطيبًا؟! أهذا الوهم الساذج هو ما اخترتِه لنفسك؟!
شعرت بشيء غريب في الكلمات وكأنها تخفي وراءها شيئًا أعمق، شيء يراهن عليه هو، بينما هي لا تستطيع تفسيره، تراجعت قليلاً وحاولت أن تنفى ما يجبرها قلبها على اتباعه، لكن داخلها بدأ يشك في كل شيء ربما فقط كان هناك جزء من الحقيقة فيما قاله، بالفعل هذه الحياة التي انتزعت منها لم ترغب في عيشها مع رجلٌ بالكاد تعرفه..
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته