Masukارتفع صخب الانفجار الكوني ليعلن ذوبان آخر الحصون الحجرية لعرين السيوفي تحت ألسنة لهب غاشمة شقت عنان السماء الشتوية. لم يكن مجرد عصف غازي انطلق من خزانات القصر؛ بل كان جحيماً مستعراً صهر رخام الجناح الرئيسي وجعل جدرانه الشاهقة تتهاوى كقطع من ورق محترق تذروه الرياح. قذفت موجة الضغط العاتية بالأجساد في فضاء مشبع بأبخرة البارود السوداء والغبار الكثيفي، لتطبق العتمة الممزوجة باللون البرتقالي الحارق على أرجاء المكان، معلنةً انصهار شريعة الأب، وتملّك النمر، وقانون الدولة في ساحة إبادة واحدة.
سقطتُ وسط الركام الملتهب، وجسدي المنهك بفستانه القطيفة ورداء المخمل الأسود يرتجف بعنف يكاد يقتلع روحي من أطرافها. كانت جروح ذراعيّ النازفتين إثر الرصاصة الأخيرة ونصل آسر القديم تنبض بحرارة لافحة امتزجت بمياه المطر القارسة التي بدأت تنهمر بغزارة عبر السقف الشاهق الذي انهار بالكامل. كدتُ أستسلم لتلك الظلمة المطبقة وأغلق عينيّ للأبد، لولا تلك الذراع الضخمة، القوية والحارة كالجمر، التي التفت حول خصري بعنف تملكٍ شرس لم تفرضه نيران أو زلازل.
كان مراد السيوفي قد جعل من عرض منكبيه الضخمين وجسده الطاغي درعاً فولاذياً تلقى عنه عصف الانفجار بأكمله. انبعث من بين الحطام والنيران المتصاعدة كالنمر الجريح الذي زادته الدماء شراسة وجبروتاً؛ قميصه الأسود الفاخر قد تفتت تماماً وامتزج بلحمه النازف، وجرح كتفه الخلفي يتدفق منه الدم القرمزي الدافئ ليلوث بشرته السمراء المحترقة. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تشتعلان بنيران غيرة عمياء وجنون تملكٍ لا يرحم؛ فكرة أن والده، الطاغية الأكبر، قد تجرأ على سفك دمي وإحراق عرينه لأجل تدمير كبريائه، جعلت عقله يتجرد من آخر ذرات الإنسانية ويستحيل إلى آلة فتك لا تبقي ولا تذر.
جثا مراد على ركبتيه وسط الأنقاض المشتعلة، وأحكم قبضته حول قفاي، جاذباً جسدي المرتجف ليلتصق بصدره العريض والصلب كالجدار الرخامي. وضع كفه الدافئة ليمسح الغبار الملوث بدماء وجنتيّ بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة في عروقي الضعيفة، وانحنى بقامته الفارهة حتى غمر وجهه في عنقي المكشوف، واستنشق عبيري الممزوج برائحة الموت بعمق قاتل سلبني القدرة على التفكير العقلاني.
"ليلى! افتحي عينيكِ يا قطتي الفاتنة!" همس بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية مخدرة للحواس تغلغلت في أعمق خلايا روحي، "أقسم بجلال الله وبكل رصاصة صنعت مملكتي.. لو انطبقت أسوار هذا الكون، فلن تخرج قطعة من روحكِ من قبضة يدي. أنتِ لي.. دمي، ولحمي، وحرمي الخاص، وسأعلم عاصم والدولة بأكملها الليلة كيف يكون انتقام النمر عندما تُجرح أنثاه!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بالشغف المظلم والتحدي المطلق، وشعرت بجاذبيته الكهربائية تسلبني وعيي بالألم، ووضعتُ كفي الصغيرة الملوثة بدمي فوق وجنته النحيتة وقُلت بأنفاس متقطعة:
"أنا معك يا مراد.. روحي انصهرت بوجدانك.. لا تتركني لظلامهم."
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم البارود والدماء بلهيب العشق الشرس والتملك الذي لا يعرف الهوادة، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلتني أتشبث بكتفيه بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لقدرنا المظلم وسط النيران.
وفي ذات اللحظات المشحونة بالأدرينالين الخالص، ومن وسط الدخان الرمادي المتصاعد عند الأنقاض الغربية للجناح، نفض الجنرال عاصم السيوفي الغبار عن معطف الفراء الروسي الداكن الثمين. وقف بكامل قامته الفارهة وجبروت منكبيه، ممسكاً بمسدسه الـ (ماكاروف) الكلاسيكي بيد ثابتة لا تعرف الارتجاف رغماً عن الشظايا التي حرقت وجنته القاسية. عيناه الصقريتان الرماديتان كانتا تقطران ببرود مميت وخالٍ تماماً من أي عاطفة بشرية وهو يرى ابنه الأصغر يفضل الموت والانصهار مع أنثاه على الانصياع لأوامر المجلس الأعلى للمافيا العالمية.
"مراد.. عنادك العاطفي هذا هو ما سيصنع مقبرتك الليلة،" قال عاصم بصوته الرخيم، الأجش والعميق للغاية، صوت يحمل برودة مقابر سيبيريا والخراب، "لقد أثبتَّ أنك تلميذ طائش تقوده غرائزه تملكه لدمية تافهة. وقوف الفتاة في مواجهة الرصاص لحمايتك للمرة الثالثة يؤكد أنها الداء الذي يجب بتره فوراً لتستعيد وحشيتك وزعامتك الشرعية. تنحَّ عنها وضَع مسدسك الفضي أرضاً، فشريعاني سأطبقها فوق جثتك وجثتها معاً إن لم تنصع للعهد القديم."
تحرك عاصم خطوة واسعة للأمام ليدوي حذاؤه الثقيل فوق الرخام المحطم بنبرة قاطعة كالقضاء، وتلا ذلك تحرك سريع وصامت لسفاحي المافيا الدولية المتبقين خلفه، حيث رفعوا بنادقهم الأوتوماتيكية دفعة واحدة وثبتوا مؤشرات الليزر الحمراء والبيضاء بدقة مرعبة فوق صدر مراد العريض وجبهته النحيتة، لتحول الغرفة المحترقة إلى ساحة إعدام موقوتة.
ولم ينطق مراد بكلمة؛ بل ارتسمت على شفتيّه الحادتين ابتسامة جانية، حادّة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي الذي لا ينحني. وقف بكامل طوله وجبروت منكبيه، واضعاً إياي خلف ظهره العريض كدرع بشري لا يمكن اختراقه، ورفع مسدسه الفضي اللامع بيده اليمنى، وعيناه تشعان ببريق وحش يستعد لتمزيق صياده الأكبر.
"عاصم السيوفي،" صاح مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته حملت وعيداً حارقاً وجاذبية هزت أركان الجناح، "شريعتك القديمة قد دُفنت تحت هذا الرماد. أنا النمر الذي يقود هذا العرين الآن، ومن يفكر في انتزاع قطعة من روحي.. سأنتزع قلبه بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل، حتى لو كان والدي الذي علمني القتل. الحرب بيني وبينك قد بدأت للتو، ولن يخرج أحد من هذا الوكر حياً بعد أن أبكيتم ليلى!"
لكن خيوط المؤامرة المعقدة لم تترك للجبابرة متسعاً من الوقت للحديث؛ إذ انشقت الأرض فجأة بدخول المستشار أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي الطويل الممزق والملوث بالدماء والرماد، ومعه جيش من قوات الصاعقة والنخبة الرسمية للدولة! انتشروا بآلية صامتة وحازمة ليطوقوا رجال عاصم ومراد معاً في حزام نيران دائري لا ثغرة فيه، شاهرين أسلحتهم الثقيلة لفرض قانون الدولة وحماية دم عائلتهم المتمثلة فيّ أنا.
"عاصم السيوفي.. عودتك الليلة لتصفية حسابات المافيا فوق أرض العاصمة هي إعلان حرب على الدولة،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة العسكرية التي لا تنحني، "ليلى تحمل دم الجارحي الآن، وهي الوريثة الشرعية الوحيدة لنفوذنا وثروتنا. قانون الدولة لا يعترف بشريعتك القديمة ولا بتملك مراد الطائش؛ جئتُ لأنتزع ابنة عمي وأعيدها لحصونها الرسمية، وسأبيد هذا القصر فوق رؤوسكم إن حرك أحدكم أنملة واحدة نحو سلاحه."
ساد الجناح الملكي توترٌ خانق يكاد يُرى بالعين المجردة؛ صراعٌ ثلاثي بين شريعة الأب الطاغية، وتملك النمر الشرس لحرمه، وقانون الدولة الصارم المحيط بالجميع. تداخلت مؤشرات الليزر الحمراء والبيضاء والزرقاء فوق الجباه والصدور، لتحول الغرفة المشتعلة إلى ساحة حرب شاملة معلقة على رصاصة واحدة خاطفة للأنفاس.
انقض مراد كالإعصار المدمر، وفي ذات الجزء من الثانية، اندفع أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي الطويل ومدفعه الرشاش، وتلاحما معاً في هجوم مشترك وشرس ضد الجنرال عاصم وسفاحيه؛ توحدت غريزة النمر وقوة الدولة في ساحة نيران واحدة لحماية دم ليلى وحرمها الفاتن. انطلقت الرصاصات من كل حدب وصوب لتشعل ساحة الرخام بنيران الحرب الشاملة والنهائية؛ اختلط رصاص المافيا الدولية برصاص الدولة ورصاص النمر الشرس، وتطايرت شرفات البارود والشظايا الحارقة في الهواء كالمطر الأسود.
جثا مراد على ركبتيه وسط معمعة الرصاص، وأحاط خصري بذراعه الضخمة بجنون مفرط وشغف عارم، ورفع وجهي الشاحب الذي بات كلون الأموات ليلتقي جحيم عينيه بعنيّ، وضغط بكفه الكبيرة فوق جرح ذراعي النازف محاولاً كتم الدماء وهو يصرخ بصوته الجهوري المبحوح:
"ليلى! ليلى انظري إليّ! كيف تتجرأين على تلقي الموت بدلاً مني مجدداً؟! أقسم بجلال الله لو انطفأ بريق هاتين العينين الليلة.. سأبيد المنظمة الدولية ووالدي معاً بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل! أنتِ ملكي.. شرفي ودمي، وحياتي فداء لابتسامتكِ!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بالشغف المظلم، وشعرت بجاذبيته المخدرة تسلبني الألم رغماً عن النزيف الحاد، وقُلت بصوت خفيض متهدج:
"أنا.. أنا تخصك يا نمرِي.. خذني لعرينك.. أنا لا أريد حصونهم."
انحنى بقامته الفارهة والتهَم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم دمي المالح بلهيب عشقه الشرس وتملكه المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت وعيي تماماً وجعلتني أذوب بين يديه وسط عاصفة الموت والبارود المتصاعد.
وفي تلك اللحظة المشحونة بالرومانسية المظلمة والدماء، وقبل أن يفرغ مراد من قبلته ويتحرك خطوة واحدة لحملي، دوت طلقة رصاص ثقيلة ومنفردة من مسدس الجنرال عاصم الـ (ماكاروف)، طلقة اخترقت كتف مراد المصاب من الخلف لتنفتح غرز جرحه القديم بعنف وتتدفق دماؤه بغزارة فوق جسدي!
وفي ذات الوقت، اندفع الجنرال عاصم كالبرق ممسكاً بعبوة ديناميت حرارية أخرى موقوتة ومشتعلة، وقذفها مباشرة نحو خزانات الغاز الطبيعي الاحتياطية للجناح الرئيسي التي كنا نتحصن بالقرب منها!
"مراد! ليلى!" صرخ أدهم الجارحي بصوت رعدي يملؤه الرعب لأول مرة، وهو يرى العبوة الحارقة تقترب من خزانات الغاز سريع الاشتعال!
انفجرت العبوة ليتصل لهيب النيران بالغاز، وينطلق انفجار كوني هائل ومزلزل حطّم ما تبقى من أسوار العرين الحجري، وارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية لعشرات الأمتار في الهواء محولةً الجناح برمتها إلى كتلة من الجحيم والموت المحقق، واجتاحت موجة عصف مرعبة وقذفت بأجسادنا جميعاً وسط الغبار والنيران المتصاعدة، لتختفي ملامح الجناح والجبابرة تماماً تحت وطأة الانفجار الخاطف للأنفاس الذي جمد الدماء في عروق العاصمة وأعلن بداية الفناء الشامل لشريعة الأب وتملك النمر وقانون الدولة معاً في ساحة لهب واحدة انصهرت فيها العروش!
تلاشت أبعاد الجناح الملكي بالكامل، وغرقت الرؤية في برزخ رمادي حارق سادته لغة الرماد والنار. قذفتني موجة الضغط الثانية بقوة جعلت أطرافي تتراخى، وشعرتُ بأن روحي تفارق جسدي المنهك الملوث بدمائي ودماء مراد السيوفي المختلطة. تحركت أصابعي المرتعشة بمحاولة انتحارية أخيرة للتمسك بقميصه الأسود الممزق، لكن الوعي خانني تماماً، لأسقط في هوية سحيقة من الصمت المطبق، حيث تلاشت أصوات الطلقات النارية وعويل العاصفة الشتوية بالخارج، وحل محلها جمود المقابر.
لم أدرِ كم من الوقت مضى؛ دهورٌ من العتمة، أم دقائق معدودة سالت فيها دماء السيوفي والجارحي فوق الرخام الحار.
عندما بدأت خيوط الوعي الضعيفة تعود إلى عقلي ببطء شديد، لم أسمع أصوات الرصاص، ولم أشعر بحرارة النيران اللافحة. أول ما تدفق إلى حواسي المستهلكة كان برودة قارسة تنهش عظامي، ورائحة رطوبة حادة ممتزجة بعفن الطوب القديم والأدوية الكيميائية النفاثة. فتحتُ عينيّ العسليتين الشاخصتين بصعوبة بالغة، لتستقبِلني إضاءة مصباح فلورسنت أبيض باهت ومتذبذب، يتدلى من سقف خرساني منخفض تكسوه الرطوبة والشقوق المظلمة.
توسعت عيناي بذعر حقيقي وأنا أحاول تحريك جسدي؛ وجدتُ نفسي مستلقية فوق سرير حديدي طبي ضيق، وذراعيّ الملفوفتان بالشاش الأبيض مربوطتان بأحزمة جلدية صارمة تثبتني بالكامل وتمنعني من الحراك خطوة واحدة. لم أكن في الجناح الرئيسي لمراد، ولم أكن في الحصون المخملية لقصر أدهم الجارحي.. كنتُ داخل غرفة تحت الأرض، أشبه بزنزانة طبية محصنة ومعزولة بالكامل عن العالم الخارجي؛ جدرانها من الخرسانة الرمادية العارية، ولا وجود لنوافذ أو أبواب سوى بوابة فولاذية ضخمة تحمل قفلاً إلكترونياً دائرياً.
انقبضت معدتي برعب شلّ تفكيري، وصحتُ بصوت مخنوق ومتهدج بالدموع: "مراد! أدهم! أين أنا؟! من أحضرني إلى هنا؟!"
ولم يأتِ الرد بصوت مألوف؛ بل سُمع صوت خطوات حذاء كلاسيكي جلدي، ثقيل ورزين للغاية، يتقدم بآلية مرعبة من زاوية الغرفة المظلمة التي لم تصلها إضاءة المصباح الباهت. انحبست الأنفاس في صدري وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أرى طيفاً فارع القامة، ضخم المنكبين بكبرياء صارم يخرج من بين الظلال ليقف أمامي مباشرة تحت الضوء الأبيض..
لم يكن مراد السيوفي، ولم يكن والده عاصم، ولم يكن المستشار أدهم الجارحي.. بل كان رجل يرتدي حلة رسمية كحلية فاخرة، وشعره الأسود يتخلله الشيب تصفيفه بعناية بالغة، ويحمل في يده ملفاً رقمياً مشفراً وجهازاً طبياً يقطر بمصل كيميائي أخضر اللون.. إنه البروفيسور سليم الدمنهوري.. الطبيب الشرعي الأول لجهاز الأمن الدولي، والأخ الأكبر لكارما الدمنهوري التي صفاها مراد بالأمس، والرجل الذي طالما ظن الجميع أنه مجرد موظف حكومي محايد في أروقة الدولة!
ارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتماس لزجة وباردة تفيض بغدر وخيانة فاق كل الحدود، وتأمل وجهي الشاحب وذراعيّ المربوطتين بنظرة شماتة جليدية لا تعرف الرحمة، وتحدث بصوته الرخيم الخفيض الذي دوى في صمت الزنزانة كحكم بالفناء:
"أهلاً بكِ في عريني الخاص يا آنسة ليلى.. أو بالأحرى، أهلاً بالوريثة الشرعية لمليارات الجارحي المخفية في بنوك سويسرا. لقد انتهت مسرحية الجبابرة بالأسفل؛ مراد وأدهم وعاصم خاضوا معركتهم الانتحارية الملحمية، وظنوا أنهم يملكون القدرة على تحديد مصيركِ. لم يعلموا أن البروفيسور سليم كان ينسج شباكه السيبرانية والطبية من خلف ظلالهم منذ أشهر. الانفجار الأخير كان غطائي الشرعي لانتزاعكِ حية من بين جثثهم النازفة، بينما يعتقد العالم بأكمله الآن أن ليلى قد تفحمت وتحولت إلى رماد تحت أنقاض قصر السيوفي!"
رفع البروفيسور سليم الحقنة الكيميائية الطويلة، واقترب من السرير الحديدي بخطواته الفتاكة المدروسة، ووجه نصل الإبرة الحاد نحو عنقي المكشوف ليرتسم مؤشر الليزر الأزرق التابع للجهاز الطبي فوق بشرتي مباشرة، وأكمل بنبرة جليدية قاطعة:
"المصل الذي سأحقنه في عروقكِ الليلة لن يقتلكِ؛ بل سيسلبكِ إرادتكِ بالكامل ويجعلكِ دمية طائعة تنطق بشفرات الحسابات السويسرية تحت وطأة التنويم الكيميائي، لتبدأ مملكتي الجديدة بالخارج رغماً عن أنوف المافيا والدولة معاً. الوقت قد نفد تماماً يا ابنة الجارحي الجميلة.. وجحيم مراد أو قانون أدهم لن يصلوا إلى هذه الزنزانة المحصنة تحت الأرض أبداً، وشريعتي أنا هي من ستُكتب بدمائكِ الليلة!"
توسعت عيناي بصدمة تامة شلت أطرافي بالكامل، وتشنج جسدي المربوط بالأحزمة الجلدية بعنف وجنون وأنا أرى نصل الإبرة الحاد يلامس بشرة عنقي المكشوفة، وبدأت المادة الخضراء الكيميائية تتدفق ببطء نحو مسامي لتسلبني وعيي وإرادتي، في لقطة خاطفة للأنفاس حبست النبض في العروق وجمدت الأنفاس داخل تلك الزنزانة المظلمة التي أُغلقت أبوابها الفولاذية بالكامل!
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي
إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق
انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل







