Se connecterاستيقظت سلين مع أول خيوط الفجر التي تسللت من بين الستائر الثقيلة، لتلقي بظلالها الذهبية على وجهها الشاحب. لم تكن قد نامت حقاً. كانت قد أغمضت عينيها، لكن عقلها كان يقظاً، يعيد شريط الليلة الماضية مراراً وتكراراً. الخوف، الرعب، صوت لينار وهو يصرخ، ثم احتضانه لها، ثم عودتهما إلى المنزل... وحدها في سريرها، وهي تنظر إلى السقف، تتساءل كيف وصلت حياتها إلى هذا الحد من الانهيار.
نهضت ببطء، وشعرت بجسدها المؤلم من التوتر والبرد الذي تسلل إلى عظامها خلال الليلة الماضية. وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها. كانت ترى امرأة غريبة، بعينين منطفئتين، وشعر متشابك، ووجنتين غائرتين. هذه لم تكن هي. أو ربما كانت هي، لكنها لم تعد تعرف هذه المرأة بعد الآن. خرجت من غرفتها بهدوء، تاركة لينار نائماً على الأريكة في غرفة المعيشة. كان قد نام هناك، رافضاً أن يبتعد عنها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب أكثر من ذلك. نظرت إليه للحظة، إلى وجهه المتعب، إلى آثار الدموع على خديه، ثم أدارت وجهها ومشت نحو الشرفة الخلفية. كان الهواء البارد يلسع وجهها، لكنها شعرت به بالكاد. وقفت على الشرفة، تنظر إلى الثلج الذي كان يغطي الحديقة، والأشجار العارية التي تقف صامدة في وجه الشتاء القاسي. كان الصباح هادئاً جداً، والثلج يتساقط بهدوء، يغطي كل شيء ببياضه الصامت. وقفت هناك، تدع الريح الباردة تعبث بشعرها، وتشعر بالبرد يتسرب إلى جسدها لكنها لا تبالي. كانت تشعر بأنها جزء من هذا المشهد البارد، كأنها أصبحت ثلجاً يتساقط، بلا روح، بلا حياة. سمعت خطواته خلفها قبل أن تراه. عرفت أنه جاء. تنهدت بعمق، ولم تلتفت إليه. كانت تعرف أنه سيأتي، كانت تعرف أنه لا يستطيع البقاء بعيداً. لكنها لم تكن مستعدة لمواجهته. لم تكن مستعدة لفتح الجروح التي ظلت تنزف في صمت لسنوات. "سلين..." همس لينار، وصوته كان خافتاً، متردداً. كان قد استيقظ ليجد سريرها فارغاً، وقلبه كاد أن يتوقف من الخوف حتى وجدها هنا. وقف على بعد خطوات منها، لا يجرؤ على الاقتراب أكثر. كان يرتجف، ليس من البرد، بل من الخوف من أن يخسرها إلى الأبد. صمتت. كانت تنظر إلى الأمام، إلى الثلج الذي كان يتساقط بلا توقف، كأنه يحاول دفن كل شيء تحته. "أنا آسف." قال، وصوته مكسور. "أنا آسف على كل شيء. على كل كلمة قلتها، على كل نظرة تجاهلتك فيها، على كل ليلة تركتك فيها وحدك تبكين." استمرت في الصمت. كانت كلماته تصل إلى أذنيها، لكنها لم تخترق جدار الجليد الذي بنته حول قلبها. كانت تسمع صوته، لكنها كانت تشعر بأنه بعيد، وكأنه يتحدث من خلف زجاج سميك. "أنا أعلم أن الكلمات لا تكفي." تابع، وهو يتقدم خطوة نحوها. "أعلم أنني لا أستحق فرصة أخرى. لكنني أريدك أن تعلمي أنني تغيرت. أنني أرى كل شيء الآن. أرى كم كنتُ أعمى." التفتت إليه أخيراً، ونظرت في عينيه. كانت عيناها جافتين، باردة، وكأن كل المشاعر قد ماتت فيها. لكن تحت ذلك الجليد، كان هناك نار مشتعلة، نار من الألم المكبوت، نار من السنوات التي عاشتها في صمت. "تغيرت؟" سألت، وصوتها هادئ، بلا نبرة. لكنه كان هدوءاً قبل العاصفة. "هل تعتقد أن تغيرك بين ليلة وضحاها يكفي لمحو سنوات من الألم؟" "لا." اعترف، وصوته يرتجف. "لا أعتقد ذلك. لكنني مستعد لانتظارك. مستعد لفعل أي شيء لأثبت لك أنني..." "ماذا؟" قاطعته، ورفعت حاجبها. كان صوتها لا يزال هادئاً، لكن هناك شيئاً بدأ يتغير في عينيها. "أن تحبني؟ متى أحببتني؟ في الليالي التي كنت تحتضنني فيها لأنني كنت أحمل جروك؟ في الأيام التي كنت تتجاهلني فيها وكأنني غير موجودة؟ متى أحببتني يا لينار؟" وقفت هناك، تنظر إليه، وعيناها تبدأان في اللمعان بدموع لم تسقط بعد. "هل تعلم كم كنت أنتظرك كل ليلة؟" همست، وصوتها بدأ يرتجف. "كل ليلة، كنت أنام وقلبي ينبض بالأمل أن تأتي إلي. أن تنظر إلي. أن تلمسني. أن تقول لي شيئاً، أي شيء." توقفت، وأخذت نفساً عميقاً، وكأنها تجمع قواها لتقول ما تبقى. "كنت أستيقظ في الصباح، وأجد السرير بارداً، وأجدني وحدي. وكنت أذهب إلى المطبخ، وأعد قهوتك، وأضعها على الطاولة، وأنتظر حتى تأتي وتشربها دون أن تنظر إلي." سقطت دمعة على خدها، ثم أخرى. "كنت أترك لك رسائل صغيرة تحت وسادتك. كنت أكتب فيها أنني أحبك، أنني أنتظرك، أنني أتمنى أن تنظر إلي يوماً ما. وكنت تجدها، وتمزقها، وتلقي بها في سلة المهملات، وكأنني لم أكتبها." "سلين..." همس لينار، وصوته مكسور، ودموعه بدأت تتساقط. "لا تقاطعني." قالت، وصوتها ارتفع قليلاً. "لقد صمت طوال هذه السنوات. الآن ستصمت أنت وتسمعني." توقف. وقف هناك، ينظر إليها، ويشعر بأن كل كلمة كانت صفعة على وجهه. "أتذكر تلك الليلة؟" همست، وعيناها تائهتان في الذاكرة. "تلك الليلة التي أتيت فيها إلى غرفتي، وجثوت على ركبتيك، وقلت لي أنك آسف. تلك الليلة التي احتضنتني فيها، وجعلتني أشعر بأنني محبوبة للمرة الأولى منذ سنوات." توقفت، وابتلعت دموعها. "في تلك الليلة، شعرت بأن قلبي عاد إلى الحياة. شعرت بأن كل شيء سيتغير. شعرت بأنك أخيراً رأيتني." نظرت إليه، وعيناها مليئتان بالألم. "وفي الصباح، قلت لي إنها كانت خطأ. قلت لي إن الذئب اللعين هو الذي فعل ذلك، وليس أنت. قلت لي إنني كنت مجرد ضعف، وإن هذا لا يعني شيئاً." بكت. بكت بصوت عالٍ، وكتفيها تهتزان بالبكاء. "كيف يمكنك أن تفعل ذلك بي؟" صرخت، وصوتها ارتفع في الهواء البارد. "كيف يمكنك أن تجعلني أشعر بأنني محبوبة في الليل، ثم تقتلني في الصباح؟ كيف يمكنك أن تنظر في عيني وتقول لي إنني خطأ؟" "كنت خائفاً..." همس لينار، وصوته ضعيف، مكسور. "خائفاً؟" ضحكت، ضحكة باردة، مريرة. "خائفاً من ماذا؟ من أن تحبني؟ من أن تشعر بشيء تجاهي؟ هل تعلم كم كان ذلك مؤلماً؟ أن تشعر بأنك محبوب في الليل، ثم تكتشف في الصباح أنك مجرد خطأ؟" "سلين..." بكى لينار، وحاول أن يمد يده إليها. "لا تلمسني." قالت، وتراجعت خطوة إلى الوراء. "لا تلمسني أبداً مجدداً." توقفت يده في منتصف الطريق، وتجمدت في الهواء البارد. "هل تعلم كم كنت أتمنى أن أموت؟" همست، وصوتها أصبح هادئاً مرة أخرى، لكنه كان هادئاً مخيفاً. "كم كنت أتمنى أن أختفي، حتى تنظر إلي ولو مرة واحدة بنفس النظرة التي تنظر بها إلى أرين؟" شعر لينار بأن قلبه يتوقف. كان يشعر بألم لم يشعر به من قبل. ألم يخرجه من نفسه، ويجعله يبكي كطفل صغير. "كل يوم، كنت أنظر إلى أرين في عينيه، وأرى عينيك. وكنت أحبه، أحبه أكثر من أي شيء في هذا العالم. لكنني كنت أكره نفسي لأنني كنت أغار منه. أغار من ابني." بكت، وبكت طويلاً. "كنت أغار لأنه يحظى بكل حبك. كنت أغار لأنه كان بين ذراعيك كل ليلة، وأنت تهمس له بكلمات الحب التي لم تهمسها لي أبداً. كنت أغار لأنه كان يحصل على كل شيء كنت أتمناه." "سلين..." همس لينار، وصوته كان بالكاد مسموعاً. "وهناك شيء آخر." قالت، وعيناها تدمعان. "والدتك... كانت تؤذيني." رفعت كمها، وأظهرت ذراعها النحيلة. كانت هناك كدمات قديمة، وعلامات زرقاء، وآثار قرصات لم تلتئم. بعضها كان حديثاً، وآخر قديماً. "كانت تضربني، وتقرصنني، وتدفعني. كانت تقول لي أنني مجرد وسيلة، وأن أرين ليس طفلي، وأنني لا أستحق حتى أن أكون أماً له." "وأنت..." همست، وصوتها مكسور. "لم تفعل شيئاً. كنت ترى دموعي، وتمشي بجانبي. كنت تسمع صراخي، وتتظاهر بأنك لم تسمع." "لم تخبريني..." همس لينار، وصوته مذعور. "لم تخبريني أنها كانت تفعل هذا بكِ." "هل كنت ستهتم؟" سألت، ونظرت إليه بعينين دامعتين. "هل كنت ستدافع عني؟ أم كنت ستقول لي أن أتحملها، كما فعلت في كل مرة؟" صمت. لم يستطع أن يقول شيئاً، لأنه كان يعلم أنها على حق. "أتذكر عندما ولدت أرين؟" همست، ودموعها تتساقط بغزارة. "كنت منهكة، مرهقة، أنزف، وأحتاج إليك. وكنت أنتظر. كنت أنتظر أن تنظر إلي، أن تمسح عرقي، أن تقول لي شكراً." "لكنك لم تفعل." بكت. "دخلت الغرفة، ونظرت إلى أرين، ونسيت أنني موجودة. أعلنت اسمه دون أن تسألني. أخذته مني دون أن تدعني أحضنه. وتركتني هناك، وحدي، أنزف، أبكي، وأتمنى الموت." سقط لينار على ركبتيه أمامها. لأول مرة في حياته، أقوى ألفا من السلالة الأصلية، كان جاثياً على ركبتيه أمام أوميغا، يبكي، يتوسل. "أنا آسف يا سلين." بكى، ودموعه تتساقط على الثلج. "أنا آسف على كل شيء. أرجوكِ، أعطيني فرصة. دعيني أصلح ما أفسدته." "أصلح؟" ضحكت، ضحكة مريرة، باكية. "كيف تصلح شيئاً قتلته؟ كيف تعيد الحياة إلى شيء مات؟" "سأحاول ان اعدك." قال، وصوته يرتجف. "سأحاول وانتظر حتى تعودي إلي. حتى لو استغرق الأمر سنوات، حتى لو استغرق الأمر عمري كله. سأنتظر." نظرت إليه من فوق، وعيناها جافتان مجدداً. لم تتحرك، لم ترتعش، لم تظهر أي مشاعر. "لقد قتلتني." همست، وصوتها هادئ، بلا نبرة. "قتلت كل شيء في داخلي. حبي، أملي، حياتي. والآن تأتي إليّ وتطلب مني أن أسامحك؟" "سلين..." همس، وصوته كان بالكاد مسموعاً. نظرت إليه، وعيناها باردة، كالجليد. "لن أسامحك أبداً." قالت، وصوتها حازم، قاطع. "لن أسامحك أبداً على ما فعلته." "على كل ليلة تركتني فيها وحدي أبكي." بدأت تعد، وكأنها تقرأ قائمة جرائمه. "على كل كلمة قاسية قلتها لي. على كل نظرة تجاهلتني فيها. على كل مرة تركتني فيها أُهان من والدتك. على كل مرة جعلتني أشعر بأنني لا شيء." "على الليالي التي كنت تحتضنني فيها لأنني كنت أحمل جروك، وليس لأنني أنا. على الصباح الذي قلت لي فيه أنني كنت خطأ. على كل مرة دخلت فيها الغرفة ورأيتني أبكي، ومشيت بجانبي." "على اليوم الذي ولدت فيه أرين، وتركتني وحدي أنزف. على اليوم الذي أعلنت اسمه دون أن تسألني. على اليوم الذي أخذته مني دون أن تدعني أحضنه." توقفت، وأخذت نفساً عميقاً. "على كل يوم جعلتني فيه أشعر بأنني قبيحة، وغير مرغوب فيها، وأنني عبء. على كل يوم جعلتني فيه أغار من ابني. على كل يوم قتلت فيه جزءاً مني." "لن أسامحك أبداً." كررت، وصوتها كان حازماً، قاطعاً. "لن أسامحك أبداً." التفتت، وبدأت تمشي نحو الباب. "سلين!" صرخ لينار، وحاول النهوض، لكن ساقيه خانتاه. زحف على ركبتيه نحوها. "أرجوكِ! لا تذهبي! أرجوكِ!" "سامحيني... أرجوكِ سامحيني..." بكى، وصراخه كان يملأ الفضاء. "لا أستطيع العيش بدونك... أرجوكِ..." توقفت للحظة، دون أن تلتفت إليه. كان صوته مكسوراً، بكاءه يخترق الجليد. لكنها لم تستطع. "سأبقى." قالت، وصوتها هادئ. "لأجل أرين. لأجله فقط. لكن لا تطلب مني شيئاً آخر. لا تطلب مني أن أحبك. لا تطلب مني أن أسامحك. لأنني لا أملك شيئاً لأعطيه لك." دخلت، وأغلقت الباب خلفها. --- بقي لينار هناك، جاثياً على ركبتيه في الثلج، ينظر إلى الباب المغلق. كانت دموعه تتجمد على خديه، وريح الليل تعوي من حوله. صراخها كان لا يزال يتردد في أذنيه، صراخ امرأة أحبها وقتلها. شعر ببرد لم يشعر به من قبل. برد كان يأتي من الداخل، من قلبه، من روحه. رفع رأسه إلى السماء، وصرخ. صرخ بألم لم يخرجه من قبل. "آآآه!" صرخ، وصوته تحطم في الهواء البارد. "ماذا فعلت؟ ماذا فعلت بها؟" سقط على الثلج، يبكي، يرتجف، ويشعر بأن كل شيء قد انتهى. كان يعلم أنه خسرها. كان يعلم أنه خسرها إلى الأبد. "سأنتظر..." همس، وصوته كان بالكاد مسموعاً. "سأنتظر حتى تعودي إلي. حتى لو استغرق الأمر إلى الأبد." لكن الليل لم يرد. فقط الثلج استمر في التساقط، يغطي كل شيء، ويدفن كل شيء تحت بياضه الصامت. --- ❄️🖤 نهاية الفصل السابع 🖤❄️ --- 🤔 سؤال للقارئ: بعد هذا الاعتراف المدمر، بعد أن سمع لينار كل الألم الذي تسبب به لسنوات... هل تعتقد أن سلين ستغير رأيها يوماً ما؟ أم أن جروحها عميقة جداً لتلتئم، ورفضها نهائي؟ هل سيثبت لينار أنه تغير حقاً، أم سيعود إلى تجاهله المعتاد؟ هل يستطيع الحب أن يعيد بناء ما تحطم؟ --- 📝 شاركنا مشاعرك في التعليقات! هل بكيت معهم؟ وإذا كنت تريد معرفة ما سيحدث في الفصول القادمة... تابعونا في الفصل الثامن: "من حيث يجب ان تبدأ البداية" 🌸 --- سيأتي الفصل الثامن قريباً... دمتم بخير 💕مر أسبوع. سبعة أيام كاملة من الجحيم. سبعة أيام لم تخرج فيها سلين من غرفة الضيوف إلا للضرورة القصوى. كانت قد اختارت تلك الغرفة البعيدة، في الطرف الآخر من القصر، بعيدة عن غرفته، بعيدة عن ذكرياتهما، بعيدة عن كل شيء. غرفة صغيرة، باردة، خالية من الذكريات، خالية من الألم. أو هكذا ظنت.كانت تخرج فقط عندما تكون متأكدة أنه ليس في الممر. تذهب إلى المطبخ في أوقات غريبة، في منتصف الليل أو قبل الفجر، لتأخذ شيئاً تأكله، أو كوب ماء، ثم تعود إلى مخبئها. لم تكن تأكل حقاً. كانت تأخذ الطعام، وتضعه على الطاولة، وتنظر إليه، ثم تتركه يبرد. جسدها كان يضعف أكثر، ووجهها أصبح أكثر شحوباً، وعيناها أصبحتا أكثر غوراً. لكنها لم تكن تهتم. لم تكن تهتم بأي شيء.وكان لينار. كل ليلة، ينام أمام باب غرفتها. يفرش بطانية على الأرض الباردة، ويستلقي هناك، ظهره إلى الباب، وعيناه إلى السقف. كان يسمعها تتحرك في الداخل أحياناً، يسمع صوت خطواتها الخفيفة، يسمع صوت تنهداتها المكتومة. وكان يتحدث إليها من خلال الباب المغلق."سلين..." كان يهمس في الظلام، وصوته يتسلل من تحت الباب. "أنا آسف. أنا آسف على كل شيء. على كل ليلة، على كل كلمة،
استيقظت سلين مع أول خيوط الفجر التي تسللت من بين الستائر الثقيلة، لتلقي بظلالها الذهبية على وجهها الشاحب. لم تكن قد نامت حقاً. كانت قد أغمضت عينيها، لكن عقلها كان يقظاً، يعيد شريط الليلة الماضية مراراً وتكراراً. الخوف، الرعب، صوت لينار وهو يصرخ، ثم احتضانه لها، ثم عودتهما إلى المنزل... وحدها في سريرها، وهي تنظر إلى السقف، تتساءل كيف وصلت حياتها إلى هذا الحد من الانهيار. نهضت ببطء، وشعرت بجسدها المؤلم من التوتر والبرد الذي تسلل إلى عظامها خلال الليلة الماضية. وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها. كانت ترى امرأة غريبة، بعينين منطفئتين، وشعر متشابك، ووجنتين غائرتين. هذه لم تكن هي. أو ربما كانت هي، لكنها لم تعد تعرف هذه المرأة بعد الآن. خرجت من غرفتها بهدوء، تاركة لينار نائماً على الأريكة في غرفة المعيشة. كان قد نام هناك، رافضاً أن يبتعد عنها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب أكثر من ذلك. نظرت إليه للحظة، إلى وجهه المتعب، إلى آثار الدموع على خديه، ثم أدارت وجهها ومشت نحو الشرفة الخلفية. كان الهواء البارد يلسع وجهها، لكنها شعرت به بالكاد. وقفت على الشرفة، تنظر إلى الثلج الذي كان يغطي الحديقة، و
جلس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، تلك الغرفة التي كانت ذات يوم مليئة بالحياة والضحكات، والتي أصبحت الآن باردة كقلب من جليد. كانت الستائر الثقيلة منسدلة، تحجب ضوء القمر المتسلل من الخارج، وتجعل الغرفة تغرق في ظلام خفيف يتخلله وهج شاشة التلفاز الملونة. كان أرين في حضن لينار، عيناه الصغيرتان البراقتان تلمعان بفرحة نادرة، ويداه الصغيرتان تصفقان كلما ظهرت شخصية ديزني المفضلة لديه على الشاشة. كان الضوء المتلون من التلفاز يرسم خطوطاً متحركة على وجوههم، يخلق وهماً مؤقتاً بالدفء والألفة. لينار كان يحاول التركيز في الفيلم، يحاول أن يبتسم لأرين كلما التفت إليه الطفل، لكن عينيه كانتا تتجهان باستمرار نحو الطرف الآخر من الأريكة. نحو سلين. كانت جالسة هناك، بعيدة. بعيدة كأنها في قارة أخرى، كأنها تنظر إلى هذه العائلة من خلف زجاج سميك لا يسمح بمرور الصوت. جسدها النحيل كان منكمشاً على نفسه، وذراعاها تعانقان ركبتيها كأنها تحاول أن تحمي نفسها من عالم لا يفهمها. ثوبها الأبيض الفضفاض كان يخفي نحافتها المفرطة التي زادت سوءاً مع مرور السنين. كانت عيناها الزجاجيتان تحدقان في الشاشة دون أن ترى. كانت ترى ص
انتهى العشاء. أو ما يشبه العشاء. طبقان من الطعام البارد، كانا قد برداً منذ ساعات قبل أن يجلسا إلى المائدة. صمت ثقيل يملأ الغرفة، ثقيل كالرصاص، يخنق كل محاولة للكلام. نظرات كانت تتجنب بعضها، عيون تنظر إلى الأطباق، إلى الطاولة، إلى أي مكان إلا إلى بعضها البعض. وقف لينار من على الطاولة ببطء، شعر بثقل في ساقيه، كأنه يحمل جبالاً على كتفيه. أخذ الأطباق، واحداً تلو الآخر، ومشى إلى المطبخ.كان صوت الماء وهو يغسل الأواني يرن في صمت القصر كالجرس الوحيد في كنيسة مهجورة. وقف أمام الحوض، ينظر إلى يديه وهما تتحركان آلياً، تفركان الأطباق، تشطفها، تضعها في الرف. كان يفعل هذا كل ليلة الآن. منذ أن توقفت سلين عن فعل أي شيء. منذ أن توقفت عن الاهتمام. كان يفعل كل شيء بنفسه، لأنه لا يستطيع أن يطلب من الخدم أن يفعلوا ما كانت تفعله هي. كان يشعر بأنه لو طلب ذلك، سيكون اعترافاً بأنها لم تعد موجودة. لكنها كانت موجودة. كانت موجودة في الغرفة المجاورة، جالسة على الكرسي، تنظر من النافذة، كأنها تمثال من الجليد.مسح يديه ببطء، ونظر حوله. المطبخ الفسيح الذي كان يمتلئ ذات يوم برائحة قهوة الصباح التي كانت تعدها له، برائ
الغرفة مظلمة. الستائر الثقيلة لا تدع الضوء يتسلل إلا عبر شقوق ضيقة، كخيوط ذهبية رقيقة ترسم خطوطاً على الأرضية الخشبية الباردة. يجلس لينار على الكرسي، على ذلك الكرسي الذي كانت تجلس عليه سلين كل ليلة. كرسيها البالي، الذي يحمل في نسيجه المخملي بقايا رائحتها الخافتة، رائحة تختفي كل يوم، كأنها تموت ببطء. يمرر أصابعه على ذراع الكرسي، يشعر بالقماش البالي تحت أطراف أصابعه، يتنفس بعمق، يحاول أن يستنشق شيئاً منها. لكن لا شيء. فقط رائحة الغبار، رائحة الزمن الذي مضى، رائحة سنوات أهدرها في العمى. يغمض عينيه، ويترك رأسه يستند إلى ظهر الكرسي، وتأتيه الذكريات كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حمايتها. --- يتذكر ذلك اليوم بوضوح مؤلم. شمس الصباح كانت تخترق ستائر غرفة الولادة البيضاء، تحول الغرفة إلى بحر من الضوء الدافئ. كان الهواء معطراً برائحة المطهرات، ورائحة الدم، ورائحة الحياة الجديدة التي كانت تملأ المكان. وقف هناك، ينظر إليها، إلى سلين التي كانت منهكة مرهقة، وجهها شاحب، جبينها يلمع بالعرق، شعرها الطويل ملتصق بوجها. لكنها كانت تبتسم. كانت تبتسم له. ثم سمعها. صرخة الطفل. تلك الصرخة الأولى
وقف لينار أمام سلين، ويده ما زالت على بطنها، وعيناه تدمعان بفرحة لم ترها من قبل. كانت تنظر إليه، غير مصدقة ما تراه. هذا الرجل البارد، الجليدي، الذي كان يعاملها كغريبة طوال عامين، كان يبكي فرحاً لأنها حامل. "طفلنا..." همس مجدداً. "طفلنا، سلين." لم تستطع أن تمنع دموعها من التدفق. فرحة غامرة لأنه لم يرفضها، وخوف عميق من أن يكون هذا مجرد وهم آخر. "لينار..." همست. "هل أنت حقاً سعيد؟" رفع عينيه إليها، وكانتا مليئتين بصدق لم تره من قبل. "أنا أكثر من سعيد. أنا ممتن. ممتن لأنك تحملين طفلي." احتضنها بقوة، وكأنه يخاف أن تفقدها. "سأعتني بك. سأعتني بكما. وعد." --- في الأيام التي تلت اكتشاف الحمل، تغير لينار تماماً. لكن تغيره كان موجهاً بالكامل نحو الجنين، وليس نحو سلين. كان يستيقظ كل صباح قبلها، ويحضر لها الإفطار بنفسه، لكنه كان يضع الطعام أمامها ويقول: "كلي. الجرو يحتاج إلى الغذاء." لم يقل: "كلي لتكوني قوية." بل قال: "الجرو يحتاج إلى الغذاء." كان يرافقها إلى الطبيب، يمسك يدها أثناء الفحوصات، ويسأل الطبيب عن كل شيء: "هل الجرو بخير؟ ماذا يحتاج أن يأكل؟" كان يسأل عن الجنين أولاً، ثم عن سلين