LOGINانشقت أرض الجناح الرئيسي وتفتتت حوائطه الرخامية تحت وطأة العصف الحراري الناتجة عن عبوة الديناميت، لتتحول الغرفة الفاخرة التي شهدت ليلة أمس أوج تملُّك النمر وشغفه، إلى بهو من الجحيم المستعر. طارت شظايا الأثاث الكلاسيكي المحترق والستائر المخملية المشتعلة في الهواء الشتوي القارس كشهب ساقطة من سماء غاضبة، وامتزج الغبار الإسمنتي الكثيف بأبخرة البارود السوداء، ليغرق العرين في ظلمة خانقة صبغتْها النيران بلون الدماء والقضاء الحتمي.
قذفتْ موجة الانفجار بالأجساد كأوراق خريفية عاصفة. سقطتُ فوق الرخام البارد المشتعل، وجسدي المنهك بفستانه القطيفة ورداء المخمل يرتجف بعنف، وشعرتُ بالدماء الحارة تتسرب بغزارة أكبر من جروح ذراعيّ الممزقتين، لتسيل ممتزجة بمياه المطر التي بدأت تتسلل عبر الجدران المحطمة. كدتُ أفقد وعيي تحت وطأة الألم والبارود الذي كتم أنفاسي، لولا تلك القبضة الفولاذية المألوفة التي لم تترك خصرِي أنشاً واحداً رغماً عن دوي الانفجار وعصف الرماد.
كان مراد السيوفي قد جعل من جسده الطاغي وعرض منكبيه الشامخين ترساً بشرياً تلقى عنه عصف الانفجار وحرارته اللافحة. انبعث من وسط الركام والدخان كشيطان قُدّ من النيران والحديد؛ قميصه الأسود الجديد قد تفتت واختلط بلحمه النازف، وعضلات صدره تتحرك بحدة وحشية مع أنفاسه الحارة والمتلاحقة كالجمر. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تشعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق شلَّ قدرته على الشعور بجراحه؛ فكرة أن والده، الطاغية الأكبر، قد تجرأ على تفجير غرفته وانتزاع أنثاه وحرمه الخاص، جعلت الدم في عروقه يغلي برغبة عارمة في الإبادة الجماعية ومحو الماضي برمته.
جثا مراد على ركبتيه وسط الركام المشتعل، وأحاط خصرِي بذراعه الضخمة، وجذبني إليه بعنف وشغف عارم ليرتطم جسدي بصدره العاري والصلب كالجدار الرخامي. وضع كفه الدافئة ليمسح الدماء والغبار عن وجهي الشاحب بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة في أطرافي المنهكة، وانحنى برأسه الفاره حتى انغمس وجهه في عنقي المكشوف، واستنشق عبيري الممزوج برائحة الموت بعمق قاتل تلاشت معه كل حصون عنادي وكبريائي الأنثوي.
"ليلى! انظري في عينيّ يا قطتي الفاتنة!" همس بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية مخدرة للحواس تغلغلت في أعمق خلايا روحي المستهلكة، "أقسم بجلال الله وبدم عائلتي.. لو تحول هذا القصر إلى حطام، ولو انطبقت السماء على الأرض، فلن تفلت ذراعي خصركِ، وسأعلم عاصم وشريعته القديمة أن تملكِي لكِ يفوق جبروت الملوك وقوانين الإبادة برمتها. أنتِ لي.. دمي ولحمي، وحرمي الخاص الذي أحارب لأجله شياطين الأرض والملائكة معاً!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بنيران الرغبة والتحدي المطلق، وشعرت بجاذبيته الكهربائية تسلبني الألم والذعر، ووضعتُ كفيّ الصغيرتين الملوثة بدمي فوق وجنته النحيتة وقُلت بأنفاس متقطعة:
"أنا معك يا مراد.. روحي انصهرت بوجدانك ولا مفر لي من قبضة النمر.. طهر عريننا من هذا الطاغية!"
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم البارود والدماء بلهيب العشق الشرس والتملك الذي لا يرحم، قبلة سحبت مني آخر ذرات وعيي وجعلتني أتشبث بكتفيه العريضين بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لقدرنا المظلم وسط النيران.
وفي ذات اللحظات المشحونة بالأدرينالين الخالص، ومن وسط الدخان الرمادي المتصاعد عند عتبة الجناح المحطم، نفض الجنرال عاصم السيوفي الغبار عن معطف الفراء الروسي الداكن الثمين. وقف بكامل قامته الفارهة وضخامة منكبيه النحيت، ممسكاً بمسدسه الـ (ماكاروف) الكلاسيكي بيد ثابتة لا تعرف الارتجاف رغماً عن الشظايا التي أصابت وجنته القاسية. عيناه الصقريتان الرماديتان كانتا تقطران ببرود مميت وخالٍ تماماً من أي عاطفة بشرية وهو يرى ابنه الأصغر يفضل الموت والانصهار مع أنثاه على الانصياع لأوامر المجلس الأعلى للمافيا.
"مراد.. عنادك العاطفي هذا هو ما أودى بشقيقك آسر وجعل العاصمة تغلي بالفوضى،" قال عاصم بصوته الرخيم، الأجش والعميق للغاية، صوت يحمل برودة مقابر سيبيريا والخراب، "لكنك الليلة أثبتَّ أنك تلميذ طائش يفتقد لإعادة التأهيل. وقوف الفتاة في مواجهة الرصاص لحمايتك يثبت أنها الداء الذي يجب بتره فوراً لتستعيد وحشيتك وزعامتك الشرعية. تنحَّ عنها وضَع مسدسك الفضي أرضاً، فالمجلس الأعلى لا يغفر للمتمردين، وشريعاني سأطبقها فوق جثتك وجثتها معاً إن لم تنصع للعهد القديم."
تحرك عاصم خطوة واسعة للأمام ليدوي حذاؤه الثقيل فوق الرخام بنبرة قاطعة كالقضاء، وتلا ذلك تحرك سريع وصامت لسفاحي المافيا الدولية العشرة المتبقين خلفه، حيث رفعوا بنادقهم الأوتوماتيكية دفعة واحدة وثبتوا مؤشرات الليزر الحمراء والبيضاء بدقة مرعبة فوق صدر مراد العريض وجبهته النحيتة، لتحول الغرفة المحترقة إلى ساحة إعدام موقوتة.
ولم ينطق مراد بكلمة؛ بل ارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة جانية، حادة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي الذي لا ينحني. وقف بكامل طوله وجبروت منكبيه، واضعاً إياي خلف ظهره العريض كدرع بشري لا يمكن اختراقه، ورفع مسدسه الفضي اللامع بيده اليمنى، وعيناه تشعان ببريق وحش يستعد لتمزيق صياده الأكبر.
"عاصم السيوفي،" صاح مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته حملت وعيداً حارقاً وجاذبية هزت أركان الجناح، "شريعتك القديمة قد دُفنت تحت هذا الرماد. أنا النمر الذي يقود هذا العرين الآن، ومن يفكر في انتزاع قطعة من روحي.. سأنتزع قلبه بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل، حتى لو كان والدي الذي علمني القتل. الحرب بيني وبينك قد بدأت للتو، ولن يخرج أحد من هذا الوكر حياً بعد أن أبكيتم ليلى!"
لكن خيوط المؤامرة في عالم المافيا المظلم لا تترك للجبابرة متسعاً من الوقت للحديث؛ فبينما كان مراد يفرض تملكه الشرس في مواجهة والده، كانت هناك قوة ثالثة وثعبانية تتحرك في الخفاء لتغير مجرى اللعبة بالكامل رغماً عن شريعة الأب وتملك النمر.
انفتحت الأبواب الخلفية السرية للجناح فجأة بضربات هيدروليكية عنيفة، ليدخل منها طيفٌ مألوف، فارع القامة ومعطفه الكحلي الطويل ممزق وملوث بالدماء والرماد.. إنه المستشار أدهم الجارحي! ومعه جيش من قوات الصاعقة والنخبة الرسمية للدولة، مدججين بالأسلحة الأوتوماتيكية الثقيلة والدروع البالستية، ينتشرون بآلية صامتة وحازمة ليطوقوا رجال عاصم ومراد معاً في حزام نيران دائري لا ثغرة فيه.
لقد استغلت الأجهزة السرية للدولة تتبعها لتحركات الجنرال عاصم منذ هبوط طائرته، واقتحم أدهم الجارحي العرين بكامل قوته الرسمية لإعادة فرض قانون الدولة وحماية دم عائلته المتمثلة فيّ أنا، رغماً عن صراعات عائلة السيوفي الدموية.
"أدهم الجارحي؟" قال الجنرال عاصم بنبرته الجليدية الباردة، وعينه المشوهة تتسع بتوجس وهو ينظر لزعيم المخابرات، "رجل الدولة والقانون يجرؤ على دخول عريني وتحدي المجلس الأعلى للمافيا؟"
"عاصم السيوفي.. أنت رجل ميت في السجلات الرسمية منذ عشرين عاماً، وعودتك الليلة لتصفية حسابات المافيا فوق أرض العاصمة هي إعلان حرب على الدولة،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة العسكرية التي لا تنحني، "ليلى تحمل دم الجارحي الآن، وهي الوريثة الشرعية الوحيدة لنفوذنا وثروتنا. قانون الدولة لا يعترف بشريعتك القديمة ولا بتملك مراد الطائش؛ جئتُ لأنتزع ابنة عمي وأعيدها لحصونها الرسمية، وسأبيد هذا القصر فوق رؤوسكم إن حرك أحدكم أنملة واحدة نحو سلاحه."
ساد الجناح الملكي توترٌ خانق يكاد يُرى بالعين المجردة؛ صراعٌ ثلاثي بين شريعة الأب الطاغية، وتملك النمر الشرس لحرمه، وقانون الدولة الصارم المحيط بالجميع. تداخلت مؤشرات الليزر الحمراء والبيضاء والزرقاء فوق الجباه والصدور، لتحول الغرفة المشتعلة إلى ساحة حرب شاملة معلقة على رصاصة واحدة خاطفة للأنفاس.
وفي غمرة ذلك التلاحم المرعب والمؤامرة المعقدة، تحرك أحد سفاحي عاصم المقنعين من خلف الظلال مستغلاً انشغال مراد بمواجهة أدهم ووالده، ورفع بندقيته الأوتوماتيكية ليوجه مؤشر الليزر مباشرة نحو صدري ورداء القطيفة الأسود، مستعداً لإطلاق رصاصة الإبادة لإنهاء الأزمة وتنفيذ أمر المجلس الأعلى رغماً عن الجميع!
لم أفكر، ولم يتدخل المنطق في عقلي المستهلك بالشغف المظلم؛ بل اندفعتُ للأمام وبحركة انتحارية طائشة ومفاجئة، وقفتُ بجسدي الصغير أمام مراد، مستقبِلةً فوهة بندقية السَفاح بذراعي المصابة لتتلقى الرصاصة الغادرة بدلاً منه للمرة الثالثة!
"لا يا مراد!" صرختُ بأعلى صوتي.
انطلقت الرصاصة لتخترق لحم ذراعي بنعومة قاتلة، وسرت في جسدي حرارة لافحة وألم حاد جعلني أشهق بعنف، وتدفق دمي القرمزي الدافئ ليلوث الرخام المبلل بمياه المطر والرماد.
التفت مراد بلمحة عين، وعندما رأى دمي يسيل وجسدي يترنح ضعفاً، انطلقت من حنجرته صرخة غضب وحشية مرعبة زلزلت جدران القصر وأركانه، صرخة لم تكن لبشر، بل لأسد جُرحت أنثاه وحرمه الخاص أمام عينيه للمرة الثالثة. تملكه جنون تملك وغيرة شرسة أعميا بصيرته عن الوجود برمتها؛ ففجر رأس السَفاح برصاصة واحدة من مسدسه الفضي ليتناثر الدم في الأرجاء، ثم التفت بكامل جبروته وعضلات منكبيه الشامخين نحو والده عاصم وأدهم الجارحي، وعيناه تشعان بشرر مستطير وبحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق لا يرحم الخائنين.
انقض مراد كالإعصار المدمر، وفي ذات الجزء من الثانية، اندفع أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي الطويل ومدفعه الرشاش، وتلاحما معاً في هجوم مشترك وشرس ضد الجنرال عاصم وسفاحيه؛ توحدت غريزة النمر وقوة الدولة في ساحة نيران واحدة لحماية دم ليلى وحرمها الفاتن. انطلقت الرصاصات من كل حدب وصوب لتشتعل ساحة الرخام بنيران الحرب الشاملة والنهائية؛ اختلط رصاص المافيا الدولية برصاص الدولة ورصاص النمر الشرس، وتطايرت شرفات البارود والشظايا الحارقة في الهواء كالمطر الأسود.
جثا مراد على ركبتيه وسط معمعة الرصاص، وأحاط خصري بذراعه الضخمة بجنون مفرط وشغف عارم، ورفع وجهي الشاحب الذي بات كلون الأموات ليلتقي جحيم عينيه بعينيّ، وضغط بكفه الكبيرة فوق جرح ذراعي النازف محاولاً كتم الدماء وهو يصرخ بصوته الجهوري المبحوح:
"ليلى! ليلى انظري إليّ! كيف تتجرأين على تلقي الموت بدلاً مني مجدداً؟! أقسم بجلال الله لو انطفأ بريق هاتين العينين الليلة.. سأبيد المنظمة الدولية ووالدي معاً بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل! أنتِ ملكي.. شرفي ودمي، وحياتي فداء لابتسامتكِ!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بالشغف المظلم، وشعرت بجاذبيته المخدرة تسلبني الألم رغماً عن النزيف الحاد، وقُلت بصوت خفيض متهدج:
"أنا.. أنا تخصك يا نمرِي.. خذني لعرينك.. أنا لا أريد حصونهم."
انحنى بقامته الفارهة والتهَم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم دمي المالح بلهيب عشقه الشرس وتملكه المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت مني وعيي تماماً وجعلتني أذوب بين يديه وسط عاصفة الموت والبارود المتصاعد.
وفي تلك اللحظة المشحونة بالرومانسية المظلمة والدماء، وقبل أن يفرغ مراد من قبلته ويتحرك خطوة واحدة لحملي، دوت طلقة رصاص ثقيلة ومنفردة من مسدس الجنرال عاصم الـ (ماكاروف)، طلقة اخترقت كتف مراد المصاب من الخلف لتنفتح غرز جرحه القديم بعنف وتتدفق دماؤه بغزارة فوق جسدي!
وفي ذات الوقت، اندفع الجنرال عاصم كالبرق ممسكاً بعبوة ديناميت حرارية أخرى موقوتة ومشتعلة، وقذفها مباشرة نحو خزانات الغاز الطبيعي الاحتياطية للجناح الرئيسي التي كنا نتحصن بالقرب منها!
"مراد! ليلى!" صرخ أدهم الجارحي بصوت رعدي يملؤه الرعب لأول مرة، وهو يرى العبوة الحارقة تقترب من خزانات الغاز سريع الاشتعال!
انفجرت العبوة ليتصل لهيب النيران بالغاز، وينطلق انفجار كوني هائل ومزلزل حطّم ما تبقى من أسوار العرين الحجري، وارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية لعشرات الأمتار في الهواء محولةً الجناح برمتها إلى كتلة من الجحيم والموت المحقق، واجتاحت موجة عصف مرعبة وقذفت بأجسادنا جميعاً وسط الغبار والنيران المتصاعدة، لتختفي ملامح الجناح والجبابرة تماماً تحت وطأة الانفجار الخاطف للأنفاس الذي جمد الدماء في عروق العاصمة وأعلن بداية الفناء الشامل لشريعة الأب وتملك النمر وقانون الدولة معاً في ساحة لهب واحدة انصهرت فيها العروش!
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي
إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق
انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل







