ANMELDENلم يكن لؤي يعرف إلى أين يذهب.منذ أن عرف أن الرقم الذي بحث عنه سكرتيره يعود إلى سارة، أصبح كل شيء من حوله يبدو ضيقًا على نحو خانق. حاول أن يجلس في مكتبه، أن يفتح التقارير المتراكمة أمامه، أن يستعيد صورته المعتادة كرجل يعرف تمامًا ما يريد، لكنه لم يستطع.كانت عيناه تتحركان فوق الكلمات دون أن تستوعبا حرفًا واحدًا.كل ما كان يراه هو اسم واحد.سارة.بعد أسابيع من الصمت، وبعد أن أقنع نفسه بأن عليه أن يعتاد غيابها، ظهرت فجأة من مكان بعيد، من رقم دولي لا يعرف كيف وصل إليه، وكأن القدر قرر أن يفتح الجرح الذي حاول إغلاقه بالقوة.نهض من خلف مكتبه دون أن يفكر.وفي اللحظة التي وجد نفسه فيها خلف مقود سيارته، كان يعرف إلى أين يتجه.إلى المقهى.المكان الذي كان يأتي إليه معها، والذي كان يعرف أن كل زاوية فيه تحمل ذكرى منها. لم يكن يتوقع أن يجد فيه حلًا لمشكلته، لكنه شعر أن لا شيء آخر يستطيع أن يهدئ الفوضى التي تعصف داخله.كان يحتاج إلى مكان لا يطالبه فيه أحد بأن يكون لؤي العاصي، المدير التنفيذي، الرجل الذي يحمل اسم عائلته ومسؤولياتها، والرجل الذي يستعد للزواج خلال أسابيع.كان يريد فقط أن يكون رجلًا اشت
لم تحتج صور لؤي وهبة إلى أكثر من ساعات قليلة حتى تنتشر في كل مكان.كانت الصحف الإلكترونية تتناقلها واحدة تلو الأخرى، ومواقع التواصل تضج بالتعليقات والتحليلات، بينما كانت صورتهما وهما يخرجان من متجر المجوهرات تتصدر الأخبار باعتبارها أول ظهور علني لهما معًا.صورة لؤي وهو يمسك بيد هبة.وصورة أخرى وهو يحملها بين ذراعيه وسط الصحفيين.وصورة ثالثة لهما أمام واجهة متجر المجوهرات.أما العناوين، فكانت أكثر جرأة من الصور نفسها."لؤي العاصي يعلن ارتباطه رسميًا.""وريث عائلة العاصي يستعد للزواج.""من هي الفتاة التي خطفت قلب لؤي العاصي؟"كانت هبة تحدق في شاشة التلفاز بصمت، وقد شعرت بأن وجهها أصبح أكثر سخونة كلما ظهرت صورة جديدة.جلست والدتها في الجهة المقابلة، تحدق في الشاشة ثم في ابنتها، قبل أن تخفض صوت التلفاز ببطء.ساد الصمت.ذلك الصمت الذي كانت هبة تعرفه جيدًا.الصمت الذي يسبق الأسئلة التي لا يمكن الهروب منها.التفتت والدتها إليها."هبة..."رفعت هبة عينيها إليها."نعم؟"أشارت الأم إلى التلفاز."ما هذا؟"تجمدت هبة للحظة.كانت قد عرفت أن هذه اللحظة ستأتي، لكنها لم تعرف أنها ستأتي بهذه السرعة.ابت
كانت أضواء المدينة تنسحب خلفهما واحدة تلو الأخرى، بينما ظلت السيارة تسير في هدوء بعد الفوضى التي تركاها خلفهما.جلست هبة في المقعد المجاور للؤي، وما زالت يدها تستقر فوق صدرها بين حين وآخر، كأنها تحاول إقناع قلبها بأن ما حدث قبل دقائق لم يكن بالحجم الذي شعر به.أما لؤي فكان يركز على الطريق، لكنه كان يلمحها من طرف عينه بين لحظة وأخرى.ظل صامتًا لبعض الوقت، قبل أن يقول:"هبة..."التفتت إليه."نعم؟"تردد قليلًا، ثم قال:"أنا آسف."رفعت حاجبيها باستغراب."على ماذا؟""لأنني حملتك بهذه الطريقة."ثم أضاف وهو يعيد عينيه إلى الطريق:"ظننت أنك خفتِ، خصوصًا عندما رأيتك تمسكين قلبك."نظرت هبة إلى يدها، ثم ضحكت بخفة."لم أخف منك."التفت إليها للحظة."إذن؟""كنت أحاول فقط أن أستوعب أنك حملتني أمام عشرات الصحفيين وكأنني حقيبة سفر."ضحك لؤي."حسنًا... سأعتبرها إهانة مقبولة."ابتسمت هبة، ثم عادت تنظر من النافذة.ساد بينهما صمت قصير قبل أن يقول لؤي:"يجب أن تتعودي عليهم الآن.""على من؟""الصحافة."تنهد."من الآن فصاعدًا ستصبح جزءًا من حياتنا. اعتبريها فردًا جديدًا من العائلة."التفتت هبة إليه بنظرة جانب
لم يستطع لؤي أن يطرد الرقم الدولي من رأسه.ظل الهاتف بين يديه، وشاشة المكالمة الفائتة أمام عينيه، بينما كانت أفكاره تعود إلى الاسم نفسه الذي لم يحتج إلى أن يظهر على الشاشة حتى يعرف صاحبه.سارة.كان من المفترض أن يشعر بالارتياح لأنه وجد أخيرًا أثرًا لها بعد أسابيع من البحث، لكنه لم يشعر إلا بقلق غريب استقر في صدره. لماذا اتصلت؟ ولماذا لم تجب عندما أعاد الاتصال بها؟رفع عينيه نحو سكرتيره الذي كان يقف أمام المكتب ينتظر تعليماته.قال لؤي بلهجة حاسمة:"أريدك أن تبحث عن هذا الرقم."مد الهاتف إليه."أريد أن أعرف الدولة التي صدر منها، ومن صاحبه تحديدًا."تردد الرجل لحظة قبل أن يأخذ الهاتف."حاضر سيدي."أعاده إليه بعد أن حفظ الرقم، ثم خرج.بقي لؤي وحده.أعاد النظر إلى الشاشة مرة أخرى، وكأنه ينتظر أن يرن الهاتف من تلقاء نفسه.لكنه لم يرن.وفي مكان آخر...كانت هبة تقف خلف آلة القهوة في المقهى، ترتب بعض الأكواب على الرف بينما كانت إحدى العاملات تتولى طلبات الزبائن.رن هاتفها.نظرت إلى الشاشة، ثم رفعت حاجبيها باستغراب عندما قرأت الرسالة التي وصلتها للتو.تم الإعلان رسميًا عن زواج لؤي العاصي.تجمدت
لم يكن الصباح قد تجاوز ساعاته الأولى حين اجتمعت عائلة العاصي في القاعة الرئيسية للقصر.كان فارس يجلس في صدر الطاولة، وقد بدا أكثر صحة مما كان عليه في الأيام الماضية، وإن بقي أثر الوعكة واضحًا على وجهه. أما نوال فكانت إلى جواره، تتابع بصمت ما يدور أمامها، بينما جلس لؤي في الجهة المقابلة، يقرأ الملف الموضوع أمامه دون أن يقلب صفحاته.لم يكن بحاجة إلى قراءة شيء.كان يعرف تمامًا ما ينتظره.قال فارس بعد لحظة من الصمت:"إذن... حُدد الموعد؟"رفع لؤي عينيه عن الملف."نعم."تدخلت نوال بهدوء:"سيكون الإعلان رسميًا اليوم."أومأ لؤي، ثم أسند ظهره إلى المقعد. لم يشعر بالفرح، ولم يشعر بالحزن أيضًا. كان الأمر بالنسبة إليه أشبه بخطوة ضرورية في طريق طويل، خطوة لا يملك رفاهية التراجع عنها.نظر فارس إليه طويلًا قبل أن يقول:"أعرف أنني لم أترك لك خيارًا سهلًا."ابتسم لؤي ابتسامة خافتة."لم تعد المسألة تتعلق بالخيارات يا أبي."ثم سكت قليلًا وأضاف:"لقد اتخذت قراري."راقبته نوال بصمت. كان هناك شيء في وجهه لم تستطع تفسيره؛ هدوء غريب يخفي خلفه الكثير من الأفكار.وقبل أن تقول شيئًا، دخل أحد الموظفين حاملًا ملف
في الجهة الأخرى من العالم، كانت سارة تعيش أفضل أيام حياتها.لم تكن قد اعتادت بعد على فكرة أن كل شيء أصبح متاحًا لها بهذه السهولة؛ إقامة فاخرة تطل على مدينة لا تنام، جامعة كانت تحلم منذ سنوات بأن تطأ أبوابها، ومصاريف لم تعد مضطرة إلى حسابها قبل أن تمد يدها إلى محفظتها. حتى الأشياء الصغيرة التي كانت تؤجل شراءها في السابق أصبحت الآن مجرد قرار عابر لا يحتاج منها أكثر من دقائق.كانت الحياة الجديدة تشبه الحلم الذي طالما تخيلته، وربما لهذا السبب لم تسأل نفسها كثيرًا عما تركته خلفها.في تلك الليلة، كانت الأضواء الملونة تنعكس على وجوه عشرات الشباب داخل أحد أشهر النوادي، بينما ارتفع صوت الموسيقى حتى غطى على كل شيء آخر. كانت سارة وسط صديقاتها، ترقص بلا توقف، ترفع ذراعيها تارة وتدور حول نفسها تارة أخرى، والضحكة لا تفارق وجهها.لم تكن تشبه الفتاة التي عرفها لؤي.بدت أكثر تحررًا، أكثر جرأة، وكأنها تخلصت من حياة كاملة كانت تثقل كتفيها.ضحكت إحدى صديقاتها وهي تراقبها، ثم صاحت وسط الموسيقى:"تبدين كفراشة مجنونة!"اقتربت منها أكثر، ثم أضافت وهي تضحك:"أطلقت عائلة العاصي سراحها أخيرًا!"انفجرت سارة بالض







