LOGINمطاردة في الزقاق الميت
جلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاء يدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعي كيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوع الوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجر يجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ما وضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعي أنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطم أنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذ لكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمن غدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاوم سأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسح سأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتي طويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلها أخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسور نظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبدا تسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورة مصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحب يجب أن أتجنب كاميرات المراقبة الحرارية المثبتة في كل زاوية حفظت توقيت دورانها منذ سنوات إنها تدور كل خمس عشرة ثانية انتظرت في الظل حتى استدارت العدسة الحمراء نحو الجدار ركضت بخفة نحو السلالم متجنبا المصعد الذي يسجل بيانات الركاب النزول من الطابق الأربعين عبر السلالم المظلمة كان مرهقا في الطابق العشرين سمعت أصواتا جعلت الدم يتجمد في عروقي كانوا حراس النظام يسحبون رجلا من جيراني نحو الأسفل الرجل لم يكن يصرخ ولم يكن يقاوم على الإطلاق كانت عيناه فارغتين تماما ووجهه خاليا من أي تعبير لقد أعادوه للتو من الغرفة البيضاء لقد أصبح أجويا بلا ذاكرة تراجعت إلى الوراء وضغطت جسدي ضد الجدار الإسمنتي البارد مروا بجانبي على بعد خطوات قليلة رائحة الموت النفسي تفوح منهم لو اكتشفوا وجودي هنا خارج غرفتي في وقت حظر التجول سألقى نفس المصير حبست أنفاسي حتى اختفت أصوات خطواتهم الثقيلة في الأسفل أكملت طريقي نحو المخرج الخلفي للمبنى المخصص لعمال النظافة الآليين باب المخرج كان مقفلا بشيفرة إلكترونية معقدة لكنني كنت أعرف ثغرة تركها العمال المتمردون قبل إعدامهم العام الماضي أدخلت سلكا معدنيا رفيعا في لوحة التحكم وقمت بتوصيل الدائرتين صدرت شرارة زرقاء خافتة ثم انفتح الباب ببطء وبدون صوت خرجت إلى شوارع كازا 2050 المطر الأسود كان لا يزال يهطل بغزارة المطر هنا ليس ماء طبيعيا بل مزيج من المواد الكيميائية وغبار المصانع رفعت ياقة معطفي لأحمي وجهي من القطرات الحارقة المدينة كانت تبدو كوحش نائم يتنفس أضواء النيون الحمراء والزرقاء شاشات العرض العملاقة المعلقة على ناطحات السحاب تبث رسائل النظام الطاعة هي الحرية المشاعر هي الضعف النظام يحميكم كلمات كاذبة تتكرر في كل زاوية لتغسل أدمغة من تبقى من البشر يجب أن أصل إلى الجدار العازل قبل الساعة الثالثة فجرا اخترت المشي في الأزقة الضيقة المليئة بالنفايات المعدنية تجنبت الشوارع الرئيسية حيث تقوم دوريات الآليين بمسح هويات المارة كل خطوة أخطوها كانت محفوفة بخطر الموت أو ما هو أسوأ من الموت فجأة سمعت صوت طائرة مسيرة تقترب من الأعلى كانت من النوع المتطور المزود بمستشعرات النبض والحرارة رميت نفسي خلف أكوام من الأنابيب الصدئة وتكورت على نفسي حاولت إبطاء دقات قلبي تذكرت تقنيات التنفس التي علمها لي والدي والدي الذي اختفى في الغرفة البيضاء ولم يعد أبدا ضوء الكشاف الأزرق للطائرة اخترق الزقاق وبدأ يمسح الأنابيب مر الضوء فوقي مباشرة شعرت بحرارته تخترق معطفي أغمضت عيني وتخيلت وجه ريتا رغم أنني لم أرها في حياتي تخيلت صوتا رقيقا يهمس باسمي لتهدئة رعبي نجحت الحيلة نبضاتي استقرت والطائرة واصلت طريقها دون أن ترصدني نهضت بسرعة وواصلت الركض نحو المنطقة الصناعية المهجورة هذه المنطقة قريبة جدا من الجدار وتعتبر منطقة محظورة بالكامل الأرض هنا مليئة بالحفر والوحل السام الذي يلتهم الأحذية وصلت إلى مشارف الجدار الفاصل الهيكل الأسود المرعب كان الجدار يرتفع لمئات الأمتار في السماء يفصل عالمنا عن القطاع الذهبي الجدار مغطى بأسلاك شائكة مكهربة وكاميرات حرارية وأبراج قنص آلية كيف يمكنني الاقتراب من هذا الوحش الإسمنتي دون أن أتحول إلى رماد تذكرت المكان الذي وجدت فيه الكتاب أمس كان عبارة عن فجوة صغيرة في قاعدة الجدار خلف إحدى محطات توليد الطاقة المهجورة تسللت بين المولدات الضخمة التي لم تعد تعمل منذ عقود الظلام هنا كان كثيفا لدرجة أنني كنت أتحسس طريقي بيدي سمعت صوت خطوات تقترب التفت بسرعة باحثا عن مخبأ لم يكن حارسا بل كان شخصا من الأجواف يعيش في هذه الخرائب كان يرتدي أسمالا بالية ويمشي بلا هدى كأنه شبح مر بجانبي دون أن يلاحظني عيناه كانتا مثبتتين على الفراغ هذا هو مصيري غدا إذا لم أنجح في إيقاف حقنة المشاعر نفضت الفكرة المرعبة من رأسي وركزت على الفجوة في الجدار وجدتها أخيرا كانت مغطاة بقطعة من الصفيح الصدئ أزحت الصفيح بحذر شديد حتى لا أصدر أي ضجيج أدخلت يدي المرتجفة في الفتحة الباردة والمظلمة أخرجت رسالتي من جيبي ووضعتها في الداخل حيث وجدت كتاب كافكا أرجو أن تجديها يا ريتا همست في الظلام الدامس شعرت براحة غريبة وكأنني ألقيت عن كاهلي جبلا من اليأس الآن يجب أن أعود إلى غرفتي قبل شروق الشمس وأستعد للمواجهة استدرت لأغادر المكان وأعود من حيث أتيت لكن فجأة سمعت صوتا جعل الدماء تتجمد في عروقي مرة أخرى صوت نقرة معدنية واضحة خلف ظهري مباشرة نقرة تشبه تماما صوت سحب أجزاء سلاح ناري تصلب جسدي بالكامل ولم أجرؤ على الالتفات هل كان فخا منذ البداية هل ريتا مجرد طعم من النظام لاصطياد المتمردين ضوء أحمر صغير ظهر فجأة واستقر على صدري ضوء مؤشر التصويب لليزر القناصة الآلية لا تتحرك قيد أنملة يا يحيى قال صوت بشري خشن من خلفي لم يكن صوتا آليا كان صوت رجل حي يتنفس بصعوبة ارفع يديك ببطء واستدر لتواجهني تابع الصوت المجهول رفعت يدي فوق رأسي واستدرت ببطء شديد في الظلام استطعت تمييز ملامح رجل ضخم يرتدي معطفا طويلا لم يكن يرتدي زي حراس النظام بل ملابس مدنية ممزقة كان يوجه سلاحا غريبا ومعدلا يدويا نحو قلبي مباشرة من أنت سألت بصوت حاولت أن أجعله ثابتا أنا من سيقرر ما إذا كنت ستعيش الليلة أم تموت قال الرجل مقتربا مني أشعل مصباحا صغيرا ووجهه نحو الفجوة في الجدار لقد وضعت شيئا هنا ماذا كان هل هي رسالة للقطاع الذهبي كيف تعرف عن الرسائل سألته وأنا أتراجع خطوة إلى الوراء لا توجد أسرار في هذه المدينة الميتة خاصة إذا كنت تراقب الجدار أمسك الرجل بياقة معطفي وجذبني نحوه بقوة هائلة إذا كنت تعمل لصالح النظام لتوقع بنا فهذه نهايتك يا فتى لست من النظام صرخت بصوت مكتوم أنا مجرد عامل عامل يقرأ كافكا ويراسل فتيات القطاع الذهبي هذا مثير للاهتمام ترك ياقتی ونظر إلى السلاح في يده كأنه يفكر في شيء ما غدا موعد حقنتك أليس كذلك لقد سمعت الحراس يهددونك نعم قلتها وأنا أشعر باليأس يبتلعني غدا سأفقد كل شيء ابتسم الرجل ابتسامة قاسية أظهرت أسنانه الصفراء إذا يجب أن نتحرك بسرعة قبل أن يحولك النظام إلى حشرة مطيعة ماذا تقصد سألته والارتباك يعصف بعقلي أقصد أنك لست الوحيد الذي يبحث عن ريتا ولست الوحيد الذي يكره الجدار هل تعرفها اتسعت عيناي من الدهشة والأمل أعرف الكثير من الأشياء وأعرف كيف نعبر إلى الجانب الآخر كلماته وقعت كالصاعقة على مسامعي عبور الجدار مستحيل تماما كل من حاول العبور تم شطره إلى نصفين بأشعة الليزر لا يوجد مستحيل لمن فقد كل شيء للتو أصبحنا حلفاء يا يحيى مد يده الخشنة نحوي وكانت مليئة بالندوب والحروق القديمة اسمي طارق وأنا قائد خلية المقاومة في القطاع السابع المقاومة كنت أظن أنها مجرد خرافة يروجها النظام لتبرير القمع النظام يريدك أن تظن ذلك لكننا موجودون ونحن نراقبك منذ أن التقطت الكتاب أنت من وضع الكتاب هناك سألته مصدوما لا ريتا هي من فعلت ذلك نحن فقط نؤمن طريق الرسائل لماذا تساعدونني ماذا تريدون مني لأنك تمتلك شيئا نادرا في هذه المدينة أنت تمتلك دافعا للتمرد الحب هو أقوى دافع لتدمير هذا النظام المتعفن فجأة انطلقت صافرات الإنذار في جميع أنحاء المنطقة الصناعية أضواء كاشفة ضخمة اشتعلت في السماء تتقاطع باحثة عن متسللين لقد رصدوا حركتنا علينا الهروب فورا صرخ طارق وهو يركض تبعته دون تفكير لم يكن لدي خيار آخر العودة تعني حقنة المحو ركضنا عبر مصنع مهجور للمواد الكيميائية رائحة الأسيد تخنق الأنفاس الكلاب الآلية التابعة للنظام بدأت تعوي في الخارج تقترب بسرعة صوت مخالبها المعدنية على الإسفلت يصيب بالجنون من هنا صرخ طارق وهو يفتح غطاء بالوعة صرف صحي قديمة قفز في الظلام وطلب مني أن أتبعه نظرت خلفي الأضواء الحمراء للكلاب الآلية ظهرت في نهاية الممر لم أتردد قفزت في البالوعة المظلمة وسحبت الغطاء المعدني الثقيل فوقي سقطت في مياه قذرة وباردة الرائحة هنا كانت لا تطاق لكنها كانت رائحة النجاة المؤقتة أشعل طارق مصباحا صغيرا وأشار لي أن أتبعه في النفق الطويل أين نذهب سألته وأنا أرتجف من البرد والخوف إلى الملاذ الأخير مكان لا تصل إليه إشارات الماسح مشينا لساعات في أنفاق الصرف الصحي المعقدة كالمتاهة عقلي كان يدور في دوامة من التساؤلات هل يمكنني الوثوق بهذا الرجل ماذا لو كان يقودني إلى فخ أكبر من الغرفة البيضاء لكنني تذكرت رسالة ريتا وخوفي من فقدان قدرتي على الإحساس وصلنا أخيرا إلى باب معدني صدئ عليه رموز غريبة طرق طارق الباب بنمط محدد ثلاث طرقات سريعة ثم طرقتان بطيئتان انفتح الباب بصرير مزعج وكشف عن غرفة واسعة مضاءة بشموع خافتة كان هناك عشرات الأشخاص يجلسون في صمت يرتدون أسمالا بالية بعضهم كان يقرأ كتبا ورقية مهترئة وآخرون يكتبون على جدران الغرفة مرحبا بك في المقبرة قال طارق وهو يطفئ مصباحه هنا ندفن خوفنا ونحتفظ بذاكرتنا بعيدا عن عيون النظام نظرت حولي بدهشة هؤلاء الناس لا يبدون كأبطال بل كأشباح أشباح ترفض أن تمحى تقدمت نحوي امرأة عجوز بعينين حادتين وقدمت لي كأسا من سائل ساخن اشرب هذا سيساعدك على استعادة حرارة جسدك قالت بصوت حنون شربت السائل كان مر المذاق لكنه بعث الدفء في أطرافي المتجمدة الآن يا يحيى قال طارق وهو يجلس أمامي على صندوق خشبي أخبرني ماذا كتبت لريتا في تلك الرسالة ترددت قليلا هل أخبره بمشاعري التي لم أفهمها أنا نفسي بعد قلت لها إنني سأقاوم وسأجدها حتى لو كلفني ذلك حياتي ابتسم طارق ابتسامة حزينة ونظر إلى الأشخاص في الغرفة جميعنا هنا فقدنا أحباءنا خلف الجدار أو في الغرفة البيضاء التمرد ليس خيارا بل هو ضرورة للحفاظ على بقايانا البشرية غدا كان من المفترض أن تتلقى حقنة تثبيت المشاعر لكنك الآن هنا معنا وهذا يعني أنك أعلنت الحرب على النظام كيف يمكنني محاربة نظام يمتلك طائرات مسيرة وكلابا آلية وجيشا لا يقهر نحن لا نحاربهم بالأسلحة نحن نحاربهم بالذاكرة كل كلمة نقرأها كل رسالة نكتبها هي رصاصة في قلب النظام فجأة اهتزت الأرض تحت أقدامنا وسقط الغبار من السقف الإسمنتي انفجار عنيف وقع في مكان قريب جدا منا صرخ أحدهم في ركن الغرفة إنهم يحفرون لقد وجدونا حالة من الذعر سادت المكان الجميع بدأ يجمع أغراضه البسيطة ويركض طارق أخرج سلاحه ووجهه نحو الباب المعدني الذي دخلنا منه صوت حفارات آلية ضخمة يمزق الصمت ويقترب بسرعة مرعبة لقد تتبعوا بصمتك الحرارية يا يحيى قال طارق ونظرة الغضب في عينيه كيف لم أكن أعلم أن الماسح ترك أثرا على جسدي لا وقت للندم الآن يجب أن نخلي المقبرة فورا صرخت المرأة العجوز انشطر الباب المعدني فجأة بفعل شعاع ليزر حارق دخلت فرقة من قوات النخبة التابعة للنظام يرتدون دروعا بيضاء بالكامل هؤلاء ليسوا حراسا عاديين هؤلاء هم المحاؤون من يقع في أيديهم لا يذهب إلى الغرفة البيضاء بل يتم إعدامه فورا أطلق طارق النار من سلاحه المعدل وأصاب أحد المحائين في خوذته سقط الجندي لكن البقية فتحوا نارا كثيفة من أسلحة البلازما تناثرت الشظايا والكتب المحترقة في كل مكان صرخات الألم تملأ الغرفة اركض يا يحيى صرخ طارق وهو يغطي انسحابي نحو ممر ضيق في الخلف لم أرد أن أتركه لكنه دفعني بقوة وأغلق ممرا حديديا بيننا اهرب وابحث عن ريتا لا تدعهم يمحونك كانت آخر كلمات سمعتها منه ركضت في الممر الضيق والمظلم كجرذ محاصر ودموع العجز تحرق عيني أصوات إطلاق النار والانفجارات تبتعد خلفي لكن قلبي كان ينبض بجنون وصلت إلى نهاية الممر حيث يوجد سلم حديدي صدئ يصعد للأعلى تسلقت السلم بسرعة ودفعت الغطاء المعدني لأخرج إلى السطح وجدت نفسي في زقاق مهجور والمطر الأسود لا يزال يهطل نظرت حولي لا أعرف أين أنا في هذه المدينة الواسعة والموحشة أنا الآن هارب ومطلوب للعدالة ولا أملك سوى ملابسي المبللة وفجأة أضاءت شاشة عرض عملاقة في نهاية الشارع بصورتي واسمي المواطن يحيى رقم 404 مطلوب بتهمة الخيانة العظمى ونشر العاطفة الممنوعة مكافأة فورية لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض عليه حيا أو ميتا الشارع الذي كان فارغا بدأ يمتلئ بالعيون التي تنظر إلي من النوافذ المظلمة الجميع يبحث عن المكافأة في عالم الجوع واليأس تراجعت في الظل وحاولت التفكير في خطة للنجاة ليس لدي مكان أذهب إليه وغرفتي أصبحت فخا مميتا تذكرت الجدار وتذكرت ريتا إذا كان يجب أن أموت فليكن ذلك وأنا أحاول العبور إليها بدأت أركض من جديد في الأزقة المظلمة أتفادى الأضواء والكاميرات كل خطوة تقربني من الجدار تقربني من الموت المحقق أو الحرية المستحيلة لكن قبل أن أصل إلى نهاية الزقاق ظهر أمامي شخص يعترض طريقي شخص يرتدي معطفا أسود ويحمل سيفا لامعا يقطر منه سائل أزرق رفع رأسه ببطء والتقطت عيناه نظرتي المرعوبة لم يكن حارسا ولم يكن من المحائين ولم يكن من الأجواف كان يحمل ملامح لم أرها من قبل ملامح شخص من القطاع الذهبي هل أنت يحيى سألني بصوت هادئ ومخيف في نفس الوقت تسمرت في مكاني ولم أستطع النطق بكلمة واحدة ابتسم الشخص ابتسامة باردة ورفع سيفه نحوي لقد أرسلتني ريتا لأمحوك من الوجوداستيقظتُ، أو هكذا خُيّل لي. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان انبعاثاً قسرياً في عالمٍ خالٍ من الظلال. البياض.. كان أول ما واجهني هو ذلك البياض الوحشي الذي لا يكتفي بكونه لوناً، بل هو سلاح يهاجم شبكية العين، يمزق الأجفان ويحرق الأمل في رؤية أي شيء آخر. بياضٌ معقم، مثالي، وخالٍ من أي عيب بشرِي، لدرجة تجعلك تشتاق لقطرة واحدة من ذلك الوحل الأسود الذي يغطي أزقة القطاع السابع. كنتُ ممدداً على طاولة معدنية باردة، باردة لدرجة أنني شعرت بمعدنها يمتص حرارة جسدي، يحول دمي إلى بلورات ثلجية. أطرافي كانت مقيدة بأصفاد كهرومغناطيسية تنبض بضوء أزرق خافت؛ كلما حاولتُ تحريك إصبع واحد، كانت الأصفاد تضيق، تذكرني بأنني لم أعد أملك حتى حق الارتجاف. هنا، في "الغرفة البيضاء"، الصمت له وزن. إنه صمتٌ ثقيل، لزج، طنين مستمر يخرج من الجدران وكأنه صوت ملايين العقول التي تم إفراغها هنا قبلي. الصمت في كازا 2060 كان دائماً ملغماً بضجيج المصانع وأزيز الدرون، لكن الصمت هنا.. الصمت هنا هو صوت "العدم". "المواطن يحيى، كود 774-B، مرحباً بك في منزلك الجديد.. منزلك الأخير"، انبعث الصوت من كل مكان ولا مكان في آن واحد. ل
كانت الشاشة تومض بضوء أحمر شاحب، يختلج كنبضات قلب يحتضر. كلمة "تم الإرسال" بقيت معلقة في الفراغ الرقمي، كحكم إعدام وقعته بيدي منذ ثوانٍ. في "ديستوبية 2060"، مجرد الضغط على زر الإرسال نحو الجانب المحرم من المدينة هو إعلان حرب مفتوحة على النظام. جلست في شقتي المعتمة، أستمع لقطرات المطر الحمضي وهي تضرب النافذة الذكية. هل فعلتها حقاً؟ هل رددت عليها؟ البرودة تسري في أطرافي، ليس من طقس كازا المصطنع، بل من رعب ما اقترفته للتو. الشك بدأ ينهش جمجمتي كدودة معدنية. من تكون "ريتا"؟ هل هي حقيقة تتنفس وتتألم خلف هذا الجدار الإسمنتي العازل، أم مجرد خوارزمية ذكية؟ هل هي طعم رقمي صُمم بعناية لاصطياد "الخلايا المريضة" والمتمردة مثلي؟ تذكرت رسالتها الأخيرة. كانت كلماتها تنزف وجعاً حقيقياً، كأنها نُسجت من رسائل كافكا إلى ميلينا. "أنا أختنق في هذا الكمال المبرمج يا يحيى... ألا تشعر بالبرد مثلي؟". كلماتها لم تكن مجرد نص، كانت استغاثة غريق. كنت أحتاجها. كان ألمي يحتاج إلى ألمها ليتأكد أنه لا يزال حياً. "أنا قذر ومريض يا ريتا، والنظام يطاردني ليعالجني من إنسانيتي"، همست في داخلي. جسدي يرتجف من فك
الشاشة تومض ببرود في عتمة غرفتي المتهالكة، تلقي بظلال زرقاء شاحبة، مريضة، على جدران إسمنتية تقشر طلاؤها ليظهر معدن الصدأ تحتها كعروق ميتة. في الخارج، سماء "ديستوبية" لعام 2060 لا تمطر ماءً منذ سنوات. إنها تمطر ضجيجاً معدنياً لا ينقطع، ووميض إعلانات نيون ثلاثية الأبعاد تخترق شبكية العين حتى وأنت مغمض الجفنين. إعلانات تروج لـ "السعادة الكيميائية"، و"النسيان المريح"، و"الولاء المطلق للنظام". أجلس على كرسيي الدوار المكسور، وعمودي الفقري يتخذ شكل قوس الهزيمة. أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح القديمة ذات الأزرار الممسوحة. المؤشر على الشاشة ينبض كعرق مقطوع في رقبة محتضر، يطالبني باتخاذ قرار. يطالبني بخطوة نحو الهاوية. الرسالة المشفرة التي تركتها "ريتا" ما زالت تحرق شاشتي. كلماتها ليست مجرد حبر رقمي، بل هي حمض يذيب ما تبقى من خلايا عقلي السليمة التي برمجها النظام لتكون مطيعة. هل أرد؟ هل أكسر القاعدة الذهبية للبقاء في هذا العالم البلاستيكي؟ هل أضغط على هذا الزر اللعين وأعلن عن وجودي؟ النظام لا ينام أبداً. هنا في كازا، الهواء نفسه ملغم بخوارزميات الاستماع. طائرات "الدرون" الدقيقة المت
عيون النظام لاتنام الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفنجلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمةضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دميثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياةكل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتومزين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعداتالصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعبأفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والديتذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السريررأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقهعندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغلم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمتالآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخلهل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلهاهي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنالكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيفكانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث ع
الشيفرة الحمراء من تكون ريتاالسيف الأزرق يخترق قطرات المطر الأسود ويهوي نحو عنقيتراجعت إلى الخلف بحركة غريزية وسقطت على ظهري في الوحلنصل السيف ضرب الجدار الإسمنتي فأصدر شرارة زرقاء أعمت بصريمن أنت صرخت وأنا أزحف إلى الوراء محاولا الهروب من الموتالرجل ذو المعطف الأسود لم يجب بل رفع سيفه لضربة أخرىنهضت بصعوبة وركضت نحو حاوية نفايات لأحتمي بهاالسيف شطر الحاوية المعدنية إلى نصفين كأنها قطعة ورقالسائل الأزرق المقطر من النصل أذاب المعدن في ثوانلم ترسلك ريتا لقتلي قلت وأنا ألهث هذا فخ من النظامتوقف الرجل فجأة وأنزل سيفه المشتعل قليلاعيناه الباردتان تأملتاني من تحت قبعة معطفه المبلللو كنت من النظام لكنت الآن مجرد كومة من الرماد يا يحيىتقدم نحوي بخطوات بطيئة وأعاد السيف إلى غمد في ظهرهقال إنه سيمحوني ماذا كان يقصد بذلكأقصد محو هويتك الرقمية قال الرجل بصوت خافتأخرج جهازا صغيرا من جيبه ووجهه نحويالجهاز أطلق شعاعا غير مرئي جعل رقبتي تحترق بشدةوضعت يدي على مؤخرة عنقي حيث توجد شريحة الهوية الإجباريةالشريحة كانت تذوب تحت الجلد وتصدر أزيزا خافتالقد أتلفت شريحتك
مطاردة في الزقاق الميتجلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاءيدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعيكيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوعالوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجريجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ماوضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعيأنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطمأنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذلكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمنغدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاومسأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسحسأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتيطويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلهاأخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسورنظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبداتسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورةمصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحبيجب أن أتجنب كاميرات المراقبة ال







