LOGINفولتْ حياءً ثم أرختْ لثامها وقد نثرتْ من خدِّها رطبَ الورد
وسلتْ حساماً من سواجي جفونها كسيْفِ أبيها القاطع المرهفِ الحدّ
تُقاتلُ عيناها به وَهْوَ مُغمدٌ ومنْ عجبٍ أن يقطع السيفُ في الغمدِ
مُرنِّحة ُ الأَعطاف مَهْضومة ُ الحَشا منعمة الأطرافِ مائسة القدِّ.
– عنترة بن شداد –
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان القمر مكتملًا في السماء، يرسل شعاعه الفضي على رمال الصحراء ويغطيها ببريق يشبه الفضة، حينها كانت غسق تتسلل بهدوء من فوق فراشها، كانت خطواتها خفيفة وكأنها جزء من الليل، غرفتها كانت مظلمة لا ضوء فيها إلا من المصباح الصغير الذي اشعلته وحملته بيدها، بينما خدم القصر مأمورون بإطفاء الأضواء داخل القصر بمجرد أن تغرب الشمس، أمر غريب لا تعرف سببه سوى أن جدها الأكبر هو من فرضه عليهم...
تسللت من غرفتها بروية نحو البهو الكبير ومنها للحديقة الواسعة، تُمسك بيدها ذات المِصباح الصغير حتى تتبين طريقها المُظلم، فحتى الحديقة هم مأمورون بجعلها كظلامٍ دامس أيضًا!
تأففت بضيق وهي تتمنى أن تسأل جدها أو أبيها فهي تظن أن لا أحد يعلم سواهما، ولكنها إن سألت فسوف يعرفان أنها تستيقظ في المساء وتخرج من غرفتها وهذا بالنسبة لهما جُرم لا يُغتفر....
كانت ليلة يتوسط بها القمر عنان السماء فينير عتمته بينما النجوم تتراقص حوله تَسُر النَاظرين ..
خرجت من القصر وهي تنظر للسماء ببهجة لتترك خلفها لافتة مدون عليها "قصر كبير العُسيرات"
تسللت بهدوء نحو الصحراء القاحلة بينما يصدح صوت عواء الذئاب الذي يرجفُ له الأبدان،
صلبت قامتها بقوة وبأس كما اعتادت، ثم فتحت فمِها لتُصدر صوت هدير هادئ جاء على إثره
" أصيلٌ " وهو يضرب الأرض بقدميه،
حينما اقترب منها انحنى قليلًا وهو يمسح رأسه أعلى كتفيها،
فمسدت بكفها أعلى قامته بحنان وهي تُقبله قائلة:
- واني بعد اشتقتلك يا أصيل.
بدأ يزأر بصوتٍ مرتفع فاقتربت من أذنه وهي تتلفت حولها بريبة:
– اهدأ يا أصيل، لا ترفع صوتك حتى ما يكتشفنا أحد.
وضعت " غسق " السَرج الذي كانت تخبأه في اسطبل الخيول، فوق ظهره وهي تُحدثه بخفوت:
– اليوم هو الثالث عشر من الشهر العربي، يلا نروح لمطرحنا.
اعتلت ظهره بعدما ثبتت سرجها بشكلٍ متين، ثم ربتت على رقبته بخفة وهي تهمس في اذنه:
– هيا بنا.
انطلق بها أصيل نحو موقعها المفضل، فهي في كل منتصف شهر عربي تعتلي غسق نمرها الأسود الذي اهداه لها والدها وهو في عُمر الشهرين، وحين وصل للعشر سنوات أخرجه من القصر وسلمه لأحد الرجال كي يقتله بسبب التهامه لحارسهُ المُخلص الذي حاول الاعتداء عليها، لم تُخبر أحدًا بهذه القصة حتى أمر أبيها بالتخلص من أصيل، وعندما أخبرته بالأمر ظن أنها تكذب عليه حتى تُنقذ حياته، لن تنسى يومها بُكائها وتوسلها له دون فائدة، ولكن لحسن حظها أن ابن عمها صدق روايتها وأنقذ أصيل؛ ولكنهما قررا أن لا يعيداه للقصر مرة أخرى وصنعوا له منزلًا في الصحراء بعيدًا عنهم وها قد مرت خمس سنوات أخرى ليتخطى أصيل رقمًا قياسيًا في عمر النمر الأسود، وفي كل شهر تناديه غسق كي يصحبها للبيداء يجوبان الصحراء سويًا حتى منتصفها ثم تتوقف لتفترش الرمال وتظل ممددة عليها حتى تظهر أول خيوط الفجر فتعود لغرفتها في القصر كما كانت ..
ولكن هذه الليلة كانت مختلفة تماما ..!!
_____
خرج الرجل الخمسيني يتملكه الذعر،
يمسك بذيل جلبابه حتى لا يتعثر وهو يركض خلفه مناديا ..
– يا شاهين بيه ارجوك ما تتعجل وانتظرني أخبرك بباقي الامر.
لم يعيره اهتمامًا واعتلى حصانه وهو يصيح بالجميع من خلفه:
– مثل ما أمرتكم أريد تشعل الليلة النار واشتاق لخرب تنتهي بسحقهم قبل ما يأذن لصلاة الفجر ... الليلة لازم ينقتل الوقاداب.
أنطلق بأقصى سرعة بجواده وعيناه تُطلق الشرر ..
ومن خلفه عدة رجال اشداء يستطيعون ازاحة جبل من مكانه مستعدون لهدم قبيلة أل وقاداب وقتل كل نفس فيها بمجرد فرقعة اصبع منه...
و برغم أنه الرجل الوحيد الحاصل على شهادة عالية في قبيلته بأكملها، ولكن نشأته على تجارة الجِمال عهده كعهد كل فرد في طائفته جعلته يُصبح قاسيًا حادًا طبعه كطبع رجال زُمرته الأشداء..
فمهما بلغ من العلم لن يستطيع تغيير جذوره البدوية الاصيلة حتى وان اراد فلن يسمح له والده شيخ قبيلة " الجعافرة " فالموت أسهل سبيل لمن تُسول له نفسه اختراق قوانين كبيرهم ..
ولقد تعدى ابن وقاداب على ابن عمه اليوم ولن ينام قرير العين حتى يأخذ حقه اضعاف والظلم على من ابتدئ، فهذه اول مهمة موكلة له ويجب عليه أن يـُتمها على أكمل وجه حتى يَهابه الجميع فهو من الجعافرة ويجب عليه أن يثبت أنه يستحق لقب ابن شيخ القبيلة!!
لم يستطيع رؤيتها في هذا الظالم الحالك ولكنها سمعت صوت أقدام الخيول تقترب منهم، تناهى إلى سمع شاهين زئير نمرٌ قوي يقف أمامهم بشراسة وهو يراهم يركضون نحوهم ..
توقف شاهين ببراعة أمامها قبل أن يدهسها بعدما قامت بتنحية النمر خلف ظهرها، لتتسع حدقتي شاهين حين رأها تقف أمام نمرها بقوة تضاهيه!
هاجمها وابل من رمال الصحراء هاجت من تحت أقدام الخيل وكأنها غمامة كبيرة حالت بينهم الرؤية لبضع لحظات...
بدأت تسعُل من كم الرمال التي استنشقتها أثر توقف الخيول مرة واحدة..
لحظات واصبحت الرؤية واضحة فرفعت حاجبيها ووقفت بشموخ وهي تغطى نصف وجهها الأسفل وتنظر إليه بعينيها السوداء الساحرة..
أبتلع ريقه بصعوبة بالغة من جمالها وجراءة نظرتها الثاقبة وقوتها التي لم يرها من قبل في سيدة تسكن هذه الأرجاء.. تنحنح بحرجٍ ليسألها:
– مين انت؟ وايش جابك بهالساعة چوا البادية؟
لم تلين نظرتها وهي ترفع رأسها عاليًا:
– هذي ما تخصك؛ كمل طريقك وابتعد عنّنا.
تعالت دقات قلبه، واندفعت الدماء الحارة لرأسه وهو يرمق هذه المرأة الواقفة أمامه دون خجل أو استحياء تناطحه بالكلمات!
فهو لم يرى هذا النموذج قط من قبل لا في القبائل التي يعرفونها، ولا حتى في المدينة التي تعلم بها..
هل تحتمي هذه المرأة في النمر المفترس الذي يقف جوارها بضراوة جعلته يسمع دقات قلوب رجاله الخائفين من خلفه..
ترجل من أعلى فرسه وهو يستمع لهمهمات أحد الرجال يحذره بصوته المضطرب:
– سيبها يا سيدي، خلنا نكمل طريقنا.
دنا منها بخطوات هادئة، جعلت أصيل يرفع صوته بزمجرة قوية، رفع على إثرها أحد رجالة بندقية وجهها نحوه.
فرفعت غسق يدها وهي تأمر نمرها بالرجوع للخلف، ثم رفعت صوتها نحوه قائلة:
– قولت لك ابتعد عننّا وخلنا في حالنا، وامشِ بسلام.
لم يبالي لما تقوله وظل يقترب منها لتعلو خرخرة النمر من خلفها فتقدمت هي منه حتي تحميه من النمر الذي إن هجم عليه سوف يُقتل في الحال وبالتالي سيقتل رجاله النمر المسكين..
نظرت بقوة نحو عينيه السوداء القاتمة التي لا يظهر غيرها، فهو يلثم وجهه جيدًا مثل المطاريد، للحظة ظنته أحدهم ولكن بالنظر سريعًا لعباءته غالية الثمن، الذي يضع فوقها مآزر طرفه مُطرز بخيوط من الذهب، استبعدت الفكرة على الفور...
تعجب من إقبالها عليه حتى اصبحت المسافة بينهما أقل من خطوة واحدة، وهو مازال يتأمل حدقتيها السوداء التي تلمع مثل النجوم، تمنى للحظة أن يسقُط لثامها الذي تغطي به نصف وجهها، ليلتقط انفاسه المتسارعة وهو يقول لها:
– قولي لي اسمك.
شعر بوخزة في صدره، فاحني رأسه ليجد سن خنجرها أعلى صدره وهي تغرزه به بثبات جعل فضوله يتضاعف لدرجة الجنون نحوها لتناطحه بقولها:
– قلت لك هذي ما تخصك، خذ رجالَك وامشي من هنا الحين، ما أبي أخسر حيواني بسببك.
علىَ زائير النمر فحذرته وهي تضع ذراعها الاخرى خلفها في إشارة منها لأصيل ألا يقترب، ولكنه قد فقد صبره وهي تعلم ذلك، لذا قامت بغرز سن الخنجر أكثر فلم تلمح حتى ولو ارتعاشه بسيطة في حدقتيه كأنه لا يشعر بشئ، لتجده يُقبل عليها بقوة فأرخت يدها على الفور حتى لا تقتله وهي تقول له:
– انت جنيت؟ تبغى تختبر قوتي؟ ما راح اتردد بقتلك ان قربت خطوة مني.
رفع سبابته على شفتيها المغطاة وهو يقول لها:
– قولي لي اسمك واني راح امشي بطريقي.
تهدج قلبها باضطراب واضح وهي تردد بتوتر مثل المسحورة:
– غسق.
عاد للخلف ليعتلي فرسه وهو يشير للرجال بالرحيل، ولكنه اقترب منها وانحنى نحوها ليختض جسدها برهبة رغمًا عنها، فهمس لها:
– راح نلتقي مرة ثانية يا غسق، بس المرة الجاي تكون الدعوة منكِ أنتِ.
ابتعد عنها وقد تردد صوته في هذا الخواء:
– وأني راح أستناك.
ثم مضى في طريقه، لكن صوته ظل يتردد في فراغ الصحراء وداخل أذن غسق، بينما اختفى في الأفق تاركًا وراءه شكًا لا يزول.
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







