ホーム / الرومانسية / رجال الله / قلبٌ في قبضة السمّ

共有

قلبٌ في قبضة السمّ

last update 公開日: 2026-06-08 06:00:54

ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!

أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..

دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:

ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.

كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما تقولان، ثم قالت بصوتٍ واضحٍ وجاف:

• اخرجوا جميعكم الأن.

شدّ معاذ ذراع ملك بقوة وهو يحاول دفعها بعيدًا عن السرير، لكنها تشبثت أكثر، صرخت في وجهه بجنون:

ــ لن تخرجني! لن تتركوني بعيدة عنه!

لم يجد معاذ حلًّا آخر، رفعها عن الأرض رغم مقاومتها، فاندفعت قدماها في الهواء وهي تضربه وتصرخ، وصوتها يجلجل في القاعة الكبيرة ويزلزل الجدران من حولهم:

ــ مالك! لا تتركني!

وضعها بعنفٍ على الأريكة خارج الغرفة، ووقف يلهث وهو يحاول تهدئتها، فمسك كتفيها بقوة كي لا تفلت منه وتعود للداخل:

ــ كفى يا ملك! أنتِ تؤذينه بصراخك، أفهمي!

كانت الدموع تغمر وجهها، تشهق وتشهق، وعيناها تشتعلان غيرة ووجعًا، تطرق الأرض بكعبها كطفلةٍ أُبعدت عن لعبتها الوحيدة..

وفي الداخل، كان حمزة يتقدّم خطوةً نحو عائشة، يتردّد بين الحزن والحيرة، وصوته متهدّج بالقلق:

ــ عائشة، هل تحتاجين إليّ؟ أستطيع أن...

قاطعته بحدةٍ مفاجئة، عيناها لا تفارقان وجه مالك:

ــ لا... اخرج من هنا فورًا.

ارتدّت الكلمة كصفعةٍ على وجهه، وتجمّد في مكانه لحظةً، يبحث في ملامحها عن أي معنى آخر، لكنه لم يجد إلا صلابة وجفافًا، ومع ذلك، أطاع أمرها، تراجع خطواتٍ بطيئة حتى عبر باب الغرفة، ووقف هناك مرتبكًا، كأن قلبه عالقٌ داخلها..

التفت ليجد معاذ يحاول السيطرة على ملك التي تهتز كتفاها بنشيجٍ حاد، اقترب ببطء وسأل بنبرةٍ يغلبها الذهول:

ــ معاذ، ما الذي يجري؟ لقد طلبت مني عائشة أن أغادر... لماذا؟

رفع معاذ بصره إليه، في وجهه مزيجٌ من الدهشة والقلق، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ كأنما يخشى أن يسمعه أحدٌ غيره:

ــ لا أدري يا حمزة... ولا أعلم ما الذي يدور في رأسها الآن، على كل حال، اسمع كلامها، هذه قاعتها وبيتها، ولا خيار لنا سوى الطاعة.

ظلّ حمزة يحدّق فيه للحظاتٍ، وكأن الكلمات تدور في رأسه و لم تستوعبها أذناه بعد، ثم أطرق رأسه بهدوء، واستدار ليغادر ببطء، فيما صرخات ملك المختنقة ما زالت تملأ الممر، كأنها تمزّق الصمت من جذوره..

وفي الداخل، انحنت عائشة أكثر نحو مالك، تنظر إليه بعيونٍ مشبعة باليقين والحزن، وقد أدركت أن اللحظة الفاصلة قد بدأت، وأن لا أحد سواها يجب أن يبقى..

جلست عائشة إلى جوار السرير، أنفاسها متلاحقة، يداها ترتجفان وهي تفتح صندوقًا صغيرًا أخرجت منه قارورة زجاجية رفيعة، بداخلها سائل داكن اللون.. سكبت منه بمهارة بضع قطرات في كأس ماءٍ موضوع على الطاولة، ثم أمالت رأس مالك المثقل، وأسقتْه ببطءٍ شديد، بينما أصابعها تسند فكه كأنها تخشى أن يبتلعه الموت قبل أن يبتلع الدواء، فأي خطأ ولو بسيط سيؤدي لكارثة..

مرت دقائق ثقيلة، وكل ثانيةٍ منها كانت كحجرٍ يسقط في بئرٍ لا قاع له، كانت عيناها مثبتتين على صدره يعلو ويهبط بصعوبة، ثم على جفنيه المرتجفين، حتى رأته أخيرًا يحرك يده المرتخية فوق الغطاء، مالت بسرعة إلى الأمام، قلبها يخفق بقوة تكاد تسمعها أذناه قبل أن يفتح عينيه..

تمتم بصوتٍ مبحوح، كمن يعود من سفرٍ طويل في غياهب الظلام:

ــ عائشة...

ابتسمت بخفةٍ وهي تحني رأسها أكثر نحوه، ولمعةٌ خفية في عينيها تشبه انتصارًا مكتومًا:

ــ نعم يا مالك... لقد انتهى الأمر، وكل شيءٍ جرى تمامًا كما أردنا.

ظل يحدّق فيها بنظراتٍ متعبة ولكنه رفع زاوية فمه بإبتسامة وهو يقول:

• كما توقعت تمامًا كان هو جبار.

تنفست عائشة بعمقٍ وهي تقول له:

• لم يكن حمزة أليس كذلك؟!

نظر لها بطرف عينيه قائلًا:

• قلت لكِ حمزة لن يفعلها.

كادت أن تتحدث وهي تصك أسنانها بغضبٍ:

• لقد أخبرتك يا مالك ما سمعته منه هو وتلك العقربة فريدة.

تنحنح مالك بإرهاقٍ واضح قبل أن يخبرها بثقة:

• اقصى ما تفعله تلك الحرباء هو دس الهاتف لملك في غرفتها، غيرة نساء ستُرد إليها بالهلاك، اتركيها لي فستكون نهايتها قريبة أكثر مما تتخيلي.

أدار وجهه إليها فلمح في عينيها غضبٌ يخالطه حزنٌ شديد، فأخرج نفسًا عميقًا وهو يقول لها:

• أما عن حمزة فسوف يُعاقب على تواطئه في سماعها دون إخباري، والأن أين هي..

لكنه قبل أن يُتم سؤاله، اخترق سمعه صوتٌ حادٌّ، موجعٌ، وصراخٌ يملأ الممرّ:

ــ مالك! مالك! افتحي الباب أيتها اللعينة!

شهق مفزوعًا، وجلس نصف جلوسٍ متكئًا على مرفقه، واتسعت عيناه وهو يلتفت نحو الباب المغلق:

ــ هذا... هذا صوت ملك! ما الذي يحدث؟ لماذا تبكي؟

وضعت عائشة كفها على صدره تدفعه ليلتصق بالوسادة ثانيةً، وصوتها هذه المرة صارمٌ كحدِّ السيف:

ــ لا تتحرك، جسدك لن يحتمل مجهود الأن.

لكن عينيه ظلت متعلقتين بالباب، والخوف يملأ صوته:

ــ عائشة، أجبيني! لماذا تبكي ملك هكذا؟ ما الذي جرى لها؟

تنهّدت ببطء، وأسدلت جفنها لحظة ثم رفعته بغيظ:

ــ لقد تأخرنا عن المعاد الذي حددناه سويًا يا مالك، وهذا التأخير كان بيدها هي، لقد فقدت رشدها، حين غبت عن الوعي، انقضّت عليّ كذئبةٍ جائعة، حاولت أن تنتزعك من الجميع، تشبثت بك كما لو كنت ملكًا لها وحدها، لم ترَ بعينيها إلا جنونها، ولا سمعت إلا صدى رغباتها الغريبة في عدم لمسك أو ترككِ لي.

ابتسم مالك بسعادة ولكن صوته خرج يتهدج بالذهول:

ــ ملك... فعلت ذلك؟

أومأت عائشة، وفي عينيها بريقٌ ممتزج بالأسى والغضب:

ــ نعم، وصرخت بي كأنني دخيلة بينك وبينها، لم تترك لك مجالًا لتتنفس، لم تبالِ بحالك ولا بحياتك، كان لابد أن يتدخل معاذ بالقوة ليمزق قبضتها عنك.

أطرق مالك رأسه، وفي عينيه ظهرت الفرحة جلية أما عائشة التي تنظر إليه بحنقٍ على ابتسامته البلهاء، بينما يعلو خارج القاعة صوت ملك الذي لا ينقطع، وصرخاتٌها تتخللها شهقات، كأنها تذوب في دموعها..

مد يده المرتجفة إلى جبهة عائشة، يلمسها بخفة، وصوت داخلي يختلط بين الامتنان الخوف على ملك:

ــ لم أتصور يومًا أن تصل الأمور إلى هذا الحد، لا تغضبي يا حبيبتي هي لم تعرفك بعد، والأن ناديها هي ومعاذ.

اقتربت منه أكثر، همست ببرودةٍ تكسوها غلالة من الحنان:

ــ لا تفكر الآن، أنت بحاجة إلى قوتك يا مالك، سوف أخرج إليهما وأقل لهما ما اتفقنا عليه مثلهم مثل الجميع.

ظل مالك يحدّق في عينيها، بينما صدى صرخات ملك يزداد تمزقًا، يطرق قلبه طرقًا متواصلًا، يجرّه بين حيرته ووجعه، في الوقت الذي استقرت فيه نظرات عائشة عليه كأغلالٍ لا تنكسر..

قلبه كان يخفق بعنف، والارتباك يعصف بوجهه الشاحب، التفت نحو عائشة، صوته خرج مبحوحًا، لكنه محمَّل بعزمٍ لا يُخطئه سمع:

ــ من بالخارج غيرهما يا عائشة؟

لم تجبه مباشرة، بل قامت بخطواتٍ متزنة نحو الخزانة الصغيرة المثبتة إلى الجدار، أزاحت بابها، لتظهر شاشة مراقبة مضاءة بضوءٍ باهت، دقّت أصابعها المفاتيح بسرعةٍ محسوبة، فانكشفت صورة القاعة الخارجية..

ابتسمت ابتسامة باهتة، كأنها تحاول أن تخفي اضطرابًا لا تريد إظهاره، ثم قالت ببرودٍ مفتعل:

ــ لا أحد... سوى ملك ومعاذ.

ارتعشت ملامح مالك لحظة، جسده ينتفض رغم ضعفه، وصوته خرج حاسمًا، كأن المرض لم ينل من سلطته بعد:

ــ إذن... أدخليهما.

تجمدت في مكانها، جسدها يرفض الانصياع، ثم استدارت إليه بحدةٍ لم تستطع أن تحجبها:

ــ لا، هذا غير ممكن، تذكر اتفاقنا، يا مالك لا أحد يجب أن يعرف شيئًا عما يحدث هنا، إن دخلوا فكل ما خططنا له قد ينكشف، وتُهدَم اللعبة من أساسها.

ارتسمت على وجهه ابتسامة شاحبة، لكنها مشبعة بمرارةٍ لاذعة، رفع رأسه قليلًا، وحدّق فيها نظرةً تجمع بين العتاب والصرامة:

ــ منذ متى... أنتِ تتناقشين معي يا عائشة؟ منذ متى تعرضين أوامري على ميزان رأيك؟

انكسرت نظرتها للحظة، و كلماته كانت سوطًا ضرب أعماقها، فتراجعت خطوة، وحاولت أن تخفي اضطرابها خلف قناعٍ من الهدوء الظاهري، لكنه ظل يحدّق فيها بإصرارٍ لا يلين، نظراته تثقب جدارها الداخلي كالسهم..

تمتم وهو يزفر ببطءٍ، نبرته ضعيفة لكنها مشحونة بسلطانٍ قديمٍ لم يلفح ذلك الإرهاق الشديد في محوه:

ــ قلت لكِ: أدخليهما.

أحنت رأسها ببطء، كمن يبتلع كأسًا مرًّا، وفي عينيها بريق غضبٍ مكتوم، غير أنها لم تجد مفرًا من الطاعة، اقتربت من الباب، وضغطت على المقبض بيدٍ مترددة، ثم نادت بصوتٍ حاولت أن تجعله طبيعيًا لكنه لم يخلُ من ارتجافٍ خفي:

ــ معاذ... ملك... ادخلا.

من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..

أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..

اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • رجال الله   في مواجهة شاهين

    جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..ولكن بأي ثمن؟اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..قال لنفسه بصوتٍ

  • رجال الله   اغتصاب الروح

    حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها.لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ..رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتو

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status