Home / الرومانسية / رسائل المحو / الفصل الثاني : مطاردة في الزقاق الميت

Share

الفصل الثاني : مطاردة في الزقاق الميت

Author: أنومي
last update publish date: 2026-03-11 17:15:41

مطاردة في الزقاق الميت

جلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاء

​يدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعي

​كيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوع

​الوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجر

​يجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ما

​وضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعي

​أنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطم

​أنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذ

​لكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمن

​غدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاوم

​سأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسح

​سأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتي

​طويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلها

​أخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسور

​نظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبدا

​تسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورة

​مصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحب

​يجب أن أتجنب كاميرات المراقبة الحرارية المثبتة في كل زاوية

​حفظت توقيت دورانها منذ سنوات إنها تدور كل خمس عشرة ثانية

​انتظرت في الظل حتى استدارت العدسة الحمراء نحو الجدار

​ركضت بخفة نحو السلالم متجنبا المصعد الذي يسجل بيانات الركاب

​النزول من الطابق الأربعين عبر السلالم المظلمة كان مرهقا

​في الطابق العشرين سمعت أصواتا جعلت الدم يتجمد في عروقي

​كانوا حراس النظام يسحبون رجلا من جيراني نحو الأسفل

​الرجل لم يكن يصرخ ولم يكن يقاوم على الإطلاق

​كانت عيناه فارغتين تماما ووجهه خاليا من أي تعبير

​لقد أعادوه للتو من الغرفة البيضاء لقد أصبح أجويا بلا ذاكرة

​تراجعت إلى الوراء وضغطت جسدي ضد الجدار الإسمنتي البارد

​مروا بجانبي على بعد خطوات قليلة رائحة الموت النفسي تفوح منهم

​لو اكتشفوا وجودي هنا خارج غرفتي في وقت حظر التجول سألقى نفس المصير

​حبست أنفاسي حتى اختفت أصوات خطواتهم الثقيلة في الأسفل

​أكملت طريقي نحو المخرج الخلفي للمبنى المخصص لعمال النظافة الآليين

​باب المخرج كان مقفلا بشيفرة إلكترونية معقدة

​لكنني كنت أعرف ثغرة تركها العمال المتمردون قبل إعدامهم العام الماضي

​أدخلت سلكا معدنيا رفيعا في لوحة التحكم وقمت بتوصيل الدائرتين

​صدرت شرارة زرقاء خافتة ثم انفتح الباب ببطء وبدون صوت

​خرجت إلى شوارع كازا 2050 المطر الأسود كان لا يزال يهطل بغزارة

​المطر هنا ليس ماء طبيعيا بل مزيج من المواد الكيميائية وغبار المصانع

​رفعت ياقة معطفي لأحمي وجهي من القطرات الحارقة

​المدينة كانت تبدو كوحش نائم يتنفس أضواء النيون الحمراء والزرقاء

​شاشات العرض العملاقة المعلقة على ناطحات السحاب تبث رسائل النظام

​الطاعة هي الحرية المشاعر هي الضعف النظام يحميكم

​كلمات كاذبة تتكرر في كل زاوية لتغسل أدمغة من تبقى من البشر

​يجب أن أصل إلى الجدار العازل قبل الساعة الثالثة فجرا

​اخترت المشي في الأزقة الضيقة المليئة بالنفايات المعدنية

​تجنبت الشوارع الرئيسية حيث تقوم دوريات الآليين بمسح هويات المارة

​كل خطوة أخطوها كانت محفوفة بخطر الموت أو ما هو أسوأ من الموت

​فجأة سمعت صوت طائرة مسيرة تقترب من الأعلى

​كانت من النوع المتطور المزود بمستشعرات النبض والحرارة

​رميت نفسي خلف أكوام من الأنابيب الصدئة وتكورت على نفسي

​حاولت إبطاء دقات قلبي تذكرت تقنيات التنفس التي علمها لي والدي

​والدي الذي اختفى في الغرفة البيضاء ولم يعد أبدا

​ضوء الكشاف الأزرق للطائرة اخترق الزقاق وبدأ يمسح الأنابيب

​مر الضوء فوقي مباشرة شعرت بحرارته تخترق معطفي

​أغمضت عيني وتخيلت وجه ريتا رغم أنني لم أرها في حياتي

​تخيلت صوتا رقيقا يهمس باسمي لتهدئة رعبي

​نجحت الحيلة نبضاتي استقرت والطائرة واصلت طريقها دون أن ترصدني

​نهضت بسرعة وواصلت الركض نحو المنطقة الصناعية المهجورة

​هذه المنطقة قريبة جدا من الجدار وتعتبر منطقة محظورة بالكامل

​الأرض هنا مليئة بالحفر والوحل السام الذي يلتهم الأحذية

​وصلت إلى مشارف الجدار الفاصل الهيكل الأسود المرعب

​كان الجدار يرتفع لمئات الأمتار في السماء يفصل عالمنا عن القطاع الذهبي

​الجدار مغطى بأسلاك شائكة مكهربة وكاميرات حرارية وأبراج قنص آلية

​كيف يمكنني الاقتراب من هذا الوحش الإسمنتي دون أن أتحول إلى رماد

​تذكرت المكان الذي وجدت فيه الكتاب أمس

​كان عبارة عن فجوة صغيرة في قاعدة الجدار خلف إحدى محطات توليد الطاقة المهجورة

​تسللت بين المولدات الضخمة التي لم تعد تعمل منذ عقود

​الظلام هنا كان كثيفا لدرجة أنني كنت أتحسس طريقي بيدي

​سمعت صوت خطوات تقترب التفت بسرعة باحثا عن مخبأ

​لم يكن حارسا بل كان شخصا من الأجواف يعيش في هذه الخرائب

​كان يرتدي أسمالا بالية ويمشي بلا هدى كأنه شبح

​مر بجانبي دون أن يلاحظني عيناه كانتا مثبتتين على الفراغ

​هذا هو مصيري غدا إذا لم أنجح في إيقاف حقنة المشاعر

​نفضت الفكرة المرعبة من رأسي وركزت على الفجوة في الجدار

​وجدتها أخيرا كانت مغطاة بقطعة من الصفيح الصدئ

​أزحت الصفيح بحذر شديد حتى لا أصدر أي ضجيج

​أدخلت يدي المرتجفة في الفتحة الباردة والمظلمة

​أخرجت رسالتي من جيبي ووضعتها في الداخل حيث وجدت كتاب كافكا

​أرجو أن تجديها يا ريتا همست في الظلام الدامس

​شعرت براحة غريبة وكأنني ألقيت عن كاهلي جبلا من اليأس

​الآن يجب أن أعود إلى غرفتي قبل شروق الشمس وأستعد للمواجهة

​استدرت لأغادر المكان وأعود من حيث أتيت

​لكن فجأة سمعت صوتا جعل الدماء تتجمد في عروقي مرة أخرى

​صوت نقرة معدنية واضحة خلف ظهري مباشرة

​نقرة تشبه تماما صوت سحب أجزاء سلاح ناري

​تصلب جسدي بالكامل ولم أجرؤ على الالتفات

​هل كان فخا منذ البداية هل ريتا مجرد طعم من النظام لاصطياد المتمردين

​ضوء أحمر صغير ظهر فجأة واستقر على صدري

​ضوء مؤشر التصويب لليزر القناصة الآلية

​لا تتحرك قيد أنملة يا يحيى قال صوت بشري خشن من خلفي

​لم يكن صوتا آليا كان صوت رجل حي يتنفس بصعوبة

​ارفع يديك ببطء واستدر لتواجهني تابع الصوت المجهول

​رفعت يدي فوق رأسي واستدرت ببطء شديد

​في الظلام استطعت تمييز ملامح رجل ضخم يرتدي معطفا طويلا

​لم يكن يرتدي زي حراس النظام بل ملابس مدنية ممزقة

​كان يوجه سلاحا غريبا ومعدلا يدويا نحو قلبي مباشرة

​من أنت سألت بصوت حاولت أن أجعله ثابتا

​أنا من سيقرر ما إذا كنت ستعيش الليلة أم تموت قال الرجل مقتربا مني

​أشعل مصباحا صغيرا ووجهه نحو الفجوة في الجدار

​لقد وضعت شيئا هنا ماذا كان هل هي رسالة للقطاع الذهبي

​كيف تعرف عن الرسائل سألته وأنا أتراجع خطوة إلى الوراء

​لا توجد أسرار في هذه المدينة الميتة خاصة إذا كنت تراقب الجدار

​أمسك الرجل بياقة معطفي وجذبني نحوه بقوة هائلة

​إذا كنت تعمل لصالح النظام لتوقع بنا فهذه نهايتك يا فتى

​لست من النظام صرخت بصوت مكتوم أنا مجرد عامل

​عامل يقرأ كافكا ويراسل فتيات القطاع الذهبي هذا مثير للاهتمام

​ترك ياقتی ونظر إلى السلاح في يده كأنه يفكر في شيء ما

​غدا موعد حقنتك أليس كذلك لقد سمعت الحراس يهددونك

​نعم قلتها وأنا أشعر باليأس يبتلعني غدا سأفقد كل شيء

​ابتسم الرجل ابتسامة قاسية أظهرت أسنانه الصفراء

​إذا يجب أن نتحرك بسرعة قبل أن يحولك النظام إلى حشرة مطيعة

​ماذا تقصد سألته والارتباك يعصف بعقلي

​أقصد أنك لست الوحيد الذي يبحث عن ريتا ولست الوحيد الذي يكره الجدار

​هل تعرفها اتسعت عيناي من الدهشة والأمل

​أعرف الكثير من الأشياء وأعرف كيف نعبر إلى الجانب الآخر

​كلماته وقعت كالصاعقة على مسامعي عبور الجدار مستحيل تماما

​كل من حاول العبور تم شطره إلى نصفين بأشعة الليزر

​لا يوجد مستحيل لمن فقد كل شيء للتو أصبحنا حلفاء يا يحيى

​مد يده الخشنة نحوي وكانت مليئة بالندوب والحروق القديمة

​اسمي طارق وأنا قائد خلية المقاومة في القطاع السابع

​المقاومة كنت أظن أنها مجرد خرافة يروجها النظام لتبرير القمع

​النظام يريدك أن تظن ذلك لكننا موجودون ونحن نراقبك منذ أن التقطت الكتاب

​أنت من وضع الكتاب هناك سألته مصدوما

​لا ريتا هي من فعلت ذلك نحن فقط نؤمن طريق الرسائل

​لماذا تساعدونني ماذا تريدون مني

​لأنك تمتلك شيئا نادرا في هذه المدينة أنت تمتلك دافعا للتمرد

​الحب هو أقوى دافع لتدمير هذا النظام المتعفن

​فجأة انطلقت صافرات الإنذار في جميع أنحاء المنطقة الصناعية

​أضواء كاشفة ضخمة اشتعلت في السماء تتقاطع باحثة عن متسللين

​لقد رصدوا حركتنا علينا الهروب فورا صرخ طارق وهو يركض

​تبعته دون تفكير لم يكن لدي خيار آخر العودة تعني حقنة المحو

​ركضنا عبر مصنع مهجور للمواد الكيميائية رائحة الأسيد تخنق الأنفاس

​الكلاب الآلية التابعة للنظام بدأت تعوي في الخارج تقترب بسرعة

​صوت مخالبها المعدنية على الإسفلت يصيب بالجنون

​من هنا صرخ طارق وهو يفتح غطاء بالوعة صرف صحي قديمة

​قفز في الظلام وطلب مني أن أتبعه

​نظرت خلفي الأضواء الحمراء للكلاب الآلية ظهرت في نهاية الممر

​لم أتردد قفزت في البالوعة المظلمة وسحبت الغطاء المعدني الثقيل فوقي

​سقطت في مياه قذرة وباردة الرائحة هنا كانت لا تطاق

​لكنها كانت رائحة النجاة المؤقتة

​أشعل طارق مصباحا صغيرا وأشار لي أن أتبعه في النفق الطويل

​أين نذهب سألته وأنا أرتجف من البرد والخوف

​إلى الملاذ الأخير مكان لا تصل إليه إشارات الماسح

​مشينا لساعات في أنفاق الصرف الصحي المعقدة كالمتاهة

​عقلي كان يدور في دوامة من التساؤلات هل يمكنني الوثوق بهذا الرجل

​ماذا لو كان يقودني إلى فخ أكبر من الغرفة البيضاء

​لكنني تذكرت رسالة ريتا وخوفي من فقدان قدرتي على الإحساس

​وصلنا أخيرا إلى باب معدني صدئ عليه رموز غريبة

​طرق طارق الباب بنمط محدد ثلاث طرقات سريعة ثم طرقتان بطيئتان

​انفتح الباب بصرير مزعج وكشف عن غرفة واسعة مضاءة بشموع خافتة

​كان هناك عشرات الأشخاص يجلسون في صمت يرتدون أسمالا بالية

​بعضهم كان يقرأ كتبا ورقية مهترئة وآخرون يكتبون على جدران الغرفة

​مرحبا بك في المقبرة قال طارق وهو يطفئ مصباحه

​هنا ندفن خوفنا ونحتفظ بذاكرتنا بعيدا عن عيون النظام

​نظرت حولي بدهشة هؤلاء الناس لا يبدون كأبطال بل كأشباح

​أشباح ترفض أن تمحى

​تقدمت نحوي امرأة عجوز بعينين حادتين وقدمت لي كأسا من سائل ساخن

​اشرب هذا سيساعدك على استعادة حرارة جسدك قالت بصوت حنون

​شربت السائل كان مر المذاق لكنه بعث الدفء في أطرافي المتجمدة

​الآن يا يحيى قال طارق وهو يجلس أمامي على صندوق خشبي

​أخبرني ماذا كتبت لريتا في تلك الرسالة

​ترددت قليلا هل أخبره بمشاعري التي لم أفهمها أنا نفسي بعد

​قلت لها إنني سأقاوم وسأجدها حتى لو كلفني ذلك حياتي

​ابتسم طارق ابتسامة حزينة ونظر إلى الأشخاص في الغرفة

​جميعنا هنا فقدنا أحباءنا خلف الجدار أو في الغرفة البيضاء

​التمرد ليس خيارا بل هو ضرورة للحفاظ على بقايانا البشرية

​غدا كان من المفترض أن تتلقى حقنة تثبيت المشاعر

​لكنك الآن هنا معنا وهذا يعني أنك أعلنت الحرب على النظام

​كيف يمكنني محاربة نظام يمتلك طائرات مسيرة وكلابا آلية وجيشا لا يقهر

​نحن لا نحاربهم بالأسلحة نحن نحاربهم بالذاكرة

​كل كلمة نقرأها كل رسالة نكتبها هي رصاصة في قلب النظام

​فجأة اهتزت الأرض تحت أقدامنا وسقط الغبار من السقف الإسمنتي

​انفجار عنيف وقع في مكان قريب جدا منا

​صرخ أحدهم في ركن الغرفة إنهم يحفرون لقد وجدونا

​حالة من الذعر سادت المكان الجميع بدأ يجمع أغراضه البسيطة ويركض

​طارق أخرج سلاحه ووجهه نحو الباب المعدني الذي دخلنا منه

​صوت حفارات آلية ضخمة يمزق الصمت ويقترب بسرعة مرعبة

​لقد تتبعوا بصمتك الحرارية يا يحيى قال طارق ونظرة الغضب في عينيه

​كيف لم أكن أعلم أن الماسح ترك أثرا على جسدي

​لا وقت للندم الآن يجب أن نخلي المقبرة فورا صرخت المرأة العجوز

​انشطر الباب المعدني فجأة بفعل شعاع ليزر حارق

​دخلت فرقة من قوات النخبة التابعة للنظام يرتدون دروعا بيضاء بالكامل

​هؤلاء ليسوا حراسا عاديين هؤلاء هم المحاؤون

​من يقع في أيديهم لا يذهب إلى الغرفة البيضاء بل يتم إعدامه فورا

​أطلق طارق النار من سلاحه المعدل وأصاب أحد المحائين في خوذته

​سقط الجندي لكن البقية فتحوا نارا كثيفة من أسلحة البلازما

​تناثرت الشظايا والكتب المحترقة في كل مكان صرخات الألم تملأ الغرفة

​اركض يا يحيى صرخ طارق وهو يغطي انسحابي نحو ممر ضيق في الخلف

​لم أرد أن أتركه لكنه دفعني بقوة وأغلق ممرا حديديا بيننا

​اهرب وابحث عن ريتا لا تدعهم يمحونك كانت آخر كلمات سمعتها منه

​ركضت في الممر الضيق والمظلم كجرذ محاصر ودموع العجز تحرق عيني

​أصوات إطلاق النار والانفجارات تبتعد خلفي لكن قلبي كان ينبض بجنون

​وصلت إلى نهاية الممر حيث يوجد سلم حديدي صدئ يصعد للأعلى

​تسلقت السلم بسرعة ودفعت الغطاء المعدني لأخرج إلى السطح

​وجدت نفسي في زقاق مهجور والمطر الأسود لا يزال يهطل

​نظرت حولي لا أعرف أين أنا في هذه المدينة الواسعة والموحشة

​أنا الآن هارب ومطلوب للعدالة ولا أملك سوى ملابسي المبللة

​وفجأة أضاءت شاشة عرض عملاقة في نهاية الشارع بصورتي واسمي

​المواطن يحيى رقم 404 مطلوب بتهمة الخيانة العظمى ونشر العاطفة الممنوعة

​مكافأة فورية لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض عليه حيا أو ميتا

​الشارع الذي كان فارغا بدأ يمتلئ بالعيون التي تنظر إلي من النوافذ المظلمة

​الجميع يبحث عن المكافأة في عالم الجوع واليأس

​تراجعت في الظل وحاولت التفكير في خطة للنجاة

​ليس لدي مكان أذهب إليه وغرفتي أصبحت فخا مميتا

​تذكرت الجدار وتذكرت ريتا

​إذا كان يجب أن أموت فليكن ذلك وأنا أحاول العبور إليها

​بدأت أركض من جديد في الأزقة المظلمة أتفادى الأضواء والكاميرات

​كل خطوة تقربني من الجدار تقربني من الموت المحقق أو الحرية المستحيلة

​لكن قبل أن أصل إلى نهاية الزقاق ظهر أمامي شخص يعترض طريقي

​شخص يرتدي معطفا أسود ويحمل سيفا لامعا يقطر منه سائل أزرق

​رفع رأسه ببطء والتقطت عيناه نظرتي المرعوبة

​لم يكن حارسا ولم يكن من المحائين ولم يكن من الأجواف

​كان يحمل ملامح لم أرها من قبل ملامح شخص من القطاع الذهبي

​هل أنت يحيى سألني بصوت هادئ ومخيف في نفس الوقت

​تسمرت في مكاني ولم أستطع النطق بكلمة واحدة

​ابتسم الشخص ابتسامة باردة ورفع سيفه نحوي

​لقد أرسلتني ريتا لأمحوك من الوجود

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل المحو    الفصل السابع: الغرفة البيضاء (بداية التعذيب)

    ​استيقظتُ، أو هكذا خُيّل لي. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان انبعاثاً قسرياً في عالمٍ خالٍ من الظلال. البياض.. كان أول ما واجهني هو ذلك البياض الوحشي الذي لا يكتفي بكونه لوناً، بل هو سلاح يهاجم شبكية العين، يمزق الأجفان ويحرق الأمل في رؤية أي شيء آخر. بياضٌ معقم، مثالي، وخالٍ من أي عيب بشرِي، لدرجة تجعلك تشتاق لقطرة واحدة من ذلك الوحل الأسود الذي يغطي أزقة القطاع السابع. ​كنتُ ممدداً على طاولة معدنية باردة، باردة لدرجة أنني شعرت بمعدنها يمتص حرارة جسدي، يحول دمي إلى بلورات ثلجية. أطرافي كانت مقيدة بأصفاد كهرومغناطيسية تنبض بضوء أزرق خافت؛ كلما حاولتُ تحريك إصبع واحد، كانت الأصفاد تضيق، تذكرني بأنني لم أعد أملك حتى حق الارتجاف. ​هنا، في "الغرفة البيضاء"، الصمت له وزن. إنه صمتٌ ثقيل، لزج، طنين مستمر يخرج من الجدران وكأنه صوت ملايين العقول التي تم إفراغها هنا قبلي. الصمت في كازا 2060 كان دائماً ملغماً بضجيج المصانع وأزيز الدرون، لكن الصمت هنا.. الصمت هنا هو صوت "العدم". ​"المواطن يحيى، كود 774-B، مرحباً بك في منزلك الجديد.. منزلك الأخير"، انبعث الصوت من كل مكان ولا مكان في آن واحد. ل

  • رسائل المحو    الفصل السادس : اقتحام مفاجئ (رائحة الخيانة)

    كانت الشاشة تومض بضوء أحمر شاحب، يختلج كنبضات قلب يحتضر. كلمة "تم الإرسال" بقيت معلقة في الفراغ الرقمي، كحكم إعدام وقعته بيدي منذ ثوانٍ. في "ديستوبية 2060"، مجرد الضغط على زر الإرسال نحو الجانب المحرم من المدينة هو إعلان حرب مفتوحة على النظام. ​جلست في شقتي المعتمة، أستمع لقطرات المطر الحمضي وهي تضرب النافذة الذكية. هل فعلتها حقاً؟ هل رددت عليها؟ البرودة تسري في أطرافي، ليس من طقس كازا المصطنع، بل من رعب ما اقترفته للتو. ​الشك بدأ ينهش جمجمتي كدودة معدنية. من تكون "ريتا"؟ هل هي حقيقة تتنفس وتتألم خلف هذا الجدار الإسمنتي العازل، أم مجرد خوارزمية ذكية؟ هل هي طعم رقمي صُمم بعناية لاصطياد "الخلايا المريضة" والمتمردة مثلي؟ ​تذكرت رسالتها الأخيرة. كانت كلماتها تنزف وجعاً حقيقياً، كأنها نُسجت من رسائل كافكا إلى ميلينا. "أنا أختنق في هذا الكمال المبرمج يا يحيى... ألا تشعر بالبرد مثلي؟". كلماتها لم تكن مجرد نص، كانت استغاثة غريق. ​كنت أحتاجها. كان ألمي يحتاج إلى ألمها ليتأكد أنه لا يزال حياً. "أنا قذر ومريض يا ريتا، والنظام يطاردني ليعالجني من إنسانيتي"، همست في داخلي. جسدي يرتجف من فك

  • رسائل المحو    الفصل الخامس: الخطأ القاتل (الرد على الرسالة)

    ​الشاشة تومض ببرود في عتمة غرفتي المتهالكة، تلقي بظلال زرقاء شاحبة، مريضة، على جدران إسمنتية تقشر طلاؤها ليظهر معدن الصدأ تحتها كعروق ميتة. ​في الخارج، سماء "ديستوبية" لعام 2060 لا تمطر ماءً منذ سنوات. إنها تمطر ضجيجاً معدنياً لا ينقطع، ووميض إعلانات نيون ثلاثية الأبعاد تخترق شبكية العين حتى وأنت مغمض الجفنين. إعلانات تروج لـ "السعادة الكيميائية"، و"النسيان المريح"، و"الولاء المطلق للنظام". ​أجلس على كرسيي الدوار المكسور، وعمودي الفقري يتخذ شكل قوس الهزيمة. أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح القديمة ذات الأزرار الممسوحة. المؤشر على الشاشة ينبض كعرق مقطوع في رقبة محتضر، يطالبني باتخاذ قرار. يطالبني بخطوة نحو الهاوية. ​الرسالة المشفرة التي تركتها "ريتا" ما زالت تحرق شاشتي. كلماتها ليست مجرد حبر رقمي، بل هي حمض يذيب ما تبقى من خلايا عقلي السليمة التي برمجها النظام لتكون مطيعة. ​هل أرد؟ هل أكسر القاعدة الذهبية للبقاء في هذا العالم البلاستيكي؟ هل أضغط على هذا الزر اللعين وأعلن عن وجودي؟ ​النظام لا ينام أبداً. هنا في كازا، الهواء نفسه ملغم بخوارزميات الاستماع. طائرات "الدرون" الدقيقة المت

  • رسائل المحو    الفصل الرابع : عيون النظام لاتنام

    عيون النظام لاتنام الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفن​جلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمة​ضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دمي​ثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياة​كل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتوم​زين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعدات​الصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعب​أفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والدي​تذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السرير​رأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقه​عندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغ​لم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمت​الآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخل​هل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلها​هي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنا​لكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيف​كانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث ع

  • رسائل المحو    الفصل الثالث : الشيفرة الحمراء من تكون ريتا

    الشيفرة الحمراء من تكون ريتاالسيف الأزرق يخترق قطرات المطر الأسود ويهوي نحو عنقي​تراجعت إلى الخلف بحركة غريزية وسقطت على ظهري في الوحل​نصل السيف ضرب الجدار الإسمنتي فأصدر شرارة زرقاء أعمت بصري​من أنت صرخت وأنا أزحف إلى الوراء محاولا الهروب من الموت​الرجل ذو المعطف الأسود لم يجب بل رفع سيفه لضربة أخرى​نهضت بصعوبة وركضت نحو حاوية نفايات لأحتمي بها​السيف شطر الحاوية المعدنية إلى نصفين كأنها قطعة ورق​السائل الأزرق المقطر من النصل أذاب المعدن في ثوان​لم ترسلك ريتا لقتلي قلت وأنا ألهث هذا فخ من النظام​توقف الرجل فجأة وأنزل سيفه المشتعل قليلا​عيناه الباردتان تأملتاني من تحت قبعة معطفه المبلل​لو كنت من النظام لكنت الآن مجرد كومة من الرماد يا يحيى​تقدم نحوي بخطوات بطيئة وأعاد السيف إلى غمد في ظهره​قال إنه سيمحوني ماذا كان يقصد بذلك​أقصد محو هويتك الرقمية قال الرجل بصوت خافت​أخرج جهازا صغيرا من جيبه ووجهه نحوي​الجهاز أطلق شعاعا غير مرئي جعل رقبتي تحترق بشدة​وضعت يدي على مؤخرة عنقي حيث توجد شريحة الهوية الإجبارية​الشريحة كانت تذوب تحت الجلد وتصدر أزيزا خافتا​لقد أتلفت شريحتك

  • رسائل المحو    الفصل الثاني : مطاردة في الزقاق الميت

    مطاردة في الزقاق الميتجلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاء​يدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعي​كيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوع​الوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجر​يجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ما​وضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعي​أنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطم​أنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذ​لكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمن​غدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاوم​سأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسح​سأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتي​طويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلها​أخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسور​نظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبدا​تسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورة​مصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحب​يجب أن أتجنب كاميرات المراقبة ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status