FAZER LOGINابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:
ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير. ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان: ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك. بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة.. بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته بقيت معلّقة بشاهين لحظةً طويلة قبل أن تتوقف غسق وتركبه، كان في عيني شاهين بريق حزنٍ مستتر خلف كبرياءٍ جامح، وكأن القمر وحده كان شاهدًا على تلك المواجهة التي لم تُنهِ شيئًا… بل أشعلت نارًا جديدة بين العسيرات والجعافرة. ــــــــــــــــــــــــــ خطوات مالك كانت تتردّد في الرواق الرخامي، متزنة، لكنها تحمل غضبًا مكتومًا، كل خطوة كانت تُحدث صدى عميقًا، فتتردّد أصداؤها حتى غرفة ملك، وما إن لامس المقبض البارد حتى دفع الباب برفق، ليكشف المشهد أمامه: ملك ممدّدة على الفراش، ظهرها للباب، تتنفس ببطءٍ مصطنع، متقنة تمثيل النوم كعادتها.. تقدّم بخطوات ثابتة، ووقف للحظة يراقب انحناءة كتفيها تحت الغطاء، ثم جلس إلى جوارها على حافة السرير، عينيه كانتا تلمعان بحدّةٍ في الضوء الخافت، وصوته خرج منخفضًا في البداية، كأنّه يُلقي بحقيقة لا تقبل النقاش: ــ ملك… توقفي عن هذا. لم تتحرّك، لكن صدرها ارتفع بانفعالٍ لا يمكن إخفاؤه، مال مالك نحوها أكثر، والحدة تسرّبت إلى نبرته: ــ أعرف أنّكِ مستيقظة، لا تظنّي أنّ خدعتكِ تنطلي عليّ. ظلّت ساكنة، فامتدّت يده ببطءٍ نحو الطاولة الصغيرة قرب السرير، حيث وُضع طبق العشاء كما في كل ليلة، رفع الغطاء المعدني، فظهر الطعام كما تُرك، بلا أثر لمعلقة واحدة، فألقى الغطاء على الطاولة فأحدث صوتًا معدنيًّا جافًّا، وكأنّه أطلق رصاصة في الفراغ وهو يزفر بضيقٍ قائلًا: ــ الطعام… كل ليلة يُترك كما هو. اشتدّ صوته والحروف تتكسر بين أسنانه: • هذا ليس احتجاجًا ناضجًا، ولا كبرياء، هذا عبث. رفع رأسه نحوها، عيناه تبرقان بلهيبٍ مكبوت: ــ ملك، شهرٌ كامل… وأنا أصبر، شهر كامل أتعامل مع صمتكِ وتجاهلكِ وكأنّه لا يفتك بي، لكن لكل صبرٍ حدود، وأنا وصلتُ إلى حدودي. فتحت ملك عينيها ببطءٍ وحدقتاها تلمعان بدموعٍ محبوسة، بينما وجهها شاحبٌ تحت انعكاس الضوء، كان الغضب في صوته كالسوط، لكنه أخفى تحته خوفًا عميقًا وقلقًا لا يُقال.. ــ ظننتِ أنّ صمتي ضعفٌ؟ سؤاله خرج كصفعةٍ وهو يستطرد: • ظننتِ أنّني سأترككِ تغرقين في هذا الجدار الذي بنيتِه بيننا؟ لا يا ملك… ليس بعد كل ما مررنا به. رفع يده عن الطاولة ببطء، كأنه يُكبح نفسه عن الانفجار، وعاد صوته أكثر هدوءًا لكن أكثر خطورة: ــ يكفينا هذا العبث، إمّا أن نبدأ الحديث الآن… أو تتركيني أتعامل معكِ بطريقةٍ لن تُعجبكِ. تقلّصت أصابعها فوق الغطاء وهي تحاول التماسك، لكن ارتجاف رموشها فضح ارتباكها، كان الموقف مشحونًا، كأنّ الغرفة بأكملها صارت ساحة مواجهة: صمتها كسكين، وغضبه كالنار التي تنتظر لحظة لتلتهم كل شيء.. تسلّل التوتر إلى الغرفة الثقيلة بالسكوت، ولم تعد ملك قادرة على الاحتماء بصمتها أكثر، نهضت ببطءٍ من الفراش، حركتها متوترة كأنها تتحدى ثقل الموقف على نفسها، وجهها شاحب وعيناها تقدحان شررًا مكبوتًا، رفعت رأسها تنظر إليه نظرة متحدّية وقالت بصوتٍ مبحوح من شدّة الانفعال: ــ تريدني أن آكل من يد زوجتك… ثم نصبح أصدقاء؟ وتبعث لي الأخريات ليصادقنني وكأننا جميعًا زوجات شهبندر التاجر؟! ارتفع حاجباه بدهشةٍ حقيقية، وكأن كلماتها صفعته، ثم انحنى فمه بابتسامةٍ متعبة، ضحكة قصيرة حاول بها أن يخفي الإرهاق المتنامي في ملامحه والذي يحاول بقدر ما استطاع التحكم به، صوته خرج أجشّ، فيه حنوّ مرّ: ــ اسمه الملك… لا شهبندر التجار. مدّ يده نحوها، يلمس أصابعها بلطف، لكنها سحبت يدها سريعًا، غير أنها، للحظة، شعرت بحرارة جسده تتسلل إلى جلدها كشرارة محرقة، نظرت إليه بقلقٍ متزايد، والاضطراب ارتسم في عينيها بينما كان جسده يشعّ حرارة غير طبيعية، وعرقه يتلألأ على جبينه، سألها وهو يتماسك بصعوبة: ــ أأنتِ… تغارين من عائشة؟ ارتبكت، وارتعشت شفتاها، فتهرّبت بعنادٍ هشّ: ــ أغار؟ ولماذا أغار؟! كلمتها خرجت حادّة لكنها خالية من اليقين، أما هو فقد شعر بالدوار يزحف إلى رأسه، وارتجت أنفاسه، قال بصوتٍ واهن، يكاد يتمسك بالكلمات حتى لا تتبعثر منه: ــ قلتُ لكِ من قبل كل زوجاتي على الورق فقط. ثم اهتزّ جسده فجأة، وقد صار ثقل جسده وألمه فوق احتماله، جلس على طرف السرير متشبثًا بالحافة، رأسه يميل قليلًا، وجهه شاحب والحرارة التي تلفّ جسده، نظرت إليه ملك بخوفٍ صافٍ، قلبها يخفق بعنف، فتقدّمت نحوه بجسدها متردّدة وسألت بقلقٍ واضح: ــ مالك؟ ماذا بك؟ حاول أن يتزن برأسه نحوها وعيناه نصف مغمضتين، وصوته يخرج متقطّعًا: ــ لا… لا أعلم، نادي عائشة. رأت العرق يتصبّب على صدغه وارتجاف أصابعه وهو يحاول الاتكاء على السرير، فابتلع الخوف حلقها وهي تلتفت بسرعة نحو الباب تصرخ: ــ عائشة! عائشة، أين أنتِ! لم تتلقَ إجابه فالتفتت تنظر إليه فوجدته يترنح وهو يجاهد ألا يسقط جسده على الفراش فعادت تصرخ: • معاذ.. معاذ.. أين الجميع هنا. عادت إليه تجث جبينه وتجفف عرقه وهي تسأله بقلقٍ وقد بدأت تسقط دموعها بخوف: • أين هاتفك لأتصل بأخي. لم يجيبها وقد ثقل لسانه وتجمد فكه فظلت تصرخ وهي تتمسك بجسده؛ لكن قبل أن يصل الصوت إلى أروقة القصر، كان جسد مالك قد ارتخى فجأة، فقد وعيه بين يديها وتد على الفراش، جثت إلى جانبه وتتشبث بكتفيه المرتخيتين، والذعر يشتعل في عينيها وهي تصرخ بأعلى صوتها لينجده أحد.. ــــــــــــــــــــ داخل القصر الكبير، في المجلس الواسع المكسوّ بالسجاد العجمي والوسائد الثقيلة، جلس عُسير على صدر المجلس، هيبته طاغية وصوته صارم، فيما عيناه تجولان في وجوه الرجال الواقفين عند الأبواب.. رفع يده إشارة حاسمة وهو يقول: ــ ما يدخل حد غير الشيوخ الكبار… المجلس دا للثلاثة فقط. تبادل الواقفون نظراتٍ صامتة، ثم انسحبوا واحدًا تلو الآخر حتى خلت القاعة إلا من أنفاسٍ متوترة، ظلّ الباب مواربًا، حتى تقدّم لشيخين بثيابهما المهيبة.. جلسا على مقربة من عُسير، الذي ظلّ مسندًا ظهره إلى الوسادة، كفّه على مقبض سيفه الموضوع بجانبه، ثم قال بصوتٍ ينزل كالحُكم: ــ اجتمعنا هنا لأجل كلمة واحدة… ما نبي زحمة ولا نبي صغار يسمعوا اللي ما يلزمهم، اللي بينّا ما يخص غير الشيوخ، واللي يتقرر الليلة… مصيره يغيّر في دماء القبائل كلّها. سكت قليلًا، ثم تبادل معهما نظراتٍ طويلة، كأنما يختبر صبرهما، بينما النار المشتعلة في الفوانيس ترسم ملامح قاسية على الوجوه الثلاثة.. فرد جعفر والشيخ عمار جسديهما في مواجهة عُسير، وكلٌ منهما يتأمل ملامحه الصارمة بعينٍ يملأها التوجّس.. كان جعفر يميل بجسده قليلًا للأمام، كمن يريد اقتناص كل حركةٍ من وجه عُسير ليفهم ما وراءها، فيما الشيخ عمار شدّ سبحةً بين أصابعه، يُخفي بها قلقًا عميقًا عن بقية الحاضرين، كلاهما لم يعرف بعد إن كان عُسير جادًا في رفضه إدخال حفيدته في أمر "عروس الدم"، أم أن الرجل يناور، ويطيل الطريق حتى اللحظة الأخيرة، ليُبقي مصيره ومصيرهما رهينةً بيده وحده.. كان ينظران إلى بعضهما البعض وهما يعرفان عُسير جيدًا، ولكن الشكّ كان يتأرجح بينهما بسؤالٍ لا يعرف أحدٌ منهما إجابته.. هل عُسير الليلة سيقطع بحكمٍ لا رجعة فيه، أم أنه جاء ليفاوض، ويُراوغ، ويُمتحن صبرهما قبل أن يكشف القرار الحقيقي؟ أما عُسير، فبقي ساكنًا كالصخر، عيناه تلتقطان ارتجافة أصابع عمار ونظرات جعفر الحادة، وكأنما يستمدّ من صمتهما قوةً إضافية ليبقى هو المتحكّم في ميزان اللحظة.. تنحنح عُسير، وصوته خرج غليظًا كصدى في وادٍ قديم: ــ يا جعفر… يا عمار… ما طلبت حضوركما إلا لتسمعا الكلمة من لساني، لا من لسان غيري، أنتم جئتم تطلبون عروس دم، وتريدون حفيدتي غسق تُساق إلى داركم كوديعة لصلحٍ لا يُكتب له البقاء، أنا ما أردت أقطع سبيل الصلح، لكن… الصلح ما يكون إلا بميزان الشرف. ارتفعت رأس جعفر فجأة، وعروقه تنبض من عنقه، قال بحدةٍ حاول كبحها: ــ قول يا عُسير… وش شرطك؟ ابتسم عُسير ابتسامةً ضيّقة، وعيناه تنظران في عيون الرجلين كأنهما سيوفٌ مسلولة: ــ أول شرط: منفذكم التجاري عند التُخوم، تتركونه تحت راية العسيرات، لمدة سنتين، نُديره ونحصي خيره بأيدينا، هيك يكون الدم مغسول بالذهب، والدهر ما يعيب علينا. شهق الشيخ عمار بصوتٍ مكتوم، أمّا جعفر فشدّ على عصاه، حتى كاد أن يكسرها بين أصابعه! لكن عُسير لم يُمهلهم لحظة للتفكير، بل أضاف بصوتٍ أكثر رسوخًا: ــ الشرط الثاني… بنتك يا جعفر، وردة، ولدي مُبارك طلبها من سنين، وتركتموه واقفًا عند بابكم، اليوم أقولها قدّام الشيخ عمار، إن كان لا بدّ من دمٍ يُربط، فليكن دمًا في العِرق والنسب، تدخل وردة دار العسيرات زوجةً له، ضمانةً للعهود، وشهادةً أنّ ما بيننا ما يُنقض، وأن ابنتنا ستعيش بينكم في عزة وكرامة. ارتفع المجلس كأنه انفجر في لحظة! ضرب جعفر عصاه بالأرض حتى ارتجفت الأكواب، وصاح بلهجةٍ ممزوجة بالدم والنار: ــ عيبٍ وعار يا عُسير! تبيع وتشتري في بناتنا؟ وردة عندنا ما هي سلعة، ولا نرضى نهديها رهينة في داركم! هذا الكلام تسمعوه مني ومن كل جعفري. أما الشيخ عمار فقد مدّ يده يُهدئه، لكن وجهه كان قد شحب: ــ يا عُسير… هذا شرطٍ ما يُقبل، لا في عُرف ولا في دين، تجرّدت من الحكمة لو حسبت الرجال يرضون به. ظلّ عُسير ساكنًا للحظات، ينظر إليهما بعين لا تعرف الارتباك، ثم قال ببرودٍ يثير الغيظ: ــ أنا ما أغلقت الباب، أنتم اللي سكرتوه، الصلح مفتوح، لكن بشروطي، غير هذا.. فلتُشهد هذه الجدران أنّي لم أرفض، وأنّ الجعافرة والواقاداب هم من تراجعوا. ساد الصمت من جديد، لكنّه هذه المرة كان صمتًا ملبّدًا بالمهانة، جعفر يعضّ على شفته حتى سال الدم منها، والشيخ عمار يتجنب النظر في عيني عُسير، كأنما يرى في كلامه مصيدةً محكمة لا منفذ منها! انسحبت موجة الغضب من المجلس كما تفرّق دخانٍ ثقيلٍ عن نارٍ عظيمة، نهضا الأثنان ببطءٍ، ومشيا حتى الباب، أوقف عُسير خطواتهما بيده التي لم ترتعش ولا ارتخَت، ثم أمال وجها نحوهما؛ وفي عينيه صرامة الجدّاء وسكونُ البادية بعد ليل عاصف، خفّض صوته، لكن كلماته كانت كطلقةٍ تقطع الأفق: ــ أنا بانتظار ردّكُم ليوم الجُمعة الجاي. توقّف جعفر، والتفت بعنف، أما الشيخ عمار رجع خطوةٍ واحدة، كأنّ كلامًا مزق سترًا كان مُلقى على واقعٍ مُحرَّم، تكلم عُسير مرةً ثانية، وكلماته مُشبعةٍ بوقار شيخٍٍ علمته السنين كيف يكتم لهيبه في صدره: ــ شوروا بينكم، اجتمعوا، وخلّوا العقل يسبق النيات، ولّا تروّحون وخاطرنا غير مباح، واعلموا وكلّ واحدٍ منكم يعرف عدده إن أيّ تهوّر تسوّوه، يا شيوخ القبائل، هيفقدكم شبابكم، وهيفقدكم أولادكم، وفلذات أكبادكم، ما أهدّي لكم غير كلامي هان، وإلّا فالعواقب لن ترحم أحد. سكت لبرهة، ورفع حاجبيه، كمن يوقّع إنذارًا على صفحة خطيرة، ثم أكمل بنبرةٍ تدمعها هشاشة الهيبة وتحميها عزمُ الرجولة: ــ أنا ما جمعتكم لأهانكم قدام، ولا جيت أفتعل عداوة، بس الشرف ما ينباع بالفلوس، ولا يُقايَض بقرارٍ سهل، يوم الجمعة سيكون جوابكم، وإذا جيتوا بكلام مضبوط، نِسلم الأمور على خير، وإن جيتوا بتهور أو حيلة، فليحفظكم الله لكن ما أضمن لكم شيء. ابتلع جعفر كلامه مرّةً واحدة، ثم قدّم رِجله خارجًا، وعيونه لا تكفّ عن إلقاء نظراتٍ تمتزج فيها الخيبة بالغضب، خرج الاثنان على صمتٍ متكتم، وفي ردهات القصر تردّد وقع حذائهما كقرع طبلٍ ينذر بليلةٍ قادمة عصيبة.. وقف الرجال واحدًا تلو الآخر أمام القاعة الخارجية ينظر كُلًا منهما لأبنائه ليتبعوه، وجوههم مشدودة كما لو أن ذلك الصراع قد طبع فيها أثرًا لا يُمحى، خرجوا من القاعة بخطواتٍ مطمئنة ظاهرًا، متردّدة باطنًا؛ أصابعهم تقبض على عصيهم، وأنياب كلامٍ كانت على وشك الانفجار تُضمَّد بالصمت المؤقّت.. تدلّت الستائر الثقيلة من النوافذ، وارتفع ضوء المصابيح الذهبية المنهكة، فألقى بقايا ضوءٍ بارد على أرضية السجاد القديم، عبرت خطاهم ردهات الحديقة، وارتجفت فيها خطوات الجياد خلف الِجمال، وصدى أحاديثهم الخافتة تلاشت من بين جدران رخامية تعجّ بالذكر، عند البوابة الكبيرة توقّف جعفر للحظة، التقط أنفاسه عميقًا، ثم مال بجسده كما يمالُ ذاك الذي تجرّع مرارة الإهانة وخبّأها تحت صدره، وما لبث أن أدار ظهره ومضى.. أما الشيخ عمار فقد تبعه بوجهٍ شاحب، ويده لا تزال على سبحته كما لو كان يحسب بها نبض الزمن الذي انقلب فجأةً رأسًا على عقب! حين انغلقت البوابة الكبيرة خلفهم، كان عُسير يتابعهم من نافذته الكبيرة، عاد إلى صدر المجلس، وجلس ثم مدّ يده إلى إبريق القهوة، فسكب فناجيل صغيرة، لكنه لم يجرؤ أن يغمض عينه، في صدره نارٌ ما زالت مُشتعلة؛ ليس خشية الحرب وحدها، بل خشيةُ أن يكون جرحُ العرض الذي يحميه أعظم من أن يُردّ بقسوةٍ قبل أن تُتهيّأ العشائر لنقطة التقاءٍ تقبلها النفوس.. وهكذا تُركت القاعة، تحوي على أثر قرارٍ معلّقٍ ما بين إنذارٍ مدوٍ واستعدادٍ لمواجهة، والوقت يمتدّ حتى يوم الجمعة؛ يومٌ سيُجري فيه حسابُ الكرامات، ويُعلَن فيه إن كانت المصاهرة قسيمةٌ تُسدّد بالذهب أم أنّها عهدٌ لا يُغتصب.جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..ولكن بأي ثمن؟اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..قال لنفسه بصوتٍ
حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها.لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ..رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتو
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر







