Teilen

ساعة الانطلاق

last update Veröffentlichungsdatum: 31.05.2026 04:23:59

كانت شمس الظهيرة قد بدأت تُلقي بأشعتها اللاهبة فوق المدينة، والسوق الشعبي يزدحم بالبائعين والمشترين، أصوات الدلالين تتعالى، ورائحة الخبز الطازج تختلط بعبق البهارات المرصوصة على الطاولات في طرف السوق، أطفال يركضون بين الأزقة، يضحكون وهم يتسابقون على قطع الحلوى الرخيصة..

وهناك امرأة عجوز جلست على الأرض تعرض بضع سلال من الخضار، عيناها المرهقتان لمعتا حين رأت الشاحنة القادمة، تحمل على جوانبها شعار

"الإغاثة الإنسانية" أشارت بيدها المرتجفة إلى الأطفال وقالت:

• هَيّا يا صغاري... اليوم سيأتينا الرزق!

تجمّع الناس شيئًا فشيئًا حول الشاحنة، رجال يرفعون أيديهم بالدعاء، نساء يزاحمن من أجل كيس دقيق أو علبة حليب، كان المشهد يفيض بالعطش للحياة، وكأن كل فرد ينتظر معجزة تُنقذ يومه...

ووسط هذا الحشد، وقف طفل صغير، لا يتجاوز العاشرة، يُمسك بيد أمه بإحكام، وعيناه الواسعتان تحدّقان بالشاحنة بفضولٍ وهو يبتسم لها قائلًا ببراءة:

• أمّاه... تعتقدين أنّ عندهم بعض الشوكولاتة؟

أجابته أمه وقد أشرقت ابتسامة واهنة على شفتيها رغم الإرهاق:

• لعلّهم يا بني... لعلّهم.

في تلك اللحظة، ارتفعت عقارب الساعة الرقمية المثبّتة أسفل الشاحنة... ثوانٍ قليلة تفصل المكان بين الرغيف والرماد..

وهناك وقف الخمس رجال كلٌ في موضعه كما أمروا وهم يلهثون بالثبات والدعاء بأنه يتقبلهم الله بنواياهم الخالصة لوجهه ويرزقهم الجنة كما وعدهم أميرهم..

لم ينتبه أحد للضوء الأحمر الصغير الذي بدأ يومض أسفل الشاحنة، فقد كان السوق ما زال يعجّ بالضجيج، والأصوات تتداخل، كما لو أن الحياة تُصر على أن تُعطي آخر أنفاسها قبل أن تُسحق..

العقارب الرقمية بدأت تُسابق اللحظة:

00:05... 00:04...

طفل يضحك وهو يمد يده نحو قطعة خبز ألقتها العجوز له..

00:03...

الأم تشدّ على كيس دقيق بكلتا يديها..

00:02...

رجل يرفع رأسه للسماء وهو يهمس بدعاء شكر..

00:01...

ثم...

انفجار هائل شقّ السماء، ارتجّت الأرض كأنها ثور هائج، تصاعدت كتلة نارية ضخمة ابتلعت الهواء بأكمله بينما تناثر الزجاج كالأمطار القاتلة، اندفع الناس في كل اتجاه، لكن معظمهم لم يجد وقتًا للهروب..

ارتفع صراخ النساء ممزوجًا بصفير الانفجار، والدخان الأسود غطّى السوق ككفنٍ ثقيل، اختفت الألوان جميعها من محيط ذلك السوق ولم يبقَ إلا الأحمر والأسود!

وبين الركام، كانت يد الطفل الصغيرة ما تزال ممسكة بيد أمه... لكن الحياة فارقتهما معًا في اللحظة ذاتها..

تحولت الأرض إلى جرح مفتوح، الجثث مبعثرة بلا ملامح، وأشلاء متفحمة التصقت بالجدران المهدّمة..

الهواء كان ممتلئًا بالرماد والبارود، وهناك دخانٌ أسود يزحف ويخنق الصدور، يترك العيون دامعة والأنفاس مقطوعة..

صرخات النساء أصبحت كالخناجر، والأطفال يبكون ويبحثون عن أمهاتهم بين الركام، وعلى الجانب الآخر هناك رجال يركضون مذعورين لا يعرفون هل يحملون المصابين أم يفرّون بحياتهم..

وأصواتٌ صارخة "النجدة!" و"الماء!" و"ساعدوني!" تتعالى وتختلط مع عويلٍ يشقّ القلب..

عجلات العربات المقلوبة ما زالت تدور ببطء، كأنها ترفض الاستسلام، وقطعة لحم صغيرة سقطت فوقها فصارت تدور معها في مشهدٍ يصعب على العقل احتماله..

أحد الناجين كان يزحف على بطنه، نصف جسده مغطى بالدماء، يمد يده نحو امرأة تصرخ باسمه، لكن قبل أن يصل، خمدت أنفاسه وسقط رأسه على التراب..

رجال من السوق بدأوا يحاولون رفع الحطام، لكن كلما رفعوا حجرًا وجدوا تحته جسدًا آخر..

كانت الرائحة الممزوجة بين البارود واللحم المحترق، تجعل كل من يقترب يتقيأ وهو يحاول إنقاذ من بقي حيًا..

وفي أعلى السوق، مئذنة المسجد تصدعت، وأذان العصر انطلق مرتجفًا عبر مكبرات الصوت الممزقة، كأنه صلاة أخيرة على أرواح الضحايا..

كل هذه الفوضى لم تستمر دقائق معدودة، حتى اخترق ذاك صراخ صفارات سيارات الإسعاف والنجدة أجواء السوق المحترقة..

اندفعت السيارات البيضاء بين الركام، أبوابها تُفتح بعنف، وهرع منها المسعفون بأقنعة على وجوههم وحقائبهم الحمراء المليئة بالمحاليل والضمادات..

أصواتهم تتعالى وسط الفوضى:

• هنا حيّ! بسرعة النقالة!

• اضغط على الجرح! لا تدعه ينزف!

• أفسحوا الطريق!

رُفعت الجثث على أغطية ملطخة بالدماء، تُرمى في صف طويل على جانب الطريق، فيما يُسعفون آخرون على البقية الأرض مباشرة، أنابيب الأكسجين تُركب بعجالة، بينما أياديهم ترتعش من شدة الضغط..

رائحة الموت كانت تملأ المكان، لكن أصوات محركات الكاميرات بدأت تسرق المشهد في الدقيقة التالية..

وصلت القنوات العالمية بسرعة البرق، وهناك عشرات الصحفيين والمصورين يتدافعون، وجوههم متجهمة وعدساتهم تلتقط كل شيء:

الأشلاء، بكاء الأطفال، جثث مغطاة بقطع قماش ملطخة..

شاشة إحدى القنوات تُظهر مراسلاً يقف والدماء خلفه كخلفية مأساوية، يقول بصوت مرتجف:

• نحن الآن في قلب السوق الشعبي حيث وقع الانفجار، المشهد مروع، عشرات القتلى والجرحى… العالم كلّه سيشهد هذه المأساة التي قد تشعل فتيل حربٍ لا تُبقي ولا تذر.

الكاميرات كانت كالسكاكين، تُسلط الضوء على الوجع، تحوله من مأساة بشرية إلى مادة إعلامية تُبث للعالم، بينما الضحايا لم يكن لهم سوى صرخات تتلاشى وسط عدساتٍ باردة..

وهناك في غرفة مظلمة، جلس مالك أمام شاشة عملاقة تُبث عليها صور السوق المنكوب، سيارات الإسعاف، الجثث الملقاة، صرخات النساء… كلها انعكست في عينيه الباردتين..

لم يتحرك، سوى ابتسامة خفيفة ارتسمت على فمه، ابتسامة المنتصر الذي أنهى لعبته بنجاح..

مدّ يده إلى الهاتف المشفّر بجانبه، ضغط زرًا واحدًا، فجاءه صوت الرئيس من الجهة الأخرى..

تحدث مالك بصوتٍ ثابت، هادئ كعادته:

• "Mr. President, the mission has been accomplished… perfectly."

• سيدي الرئيس، المهمة أُنجزت... على أكمل وجه.

على الطرف الآخر، كان الرئيس جالسًا في قصره، أمام شاشات عدة تنقل البث الحي للقنوات العالمية، عيناه تتابع الأخبار التي تتحدث عن الانفجار، وقد ظهرت على الشاشة صورة جوازات السفر الخمس مغطاه بالدماء، وقد عُثر عليه في الشاحنة المفخخة، والمذيع يقول بصوتٍ متوتر:

• "Authorities confirmed that the passport belongs to a national of [**] … raising suspicions that this attack was orchestrated from abroad."

• السلطات أكدت أن جواز السفر يعود لمواطن من [**] … مما يثير الشبهات بأن هذا الهجوم مُدبَّر من الخارج.

ابتسم الرئيس ابتسامة عريضة، وهو يرتشف من كأسه بهدوء، ثم أجاب مالك وصوته مليء بالرضا:

• "Excellent work, Malek. The world will believe what we want them to believe… And history will remember who pushed the first domino."

• عمل ممتاز يا مالك، العالم كله سيصدق ما نريده نحن… والتاريخ سيتذكر من دفع أول حجر دومينو.

وفي هذه اللحظة، جاءت الأخبار العاجلة على الشاشة:

• "Breaking News: Tensions escalate between [**] and [**] after evidence found in the bombing links the attack directly to [**]."

• عاجل: توتر العلاقات بين [**] و [**] بعد العثور على أدلة في الانفجار تربط الهجوم مباشرة بـ [**].

أنهى مالك حديثه مع الرئيس، فعمّ الصمت للحظات قصيرة على الخط، قبل أن يأتـيه صوت الرئيس عميقًا، باردًا، يخلو من أي انفعال وبوضوحٍ مقصود:

• "The money is In you’re account."

• المال في حسابك.

ارتسمت على وجه مالك ابتسامة جانبية، كأنّها علامة رضا وتمام الصفقة..

ضحكة قصيرة خرجت من الرئيس، بينما أغلق مالك الهاتف، وعيونه لا تفارق صور الدمار، وكأن كل صرخة، وكل دمعة، كانت مجرد نغمة في سمفونية أعدها بنفسه..

أغلق مالك الخط الهاتفي مع الرئيس وعيناه تتقدان ببريق النصر، ثم التفت سريعًا نحو مساعده الأقرب يسأله:

• يا حمزة... تأكد من الحساب الأن؟

مدَّ حمزة يده إلى الحاسوب المحمول الموضوع أمامه على الطاولة، فتحه بخطوات محسوبة، وأدخل كلمة السر بعناية، وما هي إلا ثوانٍ حتى انفرجت شاشته على الحساب السري..

ألقى نظرة فاحصة، فابتسمت عيناه قبل شفتيه؛ الأرقام الجديدة تبرق بوضوح في خانة الرصيد..

تنفّس بعمقٍ وارتدَّ إلى الوراء على مقعده، كأنما يثبت لنفسه أنّ كل شيء قد وُضع في نصابه، ثم تمتم ببرود:

• اكتملت الصفقة بأمان، و الآن نستطيع الانتقال إلى المرحلة التالية.

رفع رأسه نحو حمزة الذي كان يراقب بصمت، وأمره بنبرة صارمة:

• تأكد أن الرجال على أهبة الاستعداد، لم يبقَ إلا أن ننهي ما بدأناه.

اقترب حمزة من مالك محافظًا على المسافة التي لا يقترب أحدٌ منها وهو يطأطئ رأسه احترامًا وقال:

• كل شيء جاهز يا أمير المؤمنين... الرجال في مواقعهم، الكاميرات ثُبّتت، وأجهزة البث جميعها تحت سيطرتنا.

نهض مالك من مقعده ببطء، مزاحًا الرداء الأسود عن كتفيه، وسار بخطوات ثابتة نحو الطاولة الكبيرة حيث وُضعت الحقيبة المعدنية، فتحها بيده، فانكشفت الأسلحة الصغيرة، والأقنعة، والراية السوداء مطوية بعناية..

أمسك مالك باللثام، رفعه أمام وجهه، وصوته خرج حاسمًا لا يقبل نقاشًا:

• اليوم سيسمعنا العالم... ونحن نعلن دعوتنا بالنار والدم... ونكتب بداية جديدة.

ارتدى اللثام ببطء، لتختفي ملامحه تمامًا، ولم يبقَ سوى تلك النظرة الصارمة التي تبث الرهبة في قلوب رجاله، ثم نظر إلى حمزة من جديد وقال:

• ادعُهم جميعًا... ليقفوا صفًّا واحدًا خلفي قبل أن نبدأ.

أومأ حمزة وصفّق بيديه مرتين، وفي لحظة، دخل الرجال واحدًا تلو الآخر، عشرات منهم، جميعهم يرتدون السواد، يضعون لثامهم، ويصطفون خلف مالك كأنهم جدار بشري لا يتزحزح..

وأمامهم رص البقية الكاميرات الرقمية،

فرفع مالك يده إشارةً للصمت، ثم قال بصوت جهوري عميق:

• حين يبدأ البث... كل كلمة مني ستكون عهدًا، وكل نظرة مني ستكون رسالة، وعلى العالم أن يعلم أننا هنا... وأننا لا نُهزم.

رفع المصورين رأسهم من الأجهزة وهم يعلنون:

• البث سيبدأ خلال لحظات... العدّ التنازلي يعمل الآن.

وعلى الشاشة الكبيرة أمامهم، ظهر العداد الأحمر:

3... 2... 1...

انطفأت الأضواء، ولم يبقَ سوى وهج الكاميرا الموجهة نحو مالك، بينما رجاله مصطفون خلفه كالأشباح، كان صوت أنفاسه وحده يملأ المكان... قبل أن يفتح فمه ليلقي كلمته التي سترجّ العالم بأسره..

وقف مالك في مقدمة صفوف رجاله، عيناه تقدحان شررًا من خلف اللثام، وصوته يخرج جهوريًا ثابتًا:

• الحمد لله الذي أعزّنا بالحق، وأذلّ أعداءنا بالباطل، وجعل دماءنا وقودًا لنصرٍ قادم، أيها العالم الذي يزعم القوة... اليوم نكشف لكم أننا هنا، لا نخاف الموت، بل نُقبِل عليه كما يقبل العطشان على الماء.

رفع يده، فتقدّم رجاله خطوة للأمام في صف واحد، ثم تابع:

• إنّ ما تفعلونه من ظلمٍ وقتلٍ وتشريدٍ لشعوبٍ بريئة، لن يمرّ بلا حساب، نحن أمةٌ لا تنكسر، رجالها على قلب رجلٍ واحد، تظنون أنكم تستطيعون إسكاتنا؟ هيهات... هيهات!

اقترب قليلًا من الكاميرا، ونبراته ازدادت حدة:

• اليوم رسالة... وغدًا ملحمة، دماؤنا ليست إلا بداية لزلزالٍ يهزّ عروشكم، نحن من يزرع الرعب في قلوبكم، ونحن من يقرر متى ينتهي ليلكم المظلم.

رفع رايته السوداء أمام العدسة، فارتجفت المشاهد على الشاشة، وصوته دوّى:

• ولتعلمنّ أجيالكم أن ساعة الحساب قد اقتربت، وما النصر إلا من عند الله العزيز الجبار.

بدأ البثّ المباشر، وامتلأت الشاشة بصورة رجل ملثّم يجلس على مقعد خشبي، وخلفه صفوف من الرجال الملثّمين، رايتهم السوداء مرفوعة كأنها ظلّ الموت، رفع مالك رأسه، وصوته خرج جهوريًا، حادًّا كحدّ السيف:

• أيها العالم... إننا هنا، دماؤنا رخيصة في سبيل دعوتنا، ونارنا ستشتعل في كل أرضٍ تعاندنا، لن توقفونا، ولن تُطفِئوا لهبنا، نحن قومٌ لا نعرف الهزيمة... ومن يقف في وجهنا، لن يجد إلا السيف والدمار.

رفع قبضته عاليًا، فارتجّت الصفوف خلفه بالهتاف، وارتجفت الكاميرا من وقع أصواتهم..

وفي اللحظة ذاتها، انقطع البث فجأة عن قنوات محلّية صغيرة... ليظهر بعد ثوانٍ على الشاشات العالمية الكبرى. الصور ذاتها، الصوت ذاته، لكن مذيعي الأخبار جلسوا مذهولين، بعضهم يضغط سماعات أذنه في صدمة، وبعضهم يحاول الترجمة المرتبكة على الهواء مباشرة..

مذيعة أجنبية على قناة عالمية قالت بصوت مرتعش بينما تُترجم الخطاب:

• لقد قال إن دماءهم رخيصة... وإن النار ستشتعل في كل أرض... هذا تهديد مباشر!

وهناك مذيعٌ آخر كان يعلّق بنبرة مذعورة:

• إنهم يتحدّون العالم علنًا، ويدّعون أنهم لا يُهزمون... الرسالة واضحة: المزيد قادم.

الصور تُعاد مرارًا على الشاشات: وجه مالك الملثّم، يده المرتفعة، الراية السوداء خلفه، والرجال يقفون كالظلال..

التعليقات تتساقط من المحللين، الكل يصرخ في برامج الطوارئ المباشرة:

• من هؤلاء؟

• أين صور ذلك البث وفي أي بلد بالتحديد؟

• كيف تمكّنوا من السيطرة على الإرسال بهذا الشكل؟

وفي غرفةٍ مظلمة بعيدة، جلس الرئيس الذي كلّم مالك قبل قليل، يراقب النشرات على شاشته الضخمة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة بطيئة، ثم همس لنفسه بالإنجليزية:

• "Perfect… Exactly as planned."

• ممتاز... تمامًا كما خُطِّط له.

وبينما كان العالم كلّه يترنّح في فوضى الذهول، كان هو وحده يعرف أن اللعبة الآن بدأت... والدم الذي سُفك لم يكن سوى الشرارة الأولى..

و ذات تلك على القنوات العالمية، تعالت الأصوات، وقالت مذيعة على قناة أوروبية بلهجة مرتجفة:

• المجموعة الملثّمة أعلنت أنها المسؤولة، ونبرة قائدهم تشير بوضوح إلى تورّط دولةٍ بعينها، الأمر قد يتحول إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة!

وفي دولةٍ أخرى، ظهر وزير الخارجية غاضبًا، يصرّح أمام الصحافة:

• نرفض بشدّة هذه الادعاءات... هذا عمل مدبّر لتشويه سمعتنا!

الصور انتشرت أسرع من النار في الهشيم:

لقطات التفجير، صدى خطاب مالك، وجواز السفر المحترق الذي عُثر عليه في الشاحنة المفخخة وبجوار أجساد الانتحارين، الشارع في البلدين اشتعل؛ المظاهرات اندلعت، الأعلام أُحرقت، والهتافات الغاضبة ملأت الهواء..

وفي مبنى الاستخبارات، جلس الضباط بوجوه متوترة يتابعون شاشات الأخبار المتوازية، ليتمتم أحدهم بذهول:

• العدو ضرب ضربته... والناس تبتلع الطُعم.

أما مالك، فكان يقف بعيدًا، يراقب ردود الأفعال من خلال شاشة صغيرة، عيناه تضيقان خلف اللثام وهو يسمع الهتافات في الشوارع والاتهامات المتبادلة في القنوات.. التفت إلى حمزة وقال بهدوء بارد:

• الآن فقط... تبدأ الفوضى.

***

في اليوم التالي في نيويورك، اجتمع مجلس الأمن على عجل، القاعة الكبرى كانت مكتظة بالمندوبين، الأضواء مسلطة، والكاميرات العالمية تنقل المؤتمر على الهواء مباشرة.. وجوه السفراء متجهمة، والهمهمات تتصاعد كأصوات خلية نحل مضطربة..

رفع رئيس الجلسة المطرقة، وصوته الحاد دوّى في القاعة:

• السادة... ما نشهده اليوم تهديد للأمن والسلم الدوليين، التفجير لم يكن عملية عشوائية... بل رسالة سياسية واضحة!

وقف مندوب الدولة المتهمة، يلوّح بأوراق في يده وصوته يرتجف بالغضب:

• هذه افتراءات! نحن الضحايا هنا، لا الجناة. أنتم تريدون جرّ بلدي إلى حرب لا أساس لها!

ردّ مندوب الدولة الأخرى، ببرود قاتل:

• العالم كلّه شاهد التسجيل، وسمع قائد التنظيم يذكر دولتكم بالاسم، لا مجال لإنكار الأدلة.

تساقطت الكلمات في القاعة كالرصاص، وكل خطاب أشعل الغضب أكثر، أصابع الاتهام تتبادل، وكل طرف يحشد حلفاءه، وهناك مراسلة قناة عالمية همست وهي تنقل الصورة:

• هذه ليست جلسة نقاش... إنها ساحة معركة سياسية، وقد تتحول قريبًا إلى حرب حقيقية.

وفي زاوية مظلمة من القاعة، جلس مبعوث دولة ثالثة، يراقب المشهد بصمت وابتسامة باردة ترتسم على وجهه، كأنما يستمتع بمسرحية هو أحد كاتبيها..

أما في ذات تلك الغرفة البعيدة، حيث يجلس الرئيس الذي حرّك الخيوط، فقد أغلق شاشة الأخبار بعد أن تأكد أن الشرارة اشتعلت، ارتشف قهوته ببطء وقال لنفسه:

• "The world dances… and we hold the strings."

العالم يرقص... ونحن نمسك بالخيوط.

وفي قلب العاصمة، انعقد مجلس الأمن القومي المصغّر برئاسة رئيس جهاز المخابرات، القاعة المحصّنة غارقة في صمت ثقيل، الهواتف أُغلقت، والأعين كلها معلّقة بالرجل الجالس في المقدمة، وقد بدا الغضب يتفجر من عينيه..

ضرب بيده الطاولة بقوة فارتجّت الأوراق والملفات وهو يصرخ بهم:

• يكفينا هراء! العالم بأسره يتهمنا بعملية لم نخطّط لها ولم نشارك فيها، ومع ذلك يسجَّل الدم المسفوك علينا! من ورّطنا في هذه الجريمة... لا بد أن نصل إليه، وبأي ثمن!

تبادل الضباط النظرات في حذر، حتى تجرأ أحدهم وقال:

• سيدي... التقارير الاستخباراتية الأولية تشير إلى أن طرفًا ثالثًا هو من حرّك تلك الخيوط بشكلٍ خبيث، العملية نُفِّذت بدقة متناهية... ومن خطط لها يعرف جيدًا كيف يشعل فتيل الحرب.

اقترب رئيس المخابرات ببطء من الطاولة، وانحنى قليلًا للأمام، وحدّق في عيني الضابط بنظرة كالخنجر، وصوته خرج حادًا:

• لا أريد إشارات ولا تلميحات... أريد أسماء! أريد وجوهًا! أريد أن أصل إلى من يشدّ الخيوط من الظلال، وإلا سنكون جميعًا في مهبّ الريح.

ساد الصمت، ولم يجرؤ أحد على الرد، وعندها أردف بصرامة أشدّ:

• من هذه اللحظة، لا نوم، ولا راحة، أي معلومة، أي خيط، أي ظلّ، يصل إليّ فورًا، لأن من يلعب بالنار حولنا... لا بد أن يحترق بها قبل أن يحرق بلادنا.

في تلك اللحظة أدرك الجميع أنّ ما قيل لم يكن مجرد غضب، بل إعلان حربٍ استخباراتية مفتوحة، حرب لن تهدأ حتى يُكشف صاحب الجوازات الملعونة الذي زُرعت في الشاحنة، والذي جعل العالم بأسره يتهمهم...

***

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

  • رجال الله   مفترق الخوف

    ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…

  • رجال الله   سيوف العائلات

    كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا

  • رجال الله   موعدٌ على حدِّ السيوف

    كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق

  • رجال الله   العاشق المفتون

    استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status