LOGINبقيت أحدق في الورقة.
"لا تبحثي عني… إلا إذا كنت مستعدة لمعرفة من أكون حقاً."
كانت الكلمات مكتوبة بخط آسر.
خطه الذي كنت أعرفه أكثر من أي شيء آخر.
لم أفكر.
اندفعت نحو الباب.
"آسر!"
لم يجب أحد.
ركضت في الممرات، أفتح الأبواب واحداً تلو الآخر.
لا أثر له.
صرخت:
"آسر!"
جاء ريان خلفي.
"ليان، توقفي!"
التفتُّ إليه.
"أين ذهب؟"
"لا أعرف."
"كاذب."
"أقسم."
أمسكت بقميصه.
"كان معك!"
قال:
"كان أمامي منذ ثوانٍ."
"ثم اختفى."
أومأ.
"نعم."
نظرت حولي.
كان القصر هادئاً بشكل مخيف.
ثم سمعت صوتاً خافتاً.
صفارة إنذار.
قال ريان:
"علينا الخروج."
صرخت:
"لن أخرج بدونه."
قال:
"إذا بقيت هنا، قد تموتين."
"إذن سأموت وأنا أبحث عنه."
دخلنا غرفة المراقبة.
كانت الشاشات كلها تعمل.
ظهر تسجيل لكمال.
كان يجلس في غرفة مظلمة.
وأمامه آسر.
مقيد إلى كرسي.
صرخت:
"آسر!"
اقتربت من الشاشة.
كان وجهه مليئاً بالجروح.
لكن عينيه كانتا مفتوحتين.
قال كمال:
"كنت أعرف أنك ستشاهدين."
ثم ابتسم.
"لا تقلقي. زوجك حي."
قال ريان:
"أين هو؟"
ضحك كمال.
"في المكان الذي بدأ فيه كل شيء."
سألت:
"أين؟"
"في منزل السالمي القديم."
تجمدت.
المنزل الذي احترق ليلة ولادتي.
قال كمال:
"تعالي وحدك."
"وإذا لم آت؟"
اقترب من الكاميرا.
"سأرسل لك أجزاء منه."
ارتجفت.
قال ريان:
"لا تذهبي."
نظرت إليه.
"سأذهب."
"هذا فخ."
"أعرف."
"قد يقتلك."
قلت:
"إنه زوجي."
ثم أضفت:
"وأنا لن أتركه."
خرجت من القصر.
كانت السماء تمطر.
أخذت سيارة وانطلقت نحو المنزل القديم.
لكنني لم أكن وحدي.
ريان وآدم تبعاني.
قلت:
"طلب مني أن أذهب وحدي."
قال ريان:
"ونحن لن نتركك وحدك."
لم أجادله.
كان لدي هدف واحد.
آسر.
بعد ساعة وصلنا.
كان المنزل مهجوراً.
النوافذ محطمة.
الجدران سوداء.
رائحة الدخان القديمة ما تزال عالقة في المكان.
نزلت من السيارة.
شعرت بقشعريرة.
كانت ذكريات غريبة تتدفق إلى رأسي.
ضحكات أطفال.
صوت أمي.
ثم صرخة.
دخلت.
قال ريان:
"كوني حذرة."
صعدنا الدرج.
وفجأة انغلق الباب خلفنا.
صرخ آدم:
"إنه فخ!"
ثم انطفأت الأنوار.
سمعت صوت كمال.
"أهلاً بكم."
ظهر ضوء واحد.
كان آسر جالساً في منتصف الغرفة.
مقيداً.
رفعت يدي إلى فمي.
"آسر."
رفع رأسه.
"ليان، لا تقتربي."
قال كمال:
"دائماً تحاول حمايتها."
ظهر من الظلام.
كان يحمل مسدساً.
قال:
"لكن هذه المرة لن تستطيع."
صرخت:
"ماذا تريد؟"
قال:
"الحقيقة."
"عن سامر؟"
"عن كل شيء."
"أخبرني."
ضحك.
"أنت لا تريدين سماعها."
"أنا مستعدة."
نظر إلى آسر.
"هو أيضاً."
اقترب من آسر.
"أليس كذلك يا بني؟"
رفع آسر رأسه.
"أنت لست أبي."
"لكن دمك دمي."
"هذا لا يعني شيئاً."
ابتسم كمال.
ثم نظر إليّ.
"هل أخبرك ماذا فعل زوجك في الليلة التي فقدتِ فيها ذاكرتك؟"
قلت:
"أخبرني."
قال:
"هو من طلب من الطبيب محو ذاكرتك."
تجمدت.
نظرت إلى آسر.
"هل هذا صحيح؟"
لم يجب.
صرخت:
"آسر!"
قال:
"نعم."
شعرت بالصدمة.
"لماذا؟"
قال:
"لأنك كنت تريدين قتلي."
"ماذا؟"
قال:
"كنت تعرفين أنني ابن كمال."
"كنت أعرف؟"
أومأ.
"وعرفتِ أنني كنت أعمل معه."
تراجعت.
"هذا غير صحيح."
قال كمال:
"بل صحيح."
أخرج كمال ملفاً.
رمى الصور أمامي.
كانت صوراً لي.
أنا أقف بجانب كمال.
أنا أوقع أوراقاً.
أنا أحمل مسدساً.
ثم صورة لي وأنا أوجه السلاح إلى آسر.
تراجعت.
"لا..."
قال كمال:
"كنتِ تكرهينه."
نظرت إلى آسر.
"هل كنت أكرهك؟"
قال:
"في ذلك الوقت."
"وأنت؟"
"كنت أحبك."
"ومع ذلك محوت ذاكرتي."
"لأنك كنت في خطر."
قال كمال:
"لا."
ثم ضحك.
"لأنك كنت ستكشفين سره."
سألته:
"أي سر؟"
نظر إلى آسر.
"أنه كان يعمل معي."
شعرت بأن الأرض تهتز.
قال آسر:
"كنت أعمل مع كمال."
نظرت إليه.
"لماذا؟"
"لإنقاذك."
"منه؟"
"نعم."
"هذا غير منطقي."
قال:
"كان يراقبك."
"وأنت؟"
"كنت أتظاهر بأنني معه."
قال كمال:
"كذب."
تدخل ريان:
"من نصدق؟"
ابتسم كمال.
"الملفات."
أشار إلى الصور.
"الأفعال لا تكذب."
اقتربت من آسر.
"قل لي الحقيقة."
نظر إليّ.
"كنت أعمل معه."
"كم من الوقت؟"
"ثلاث سنوات."
"ثلاث سنوات؟"
"نعم."
"وأنا كنت زوجتك."
"نعم."
"وكنت تخدعني طوال ذلك الوقت."
قال:
"في البداية."
"وفي النهاية؟"
قال:
"في النهاية كنت أحبك."
"متى بدأ الحب؟"
"قبل أن أعرف أنك ليان."
توقفت.
"ماذا؟"
قال:
"عرفتك أولاً."
"أين؟"
"في الجامعة."
حدقت فيه.
"لكنني لا أتذكر."
"لأنك فقدت تلك الذكرى أيضاً."
بدأ رأسي يؤلمني.
رأيت مشهداً.
جامعة.
ممر طويل.
كتب تسقط من يدي.
رجل يساعدني.
كان آسر.
قال:
"هل أنت بخير؟"
ضحكت.
ثم قلت:
"شكراً."
تغير المشهد.
رأيت كمال يراقبنا.
ثم رأيت نفسي أبكي.
ثم آسر يحتضنني.
ثم صوت كمال:
"ابتعد عنها."
فتحت عيني.
قلت:
"كنت أعرفك قبل زواجنا."
أومأ.
"نعم."
"ولماذا لم تخبرني؟"
"لأن كمال هددك."
"بماذا؟"
"بقتل أخواتك."
اقترب كمال.
"كفى."
رفع سلاحه.
قال:
"الآن حان وقت النهاية."
ثم نظر إلى آسر.
"اختر."
وضع مسدساً على الطاولة.
"إما أن تقتل ليان..."
ثم وضع مسدساً آخر.
"أو أقتل سارة."
تجمدت.
"أين سارة؟"
أشار إلى شاشة.
ظهرت سارة.
كانت مقيدة.
صرخت:
"سارة!"
بدأت تبكي.
"ليان!"
قال كمال:
"الاختيار بسيط."
قال آسر:
"خذني."
"لا."
"أنت تريدني."
"أريد أن أرى ماذا ستفعل."
نظر إلى آسر.
"هل ستقتل المرأة التي تحبها؟"
ثم قال:
"أم ستقتلني؟"
سأل آسر:
"إذا قتلتك، ستطلق سراح سارة؟"
"نعم."
قالت سارة:
"لا تصدقه!"
صرخت:
"سارة!"
قالت:
"إنه يكذب!"
كمال ابتسم.
"ذكية."
قال آسر:
"إذن ماذا تريد؟"
"أريدك أن تختار بنفسك."
أشار إلى المسدسين.
"أنت أو هي."
نظر آسر إليّ.
كانت عيناه مليئتين بالدموع.
قال:
"ليان."
قلت:
"لا تفعل."
"أنا أحبك."
"أعرف."
"إذا حدث شيء..."
قاطعته:
"لن يحدث."
ابتسم.
"كنت أتمنى أن أعيش معك."
ثم أمسك المسدس.
صرخت:
"آسر!"
لكن بدلاً من توجيهه نحوي...
وجهه إلى نفسه.
"لا!"
ضغط الزناد.
دوّى صوت الرصاصة.
سقط آسر.
صرخت بأعلى صوتي.
ركضت نحوه.
"آسر!"
كان الدم يتدفق من صدره.
احتضنته.
"لا تتركني."
فتح عينيه بصعوبة.
همس:
"أحبك."
ثم أغمض عينيه.
صرخت:
"آسر!"
ضحك كمال.
لكن فجأة انطلقت رصاصة أخرى.
سقط كمال على الأرض.
كان ريان يحمل سلاحه.
قال:
"انتهى الأمر."
لم أسمع شيئاً.
كل ما رأيته هو آسر.
كنت أضغط على جرحه.
"لا."
قال ريان:
"ليان، يجب أن نخرجه."
"ساعدني."
حمله آدم.
خرجنا من المنزل.
كانت سيارات الشرطة تقترب.
ركضت معهم.
وضعت يدي على وجه آسر.
"ابق معي."
لم يجب.
قلت:
"أنت وعدتني."
لا شيء.
"قلت إنك لن تتركني."
ظل صامتاً.
بدأت سيارة الإسعاف تتحرك.
جلست بجانبه.
أمسكت يده.
كانت باردة.
بعد دقائق، بدأ جهاز القلب يصدر صوتاً متقطعاً.
نظر الطبيب إلى الشاشة.
قال:
"فقدنا النبض."
صرخت:
"لا!"
بدأوا الإنعاش.
أمسكني أحدهم.
"ابتعدي."
"لا!"
"دعينا نعمل."
رأيت جسده يتحرك مع الصدمات.
مرة.
مرتين.
ثلاثاً.
ثم...
ظهر خط مستقيم.
توقفت أنفاسي.
قال الطبيب:
"وقت الوفاة..."
لكن فجأة تحرك الخط.
نبضة.
ثم أخرى.
صرخ الطبيب:
"لدينا نبض!"
بكيت.
لم أعد أعرف إن كانت دموعي خوفاً أم فرحاً.
بعد ساعات، كنت أجلس أمام غرفة العمليات.
خرج الطبيب.
وقفت فوراً.
"كيف حاله؟"
قال:
"الرصاصة لم تصب القلب مباشرة."
أغلقت عيني براحة.
"هل سيعيش؟"
"حالته خطيرة، لكنه مستقر."
وضعت يدي على فمي.
"هل يمكنني رؤيته؟"
"بعد قليل."
جلست.
لأول مرة منذ أيام، شعرت بالأمل.
لكن ريان جاء مسرعاً.
قال:
"ليان."
نظرت إليه.
كان وجهه شاحباً.
"ماذا حدث؟"
قال:
"كمال لم يكن الرجل الذي أطلق النار عليه."
تجمدت.
"ماذا؟"
"وجدنا كاميرات مخفية."
"وأين كمال؟"
"اختفى."
قلت:
"لكنني رأيته يسقط."
قال:
"الرجل الذي سقط لم يكن كمال."
شعرت بالبرد.
"إذن من كان؟"
نظر إليّ.
ثم قال:
"كان شخصاً يرتدي قناعاً."
سألته:
"وأين كمال الحقيقي؟"
أخرج هاتفه.
ظهر تسجيل جديد.
كمال يقف أمام الكاميرا.
قال:
"إذا كنتم تشاهدون هذا، فهذا يعني أنني نجحت."
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
"آسر لم يمت."
توقفت أنفاسي.
"لأنني لم أكن أريد قتله."
ثم ابتسم.
"كنت أريد أن أختبره."
اقترب من الكاميرا.
"والآن، بعد أن أثبت أنه مستعد للموت من أجل ليان..."
توقف.
ثم قال:
"أستطيع أن أبدأ المرحلة الأخيرة."
انطفأت الشاشة.
لكن قبل أن تنتهي الرسالة، ظهر ملف جديد.
فتحه ريان.
كانت نتيجة تحليل DNA.
اسم الشخص الأول:
آسر.
واسم الشخص الثاني:
كمال.
تطابقت النتيجة.
لكن ظهرت نتيجة ثالثة.
الأب البيولوجي لآسر: غير معروف.
تجمدنا.
قال ريان:
"هناك شيء غريب."
"ماذا؟"
"التحليل يؤكد أن كمال ليس والد آسر."
نظرت إليه.
"لكن كمال قال..."
"كان يكذب."
ثم رفع عينيه نحوي.
"والأسوأ..."
"ماذا؟"
قال:
"والد آسر الحقيقي هو الرجل الذي ظن الجميع أنه مات ليلة الحريق."
توقفت.
"من؟"
أجاب بصوت منخفض:
"سامر."
وفي اللحظة نفسها، خرج الطبيب من غرفة العمليات.
كان وجهه متوتراً.
قال:
"ليان..."
"ماذا؟"
"زوجك استيقظ."
ابتسمت.
لكن الطبيب أضاف:
"وأول شيء قاله عندما فتح عينيه كان..."
توقف.
"ماذا قال؟"
نظر إليّ.
ثم قال:
"لا تدعي ليان تدخل... لأنها في خطر."
الفصل السابع والثلاثون: بعد موت سامركان صوت صفارات الإسعاف يقترب، لكنني لم أعد أسمع شيئاً.كنت أرى آسر فقط.كان جاثياً على الأرض، يحتضن والده، ويصرخ باسمه."أبي... افتح عينيك!"لم يتحرك سامر.اقترب المسعفون بسرعة."ابتعد."لكن آسر رفض."لا!"قال المسعف:"إذا أردت أن نساعده، ابتعد."نظر إليه آسر للحظة.ثم ترك والده.بدأ الأطباء بمحاولة إنعاشه.كنت أحتضن سامر الصغير، وأراقب المشهد.كان طفلي نائماً.هادئاً.وكأن شيئاً لم يحدث.لكنني كنت أعرف أن حياته تغيرت إلى الأبد.بعد دقائق طويلة...توقف الطبيب.نظر إلى آسر.لم يقل شيئاً.لكن عينيه قالتا كل شيء.اقترب آسر."لا."قال الطبيب:"أنا آسف."هز آسر رأسه."لا.""لقد فقد الكثير من الدم.""أنقذوه.""حاولنا.""حاولوا مرة أخرى."قال الطبيب:"لقد مات."صرخ آسر:"قلت أنقذوه!"أمسكت يده.لكنه دفعني بعيداً دون أن يشعر.لم يكن غاضباً مني.كان غاضباً من العالم.من الماضي.من نفسه.ومن الموت الذي سرق والده مرة أخرى.جلست بجانبه."آسر."لم يجب."أنا هنا."قال بصوت مكسور:"مرة أخرى.""ماذا؟""فقدته مرة أخرى."بدأ يبكي."كنت أعتقد أنني حصلت عليه."وضعت يد
الفصل السادس والثلاثون: الكبسولات التي استيقظتانطفأت الأضواء دفعة واحدة.لم يبقَ في المختبر سوى أضواء حمراء صغيرة تومض فوق الأبواب.ثم بدأت الكبسولات الزجاجية تفتح واحدة تلو الأخرى.طَق.طَق.طَق.كان الصوت أشبه بعدٍّ تنازلي للموت.احتضنت سامر بقوة.كان الطفل قد استيقظ بسبب الضوضاء، وبدأ يبكي.قلت:"آسر..."أمسك يدي."أنا هنا."لكن عينيه كانتا مثبتتين على والده.سامر كان لا يزال داخل الكبسولة.أسلاك كثيرة متصلة بجسده.كان شاحباً، ضعيفاً، لكنه حي.قال:"آسر..."اقترب ابنه."أبي."ابتسم سامر بصعوبة."كبرت."انهارت دموعي.بعد كل تلك السنوات...كان اللقاء الذي حلم به آسر يحدث أمامي.لكن في أسوأ مكان ممكن.قال آسر:"سأخرجك."هز سامر رأسه."ليس الآن.""لماذا؟""لأن يوسف ينتظر ذلك."جاء صوت يوسف من مكبرات الصوت."أهلاً بكم في المرحلة الأخيرة."صرخ آسر:"اظهر!"ضحك يوسف."لن أحتاج إلى الظهور."قال ريان:"وجدته."رفع الحاسوب."هو في الطابق السفلي."قال آسر:"أين؟"أشار إلى الشاشة."غرفة التحكم."قال سامر:"لا تذهبوا إليه.""لماذا؟""لأنه يريدك أن تأتي."قال آسر:"سأذهب."أمسك سامر بذراعه."أن
الفصل الخامس والثلاثون: الحقيقة التي أخفاها الجميعدخلت نورا المختبر بخطوات ثابتة، لكن عينيها كانتا تحملان شيئاً مختلفاً تماماً.الخوف.ليس الخوف من كمال.ولا من الرجال المسلحين الذين قد يظهرون في أي لحظة.بل خوف امرأة حملت سراً لسنوات طويلة، وعرفت أن لحظة كشفه ستغير حياة الجميع إلى الأبد.قالت:"آسر ليس ابنك."حدق كمال فيها."أنت تكذبين."رفعت الملف."هذه المرة لا."اقترب كمال منها."أعطني الملف."تراجعت خطوة."لن تحصل عليه."قال آسر:"نورا، ماذا يحدث؟"نظرت إليه.وكانت الدموع قد بدأت تملأ عينيها."كنت أتمنى ألا تعرف أبداً."قال:"تعرف ماذا؟"صمتت.ثم قالت:"الحقيقة عن ولادتك."شعرت أنني عاجزة عن الكلام.كنت لا أزال أحمل سامر بين ذراعي.كان نائماً، وكأن العالم من حوله لا يعنيه.أما نحن...فكنا نقف وسط ماضٍ مليء بالأكاذيب.قال كمال:"آسر ابني."أجابته نورا:"لا.""كنت حاضراً عندما ولد.""كنت حاضراً.""أنا من دفعت تكاليف علاجه.""نعم.""أنا من حميته.""نعم.""إذن كيف تقولين إنه ليس ابني؟"نظرت إليه."لأنك كنت تحميه من الناس الذين صنعتهم بنفسك."تجمد وجه كمال.ثم قالت:"آسر ابن سامر."ر
الفصل الرابع والثلاثون: الرجل الذي كان أبيظللت أحدق في الصورة حتى شعرت أن عينيّ تؤلمانني.كنت طفلة.ربما في السابعة أو الثامنة من عمري.كنت أرتدي فستاناً أبيض، وأبتسم للكاميرا، بينما يقف كمال إلى جانبي.لكن الرجل الذي يقف خلفنا...كان مراد.والجملة المكتوبة أسفل الصورة كانت كافية لتحطيم كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه."والدك الحقيقي لم يكن مراد."قلت بصوت بالكاد خرج مني:"إذن من؟"لم يجب أحد.كان آسر يقف أمامي، يحمل الورقة، وعيناه مثبتتان على الصورة.قال ريان:"هذه الصورة قديمة جداً."نظرت إليه."كم عمرها؟""أكثر من عشرين عاماً."قال آسر:"هذا يعني أن كمال كان يعرف ليان قبل أن يعرفها مراد."هززت رأسي."لكن أمي قالت إن مراد أبي."ساد الصمت.ثم دخلت مريم.كانت شاحبة.وعندما رأت الصورة...توقفت.قلت:"أمي."لم ترفع عينيها."انظري إليّ."رفعت رأسها ببطء."قولي الحقيقة."بدأت دموعها تنزل."أي حقيقة؟"أشرت إلى الصورة."من هو أبي؟"قالت مريم:"كنت أتمنى ألا تعرفي."صرخت:"أنا لم أعد أحتمل الأسرار!"اقتربت منها."أين أبي؟"أغمضت عينيها."مات.""من قتله؟"لم تجب.قال آسر:"مريم."نظرت إليه."لقد
الفصل الثالث والثلاثون: الأب الذي عاد من الموتلم أستطع أن أتنفس.ظل وجه الرجل على الشاشة أمامنا، واضحاً، حياً، حقيقياً.وجه كنت قد رأيته في صور قديمة.وجه حفظه آسر من ذاكرته رغم كل ما حاولت المنظمة محوه.سامر.والد آسر.الرجل الذي دفنّاه في قلوبنا منذ سنوات.الرجل الذي كان موته أحد الأسباب التي أشعلت كل هذه الحرب.لكنه كان حياً.حيّاً طوال هذه السنوات.قال آسر بصوت لم أسمعه منه من قبل:"أبي؟"ابتسم الرجل على الشاشة.ابتسامة حزينة."نعم، يا بني."تراجع آسر خطوة.ثم أخرى.كأنه لم يعد قادراً على الوقوف.قلت:"آسر..."رفع يده."لا."ثم حدق في الشاشة."هذا مستحيل."قال سامر:"كنت أتمنى أن يكون."صرخ آسر:"أنت مت!""كنت أعيش.""رأيت قبرك.""كان قبراً فارغاً.""رأيتهم يدفنونك!"أغمض سامر عينيه."لم يكن جسدي في ذلك القبر."كان كل شيء ينهار من حولنا.آدم ما زال مقيداً.مريم تبكي.ريان يحاول اختراق النظام.يوسف واقف في الظلام.وسارة تحمل طفلي.أما أنا...فلم أستطع سوى النظر إلى الشاشة.قالت سارة:"ليان."صرخت:"أعيدي لي ابني!"شدّت سامر الصغير إلى صدرها."هو بخير.""أعيديه!"قال سامر والد آسر:
الفصل الثاني والثلاثون: الطفل الذي لم يكن طفليظللت أحدق في الصورة حتى بدأت ملامحها تتشوش أمام عيني.لم أعد أرى آدم.لم أعد أرى الرجل الواقف خلفه.لم أعد أرى حتى الطفل.كنت أرى شيئاً واحداً فقط.ذلك الوجه الصغير.عينان مغمضتان.يد صغيرة ملتفة حول إصبع رجل لا أعرفه.طفلي.أو هكذا كنت أريد أن أصدق.قال آسر:"ليان."لم أجب."انظري إليّ."رفعت رأسي.كان وجهه شاحباً."هذه الصورة قد تكون مزيفة."قلت:"وماذا لو لم تكن؟""سنتأكد.""وماذا لو كان طفلنا فعلاً؟"صمت.كانت الإجابة واضحة في عينيه.لو كان ذلك الطفل ابننا، فلن يتردد في الذهاب إلى أي مكان من أجله.حتى لو كان فخاً.حتى لو كان الموت ينتظره.قالت مريم:"لا تذهبي."التفت إليها."أمي...""كمال يريدك وحدك.""لأنه يعرف أنني سأذهب.""وهذا بالضبط ما يريده."قال آسر:"لن تذهب وحدها."نظرت إليه."طلب مني أن أذهب وحدي.""لن أفعل.""إذا رأوك معه، سيقتل آدم."قال:"وإذا ذهبت وحدك، سيقتلك.""إذن ماذا نفعل؟"لم يجب.كان الصمت أثقل من أي جواب.ثم دخل ريان فجأة.كان يحمل حاسوبه."وجدت شيئاً."اقتربنا منه.قال:"الرسالة التي وصلتك لم تُرسل من هاتف عادي.







