LOGINبعد خمس سنوات...
كنت أعتقد أن الماضي انتهى.
كنت أعتقد أنني أخيراً تعلمت كيف أعيش دون أن ألتفت خلفي كلما سمعت صوتاً غريباً، ودون أن أشك في كل باب يُفتح فجأة، ودون أن أخاف من أن يخطف مني القدر شخصاً أحببته.
كنت أعتقد أن الحياة قررت أخيراً أن تمنحني فرصة.
لكنني كنت مخطئة.
فبعض الأسرار لا تموت.
إنها تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتعود.
وكانت تلك اللحظة في صباح يوم هادئ، عندما وجدت رسالة أمام باب منزلنا.
لم يكن عليها اسم المرسل.
ولا عنوان.
ولا طابع بريد.
فقط اسمي.
ليان.
حملتها بين أصابعي.
ولسبب لم أفهمه، شعرت ببرودة تسري في جسدي.
دخلت المنزل وأغلقت الباب خلفي.
كان آسر في المطبخ يعد الإفطار، بينما كان سامر الصغير يجلس على الأرض ويبني برجاً من المكعبات.
رفع رأسه عندما رآني.
"أمي!"
ابتسمت.
"صباح الخير يا حبيبي."
ركض نحوي.
حملته وقبلت خده.
ثم وضع يده الصغيرة على وجهي.
"لماذا أنت خائفة؟"
توقفت.
الأطفال يرون أحياناً ما يحاول الكبار إخفاءه.
قلت:
"لست خائفة."
نظر إلى الظرف.
"ما هذا؟"
قلت:
"لا أعرف."
اقترب آسر.
كان يحمل كوبين من القهوة.
نظر إلى الرسالة.
ثم تغير وجهه.
"أعطني إياها."
ناولته الظرف.
قلبه.
ثم قال:
"لا تفتحيه."
نظرت إليه.
"لماذا؟"
"لا أعرف."
"إذن لماذا قلت ذلك؟"
لم يجب.
كان هناك شيء في عينيه.
شيء لم أره منذ سنوات.
الخوف.
الخوف الذي ظننت أننا دفناه مع مراد.
قلت:
"آسر..."
رفع عينيه.
"هناك أشياء لا أريد أن تعود إلى حياتنا."
قلت:
"وأنا أيضاً."
ثم فتحت الرسالة.
كانت الورقة قديمة.
لكن الكتابة كانت واضحة.
قرأت السطر الأول.
وتجمدت.
"إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فهذا يعني أن يوسف لم يمت."
سقطت الورقة من يدي.
أمسك آسر بها.
قرأها.
ثم نظر إليّ.
"يوسف."
همست:
"الرجل الذي كان داخل التابوت."
هز رأسه.
"ليس هو."
"إذن أين الحقيقي؟"
قلب الورقة.
كانت هناك جملة أخرى.
"لا تبحثوا عنه."
ثم:
"هو يبحث عنكم."
شعرت بقلبي يخفق بسرعة.
قال آسر:
"سنحرقها."
أمسكت يده.
"انتظر."
"لماذا؟"
"هناك شيء آخر."
كانت في أسفل الورقة صورة صغيرة.
صورة قديمة.
ثلاثة أطفال يقفون أمام منزل.
عرفت آسر فوراً.
ثم عرفت آدم.
لكن الطفل الثالث...
كان سامر.
تجمدت.
"هذه الصورة مستحيلة."
قال آسر:
"لماذا؟"
أشرت إلى الطفل الثالث.
"سامر لم يكن قد وُلد بعد."
في تلك اللحظة رن الهاتف.
كان آدم.
أجاب آسر.
"آدم؟"
جاء صوته متوتراً:
"هل وصلتك الرسالة؟"
نظر آسر إليّ.
"نعم."
صمت آدم.
ثم قال:
"إذن بدأ الأمر."
سألته:
"أي أمر؟"
سمعني.
قال:
"ليان، أين سامر؟"
نظرت إلى طفلنا.
كان لا يزال يلعب بالمكعبات.
"أمامنا."
قال آدم:
"خذه بعيداً عن النوافذ."
شعرت بالبرد.
"لماذا؟"
"لأنني رأيت شخصاً يراقب منزلكم."
اقترب آسر من النافذة.
فتح الستارة قليلاً.
لم ير أحداً.
قال:
"أين؟"
أجاب آدم:
"منذ ساعة."
ثم أضاف:
"وأنا أتبعه."
قال آسر:
"هل تعرفه؟"
"لا."
"هل رأيت وجهه؟"
"مرة واحدة."
"ومن هو؟"
صمت آدم.
ثم قال:
"رجل في الستين تقريباً."
"يوسف؟"
"لا."
"إذن من؟"
جاء صوت آدم أكثر انخفاضاً.
"رجل اسمه كمال."
تجمدت.
كمال.
الرجل الذي ظننا أنه مات في بداية كل هذه الكارثة.
قلت:
"كمال حي؟"
قال آدم:
"نعم."
شعرت بقلبي ينقبض.
كمال لم يكن مجرد شخص من الماضي.
كان الرجل الذي تسبب في أول مأساة حقيقية في حياتنا.
قال آسر:
"أين هو؟"
أجاب آدم:
"في المدينة."
ثم سكت.
"لكنه ليس وحده."
قلت:
"مع من؟"
لم يجب آدم.
سمعت صوت سيارة من الخارج.
ثم صوت فرامل.
نظر آسر إلى النافذة.
وقال:
"ابتعدي."
احتضنت سامر.
"ماذا يحدث؟"
قال:
"لا أعرف."
ثم أخرج سلاحه.
نظرت إليه.
"كنت أعتقد أننا انتهينا من هذا."
قال:
"وأنا أيضاً."
طرق أحدهم الباب.
ثلاث طرقات.
هادئة.
متباعدة.
طرق.
طرق.
طرق.
تجمدت.
سامر أخفى وجهه في صدري.
قال:
"أمي، من هناك؟"
لم أجب.
طرق الباب مرة أخرى.
ثم جاء صوت امرأة.
"ليان."
اتسعت عيناي.
كنت أعرف ذلك الصوت.
اقتربت من آسر.
"إنها مريم."
فتح آسر الباب قليلاً.
كانت أمي تقف أمامنا.
لكنها كانت شاحبة.
ومعها حقيبة سوداء.
دخلت بسرعة.
أغلق آسر الباب.
قلت:
"أمي، ماذا يحدث؟"
نظرت إلى سامر.
ثم إليّ.
وقالت:
"لا وقت للشرح."
"اشرحي."
أغلقت عينيها.
"أخذوا آدم."
تجمد آسر.
"ماذا؟"
"قبل نصف ساعة."
"من؟"
قالت:
"كمال."
اندفع آسر نحو الباب.
أمسكت بذراعه.
"لا."
نظر إليّ.
"إنه أخي."
"أعرف."
"لن أتركه."
قالت مريم:
"إذا ذهبت الآن، سيقتلونك."
توقف.
"ماذا تريدين منا؟"
وضعت الحقيبة السوداء على الطاولة.
فتحتها.
كان بداخلها جهاز تسجيل صغير.
وصندوق خشبي.
ومفتاح.
قلت:
"ما هذا؟"
قالت:
"أشياء تركها سامر والدك."
نظر آسر إلى الصندوق.
"أبي؟"
أومأت.
"وجدتها قبل سنوات."
"ولماذا أخفيتها؟"
قالت:
"لأن الوقت لم يكن مناسباً."
صرخ:
"ومتى سيكون مناسباً؟ عندما يموت الجميع؟"
لم تجب.
فتح آسر الصندوق.
كان بداخله دفتر.
أخذه.
فتح الصفحة الأولى.
كان خط سامر واضحاً.
لكن الجملة الأولى جعلتنا جميعاً نصمت.
"إذا كان ابني يقرأ هذا، فهذا يعني أنني فشلت في حماية عائلتي."
قلب آسر الصفحة.
"هناك حقيقة لم أخبر بها ليان."
نظرت إليه.
ثم قال:
"هذه عنك."
أخذت الدفتر.
قرأت.
"ليان ليست الوريثة الأخيرة."
توقفت.
"ماذا؟"
قلبت الصفحة.
"هناك فتاة أخرى تحمل الدم نفسه."
قلت:
"أختي نورا؟"
هز آسر رأسه.
"لا."
ثم تابع القراءة.
"اسمها الحقيقي سارة."
تجمدنا.
نظرت إلى مريم.
"سارة؟"
خفضت رأسها.
شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.
"سارة..."
صديقتنا.
المرأة التي وقفت معنا.
التي ساعدتنا.
التي ظننا أنها ماتت أثناء الانفجار.
قلت:
"لكن سارة ماتت."
قالت مريم:
"لا."
نظرت إليها.
"ماذا؟"
قالت:
"سارة لم تمت."
ساد الصمت.
قال آسر:
"أين هي؟"
أجابت مريم:
"لا أعرف."
"متى عرفت؟"
"منذ شهر."
"ولماذا لم تخبرينا؟"
قالت:
"لأنني تلقيت تهديداً."
"من؟"
نظرت إلى الباب.
ثم قالت:
"منها."
تجمدت.
"سارة تهددك؟"
"نعم."
قالت:
"أو الشخص الذي يستخدمها."
شغلت جهاز التسجيل.
صدر صوت سامر.
كان صوته أقدم.
ومتعباً.
قال:
"ليان، إذا كنت تسمعين هذا، فربما وصلت الحقيقة إليك أخيراً."
أغمضت عيني.
اشتقت إليه رغم أنني لم أعرفه إلا من خلال الأسرار.
تابع:
"لا تثقي في سارة."
توقفت أنفاسي.
ثم قال:
"ليس لأنها شريرة."
صمت قليلاً.
"بل لأنها لا تعرف أنها تعمل لصالح العدو."
نظر آسر إليّ.
ثم جاء صوت سامر:
"تم زرع شيء في ذاكرتها."
قلت:
"مثل آسر."
أومأت مريم.
تابع التسجيل:
"لكن هناك فرق."
ثم:
"سارة تعرف مكان يوسف."
تجمدت.
ثم قال:
"وإذا وجد يوسف سارة، فسيجد ليان."
انقطع التسجيل.
ساد الصمت.
ثم سمعنا صوتاً من الخارج.
صرخة.
ركض آسر إلى النافذة.
توقف.
قال:
"يا إلهي."
اقتربت.
"ماذا؟"
أشار إلى الشارع.
كانت هناك سيارة سوداء.
وبجانبها رجل.
يحمل صورة.
صورة لنا.
ثم رفع رأسه.
نظر مباشرة إلى نافذتنا.
ابتسم.
قلت:
"من هذا؟"
قال آسر:
"كمال."
رن هاتف مريم.
فتحت الاتصال.
لم يتكلم أحد.
ثم جاء صوت.
"مريم."
ارتجفت.
قالت:
"كمال."
ضحك.
"اشتقت إليك."
قالت:
"أين آدم؟"
"حي."
قال آسر:
"إذا لمسته..."
ضحك كمال.
"لا تقلق."
ثم أضاف:
"أنا لا أريد آدم."
تجمد آسر.
"ماذا تريد؟"
قال:
"الطفل."
شدد آسر قبضته.
"لن تقترب منه."
"لم أطلب منك الإذن."
ثم قال:
"أريد سامر."
احتضنت طفلنا بقوة.
قال كمال:
"هو ليس مجرد طفل."
"إنه حفيدي."
تجمدنا.
"ماذا؟"
قال:
"ابحثوا في سجل ولادته."
ثم أغلق الاتصال.
نظرنا إلى بعضنا.
قالت مريم:
"لا."
قلت:
"ماذا؟"
قالت:
"لا تفتحوا السجل."
لكن آسر كان قد أمسك الهاتف.
"لماذا؟"
أغلقت عينيها.
"لأنني كنت أخشى هذا اليوم."
قال:
"أمي."
رفعت رأسها.
وقالت:
"سامر ليس ابنك البيولوجي."
توقفت أنفاسي.
نظرت إلى طفلنا.
ثم إلى آسر.
لم أستطع الكلام.
قال آسر:
"ماذا قلتِ؟"
أجابت مريم بصوت مكسور:
"الطفل الذي ولدته ليان..."
ثم نظرت إلى الباب.
"تم تبديله في المستشفى."
شعرت أن العالم كله انهار.
"مستحيل."
قال آسر:
"أين طفلنا الحقيقي؟"
مريم لم تجب.
"أين طفلنا؟!"
بدأت دموعها تنزل.
ثم قالت:
"هذا هو السبب الذي جعل كمال يعود."
اقتربت منها.
"أين ابني؟"
صمتت.
ثم أخرجت من حقيبتها صورة صغيرة.
ناولتها لي.
كانت لطفل حديث الولادة.
وفي أسفل الصورة اسم واحد:
يوسف.
رفعت عيني إليها.
"من هذا؟"
قالت:
"ابن يوسف الحقيقي."
ثم أضافت:
"والطفل الذي يحمل دم المنظمة بالكامل."
في الخارج، دوّى صوت سيارة تبتعد.
وعلى هاتفي وصلت رسالة جديدة.
فتحتها.
كانت من رقم مجهول:
"إذا أردتِ استعادة ابنك الحقيقي... تعالي وحدك."
ثم ظهرت صورة.
آدم مقيد.
وخلفه طفل رضيع.
طفلي.
وتحت الصورة جملة واحدة:
"لديكِ ساعة واحدة فقط."
الفصل السابع والثلاثون: بعد موت سامركان صوت صفارات الإسعاف يقترب، لكنني لم أعد أسمع شيئاً.كنت أرى آسر فقط.كان جاثياً على الأرض، يحتضن والده، ويصرخ باسمه."أبي... افتح عينيك!"لم يتحرك سامر.اقترب المسعفون بسرعة."ابتعد."لكن آسر رفض."لا!"قال المسعف:"إذا أردت أن نساعده، ابتعد."نظر إليه آسر للحظة.ثم ترك والده.بدأ الأطباء بمحاولة إنعاشه.كنت أحتضن سامر الصغير، وأراقب المشهد.كان طفلي نائماً.هادئاً.وكأن شيئاً لم يحدث.لكنني كنت أعرف أن حياته تغيرت إلى الأبد.بعد دقائق طويلة...توقف الطبيب.نظر إلى آسر.لم يقل شيئاً.لكن عينيه قالتا كل شيء.اقترب آسر."لا."قال الطبيب:"أنا آسف."هز آسر رأسه."لا.""لقد فقد الكثير من الدم.""أنقذوه.""حاولنا.""حاولوا مرة أخرى."قال الطبيب:"لقد مات."صرخ آسر:"قلت أنقذوه!"أمسكت يده.لكنه دفعني بعيداً دون أن يشعر.لم يكن غاضباً مني.كان غاضباً من العالم.من الماضي.من نفسه.ومن الموت الذي سرق والده مرة أخرى.جلست بجانبه."آسر."لم يجب."أنا هنا."قال بصوت مكسور:"مرة أخرى.""ماذا؟""فقدته مرة أخرى."بدأ يبكي."كنت أعتقد أنني حصلت عليه."وضعت يد
الفصل السادس والثلاثون: الكبسولات التي استيقظتانطفأت الأضواء دفعة واحدة.لم يبقَ في المختبر سوى أضواء حمراء صغيرة تومض فوق الأبواب.ثم بدأت الكبسولات الزجاجية تفتح واحدة تلو الأخرى.طَق.طَق.طَق.كان الصوت أشبه بعدٍّ تنازلي للموت.احتضنت سامر بقوة.كان الطفل قد استيقظ بسبب الضوضاء، وبدأ يبكي.قلت:"آسر..."أمسك يدي."أنا هنا."لكن عينيه كانتا مثبتتين على والده.سامر كان لا يزال داخل الكبسولة.أسلاك كثيرة متصلة بجسده.كان شاحباً، ضعيفاً، لكنه حي.قال:"آسر..."اقترب ابنه."أبي."ابتسم سامر بصعوبة."كبرت."انهارت دموعي.بعد كل تلك السنوات...كان اللقاء الذي حلم به آسر يحدث أمامي.لكن في أسوأ مكان ممكن.قال آسر:"سأخرجك."هز سامر رأسه."ليس الآن.""لماذا؟""لأن يوسف ينتظر ذلك."جاء صوت يوسف من مكبرات الصوت."أهلاً بكم في المرحلة الأخيرة."صرخ آسر:"اظهر!"ضحك يوسف."لن أحتاج إلى الظهور."قال ريان:"وجدته."رفع الحاسوب."هو في الطابق السفلي."قال آسر:"أين؟"أشار إلى الشاشة."غرفة التحكم."قال سامر:"لا تذهبوا إليه.""لماذا؟""لأنه يريدك أن تأتي."قال آسر:"سأذهب."أمسك سامر بذراعه."أن
الفصل الخامس والثلاثون: الحقيقة التي أخفاها الجميعدخلت نورا المختبر بخطوات ثابتة، لكن عينيها كانتا تحملان شيئاً مختلفاً تماماً.الخوف.ليس الخوف من كمال.ولا من الرجال المسلحين الذين قد يظهرون في أي لحظة.بل خوف امرأة حملت سراً لسنوات طويلة، وعرفت أن لحظة كشفه ستغير حياة الجميع إلى الأبد.قالت:"آسر ليس ابنك."حدق كمال فيها."أنت تكذبين."رفعت الملف."هذه المرة لا."اقترب كمال منها."أعطني الملف."تراجعت خطوة."لن تحصل عليه."قال آسر:"نورا، ماذا يحدث؟"نظرت إليه.وكانت الدموع قد بدأت تملأ عينيها."كنت أتمنى ألا تعرف أبداً."قال:"تعرف ماذا؟"صمتت.ثم قالت:"الحقيقة عن ولادتك."شعرت أنني عاجزة عن الكلام.كنت لا أزال أحمل سامر بين ذراعي.كان نائماً، وكأن العالم من حوله لا يعنيه.أما نحن...فكنا نقف وسط ماضٍ مليء بالأكاذيب.قال كمال:"آسر ابني."أجابته نورا:"لا.""كنت حاضراً عندما ولد.""كنت حاضراً.""أنا من دفعت تكاليف علاجه.""نعم.""أنا من حميته.""نعم.""إذن كيف تقولين إنه ليس ابني؟"نظرت إليه."لأنك كنت تحميه من الناس الذين صنعتهم بنفسك."تجمد وجه كمال.ثم قالت:"آسر ابن سامر."ر
الفصل الرابع والثلاثون: الرجل الذي كان أبيظللت أحدق في الصورة حتى شعرت أن عينيّ تؤلمانني.كنت طفلة.ربما في السابعة أو الثامنة من عمري.كنت أرتدي فستاناً أبيض، وأبتسم للكاميرا، بينما يقف كمال إلى جانبي.لكن الرجل الذي يقف خلفنا...كان مراد.والجملة المكتوبة أسفل الصورة كانت كافية لتحطيم كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه."والدك الحقيقي لم يكن مراد."قلت بصوت بالكاد خرج مني:"إذن من؟"لم يجب أحد.كان آسر يقف أمامي، يحمل الورقة، وعيناه مثبتتان على الصورة.قال ريان:"هذه الصورة قديمة جداً."نظرت إليه."كم عمرها؟""أكثر من عشرين عاماً."قال آسر:"هذا يعني أن كمال كان يعرف ليان قبل أن يعرفها مراد."هززت رأسي."لكن أمي قالت إن مراد أبي."ساد الصمت.ثم دخلت مريم.كانت شاحبة.وعندما رأت الصورة...توقفت.قلت:"أمي."لم ترفع عينيها."انظري إليّ."رفعت رأسها ببطء."قولي الحقيقة."بدأت دموعها تنزل."أي حقيقة؟"أشرت إلى الصورة."من هو أبي؟"قالت مريم:"كنت أتمنى ألا تعرفي."صرخت:"أنا لم أعد أحتمل الأسرار!"اقتربت منها."أين أبي؟"أغمضت عينيها."مات.""من قتله؟"لم تجب.قال آسر:"مريم."نظرت إليه."لقد
الفصل الثالث والثلاثون: الأب الذي عاد من الموتلم أستطع أن أتنفس.ظل وجه الرجل على الشاشة أمامنا، واضحاً، حياً، حقيقياً.وجه كنت قد رأيته في صور قديمة.وجه حفظه آسر من ذاكرته رغم كل ما حاولت المنظمة محوه.سامر.والد آسر.الرجل الذي دفنّاه في قلوبنا منذ سنوات.الرجل الذي كان موته أحد الأسباب التي أشعلت كل هذه الحرب.لكنه كان حياً.حيّاً طوال هذه السنوات.قال آسر بصوت لم أسمعه منه من قبل:"أبي؟"ابتسم الرجل على الشاشة.ابتسامة حزينة."نعم، يا بني."تراجع آسر خطوة.ثم أخرى.كأنه لم يعد قادراً على الوقوف.قلت:"آسر..."رفع يده."لا."ثم حدق في الشاشة."هذا مستحيل."قال سامر:"كنت أتمنى أن يكون."صرخ آسر:"أنت مت!""كنت أعيش.""رأيت قبرك.""كان قبراً فارغاً.""رأيتهم يدفنونك!"أغمض سامر عينيه."لم يكن جسدي في ذلك القبر."كان كل شيء ينهار من حولنا.آدم ما زال مقيداً.مريم تبكي.ريان يحاول اختراق النظام.يوسف واقف في الظلام.وسارة تحمل طفلي.أما أنا...فلم أستطع سوى النظر إلى الشاشة.قالت سارة:"ليان."صرخت:"أعيدي لي ابني!"شدّت سامر الصغير إلى صدرها."هو بخير.""أعيديه!"قال سامر والد آسر:
الفصل الثاني والثلاثون: الطفل الذي لم يكن طفليظللت أحدق في الصورة حتى بدأت ملامحها تتشوش أمام عيني.لم أعد أرى آدم.لم أعد أرى الرجل الواقف خلفه.لم أعد أرى حتى الطفل.كنت أرى شيئاً واحداً فقط.ذلك الوجه الصغير.عينان مغمضتان.يد صغيرة ملتفة حول إصبع رجل لا أعرفه.طفلي.أو هكذا كنت أريد أن أصدق.قال آسر:"ليان."لم أجب."انظري إليّ."رفعت رأسي.كان وجهه شاحباً."هذه الصورة قد تكون مزيفة."قلت:"وماذا لو لم تكن؟""سنتأكد.""وماذا لو كان طفلنا فعلاً؟"صمت.كانت الإجابة واضحة في عينيه.لو كان ذلك الطفل ابننا، فلن يتردد في الذهاب إلى أي مكان من أجله.حتى لو كان فخاً.حتى لو كان الموت ينتظره.قالت مريم:"لا تذهبي."التفت إليها."أمي...""كمال يريدك وحدك.""لأنه يعرف أنني سأذهب.""وهذا بالضبط ما يريده."قال آسر:"لن تذهب وحدها."نظرت إليه."طلب مني أن أذهب وحدي.""لن أفعل.""إذا رأوك معه، سيقتل آدم."قال:"وإذا ذهبت وحدك، سيقتلك.""إذن ماذا نفعل؟"لم يجب.كان الصمت أثقل من أي جواب.ثم دخل ريان فجأة.كان يحمل حاسوبه."وجدت شيئاً."اقتربنا منه.قال:"الرسالة التي وصلتك لم تُرسل من هاتف عادي.







