Se connecterجلس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، تلك الغرفة التي كانت ذات يوم مليئة بالحياة والضحكات، والتي أصبحت الآن باردة كقلب من جليد. كانت الستائر الثقيلة منسدلة، تحجب ضوء القمر المتسلل من الخارج، وتجعل الغرفة تغرق في ظلام خفيف يتخلله وهج شاشة التلفاز الملونة. كان أرين في حضن لينار، عيناه الصغيرتان البراقتان تلمعان بفرحة نادرة، ويداه الصغيرتان تصفقان كلما ظهرت شخصية ديزني المفضلة لديه على الشاشة. كان الضوء المتلون من التلفاز يرسم خطوطاً متحركة على وجوههم، يخلق وهماً مؤقتاً بالدفء والألفة.
لينار كان يحاول التركيز في الفيلم، يحاول أن يبتسم لأرين كلما التفت إليه الطفل، لكن عينيه كانتا تتجهان باستمرار نحو الطرف الآخر من الأريكة. نحو سلين. كانت جالسة هناك، بعيدة. بعيدة كأنها في قارة أخرى، كأنها تنظر إلى هذه العائلة من خلف زجاج سميك لا يسمح بمرور الصوت. جسدها النحيل كان منكمشاً على نفسه، وذراعاها تعانقان ركبتيها كأنها تحاول أن تحمي نفسها من عالم لا يفهمها. ثوبها الأبيض الفضفاض كان يخفي نحافتها المفرطة التي زادت سوءاً مع مرور السنين. كانت عيناها الزجاجيتان تحدقان في الشاشة دون أن ترى. كانت ترى صورة، ألواناً، حركة، لكن عقلها كان في مكان آخر. في مكان بعيد، حيث لا أحد يستطيع الوصول إليه. لم تبتسم عندما ضحك أرين. لم تتحرك عندما همس لها لينار بكلمة عابرة. فقط جلست هناك، تنتظر أن ينتهي الفيلم، تنتظر أن تعود إلى غرفتها، إلى وحدتها، إلى جليدها الأبدي الذي أصبح ملاذها الوحيد. "أمي! انظري!" صاح أرين فجأة، وهو يشير إلى الشاشة بحماس طفولي. "إنها الأميرة! إنها جميلة!" كان صوت الطفل يملأ الغرفة، يحاول اختراق الجدار الجليدي الذي بنتها أمه حول نفسها. نظرت سلين إليه للحظة. نظرة خافتة، ضعيفة، كأنها تجمع آخر قوى الحياة في عينيها لتستطيع أن ترى ابنها. كانت عيناها تحاولان التركيز، تحاولان أن تتذكرا كيف تبدو الفرحة، كيف تبدو الحياة. ثم ابتسمت. ابتسامة خفيفة، بالكاد مرئية، كشعاع ضوء يتسلل من بين الغيوم. كانت ابتسامة هشة كالزجاج، يمكن أن تنكسر بأقل لمسة. "نعم يا حبيبي." همست، وصوتها كان خافتاً، وكأنه يأتي من بعيد جداً. "إنها جميلة." توقف لينار. شعر بشيء يتحرك في صدره، شيء لم يشعر به منذ سنوات. ابتسامتها. رآها. رأى تلك الابتسامة التي اختفت منذ أربع سنوات طويلة، منذ يوم ولادة أرين، منذ اليوم الذي ماتت فيه سلين وتركت مكانها حتى تحولت الى هذا الشبح الجالس بجانبه. تلك الابتسامة التي كان يحلم بها كل ليلة في كوابيسه، التي كان يتذكرها كلما رأى صورها القديمة في البيت. شعر وكأن قلبه يعود إلى النبض بعد أن توقف، وكأن الحياة تعود إلى جسده بعد أن مات. ابتسم لها، وحاول أن يقترب. حرك جسده على الأريكة ببطء، كأنه يقترب من حيوان خائف قد يهرب بأي حركة مفاجئة. "سلين..." همس، وصوته كان خافتاً، متردداً، كطفل يحاول أن يمد يده لأول مرة. "هل تريدين الفشار؟" نظرت إليه، وبدا على وجهها التردد. كان وكأنها تزن الأمر في عقلها، تحاول أن تقرر إن كان هذا فخاً، إن كان سيعود إلى قسوته المعتادة بعد لحظات. ثم أومأت برأسها ببطء، بحذر. مد يده إليها، يقدم لها وعاء الفشار. مدت يدها لتأخذه، وأطراف أصابعها لامست يديه للحظة عابرة. شعرة قصيرة من الزمن توقفت فيها كل الأشياء. في تلك اللحظة، شعر بدفئها. شعر بلمستها. شعر بأنها حقيقية، أنها موجودة، أنها ليست مجرد شبح يعيش في قصره. شعر بنبضها الخافت تحت جلدها، بنبضها الذي كان بالكاد محسوساً، كأنه يوشك أن يتوقف. نظرت إليه، وفي عينيها شيء لم يره منذ زمن طويل. شيء يشبه الأمل. شيء يشبه السؤال الصامت الذي كانت تخشى أن تنطق به: "هل أنت حقاً هنا؟ هل تهتم حقاً هذه المرة؟" توقفت أنفاسه. كان على وشك أن يقول شيئاً، أن يمد يده إليها أكثر، أن يلمس وجهها ويخبرها بكل ما في قلبه. كان على وشك أن يغير كل شيء. لكن في تلك اللحظة بالذات، صرخ أرين: "أبي! انظر! لقد سقطت!" كان الطفل يشير إلى الشاشة بحماس، وجهه الصغير متجعد بالقلق على شخصية الكرتون. انشغل لينار بالطفل، التفت إلى الشاشة، وبدأ يشرح لأرين ما حدث، يحاول تهدئته، يضحك معه، يحتضنه. ضحك بصوت خافت، واحتضن ابنه، ونسي سلين للحظة. نسى أنها كانت تمتد إليه. نسى تلك النظرة في عينيها. نسى دفء أصابعها على يديه. نسى كل شيء في تلك اللحظة القصيرة. وعندما التفت مجدداً، بعد دقائق، كانت قد اختفت. لم تعد على الأريكة. لم يكن هناك سوى الأثر البسيط لجسدها على القماش، وانخفاض خفيف في الوسادة التي كانت تستند إليها. وعاء الفشار كان موضوعاً على الطاولة، كاملاً، لم تأكل منه حتى حبة واحدة. ولمسته لم تعد موجودة، كأنها لم تكن هناك أبداً. وقف بسرعة، وقلبه بدأ يخفق بسرعة، وشعر بالخوف يتسلل إلى روحه كالماء البارد. "سلين؟" ناداها، وصوته كان حاداً، قلقاً. لكن لا جواب. ترك أرين على الأريكة، وقال له: "ابق هنا يا بني. سأعود." ثم مشى مسرعاً نحو الممر. --- غرفة النوم كانت فارغة. السرير مرتب، لم يُلمس، والستائر مسدلة، والهواء بارد وراكد. وقف عند الباب، ينظر إلى الغرفة الخالية، ويشعر بالذعر يبدأ في التسلل إليه. غرفة المعيشة كانت فارغة. المطبخ كان فارغاً، والأطباق نظيفة في الرف، وكأن الحياة لم تلمس هذا المكان منذ سنوات. الحديقة كانت فارغة، والأشجار واقفة في صمت، والثلج يغطي الأرض بطبقة بيضاء ناصعة، وكأنها كفن ينتظر. ركض إلى كل غرفة في القصر، يفتح الأبواب بعنف، ينادي اسمها بصوت يرتجف: "سلين! أين أنتِ؟" لكن لا جواب. فقط صمت القصر، وصوت الريح تعوي خارج النوافذ كروح حزينة. كان صوته يتردد في الممرات الفارغة، يعود إليه كصدى مؤلم، يذكره بأنه وحيد. بأنه فقدها مجدداً. توقف في منتصف الممر الطويل، وأغلق عينيه، وحاول أن يشم رائحتها. كان يعلم أنها ليست هناك، لكنه حاول. حاول أن يشعر بها، أن يتصل بها عبر الرابط الذي أغلقه بغباء منذ سنوات. لكن لا شيء. فقط الفراغ. فقط الصمت. فقط البرد الذي كان يملأ القصر كله. رائحتها اختفت منذ أربع سنوات، مع ذئبها، مع روحها. والرابط الذي كان بينهما، والذي كان يمكن أن يرشده إليها الآن، كان قد أغلقه بنفسه بكل غباء وجبن. ركض إلى غرفة أرين، وحمله بين ذراعيه. شعر بجسده الصغير الدافئ، بشعره الناعم تحت ذقنه، وشعر بالمسؤولية تثقل كتفيه. "أبي، أين أمي؟" سأل الطفل بعيونه البراقة، وعيناه تملؤهما الدموع. "لماذا تركتنا؟" "لا تخف يا أرين." قال لينار، وصوته كان يحاول أن يكون واثقاً، لكنه كان يرتجف. "سأجدها. سأعيدها. أعدك." خرج من القصر، وبدأ يركض في الشارع. كان الظلام حالكاً، والثلج يتساقط بهدوء، يغطي كل شيء ببياضه الناصع. كان يركض، يلهث، عيناه تبحثان في كل اتجاه، يحاول أن يرى ظلها في الظلام. كان يصرخ باسمها بأعلى صوته: "سلين! سلين!" لكن صوته كان يضيع في الريح، في الثلج، في الليل البارد. لا أثر لها. لا رائحة. لا صوت. لا شيء. وقف في منتصف الشارع، يدور حول نفسه كحيوان محاصر، يحاول أن يشم رائحتها في الهواء البارد. كان يتنفس بعمق، محاولاً التقاط أي أثر منها، لكن الهواء كان خالياً، فارغاً، كأنها لم تكن موجودة أبداً. رفع يديه إلى رأسه، وشعر باليأس يغمره. كانت رائحتها قد اختفت تماماً. اختفت معها كل علامات وجودها في هذا العالم. وكأنها كانت تمحو نفسها تدريجياً، وكأنها كانت تختفي من حياته قطعة قطعة، دون أن يلاحظ. "سلين!" صرخ بأعلى صوته، وصوته تحطم في الهواء البارد. "أين أنتِ؟ أرجوكِ، عودي! لا تتركيني وحدي!" تذكر كلماتها القديمة. كلماتها التي كانت تهمس بها في الليل، عندما كانت تظن أنه نائم: "لا تتركني وحدي يا لينار. أرجوك لا تتركني وحدي." وكان هو يسمعها، لكنه كان يتظاهر بالنوم. كان يسمع بكاءها المكتوم، وكان يتظاهر بأنه لا يسمع. كان يتركها وحدها، في الظلام، تبكي وتتوسل، وكان هو يتظاهر بأنه نائم. والآن، ها هو يقف في الشارع، يصرخ اسمها، ويتوسل إليها أن تعود. والسخرية المريرة كانت تقتله ببطء. سقط على ركبتيه في منتصف الشارع، وشعر بالدموع تتجمع في عينيه. دموع لم يذرفها منذ كان طفلاً. دموع لم يعرف أنها لا تزال موجودة فيه. دموع كانت تنهمر كالسيل، تحرق خديه الباردين، تذوب الثلج تحته. رفع رأسه إلى السماء، ونظر إلى القمر المكتمل الذي كان يضيء السماء بفضيته الباردة، وصلى لأول مرة في حياته. "يا إلهة القمر..." همس، وصوته مكسور، مرتجف. "أنا أعلم أنني لا أستحق. أعلم أنني كنت قاسياً، جباناً، غبياً. أعلم أنني كسرتها قطعة قطعة، وأنني لم أرَها حتى اختفت. لكنها... إنها بريئة. هي لم تفعل شيئاً لتستحق كل هذا الألم. من فضلك... احميها. أعدها إليّ." توقف، وجمع أنفاسه، ثم تابع بصوت يرتجف أكثر: "سأفعل أي شيء. سأكون أي شيء. سأعتذر آلاف المرات. سأنتظر ألف عام. فقط... أعدها إليّ. أعدها إليّ سالمة. لا أطلب أكثر من ذلك. فقط أعدها إليّ." بكى. بكى بمرارة، كطفل فقد أمه، كرجل أدرك أنه خسر كل شيء في لحظة غباء. أقوى ألفا من السلالة الأصلية، أصيلة الدم، التي لم تنحنِ لأحد قط، كانت تبكي وتتوسل في الشارع، فقط من أجل سلامة الأوميغا التي أهملها طوال السنوات الماضية. كان جسده يرتجف من البرد ومن البكاء، ويداه ترتجفان وهو يمسح دموعه التي لا تتوقف. وقف أخيراً بعد دقائق، ومسح دموعه بكمه، ونظر حوله. كان يعلم أنه لا يستطيع العثور عليها برائحتها. كان يعلم أنه لا يستطيع الشعور بها عبر الرابط. لكنه كان يعلم شيئاً واحداً: أنها ليست بخير. كان يعلم أنها في خطر. كان يشعر به في قلبه، في روحه، في كل خلية من جسده. كان هناك ألم غامض يخترق صدره، ألم لا يستطيع تفسيره، لكنه كان يعلم أنه ألمها. ركض مجدداً، هذه المرة نحو الغابة. كان يعلم أنها تحب الغابة. كانت دائماً تذهب إليها عندما كانت حزينة، عندما كانت تريد أن تكون وحدها. كانت تجلس تحت شجرة البلوط القديمة، وتنظر إلى الأوراق تتساقط، وتفكر. وكان هو لا يذهب إليها أبداً. كان يتركها وحدها، في الغابة، في البرد، في الظلام. والآن، ها هو يركض نحو الغابة، يصرخ اسمها، يبحث عنها في كل زاوية. --- كانت سلين تمشي في الغابة دون أن تعرف أين تتجه. كانت خطواتها بطيئة، مترددة، كأنها تائهة في عالم لا تعرفه. شعرت بالبرد يغزو جسدها النحيل، لكنها لم تشعر به حقاً. كان جسدها قد نسي كيف يشعر بالبرد، كما نسي كيف يشعر بالدفء. كانت عيناها تنظران إلى الأشجار العالية التي تحيط بها من كل جانب، إلى الظلام الكثيف الذي يختبئ بين الأغصان، إلى الثلج الذي يتساقط بهدوء على كتفيها. كانت تفكر. تفكر في كل شيء. في السنوات الأربع التي عاشتها كشبح، كظل، كشيء ليس حقيقياً. في اليوم الذي ولدت فيه أرين، والذي ماتت فيه هي. في كلمات لينار القاسية، في صمته الجبان، في كل ليلة كانت تبكي فيها وحدها. كانت تفكر في كل شيء، وتحاول أن تجد سبباً واحداً يدفعها للبقاء. سبباً واحداً يجعلها تستمر في العيش في هذا العالم البارد. وفجأة، شمته. رائحة غريبة، قوية، مسكرة. رائحة لم تشمها منذ سنوات. رائحة ألفا. رائحة ذكر قوي. توقفت فجأة، ونظرت حولها بذعر. كان الظلام حالكاً، والأشجار تحيط بها من كل جانب، وكأنها سجن طبيعي لا مفر منه. شعرت بقلبها يخفق بسرعة، وقلبها الذي كان نائماً منذ سنوات، استيقظ فجأة على صوت الخوف. وخوفها الذي كان قد مات مع كل شيء آخر، عاد إليها فجأة، كالصاعقة. "من هناك؟" همست، لكن صوتها كان ضعيفاً، بالكاد مسموع. كان يختفي في الريح، في الظلام، في صمت الغابة. خرج من بين الأشجار ببطء، متعمداً، كحيوان مفترس يعرف أن فريسته لا تستطيع الهروب. رجل طويل، عضلي، بعينين حمراوين تتوهجان في الظلام كجمرتين مشتعلتين. كان يبتسم، ابتسامة باردة، مفترسة، كمن وجد كنزاً ثميناً في الصحراء. "مرحباً يا جميلة." قال، وصوته عميق، مخيف، كالهدير البعيد. "ما الذي تفعله أوميغا مثلك هنا وحدها في الليل؟" تراجعت سلين خطوة إلى الوراء، شعرت بالخوف يملأ قلبها، ويتسلل إلى كل خلية في جسدها. شعرت بساقيها ترتجفان، وكادتا تخذلانها. "اتركني وحدي." قالت، وصوتها كان يرتجف كطفلة خائفة. "اتركني وحدي؟" ضحك الرجل، ضحكة باردة كالثلج، وتقدم نحوها خطوة. "لكنكِ جميلة جداً. ورائحتك... رائحتك لا تُقاوم. رغم أنها ضعيفة جداً. أين ذئبكِ يا صغيرة؟ هل فقدتيه؟ أم أنه تخلى عنكِ لأنه لا يريدكِ؟" "لا تقترب." قالت، وحاولت الهروب، لكن ساقيها رفضتا الحركة. كانت الفيرمونات القوية المنبعثة منه تشلها، تجعلها تخضع رغماً عنها. كانت أوميغا فقدت ذئبها، وكانت عاجزة تماماً أمام ألفا قوي. كان جسدها يخونها، ويستسلم لقوة لا تستطيع مقاومتها. اقترب منها، ووضع يده على خدها بقسوة، وأجبر رأسها على الرفع. كانت لمسة يده باردة، قاسية، كالحديد. نظر إلى عينيها الخائفتين، وابتسم ابتسامة مفترسة. "أنتِ لي الآن." قال، وصوته مليء بالثقة الوحشية. "سأجعلكِ أوميغاي. سأمنحكِ الرائحة التي فقدتيها. سأمنحكِ الحياة. ستعبدينني، وستكونين لي. وسينسى العالم أنكِ كنتِ لأحد غيري." شعرت سلين بالرعب يملأها، يغمرها كموجات باردة. حاولت أن تدفعه، لكنه كان أقوى منها بكثير. ضحك بصوت خشن، وأمسك بذراعها بقوة، وبدأ يسحبها إلى داخل الغابة. كانت أظافره تغوص في جلدها النحيل، تاركة كدمات زرقاء على ذراعها الهزيلة. "لينار..." همست، وصوتها كان ضعيفاً، مكسوراً، كصدى بعيد. "لينار... أنقذني..." كان هذا هو املها الأخير. اسم الرجل الذي كسر قلبها. الرجل الذي تجاهلها لسنوات. الرجل الذي جعلها تفقد نفسها، وتفقد ذئبها، وتفقد كل شيء. لكنه كان أيضاً الرجل الوحيد الذي كانت تثق فيه، في أعماقها. الرجل الوحيد الذي كانت تحبه، رغم كل شيء. وفي لحظة الخطر هذه، كان اسمه هو الذي خرج من فمها، كأنها تعرف أنه سيأتي. كأنها تعرف أنه سيسمعها. "لينار..." كررت، ودموعها تتساقط لأول مرة منذ سنوات طويلة. "أرجوك... أنقذني..." سحبها الرجل بقوة، وأبعدها عن الطريق، نحو قلب الغابة المظلم. --- وفي تلك اللحظة، سمعها. سمع صداها في قلبه. سمع اسمها يناديه. وقف في منتصف الغابة، ورفع رأسه إلى السماء، وشعر بالرابط بينهما يهتز. الرابط الذي أغلقه منذ سنوات بكل غباء، والذي ظن أنه مات إلى الأبد، كان يعود إلى الحياة. كان يسمعها. كان يشعر بها. كانت تناديه، في منتصف الغابة، في الظلام، في الخطر. "سلين!" صرخ، وركض في اتجاه الصوت الذي لم يسمعه إلا هو. كان يركض كالمجنون، يتجاوز الأشجار، يقفز فوق الجذوع المتساقطة، ولا يهتم إلا بشيء واحد: الوصول إليها قبل فوات الأوان. كان قلبه يخفق كالطبول، ودمه يغلي في عروقه، وغريزة الذئب التي أهملها سنوات، استيقظت فجأة كالنار في الهشيم. وصل إلى المكان الذي كانت فيه، ورأى المشهد. رآها في قبضة رجل غريب، تبكي، ترتجف، تناديه. رأى الرجل يمسك بها بقوة، ويحاول أن يسحبها بعيداً إلى الظلام. شعر بغضب لم يشعر به من قبل. غضب أعمى، غضب وحشي، غضب جعله يفقد السيطرة على ذئبه للمرة الأولى منذ سنوات. شعر بأن أسنانه تنمو، وعينيه تتوهجان بوميض فضي، وجسده يرتجف بالقوة التي كانت تنفجر منه. "اتركها!" صرخ، وصوته كان هديراً أكثر مما كان كلاماً. انقض على الرجل كالوحش الجائع، وضربه بقوة هائلة، وأبعده عن سلين. وقف أمامها، يحميها بجسده، وعيناه تتوهجان بغضب شديد، وذراعاه ممدودتان كجناحين يحميانه. "من أنت؟" سأل الرجل، وهو يمسح الدم عن وجهه، وينظر إلى لينار بتحدٍ، لكن الخوف كان بدأ في التسلل إلى عينيه. "أنا زوجها." قال لينار، وصوته كان جليدياً، خطيراً، كالموت نفسه. "وإذا اقتربت منها مرة أخرى، سأقتلك. سأمزقك إرباً، وسأدمر كل شيء تملكه." نظر الرجل إلى لينار، ورأى في عينيه شيئاً جعله يتراجع. ألفا أقوى منه. ألفا من سلالة أصيلة. ألفا مستعد للقتل، مستعد للموت، مستعد لأي شيء لحماية ما يحبه. تراجع خطوة إلى الوراء، ثم هرب بسرعة، واختفى بين الأشجار، تاركاً خلفه صوته يتلاشى في الظلام. التفت لينار إلى سلين. كانت جالسة على الأرض، ترتجف، تبكي. كانت تبكي. كانت تبكي لأول مرة منذ سنوات. كانت دموعها تنهمر كالسيل، تبلل خديها الشاحبين، وكتفيها تهتزان بالبكاء. نظرت إليه، وعيناها كانتا مليئتين بالدموع، وبشيء آخر. شيء لم تره فيه منذ زمن بعيد. شيء يشبه الحياة. "لينار..." همست، وصوتها كان مكسوراً. جثا على ركبتيه أمامها، واحتضنها. احتضنها كأنها كنزه الوحيد، كأنها النور في ظلامه الطويل. شعر بجسدها النحيل يرتجف بين ذراعيه، وشعر بدموعها تبلل قميصه، وشعر بأنفاسها المتقطعة على رقبته. شعر بقلبها ينبض بسرعة، بقلبها الذي كان يكاد يتوقف، وكان يعود إلى الحياة بين يديه. "أنا هنا." همس، وصوته كان مبحوحاً من البكاء الذي لم يتوقف. "أنا هنا يا سلين. أنا هنا. لن أتركك مجدداً. أعدك. أقسم لكِ بكل شيء مقدس لدي. لن أتركك أبداً مجدداً." احتضنته بقوة، وبكت في صدره. بكت طويلاً، بكت كل السنوات التي كتمت فيها دموعها، كل الآلام التي تحملتها وحدها، كل الليالي التي بكت فيها دون أن يسمعها أحد. بكت حتى جفت دموعها، حتى شعرت بالفراغ يبدأ في الامتلاء بشيء جديد. شيء يشبه الأمل. حملها لينار بين ذراعيه، ومشى بها إلى المنزل. كانت خطواته ثقيلة، لكنه لم يشعر بالتعب. كان يشعر فقط بالخوف الذي بدأ يخفت، وبالحب الذي كان ينمو في صدره كالنار. أدخلها إلى غرفتها، ووضعها على السرير برفق، كأنها شيء ثمين يمكن أن ينكسر. جلس بجانبها، يمسك يدها، وينظر إليها بعينين مليئتين بالندم والحب. كانت يدها باردة، هزيلة، لكنها كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها تخاف أن يختفي. "سلين..." همس، وصوته يرتجف. "أنا آسف. أنا آسف على كل شيء. على كل كلمة قلتها، على كل نظرة تجاهلتك فيها، على كل ليلة تركتك فيها وحدك تبكين. أنا آسف لأنني كنت جباناً. لأنني كنت غبياً. لأنني لم أرَكِ. لأنني لم أستحقك." نظرت إليه، وعيناها لا تزالان تدمعان. نظرت إليه طويلاً، وكأنها تبحث عن شيء في عينيه. شيء يخبرها أنه صادق. شيء يخبرها أنه تغير. لكنها لم تجده. أو ربما وجدته، لكنها كانت خائفة جداً من أن تصدقه. صمتت. لم تقل شيئاً. لم تسامحه. لم تغفر له. فقط نظرت إليه، وعيناها تحملان كل الألم الذي عاشته، وكل الخوف الذي يملأ قلبها، وكل الشك الذي يمنعها من الثقة مجدداً. "سلين..." همس مجدداً، وصوته كان يرتجف أكثر. "أرجوكِ... قولي شيئاً. أي شيء. فقط أخبريني أنكِ ستغفرين لي. أنكِ ستعطيني فرصة." لكنها لم ترد. سحبت يدها من بين يديه ببطء، وتنهدت تنهيدة عميقة، ثم أدارت وجهها إلى النافذة. نظرت إلى القمر، إلى السماء المظلمة، إلى الثلج الذي كان يتساقط بهدوء خارج النافذة. "أنا متعبة." همست أخيراً، وصوتها كان هادئاً، بلا نبرة. "أريد أن أنام." وقف لينار هناك، ينظر إليها، ويشعر بأن قلبه يتحطم مجدداً. كان يريد أن يصرخ، أن يتوسل، أن يركع عند قدميها ويطلب منها أن تسامحه. لكنه لم يفعل. كان يعلم أنها لا تثق به. كان يعلم أنها تخاف. كان يعلم أنها تحتاج إلى وقت. جلس بجانبها، ولم يتركها. ظل هناك، ينظر إليها، يحرس نومها، ويشعر بالندم يلتهمه. لكنه كان يعلم شيئاً واحداً: أنه لن يتركها مجدداً. حتى لو استغرق الأمر سنوات، حتى لو استغرق الأمر عمره كله، سينتظرها. سينتظر حتى تثق به مجدداً. سينتظر حتى تسامحه. سينتظر حتى تعود إليه. "سأنتظر." همس في الظلام. "سأنتظر حتى تعودي إليّ. حتى لو استغرق الأمر إلى الأبد." كانت هذه الليلة هي الليلة التي بدأ فيها كل شيء يتغير. لكن الطريق كان لا يزال طويلاً، والجليد لم يذوب بعد. كان هناك الكثير من الألم، والكثير من الندم، والكثير من السنوات التي يجب ترميمها. لكن لينار كان مستعداً. مستعداً للانتظار. مستعداً للمعاناة. مستعداً لفعل أي شيء لإعادة سلين إلى الحياة. --- ❄️🌙 نهاية الفصل السادس 🌙❄️ --- 🤔 سؤال للقارئ: بعد أن أنقذ لينار سلين من الخطر، وبعد أن اعترف بذنبه وندمه، وبعد أن صمتت سلين ولم تسامحه... هل تعتقد أن سلين ستتمكن يوماً ما من مسامحة لينار؟ أم أن جروحها عميقة جداً لتلتئم؟ كم من الوقت سيستغرقه لينار لإثبات أنه تغير حقاً؟ وماذا سيحدث عندما ترى سلين أن لينار ينتظرها بصبر؟ --- 📝 شاركنا توقعاتك في التعليقات! وإذا كنت تريد معرفة ما سيحدث في الفصول القادمة... تابعونا في الفصل السابع: "اعترافات جليدية" 🌸 --- سيأتي الفصل السابع قريباً... دمتم بخير 💕مر أسبوع. سبعة أيام كاملة من الجحيم. سبعة أيام لم تخرج فيها سلين من غرفة الضيوف إلا للضرورة القصوى. كانت قد اختارت تلك الغرفة البعيدة، في الطرف الآخر من القصر، بعيدة عن غرفته، بعيدة عن ذكرياتهما، بعيدة عن كل شيء. غرفة صغيرة، باردة، خالية من الذكريات، خالية من الألم. أو هكذا ظنت.كانت تخرج فقط عندما تكون متأكدة أنه ليس في الممر. تذهب إلى المطبخ في أوقات غريبة، في منتصف الليل أو قبل الفجر، لتأخذ شيئاً تأكله، أو كوب ماء، ثم تعود إلى مخبئها. لم تكن تأكل حقاً. كانت تأخذ الطعام، وتضعه على الطاولة، وتنظر إليه، ثم تتركه يبرد. جسدها كان يضعف أكثر، ووجهها أصبح أكثر شحوباً، وعيناها أصبحتا أكثر غوراً. لكنها لم تكن تهتم. لم تكن تهتم بأي شيء.وكان لينار. كل ليلة، ينام أمام باب غرفتها. يفرش بطانية على الأرض الباردة، ويستلقي هناك، ظهره إلى الباب، وعيناه إلى السقف. كان يسمعها تتحرك في الداخل أحياناً، يسمع صوت خطواتها الخفيفة، يسمع صوت تنهداتها المكتومة. وكان يتحدث إليها من خلال الباب المغلق."سلين..." كان يهمس في الظلام، وصوته يتسلل من تحت الباب. "أنا آسف. أنا آسف على كل شيء. على كل ليلة، على كل كلمة،
استيقظت سلين مع أول خيوط الفجر التي تسللت من بين الستائر الثقيلة، لتلقي بظلالها الذهبية على وجهها الشاحب. لم تكن قد نامت حقاً. كانت قد أغمضت عينيها، لكن عقلها كان يقظاً، يعيد شريط الليلة الماضية مراراً وتكراراً. الخوف، الرعب، صوت لينار وهو يصرخ، ثم احتضانه لها، ثم عودتهما إلى المنزل... وحدها في سريرها، وهي تنظر إلى السقف، تتساءل كيف وصلت حياتها إلى هذا الحد من الانهيار. نهضت ببطء، وشعرت بجسدها المؤلم من التوتر والبرد الذي تسلل إلى عظامها خلال الليلة الماضية. وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها. كانت ترى امرأة غريبة، بعينين منطفئتين، وشعر متشابك، ووجنتين غائرتين. هذه لم تكن هي. أو ربما كانت هي، لكنها لم تعد تعرف هذه المرأة بعد الآن. خرجت من غرفتها بهدوء، تاركة لينار نائماً على الأريكة في غرفة المعيشة. كان قد نام هناك، رافضاً أن يبتعد عنها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب أكثر من ذلك. نظرت إليه للحظة، إلى وجهه المتعب، إلى آثار الدموع على خديه، ثم أدارت وجهها ومشت نحو الشرفة الخلفية. كان الهواء البارد يلسع وجهها، لكنها شعرت به بالكاد. وقفت على الشرفة، تنظر إلى الثلج الذي كان يغطي الحديقة، و
جلس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، تلك الغرفة التي كانت ذات يوم مليئة بالحياة والضحكات، والتي أصبحت الآن باردة كقلب من جليد. كانت الستائر الثقيلة منسدلة، تحجب ضوء القمر المتسلل من الخارج، وتجعل الغرفة تغرق في ظلام خفيف يتخلله وهج شاشة التلفاز الملونة. كان أرين في حضن لينار، عيناه الصغيرتان البراقتان تلمعان بفرحة نادرة، ويداه الصغيرتان تصفقان كلما ظهرت شخصية ديزني المفضلة لديه على الشاشة. كان الضوء المتلون من التلفاز يرسم خطوطاً متحركة على وجوههم، يخلق وهماً مؤقتاً بالدفء والألفة. لينار كان يحاول التركيز في الفيلم، يحاول أن يبتسم لأرين كلما التفت إليه الطفل، لكن عينيه كانتا تتجهان باستمرار نحو الطرف الآخر من الأريكة. نحو سلين. كانت جالسة هناك، بعيدة. بعيدة كأنها في قارة أخرى، كأنها تنظر إلى هذه العائلة من خلف زجاج سميك لا يسمح بمرور الصوت. جسدها النحيل كان منكمشاً على نفسه، وذراعاها تعانقان ركبتيها كأنها تحاول أن تحمي نفسها من عالم لا يفهمها. ثوبها الأبيض الفضفاض كان يخفي نحافتها المفرطة التي زادت سوءاً مع مرور السنين. كانت عيناها الزجاجيتان تحدقان في الشاشة دون أن ترى. كانت ترى ص
انتهى العشاء. أو ما يشبه العشاء. طبقان من الطعام البارد، كانا قد برداً منذ ساعات قبل أن يجلسا إلى المائدة. صمت ثقيل يملأ الغرفة، ثقيل كالرصاص، يخنق كل محاولة للكلام. نظرات كانت تتجنب بعضها، عيون تنظر إلى الأطباق، إلى الطاولة، إلى أي مكان إلا إلى بعضها البعض. وقف لينار من على الطاولة ببطء، شعر بثقل في ساقيه، كأنه يحمل جبالاً على كتفيه. أخذ الأطباق، واحداً تلو الآخر، ومشى إلى المطبخ.كان صوت الماء وهو يغسل الأواني يرن في صمت القصر كالجرس الوحيد في كنيسة مهجورة. وقف أمام الحوض، ينظر إلى يديه وهما تتحركان آلياً، تفركان الأطباق، تشطفها، تضعها في الرف. كان يفعل هذا كل ليلة الآن. منذ أن توقفت سلين عن فعل أي شيء. منذ أن توقفت عن الاهتمام. كان يفعل كل شيء بنفسه، لأنه لا يستطيع أن يطلب من الخدم أن يفعلوا ما كانت تفعله هي. كان يشعر بأنه لو طلب ذلك، سيكون اعترافاً بأنها لم تعد موجودة. لكنها كانت موجودة. كانت موجودة في الغرفة المجاورة، جالسة على الكرسي، تنظر من النافذة، كأنها تمثال من الجليد.مسح يديه ببطء، ونظر حوله. المطبخ الفسيح الذي كان يمتلئ ذات يوم برائحة قهوة الصباح التي كانت تعدها له، برائ
الغرفة مظلمة. الستائر الثقيلة لا تدع الضوء يتسلل إلا عبر شقوق ضيقة، كخيوط ذهبية رقيقة ترسم خطوطاً على الأرضية الخشبية الباردة. يجلس لينار على الكرسي، على ذلك الكرسي الذي كانت تجلس عليه سلين كل ليلة. كرسيها البالي، الذي يحمل في نسيجه المخملي بقايا رائحتها الخافتة، رائحة تختفي كل يوم، كأنها تموت ببطء. يمرر أصابعه على ذراع الكرسي، يشعر بالقماش البالي تحت أطراف أصابعه، يتنفس بعمق، يحاول أن يستنشق شيئاً منها. لكن لا شيء. فقط رائحة الغبار، رائحة الزمن الذي مضى، رائحة سنوات أهدرها في العمى. يغمض عينيه، ويترك رأسه يستند إلى ظهر الكرسي، وتأتيه الذكريات كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حمايتها. --- يتذكر ذلك اليوم بوضوح مؤلم. شمس الصباح كانت تخترق ستائر غرفة الولادة البيضاء، تحول الغرفة إلى بحر من الضوء الدافئ. كان الهواء معطراً برائحة المطهرات، ورائحة الدم، ورائحة الحياة الجديدة التي كانت تملأ المكان. وقف هناك، ينظر إليها، إلى سلين التي كانت منهكة مرهقة، وجهها شاحب، جبينها يلمع بالعرق، شعرها الطويل ملتصق بوجها. لكنها كانت تبتسم. كانت تبتسم له. ثم سمعها. صرخة الطفل. تلك الصرخة الأولى
وقف لينار أمام سلين، ويده ما زالت على بطنها، وعيناه تدمعان بفرحة لم ترها من قبل. كانت تنظر إليه، غير مصدقة ما تراه. هذا الرجل البارد، الجليدي، الذي كان يعاملها كغريبة طوال عامين، كان يبكي فرحاً لأنها حامل. "طفلنا..." همس مجدداً. "طفلنا، سلين." لم تستطع أن تمنع دموعها من التدفق. فرحة غامرة لأنه لم يرفضها، وخوف عميق من أن يكون هذا مجرد وهم آخر. "لينار..." همست. "هل أنت حقاً سعيد؟" رفع عينيه إليها، وكانتا مليئتين بصدق لم تره من قبل. "أنا أكثر من سعيد. أنا ممتن. ممتن لأنك تحملين طفلي." احتضنها بقوة، وكأنه يخاف أن تفقدها. "سأعتني بك. سأعتني بكما. وعد." --- في الأيام التي تلت اكتشاف الحمل، تغير لينار تماماً. لكن تغيره كان موجهاً بالكامل نحو الجنين، وليس نحو سلين. كان يستيقظ كل صباح قبلها، ويحضر لها الإفطار بنفسه، لكنه كان يضع الطعام أمامها ويقول: "كلي. الجرو يحتاج إلى الغذاء." لم يقل: "كلي لتكوني قوية." بل قال: "الجرو يحتاج إلى الغذاء." كان يرافقها إلى الطبيب، يمسك يدها أثناء الفحوصات، ويسأل الطبيب عن كل شيء: "هل الجرو بخير؟ ماذا يحتاج أن يأكل؟" كان يسأل عن الجنين أولاً، ثم عن سلين