Se connecterانتهى العشاء. أو ما يشبه العشاء. طبقان من الطعام البارد، كانا قد برداً منذ ساعات قبل أن يجلسا إلى المائدة. صمت ثقيل يملأ الغرفة، ثقيل كالرصاص، يخنق كل محاولة للكلام. نظرات كانت تتجنب بعضها، عيون تنظر إلى الأطباق، إلى الطاولة، إلى أي مكان إلا إلى بعضها البعض. وقف لينار من على الطاولة ببطء، شعر بثقل في ساقيه، كأنه يحمل جبالاً على كتفيه. أخذ الأطباق، واحداً تلو الآخر، ومشى إلى المطبخ.
كان صوت الماء وهو يغسل الأواني يرن في صمت القصر كالجرس الوحيد في كنيسة مهجورة. وقف أمام الحوض، ينظر إلى يديه وهما تتحركان آلياً، تفركان الأطباق، تشطفها، تضعها في الرف. كان يفعل هذا كل ليلة الآن. منذ أن توقفت سلين عن فعل أي شيء. منذ أن توقفت عن الاهتمام. كان يفعل كل شيء بنفسه، لأنه لا يستطيع أن يطلب من الخدم أن يفعلوا ما كانت تفعله هي. كان يشعر بأنه لو طلب ذلك، سيكون اعترافاً بأنها لم تعد موجودة. لكنها كانت موجودة. كانت موجودة في الغرفة المجاورة، جالسة على الكرسي، تنظر من النافذة، كأنها تمثال من الجليد. مسح يديه ببطء، ونظر حوله. المطبخ الفسيح الذي كان يمتلئ ذات يوم برائحة قهوة الصباح التي كانت تعدها له، برائحة الخبز الطازج الذي كانت تخبزه، برائحة الحب الذي كانت تضعه في كل طبق تعدّه. أصبح الآن باردا، معقماً، كأن الحياة نفسها توقفت عن التنفس في هذا البيت. وقف هناك، ينظر إلى المكان، ويشعر بشيء يخنقه. شيء يشبه الحنين، لكنه كان حنيناً مؤلماً، حنيناً إلى شيء كان لديه ولم يعرف قيمته. مشى في الممر الطويل، خطواته تتردد على البلاط الرخامي البارد. كل خطوة كانت تذكره بشيء. هنا، كانت تقف عندما كان يعود من العمل، تبتسم له، تحمل قهوته السوداء. هناك، كانت تجلس على الدرج، تنتظر أن يمر لتلقي عليه تحية الصباح. هناك، في تلك الزاوية، كانت تبكي ذات يوم، وكان هو يمر بجانبها دون أن يتوقف. كل زاوية في هذا القصر كانت تحمل ذكرى لها. ذكرى جميلة ومؤلمة في نفس الوقت. وصل إلى غرفة أرين، وفتح الباب بهدوء. كان الطفل نائماً، وجهه الصغير مستلقٍ على الوسادة، شعره الأشقر متناثراً حول رأسه كالهالة. كان عمره أربع سنوات الآن، لكنه كان يبدو أكبر، أكثر نضجاً مما ينبغي. ربما لأن أمه لم تعد تبتسم له كما كانت تفعل. ربما لأنه كان يشعر بالفراغ في البيت. وقف لينار فوق السرير، ينظر إلى ابنه، ويشعر بشيء يختلط في صدره بين الحب والألم. انحنى، وقبل جبينه برفق، وهمس: "تصبح على خير يا أرين." ثم وقف، ونظر إلى الطفل الذي كان يجمع بين ملامحه وملامحها. شعر بأنفاسه تحتبس في صدره. هذا الطفل هو ثمرة علاقتهما. هو الشيء الوحيد الجميل الذي خرج من هذه الزيجة البائسة. خرج وترك الباب مفتوحاً قليلاً، كي يسمع الطفل إن استيقظ وبكى. ذهب إلى الحمام، فتح الصنبور، وترك الماء البارد يتدفق. خلع ملابسه ببطء، وشعر ببرد الهواء على جسده العاري. وقف تحت الماء المتجمد، وشعر بالقشعريرة تجتاح جسده من الرأس إلى أخمص القدمين. صرخة مكتومة كادت تخرج من صدره، لكنه ابتلعها. البرد الخارجي كان أهون من البرد الذي في داخله. ذلك البرد الذي تسلل إليه منذ سنوات، منذ أن بدأ يتجاهلها، منذ أن بدأ يدفعها بعيداً. أغمض عينيه، وترك الماء يضرب وجهه، يحاول أن يغسل عنه شيئاً لا يغسل. ذكريات. ندم. ألم. كلها كانت عالقة في روحه، كشظايا زجاج لا تخرج مهما حاول. وقف هناك، تحت الماء البارد، لفترة طويلة. كان يفكر. يفكر في كل شيء. في كيف وصل إلى هنا. في كيف خسر كل شيء دون أن يشعر. في كيف كانت سلين تحبه، وكيف قتل ذلك الحب بيديه. فتح عينيه، ونظر إلى يديه. يديه اللتين احتضنتاها ذات يوم، يديه اللتين دفعتهما بعيداً، يديه اللتين تسببتا في كل هذا الألم. أغلقهما بقبضة، وشعر بأظافره تغوص في كفيه. خرج من الحمام، جسده يرتجف من البرد، وشعر بخيوط الماء الباردة تتساقط من شعره على كتفيه. وقف أمام المرآة، ونظر إلى نفسه. وجهه كان شاحباً، عيناه محتقنتان، تجاعيد بدأت تظهر حول عينيه من التعب والندم. كان يبدو أكبر من عمره بأعوام. كان يبدو كرجل حمل على كتفيه جبالاً من الذنب. ارتدى ثوب نومه الرمادي، وفتح باب غرفة النوم ببطء. شعره المبلل كان يقطر على كتفيه، والماء البارد كان يتساقط من جسده ليترك بقعاً مظلمة على قميص نومه الرمادي. كانت هناك. سلين. جالسة على حافة السرير، تنظر من النافذة. ضوء القمر كان يتسلل من بين الستائر، يرسم خطوطاً فضية على وجهها الشاحب. شعرها الطويل المتساقط كان يغطي وجهها، ثوب نومها الأبيض الفضفاض كان يخفي جسدها النحيل الذي أصبح هزيلاً مع مرور السنوات. لم تلتفت إليه. لم تتحرك. فقط جلست هناك، تنظر إلى الخارج، كأنها تنتظر شيئاً لا يأتي أبداً. كان ضوء القمر يضيء قسمات وجهها التي أصبحت باردة، جامدة، بلا أي أثر للحياة التي كانت فيها يوماً. اقترب من السرير، وجلس على جانبه. شعر بالمسافة بينهما، تلك المسافة التي كانت أقصر من ذراع، لكنها كانت أبعد من المحيطات. كان بإمكانه أن يمد يده ويلمسها، لكنها كانت بعيدة كأنها في كوكب آخر. استلقى على السرير، ونظر إلى السقف. كان السقف أبيض، ناصع البياض، كبياض كفن. تنفس بعمق، وشم الهواء. رائحتها كانت خافتة جداً، تكاد تكون معدومة. اختفت رائحتها المسكرة التي كانت تجعله يفقد صوابه. تلك الرائحة التي كانت تملأ الغرفة، التي كانت تجعله يشعر بأنه في الجنة. اختفت تماماً، وكأنها لم تكن موجودة أبداً. لم يعد يشم سوى رائحة الغبار، ورائحة الوقت الذي مضى، ورائحة الندم الذي يلتهمه. انقلب على جنبه، ونظر إليها. إلى ظهرها المنحني، إلى كتفيها النحيلتين اللتين أصبحتا هزيلتين، إلى شعرها الطويل المنتشر على الوسادة كشلال باهت. كان يريد أن يمد يده، أن يلمسها، أن يحتضنها. كان يريد أن يشعر بدفئها، أن يشم رائحتها، أن يعرف أنها موجودة. كان يريد أن يسمع صوتها، أي صوت، حتى لو كان همسة. لكنه لم يستطع. كانت كل مرة يحاول فيها الاقتراب، تشعر به، فتنسحب. كأن جسدها يرفضه، كأن روحها أغلقت بابه في وجهه، كأن كل خلية في جسدها تقول له: "لا تقترب." "سلين..." همس، وصوته خافت في الظلام. لكنها لم ترد. لم تتحرك. فقط استمرت في النظر من النافذة، كأنها لم تسمعه. كأنها لا تسمع شيئاً. كأنها أصبحت جزءاً من الجدار، من الظل، من الصمت. أغمض عينيه، وحاول أن ينام. لكن الذكريات كانت تأتي كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حماية نفسه. كانت تأتي واحدة تلو الأخرى، كفيلم يعاد تشغيله في عقله، كل مشهد أكثر إيلاماً من الذي قبله. --- يتذكر. يتذكر تلك الأيام، أيام حملها. كانت تجلس على الأريكة، بطنها يكبر شيئاً فشيئاً، وكان هو جالساً بجانبها... لا، ليس بجانبها. أمامها. كان يجلس على الأرض، يضع يديه على بطنها، ويتحدث مع الجنين. كان يتحدث لساعات. يهمس للجنين، يحكي له قصصاً، يعد بالكثير من الأحلام، ويضحك معه. وكانت سلين تجلس هناك، تنظر إليه، تبتسم أحياناً، لكن عينيها كانتا تحملان شيئاً آخر. شيئاً لم ينتبه له. كانت متعبة. منهكة. كان الحمل يثقل عليها، وكان جسدها يتألم من التغييرات، وكانت تحتاج إلى الراحة، إلى الاهتمام، إلى كلمة حب تقال لها هي وليس للجنين. لكنه كان مشغولاً. مشغولاً بالحياة التي تنمو في بطنها، وليس بالمرأة التي تحملها بين أحشائها. يتذكر تلك المرة بالذات. كانت تجلس على الأريكة، تضع يدها على بطنها، ووجهها متعب، عيناها نصف مغمضتين من الإرهاق. اقترب منها، ووضع يده على بطنها، وبدأ يتحدث مع الجنين. كان يهمس: "مرحباً يا صغيري. كيف حالك اليوم؟ هل نمت جيداً؟" وبعد دقائق، سمع صوتها الضعيف: "لينار..." رفع عينيه إليها للحظة، لكنه لم يرفع يديه عن بطنها. "ماذا؟" قالت بخجل، ووجهها محمر، وكأنها تخجل من طلبها: "لن تتحدث معي أنا أيضاً؟" ضحك، ضحكة باردة، وقال: "هل أنتِ غيورة من جنينكِ؟" ثم عاد إلى الجنين، يهمس له، ويضحك معه. لم ينظر إليها. لم يرَ تعبير وجهها. لم يرَ الدموع التي تجمعت في عينيها ثم ابتلعتها، ولم يرَ كيف انهارت كتفيها قليلاً، وكيف تنهدت تنهيدة خفيفة كادت تختفي في الهواء. كان يعتقد أنها مزحة، لكنها لم تكن مزحة. كانت صرخة صامتة. كانت تطلب منه أن يراها. أن يلاحظها. أن يعترف بوجودها. لكنه لم يفعل. يتذكر تلك الليالي الطويلة. كان ينام بجانبها، لكنه كان يعانقها من الخلف. كان يضع يده على بطنها، يحمي الجنين. كان يشعر بدفء جسدها، بشعرها الناعم تحت ذقنه، وكان ينام مرتاحاً. وكانت سلين تشعر بالدفء، تشعر بأنه قريب، تشعر بأنه يهتم. لكنها كانت تعلم، في أعماقها، أن هذا الاهتمام مؤقت. أنه سينتهي بمجرد أن يولد الجنين. كانت تعلم أنه لا يهتم بها، بل بالصغير الذي في أحشائها. كانت تشعر بالدفء، لكنه كان دفء مؤقت، دفء وهمي، دفء سرعان ما سيزول عندما يخرج الجنين إلى النور. وكانت على حق. في كل مرة كان ينام فيها بجانبها ويعانقها، كانت تشعر بأنها مجرد حاضنة، مجرد مكان دافئ ينمو فيه طفله. كانت تشعر بأن جسدها لم يعد ملكاً لها، بل أصبح مملكة صغيرة لشخص آخر. يتذكر تلك الليلة. كانت سلين نائمة، وهو مستيقظ. كان ينظر إليها، إلى وجهها في ضوء القمر. كانت جميلة. كانت دائماً جميلة. لكنه لم يخبرها بذلك أبداً. رفع يده، ولمس خدها برفق. تحركت في نومها، وابتسمت ابتسامة خفيفة، وكأنها حلمت به. شعر بشيء في صدره، شيء أشبه بالحب، لكنه دفعه بعيداً. قال لنفسه: "هذا بسبب الجنين. أنا سعيد بسبب الجنين." وأغلق عينيه، وتظاهر بأنه لم يشعر بشيء. يتذكر ذلك اليوم الآخر. كان جالساً في مكتبه، مشغولاً بأوراق العمل، عندما سمع طرقاً خفيفاً على الباب. رفع عينيه، ورآها تقف عند الباب. كانت ترتدي فستاناً أزرق جميلاً، وضعت أحمر شفاه خفيفاً، وحاولت تزيين شعرها. كانت تبتسم له، ابتسامة خجولة، كطفلة تخاف من الرفض. كان وجهها وردياً من الخجل، ويديها تلعبان بحافة فستانها بتوتر. "لينار..." همست، وصوتها ضعيف، مرتجف. "هل يمكننا... هل يمكننا الخروج معاً؟" وقف من على مكتبه، ونظر إليها. كان متعباً. كان غاضباً من العمل. كان منزعجاً من كل شيء. فنظر إليها، إلى فستانها، إلى مجهودها، إلى الأمل في عينيها. وقال: "ما الذي يجعلك تعتقدين أنني سأخرج معك؟" رأى وجهها يتغير. رأى ابتسامتها تنكسر كالزجاج. رأى عينيها تدمعان، والدموع تتجمع فيها كالمطر. رأى يدها ترتجف وهي تمسك بثوبها، وكأنها تبحث عن شيء تتمسك به. سمع همستها الضعيفة: "آسفة..." "من المخجل أن يعرف الناس أنك رفيقتي." كانت كلمات خرجت منه كالسهم، دون أن يفكر، دون أن يشعر. خرجت من فمه كأنها حقيقة كان يحملها في داخله، كأنها اعتراف بما كان يشعر به حقاً. نظر إليها ورأى وجهها ينهار تماماً. رأى الدموع تتساقط على خديها كاللآلئ، ورأى كتفيها تهتزان بالبكاء الصامت. ثم أدارت ظهرها، وخرجت من الغرفة بخطوات سريعة، وكأنها تريد أن تختفي، أن تتبخر، أن تمحى من الوجود. وقف هناك، ينظر إلى الباب المغلق، ويشعر بشيء في صدره. لكنه تجاهله. عاد إلى مكتبه، جلس، وتظاهر بأنه لم يقل شيئاً. لم يعتذر. لم يذهب إليها. لم يمسح دمعتها. فقط تركها تبكي وحدها، كما فعل دائماً. جلس على كرسيه، وحاول أن يعود إلى أوراقه، لكن الكلمات كانت تتشوش أمام عينيه. كان يسمع بكاءها من بعيد. بكاء خافت، مكتوم، لكنه كان يصل إليه كصفعة. في تلك الليلة، سمع بكاءها من غرفتها. بكاءً خافتاً، مكتوماً، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. وقف عند بابها، ووضع يده على الخشب البارد، وسمعها. سمعها تبكي، وتهمس بين النحيب: "لماذا أنا قبيحة؟ لماذا لا يحبني أحد؟ لماذا لا يستحقني أحد؟" وقف هناك، يستمع، ويشعر بشيء ينقبض في صدره. لكنه لم يفتح الباب. عاد إلى غرفته، وضع وسادته على رأسه، وتظاهر بأنه لم يسمع شيئاً. في تلك الليلة، نام باكياً لأول مرة منذ طفولته، لكنه لم يعترف بذلك حتى لنفسه. --- يفتح لينار عينيه فجأة. يجد نفسه في السرير، في الحاضر. القمر ما زال يتسلل من النافذة، وسلين ما زالت جالسة بجانبه، تنظر من النافذة، كأنها لم تتحرك منذ سنوات. جسدها النحيل كان ثابتاً كالتمثال، وعيناها الزجاجيتان تحدقان في الفراغ. يشعر بثقل في صدره، بندم يلتهم روحه كالنار في الهشيم. كل تلك الذكريات تعود إليه كالسهام، تخترقه من كل جانب، ولا تترك له مفراً. يدير رأسه، وينظر إليها. إلى ظهرها المنحني الذي أصبح مقوساً من الجلوس الطويل، إلى كتفيها النحيلتين اللتين تهتزان أحياناً بتنهدات خفيفة بالكاد تُسمع. يتساءل: كيف كانت تشعر عندما قال لها تلك الكلمات القاسية؟ كيف كانت تشعر عندما كان يتجاهلها ويمر بجانبها كأنها غير موجودة؟ كيف كانت تشعر عندما كانت تبكي وحدها في غرفتها في منتصف الليل؟ كيف كانت تشعر عندما كان يحتضنها فقط من أجل الجنين، وعيناها تدركان ذلك، لكنها كانت تبتسم له رغم الألم؟ "إذا كنت أنا..." يهمس لنفسه، وصوته مبحوح في الظلام، مرتجف كطفل خائف. "إذا كنت أنا - الأقوى، الأعلى رتبة، الذي يملك كل شيء - أشعر بهذا الألم من الذنب، فكيف كانت تشعر هي - الأوميغا الأضعف، التي لا تملك شيئاً - وهي تعيش كل تلك الكلمات والإهانات وحدها؟" يمد يده نحوها. يريد أن يلمسها، أن يحتضنها، أن يقول لها آسف. يريد أن يضع يده على كتفها، أن يشعر بدفئها مرة واحدة على الأقل قبل أن تختفي تماماً. لكن يده تتوقف في منتصف الطريق. يخاف. يخاف أن ترفضه، أن تبتعد، أن تنظر إليه بعينين فارغتين وتقول له شيئاً يقتله. يخاف من المواجهة. يخاف من الحقيقة. يخاف من أن يمد يده ويجد فراغاً. يسحب يده، ويعود إلى جانبه من السرير. ينظر إلى السقف، ويشعر بالدموع تتجمع في عينيه. لكنه لا يبكي. لم يبكي منذ سنوات. لم يبكي منذ أن كان طفلاً صغيراً، عندما علم أن والده لن يعود. لكنه الآن يشعر بأن الدموع تحاول الخروج، تحاول التدفق، تحاول أن تغسل عنه شيئاً من هذا الألم الذي يقتله ببطء. "سلين..." يهمس، وصوته مكسور، كزجاج تحطم. "أنا آسف. أنا آسف على كل شيء. على كل كلمة قلتها، على كل نظرة تجاهلتك فيها، على كل ليلة تركتك فيها وحدك تبكين." لكنها لا ترد. فقط تنظر من النافذة، كأنها لم تسمعه. كأنها لا تسمع شيئاً. كأنها أصبحت جزءاً من الجدار، من الظل، من الصمت الأبدي. "أرجوك..." يهمس مجدداً، وصوته يرتجف. "أرجوك انظري إلي. فقط مرة واحدة. انظري إلي كأنني موجود." لكنها لا تتحرك. لا تلتفت. يداها مستلقتان على حجرها، جامدتان، بلا حياة. عيناها تحدقان في الظلام خارج النافذة، كأنها ترى شيئاً لا يراه هو. كأنها في عالم آخر، عالم لا مكان له فيه. وينام لينار أخيراً، لكن نومه ثقيل، مليء بالكوابيس. يحلم بها. يحلم بها وهي تبكي، وهي تبتعد، وهي تختفي في الضباب، ويحاول اللحاق بها لكنه لا يستطيع. يحلم بها وهي تبتسم له كما كانت تفعل في الأيام الأولى، قبل أن يفسد كل شيء. يحلم بها وهي تقول له: "أنا أحبك، لينار." ويحلم بنفسه وهو يرد عليها: "وأنا أيضاً." لكنه يستيقظ قبل أن يكمل، ويجد نفسه وحيداً في الظلام، وقلبه يخفق كالطبول، والعرق يغطي جبينه. ينظر إلى جانب السرير، فيجدها ما زالت جالسة، تنظر من النافذة. لم تتحرك. لم تنم. لم تفعل شيئاً. فقط جلست هناك، كأنها تنتظر الفجر، تنتظر شيئاً لا يأتي. "كم ستبقين هكذا؟" يهمس في الظلام، وصوته خافت كأنه يتحدث إلى نفسه. "كم ستبقين بعيدة؟ كم ستبقين جليداً لا يذوب؟" لكن لا جواب. فقط صمت القصر، وصوت الريح تعوي خارج النافذة، كأنها تبكي معه. ويجلس هناك، في الظلام، ينظر إليها، ويشعر بأنه يخسرها أكثر كل يوم. ويتمنى لو يعود بالزمن، لو يفعل شيئاً مختلفاً، لو يقول كلمة واحدة. لكن الزمن لا يعود. والأوان قد يكون قد فات. في تلك اللحظة، يسمع صوتاً خفيفاً. صوتاً بالكاد مسموع. يتنفس بهدوء، يحاول أن يسمع مجدداً. كان صوتاً من غرفة أرين. بكاء خافت. نهض من السرير بسرعة، ومشى إلى غرفة ابنه. فتح الباب بهدوء، ورأى أرين جالساً على سريره، يبكي بهدوء. "أبي..." همس الطفل، ومد يديه الصغيرتين إليه. "كابوس..." حمله لينار بين ذراعيه، واحتضنه. شعر بجسده الصغير الدافئ، بشعره الناعم تحت ذقنه. شعر بالحب يملأ صدره، لكنه كان حباً ممزوجاً بالألم. "لا تخف يا أرين." همس له. "أنا هنا. أنا معك." حدق الطفل بعينيه الرماديتين، عيني والده، وقال بصوته الصغير: "أمي... أين أمي؟" توقف لينار. شعر بشيء يخنقه. "أمي نائمة." قال، لكنه كان يعلم أنها ليست نائمة. كانت جالسة هناك، في الظلام، تنظر من النافذة، كأنها ليست معهم. "أريد أمي." قال الطفل، وعيناه تدمعان. "أريد أمي تحتضنني." وقف لينار هناك، يحمل ابنه، ويشعر بالعجز. لم يستطع أن يحضر له أمه. لم يستطع أن يعيد لها الحياة. لم يستطع أن يفعل شيئاً. "سأنام معك الليلة." قال أخيراً، وهو يضع الطفل في سريره، ويستلقي بجانبه. احتضن ابنه، وشعر بجسده الصغير يهدأ تدريجياً، وتنفسه ينتظم. لكن عينيه كانتا مفتوحتين، تنظران إلى السقف، وتسألان نفسيهما: كيف وصل إلى هنا؟ كيف أصبحت حياته هكذا؟ كيف خسر كل شيء دون أن يشعر؟ نام أرين بين ذراعيه، ونام هو أخيراً، لكن نومه لم يكن هادئاً. كان يحلم بها مجدداً. يحلم بها وهي تبتعد. يحلم بها وهي تختفي. لكن هذه المرة، كان يمسك بيدها، ويركض خلفها، ويصرخ باسمها. "سلين!" صرخ في حلمه. "لا تذهبي! أرجوكِ لا تذهبي!" لكنها كانت تبتعد، وتختفي في الضباب، وتتركه وحيداً، يبكي، يندم، ويعرف أنه خسرها إلى الأبد. ويستيقظ في الصباح، ليجد نفسه في سرير أرين، والطفل نائم بجانبه، وسلين ليست هناك. يقف ببطء، يمشي إلى غرفة النوم، يجدها جالسة على الكرسي، تنظر من النافذة. لم تنم طوال الليل. لم تفعل شيئاً. فقط جلست هناك، تنتظر شيئاً لا يأتي أبداً. وكأنها أصبحت جزءاً من القصر، جزءاً من الجدران، جزءاً من الصمت الذي لا ينتهي. يقف عند الباب، ينظر إليها، ويشعر بأنه يختنق. كان يريد أن يصرخ، أن يبكي، أن يركع عند قدميها ويتوسل إليها أن تعود. لكنه لا يستطيع. كبرياؤه يمنعه. خوفه يمنعه. جبنه يمنعه. يقف هناك، ينظر إليها، ويشعر بأنه فقدها إلى الأبد. "سلين..." يهمس، وصوته بالكاد مسموع. "سأنتظر. سأنتظر حتى تعودي. حتى لو استغرق الأمر سنوات. حتى لو استغرق الأمر عمري كله." لكنها لا تسمعه. أو تسمعه ولا تريد الرد. تظل جالسة هناك، تنظر من النافذة، كأنها لم تعد جزءاً من هذا العالم. ويقف لينار هناك، وحيداً، يندم، ويشعر بالثقل الذي سيحمله إلى الأبد. الثقل الذي صنعه بيديه، وكسر به قلبها، وقتل به روحها. ويتمنى لو يعود بالزمن. لكن الزمن لا يعود. والأوان قد يكون قد فات. --- ❄️🖤 نهاية الفصل الخامس 🖤❄️ --- 🤔 سؤال للقارئ: بعد أن تذكر لينار كل تلك الذكريات المؤلمة، وبعد أن اعترف لنفسه بذنبه، وبعد أن رأى انهيار سلين الكامل... هل تعتقد أن لينار سيجد الشجاعة للاعتذار لسلين فعلاً؟ هل ستستطيع سلين أن تغفر له بعد كل ما فعله، أم أن جروحها عميقة جداً؟ ماذا سيحدث لأرين عندما يكبر ويفهم ما حدث لأمه؟ وهل ستعود الفتاة الغامضة في الصورة لتغير كل شيء؟ --- 📝 شاركنا توقعاتك في التعليقات! وإذا كنت تريد معرفة ما سيحدث في الفصول القادمة... تابعونا في الفصل السادس: "صرخة صامتة" 🌸 --- سيأتي الفصل السادس قريباً... دمتم بخير 💕مر أسبوع. سبعة أيام كاملة من الجحيم. سبعة أيام لم تخرج فيها سلين من غرفة الضيوف إلا للضرورة القصوى. كانت قد اختارت تلك الغرفة البعيدة، في الطرف الآخر من القصر، بعيدة عن غرفته، بعيدة عن ذكرياتهما، بعيدة عن كل شيء. غرفة صغيرة، باردة، خالية من الذكريات، خالية من الألم. أو هكذا ظنت.كانت تخرج فقط عندما تكون متأكدة أنه ليس في الممر. تذهب إلى المطبخ في أوقات غريبة، في منتصف الليل أو قبل الفجر، لتأخذ شيئاً تأكله، أو كوب ماء، ثم تعود إلى مخبئها. لم تكن تأكل حقاً. كانت تأخذ الطعام، وتضعه على الطاولة، وتنظر إليه، ثم تتركه يبرد. جسدها كان يضعف أكثر، ووجهها أصبح أكثر شحوباً، وعيناها أصبحتا أكثر غوراً. لكنها لم تكن تهتم. لم تكن تهتم بأي شيء.وكان لينار. كل ليلة، ينام أمام باب غرفتها. يفرش بطانية على الأرض الباردة، ويستلقي هناك، ظهره إلى الباب، وعيناه إلى السقف. كان يسمعها تتحرك في الداخل أحياناً، يسمع صوت خطواتها الخفيفة، يسمع صوت تنهداتها المكتومة. وكان يتحدث إليها من خلال الباب المغلق."سلين..." كان يهمس في الظلام، وصوته يتسلل من تحت الباب. "أنا آسف. أنا آسف على كل شيء. على كل ليلة، على كل كلمة،
استيقظت سلين مع أول خيوط الفجر التي تسللت من بين الستائر الثقيلة، لتلقي بظلالها الذهبية على وجهها الشاحب. لم تكن قد نامت حقاً. كانت قد أغمضت عينيها، لكن عقلها كان يقظاً، يعيد شريط الليلة الماضية مراراً وتكراراً. الخوف، الرعب، صوت لينار وهو يصرخ، ثم احتضانه لها، ثم عودتهما إلى المنزل... وحدها في سريرها، وهي تنظر إلى السقف، تتساءل كيف وصلت حياتها إلى هذا الحد من الانهيار. نهضت ببطء، وشعرت بجسدها المؤلم من التوتر والبرد الذي تسلل إلى عظامها خلال الليلة الماضية. وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها. كانت ترى امرأة غريبة، بعينين منطفئتين، وشعر متشابك، ووجنتين غائرتين. هذه لم تكن هي. أو ربما كانت هي، لكنها لم تعد تعرف هذه المرأة بعد الآن. خرجت من غرفتها بهدوء، تاركة لينار نائماً على الأريكة في غرفة المعيشة. كان قد نام هناك، رافضاً أن يبتعد عنها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب أكثر من ذلك. نظرت إليه للحظة، إلى وجهه المتعب، إلى آثار الدموع على خديه، ثم أدارت وجهها ومشت نحو الشرفة الخلفية. كان الهواء البارد يلسع وجهها، لكنها شعرت به بالكاد. وقفت على الشرفة، تنظر إلى الثلج الذي كان يغطي الحديقة، و
جلس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، تلك الغرفة التي كانت ذات يوم مليئة بالحياة والضحكات، والتي أصبحت الآن باردة كقلب من جليد. كانت الستائر الثقيلة منسدلة، تحجب ضوء القمر المتسلل من الخارج، وتجعل الغرفة تغرق في ظلام خفيف يتخلله وهج شاشة التلفاز الملونة. كان أرين في حضن لينار، عيناه الصغيرتان البراقتان تلمعان بفرحة نادرة، ويداه الصغيرتان تصفقان كلما ظهرت شخصية ديزني المفضلة لديه على الشاشة. كان الضوء المتلون من التلفاز يرسم خطوطاً متحركة على وجوههم، يخلق وهماً مؤقتاً بالدفء والألفة. لينار كان يحاول التركيز في الفيلم، يحاول أن يبتسم لأرين كلما التفت إليه الطفل، لكن عينيه كانتا تتجهان باستمرار نحو الطرف الآخر من الأريكة. نحو سلين. كانت جالسة هناك، بعيدة. بعيدة كأنها في قارة أخرى، كأنها تنظر إلى هذه العائلة من خلف زجاج سميك لا يسمح بمرور الصوت. جسدها النحيل كان منكمشاً على نفسه، وذراعاها تعانقان ركبتيها كأنها تحاول أن تحمي نفسها من عالم لا يفهمها. ثوبها الأبيض الفضفاض كان يخفي نحافتها المفرطة التي زادت سوءاً مع مرور السنين. كانت عيناها الزجاجيتان تحدقان في الشاشة دون أن ترى. كانت ترى ص
انتهى العشاء. أو ما يشبه العشاء. طبقان من الطعام البارد، كانا قد برداً منذ ساعات قبل أن يجلسا إلى المائدة. صمت ثقيل يملأ الغرفة، ثقيل كالرصاص، يخنق كل محاولة للكلام. نظرات كانت تتجنب بعضها، عيون تنظر إلى الأطباق، إلى الطاولة، إلى أي مكان إلا إلى بعضها البعض. وقف لينار من على الطاولة ببطء، شعر بثقل في ساقيه، كأنه يحمل جبالاً على كتفيه. أخذ الأطباق، واحداً تلو الآخر، ومشى إلى المطبخ.كان صوت الماء وهو يغسل الأواني يرن في صمت القصر كالجرس الوحيد في كنيسة مهجورة. وقف أمام الحوض، ينظر إلى يديه وهما تتحركان آلياً، تفركان الأطباق، تشطفها، تضعها في الرف. كان يفعل هذا كل ليلة الآن. منذ أن توقفت سلين عن فعل أي شيء. منذ أن توقفت عن الاهتمام. كان يفعل كل شيء بنفسه، لأنه لا يستطيع أن يطلب من الخدم أن يفعلوا ما كانت تفعله هي. كان يشعر بأنه لو طلب ذلك، سيكون اعترافاً بأنها لم تعد موجودة. لكنها كانت موجودة. كانت موجودة في الغرفة المجاورة، جالسة على الكرسي، تنظر من النافذة، كأنها تمثال من الجليد.مسح يديه ببطء، ونظر حوله. المطبخ الفسيح الذي كان يمتلئ ذات يوم برائحة قهوة الصباح التي كانت تعدها له، برائ
الغرفة مظلمة. الستائر الثقيلة لا تدع الضوء يتسلل إلا عبر شقوق ضيقة، كخيوط ذهبية رقيقة ترسم خطوطاً على الأرضية الخشبية الباردة. يجلس لينار على الكرسي، على ذلك الكرسي الذي كانت تجلس عليه سلين كل ليلة. كرسيها البالي، الذي يحمل في نسيجه المخملي بقايا رائحتها الخافتة، رائحة تختفي كل يوم، كأنها تموت ببطء. يمرر أصابعه على ذراع الكرسي، يشعر بالقماش البالي تحت أطراف أصابعه، يتنفس بعمق، يحاول أن يستنشق شيئاً منها. لكن لا شيء. فقط رائحة الغبار، رائحة الزمن الذي مضى، رائحة سنوات أهدرها في العمى. يغمض عينيه، ويترك رأسه يستند إلى ظهر الكرسي، وتأتيه الذكريات كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حمايتها. --- يتذكر ذلك اليوم بوضوح مؤلم. شمس الصباح كانت تخترق ستائر غرفة الولادة البيضاء، تحول الغرفة إلى بحر من الضوء الدافئ. كان الهواء معطراً برائحة المطهرات، ورائحة الدم، ورائحة الحياة الجديدة التي كانت تملأ المكان. وقف هناك، ينظر إليها، إلى سلين التي كانت منهكة مرهقة، وجهها شاحب، جبينها يلمع بالعرق، شعرها الطويل ملتصق بوجها. لكنها كانت تبتسم. كانت تبتسم له. ثم سمعها. صرخة الطفل. تلك الصرخة الأولى
وقف لينار أمام سلين، ويده ما زالت على بطنها، وعيناه تدمعان بفرحة لم ترها من قبل. كانت تنظر إليه، غير مصدقة ما تراه. هذا الرجل البارد، الجليدي، الذي كان يعاملها كغريبة طوال عامين، كان يبكي فرحاً لأنها حامل. "طفلنا..." همس مجدداً. "طفلنا، سلين." لم تستطع أن تمنع دموعها من التدفق. فرحة غامرة لأنه لم يرفضها، وخوف عميق من أن يكون هذا مجرد وهم آخر. "لينار..." همست. "هل أنت حقاً سعيد؟" رفع عينيه إليها، وكانتا مليئتين بصدق لم تره من قبل. "أنا أكثر من سعيد. أنا ممتن. ممتن لأنك تحملين طفلي." احتضنها بقوة، وكأنه يخاف أن تفقدها. "سأعتني بك. سأعتني بكما. وعد." --- في الأيام التي تلت اكتشاف الحمل، تغير لينار تماماً. لكن تغيره كان موجهاً بالكامل نحو الجنين، وليس نحو سلين. كان يستيقظ كل صباح قبلها، ويحضر لها الإفطار بنفسه، لكنه كان يضع الطعام أمامها ويقول: "كلي. الجرو يحتاج إلى الغذاء." لم يقل: "كلي لتكوني قوية." بل قال: "الجرو يحتاج إلى الغذاء." كان يرافقها إلى الطبيب، يمسك يدها أثناء الفحوصات، ويسأل الطبيب عن كل شيء: "هل الجرو بخير؟ ماذا يحتاج أن يأكل؟" كان يسأل عن الجنين أولاً، ثم عن سلين