بيت / الرومانسية / رماد العهود / وجوه خلف الأقنعة

مشاركة

وجوه خلف الأقنعة

last update تاريخ النشر: 2026-07-28 23:06:41

لم تستطع ليان النوم تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة السيارة السوداء وهي تندفع نحوهما، وصوت آدم وهو يصرخ باسمها. لم يكن الحادث مجرد مصادفة، بل رسالة واضحة مفادها أن هناك من يريد إسكات كل من يقترب من الحقيقة.

وقفت أمام نافذة شقتها مع بزوغ الفجر، تتأمل المدينة التي بدأت تستيقظ ببطء. لأول مرة شعرت أن الصفواء، التي عاشت فيها سنوات طويلة، أصبحت غريبة عنها، وكأنها تخفي تحت شوارعها حياة أخرى لا يعرفها سوى قلة من الناس.

رن هاتفها.

كان المتصل والدتها.

ابتسمت وهي تجيب: "صباح الخير يا أمي."

جاءها صوت والدتها، هناء السالمي، دافئًا كعادته.

"كيف حالك يا ابنتي؟"

"بخير."

سكتت هناء قليلًا قبل أن تقول:

"اشتقت إليك. متى ستزورينني في عين الوادي؟"

شعرت ليان بوخزة في قلبها عند سماع اسم القرية.

قالت بهدوء: "قريبًا إن شاء الله."

"تبدين متعبة."

"ضغط عمل فقط."

كانت تكذب، لكنها لم تشأ أن تقلق والدتها، خاصة أن اسم عين الوادي أصبح يثير داخلها عشرات الأسئلة.

في دار البيان، كان سليم يقف في قاعة الاجتماعات ينتظر وصول الموظفين. بدا أكثر هدوءًا من الأمس، وكأن شيئًا لم يحدث.

دخلت ليان متأخرة دقائق قليلة.

التقت عيناهما للحظة.

لاحظ الشحوب على وجهها.

وبعد انتهاء الاجتماع، استوقفها.

"ليان... هل يمكن أن نتحدث؟"

ترددت، ثم وافقت.

دخلا مكتبه.

أغلق الباب بهدوء، وقال مباشرة:

"بلغني أنك تعرضتِ لحادث أمس."

رفعت رأسها بسرعة.

"من أخبرك؟"

لم يجب.

أكمل:

"هل أصابك أذى؟"

أجابته ببرود:

"لا."

اقترب خطوة.

"الحمد لله."

نظرت إليه مليًا.

"هل كنت تعلم بما سيحدث؟"

بدت الصدمة على وجهه.

"ماذا تقصدين؟"

"كلما اقتربت من معرفة شيء عنك، يحدث أمر يمنعني."

ارتفع صوته لأول مرة:

"أنا آخر شخص يمكن أن يؤذيك."

ساد الصمت.

ثم قال بصوت أخفض:

"صدقيني."

لكنها لم تستطع.

خرجت من المكتب، تاركة سليم يحدق في الباب المغلق، وقد ارتسمت على وجهه ملامح رجل يخشى خسارة شيء ثمين.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان آدم يجلس في مكتبه، يراجع الصور القديمة التي حصل عليها من الأرشيف.

دخل مساعده وصديقه فارس النجار، وهو يحمل كوبين من القهوة.

قال وهو يضع أحدهما أمام آدم:

"منذ أسبوع وأنت لا تغادر المكتب."

ابتسم آدم بإرهاق.

"اقتربت من الحقيقة."

رد فارس:

"أخشى أن الحقيقة ستقتلك قبل أن تنشرها."

فتح آدم درج مكتبه، وأخرج ملفًا أسود.

قال بصوت خافت:

"هل تعرف ما الذي يخيفني؟"

"ماذا؟"

"أن يكون الشخص الذي أبحث عنه أقرب إلينا مما نتخيل."

في المساء، كانت كارما ناصر تقف في شرفة منزلها، عندما دخل يزن الكيلاني دون موعد.

نظرت إليه ببرود.

"منذ متى تدخل دون استئذان؟"

قال وهو يبدو غاضبًا:

"أنتِ من أرسل السيارة، أليس كذلك؟"

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

"وإذا كنت أنا؟"

اقترب منها.

"كنتِ ستقتلين ليان."

قالت بثقة:

"لم أطلب قتلها."

"إذن ماذا أردتِ؟"

"أن تخاف."

"من؟"

"سليم."

تنهد يزن.

"أنتِ تلعبين بالنار."

التفتت إليه، وظهر في عينيها ألم لم يره من قبل.

"أنا لا ألعب... أنا أستعيد حقي."

تركها وغادر، بينما بقيت تحدق في صورة قديمة موضوعة على الطاولة.

كانت الصورة تجمعها بسليم قبل سنوات طويلة، وهما يبتسمان بسعادة.

مررت أصابعها على الصورة وهمست:

"لو لم تخنّي... لما وصلت الأمور إلى هنا."

في اليوم التالي، خرجت ليان من العمل متجهة إلى موقف السيارات.

وقبل أن تفتح باب سيارتها، سمعت صوتًا خلفها.

"آنسة ليان."

استدارت.

كان رجلًا في الستين من عمره، يرتدي معطفًا بنيًا ويحمل عصا خشبية.

لم تكن قد رأته من قبل.

قال بابتسامة هادئة:

"أنا آسف لإيقافك."

سألته بحذر:

"هل أعرفك؟"

هز رأسه.

"لا... لكنني كنت أعرف والدك."

تجمدت في مكانها.

"أبي؟"

أومأ.

"اسمه سامر السالمي، أليس كذلك؟"

اتسعت عيناها.

"نعم."

مد الرجل يده إليها بمظروف قديم.

"احتفظت بهذا عشرين عامًا."

تناولته بارتباك.

"ما هذا؟"

قال قبل أن يبتعد:

"كان والدك يريد أن يسلمه لك عندما يحين الوقت."

"انتظر!"

لكن الرجل كان قد اختفى بين السيارات، وكأنه تبخر.

دخلت ليان سيارتها، وأغلقت الأبواب بسرعة.

كانت يداها ترتجفان وهي تفتح المظروف.

وجدت بداخله رسالة قصيرة، وصورة قديمة.

أما الرسالة، فلم تحتوِ سوى سطر واحد:

"إذا أردتِ معرفة من قتل براءة طفولتك... فابدئي بالبحث عن الحقيقة في عين الوادي."

أما الصورة...

فجعلت أنفاسها تتوقف.

كانت تجمع والدها مع رجل آخر يقف بجانبه.

ولم يكن ذلك الرجل سوى...

والد سليم الراوي.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رماد العهود    حين ينقشع الرماد

    ساد الصمت داخل المستودع بعد اعتراف كارما. كانت الدموع تملأ عينيها وهي تنظر إلى الوجوه التي حملت آثار عشرين عامًا من الخوف والأسئلة. قالت بصوت متهدج: "لم أكن أريد قتل أحد... أقسم بذلك." أغلقت عينيها للحظة، ثم تابعت: "كنت أريد إحراق ملفات الشركة فقط، قبل أن تصل إلى الشرطة. كنت أظن أن الجميع غادر المنزل، لكن النار خرجت عن السيطرة." نظر إليها فارس بحزن. "ولهذا اختفيتِ كل هذه السنوات؟" هزت رأسها. "لم أهرب من الشرطة... كنت أهرب من نفسي." تقدم آدم خطوة إلى الأمام. "لكن من كان يقود شبكة الفساد؟" ساد الصمت. ثم نظر فارس إلى سليم وقال: "حان الوقت لتعرف الحقيقة." اتجهت الأنظار كلها نحوه. قال بصوت هادئ: "والدك، مروان الراوي، لم يكن رجلًا شريرًا عندما بدأ." تجمد سليم في مكانه. أكمل فارس: "الشركة كانت على وشك الإفلاس، وخشي أن يخسر كل ما بناه. بدأ بتزوير بعض العقود ظنًا منه أنه سيصلح الأمر لاحقًا... لكنه تورط أكثر فأكثر، حتى أصبح أسيرًا لأخطائه." قال آدم: "ثم اكتشف سامر الحقيقة." أومأ فارس. "سامر رفض أن يكون شريكًا في الجريمة، وجمع الأدلة، وقرر تسليمها ل

  • رماد العهود     الاعتراف الأخير

    توقفت الطلقات فجأة. ساد صمت ثقيل داخل المستودع، حتى إن الجميع أصبح يسمع أنفاس الآخر. تقدم فارس ببطء نحو النافذة المحطمة، ثم قال بصوت ثابت: "لن تطلقي النار... لأنك لا تريدين موتهم." جاء صوت كارما من الخارج، يحمل هدوءًا غريبًا: "لا أريد موتهم... بعد." ارتجفت ليان. كانت هذه المرأة تظهر دائمًا وكأنها تسبق الجميع بخطوة. لكن هذه المرة بدا وكأنها هي من كتبت القصة منذ بدايتها. --- بعد لحظات، انفتح الباب الحديدي ببطء. دخلت كارما وحدها. لم تحمل سلاحًا. كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعرها مربوط بعناية، وملامحها هادئة على نحو أثار قلق الجميع. توقفت في منتصف المستودع. نظرت إلى فارس. ثم قالت: "مر عشرون عامًا... ولم تتغير." ابتسم فارس بمرارة. "بل تغير كل شيء." نظرت إلى سليم. ثم إلى ليان. وأخيرًا إلى يزن. "كبر الأطفال..." قالها وكأنها تتحدث عن أشخاص تعرفهم منذ زمن بعيد. --- رفع آدم سلاحه في وجهها. "لا تتحركي." ابتسمت. "لن أهرب." قال سليم بحدة: "من أنتِ؟" التفتت إليه. "اسمي الحقيقي... كارما الراوي." تجمد فارس في مكانه. أما سليم، فا

  • رماد العهود     الرجل الذي عاد من الظلال

    لم يغمض ليزن جفن طوال الليل. ظل الرسالة التي وجدها في الملف البني بين يديه، يقرأها مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات ستتغير إذا كرر النظر إليها. لم تكن الرسالة طويلة، بل بضعة أسطر فقط، لكنها كانت كافية لتقلب كل ما ظنه حقيقة. > "إذا قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني اضطررت للاختفاء. لا تبحثوا عني، لأن موتي هو الحماية الوحيدة لكم. — فارس الراوي." جلس يزن على الكرسي الخشبي وهو يحاول استيعاب الأمر. إذا كان فارس هو من كتب الرسالة، فهذا يعني أنه كان حيًا بعد الحريق. لكن... أين اختفى طوال عشرين عامًا؟ ولماذا ترك الجميع يعتقد أنه مات؟ --- في صباح اليوم التالي، اجتمع يزن مع سليم وليان وآدم والشيخ محمود. وضع الرسالة والصورة على الطاولة. ساد الصمت. تناول سليم الصورة بيد مرتجفة. ظل يحدق في وجه خاله الممزق في الصورة، ثم قال: "لم يخبرني أحد أن لأمي أخًا." أجابه الشيخ محمود: "لأن والدتك كانت تحاول حمايته." قطب آدم حاجبيه. "من ماذا؟" تنهد الشيخ. "من الشخص الذي كان يريد التخلص من كل من عرف الحقيقة." --- أخذ آدم الصورة، وقلبها. لاحظ كتابة باهتة على ظهرها. اقتر

  • رماد العهود    المرحلة الثانية

    استيقظت ليان في صباح اليوم التالي على طرقات متتالية على باب المنزل الذي استضافها هي ووالدتها. فتحت الباب لتجد ساعي بريد يحمل ظرفًا أبيض بلا اسم مرسل. ناولها الظرف وغادر دون أن ينطق بكلمة. أغلقته خلفه، ثم فتحت الظرف بفضول. كان بداخله صورة واحدة. تجمدت ملامحها. الصورة التُقطت الليلة الماضية. هي وسليم يجلسان معًا أمام المنزل المحترق. وفي أسفل الصورة عبارة مكتوبة بالحبر الأحمر: "من يقترب منك... يموت." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. وفي اللحظة نفسها، دخلت هناء إلى الغرفة. ما إن رأت الصورة حتى شهقت. "لقد بدأ..." التفتت إليها ليان بسرعة. "ماذا بدأ؟" لكن هناء لم تُجب، بل أخذت الصورة وأحرقتها في موقد الحطب. قالت بصوت مرتجف: "لا تحتفظي بأي رسالة تصل إليك." --- في الوقت نفسه، كان سليم في مركز الشرطة برفقة آدم. كان الضابط المسؤول يستعرض تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة على الطريق المؤدي إلى عين الوادي. توقفت إحدى اللقطات عند سيارة سوداء. قال الضابط: "هذه السيارة دخلت القرية قبل الحريق بساعة." سأل آدم: "وهل خرجت؟" أجاب الضابط: "لا." نظر سليم

  • رماد العهود    الساعة التي توقفت عند الحقيقة

    ساد الصمت في منزل الشيخ محمود بعد إطلاق الرصاصة. لم يكن الخوف هو ما سيطر على الجميع، بل الشعور بأن من يراقبهم يعرف كل خطوة يخطونها. ظل آدم يقلب الورقة التي كانت ملفوفة حول الرصاصة، ثم قال: "هذا ليس تهديدًا عشوائيًا... بل دليل على أن أحدهم يعلم أننا اقتربنا من السر." أخذ سليم الورقة من يده. "والسؤال هو... من أخبره بشأن الساعة؟" تبادلت ليان وآدم النظرات. كانوا ثلاثة فقط يعرفون بأمرها. قالت ليان بهدوء: "إذن هناك من يتنصت علينا... أو أن أحدًا قريبًا منا ينقل أخبارنا." ساد صمت ثقيل، فلم يجرؤ أحد على اتهام الآخر، لكن الشك بدأ يتسلل إلى الجميع. تذكرت ليان أن الساعة لا تزال داخل حقيبتها، فقد أخذتها من صندوق والدتها قبل احتراق المنزل. أخرجتها ووضعها على الطاولة. كانت ساعة قديمة، بحزام جلدي متشقق، وعقاربها متوقفة عند التاسعة وسبع عشرة دقيقة. أخذها الشيخ محمود بين يديه، وتأملها طويلًا. قال: "هذه ليست ساعة عادية." نظر إليه آدم باستغراب. "كيف عرفت؟" ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة. "سامر كان يرفض إصلاحها رغم أنها تعطلت منذ سنوات، وكان يقول دائمًا إن الوقت الذي توقفت

  • رماد العهود     وجوه لا تشبه الحقيقة

    وقف يزن في مكانه غير قادر على استيعاب الكلمات التي سمعها. "جابر الكيلاني ليس والدك الحقيقي." أعاد النظر إلى الورقة التي أعطته إياها كارما. كانت نسخة قديمة من شهادة ميلاد، باهتة الأطراف، وقد شُطب منها اسم بخط أسود، ثم كُتب اسم جابر الكيلاني فوقه بخط مختلف. رفع رأسه ببطء. "من أين حصلتِ على هذا؟" ابتسمت كارما بهدوء. "من الشخص الذي كان يحتفظ بكل الأسرار." "هل هي مزورة؟" "أتمنى ذلك." قبض يزن على الورقة بقوة. "من والدي إذًا؟" اقتربت كارما منه. "لن أجيب عن هذا السؤال الآن." ارتفع صوته لأول مرة. "إذن لماذا أخبرتني؟" قالت بنبرة هادئة: "لأنك تستحق أن تعرف أن الرجل الذي كرّست حياتك لإرضائه... لم يكن يومًا والدك." تركته وغادرت. أما هو، فبقي واقفًا تحت المطر، يشعر أن الأرض تسحب نفسها من تحت قدميه. --- في صباح اليوم التالي، اجتمع سليم وآدم وليان في منزل الشيخ محمود. كان الدفتر الأزرق مفتوحًا أمامهم. قال آدم وهو يقلب صفحاته: "هناك شيء لا أفهمه." نظر إليه سليم. "ماذا؟" "نادين كتبت عن الشركة، وعن الخلافات، وعن جابر... لكنها لم تذكر سبب تسليم ليان إلى

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status