Masukمرت ثلاثة أسابيع منذ ولادة الطفلة الصغيرة التي أسمياها "جنى"، وبدأت الحياة تعود تدريجيًا إلى طبيعتها في منزل ريم وسامر. كانت الأيام مليئة بالسهر والتعب، لكنها كانت أيضًا مليئة بفرح غامر لم تعرفه ريم من قبل، فرح جعلها تنسى تقريبًا كل ما حدث في تلك الليلة المضطربة بالمستشفى.
في أحد الأيام، بينما كانت ريم تُرضع طفلتها في غرفة الجلوس، رنّ جرس الباب بإلحاح غريب. فتحت الباب لتجد امرأة أنيقة تقف أمامها، ملامحها متوترة وعيناها تحملان مزيجًا من الغضب والتحدي. عرفتها ريم فورًا رغم مرور السنوات: كانت سلوى. "ماذا تريدين؟" سألتها ريم بحذر، وهي تشد طفلتها بقوة أكبر بين ذراعيها. "أريد أن أعرف ما الذي أخبرتِ به كريم بالضبط؟ منذ أسابيع وهو يرفض التحدث معي، وسمعت أنه يهدد بتقديم شكوى رسمية ضدي بتهمة التشهير والتزوير!" كان صوت سلوى مرتفعًا، يحمل نبرة من الذعر أكثر من الغضب. "أنا لم أخبره بشيء، هو من اكتشف الحقيقة بنفسه واعترفتِ أنتِ بها لصديقتك، والتي على ما يبدو لم تكن صديقة وفية بما يكفي لتحافظ على سرك." ردت ريم بهدوء، محاولة ألا ترفع صوتها كي لا توقظ الطفلة النائمة بين ذراعيها. تراجعت سلوى خطوة، وقد بدت عليها ملامح الانهيار. "أرجوك يا ريم، تحدثي معه، أقنعيه بالتراجع عن الشكوى. أعرف أنني أخطأت، أخطأت بحقك بشكل كبير، لكنني كنت... كنت أحبه بجنون، ولم أتحمل رؤيته يتزوج منك." نظرت ريم إليها بمزيج من الشفقة والغضب المكتوم. "ما فعلتِه لم يكن مجرد خطأ يا سلوى، لقد دمرتِ ثلاث سنوات من حياتي، وجعلتِني أعيش تحت وصمة لم أستحقها. لا أستطيع ولن أتدخل في قرار كريم، فهذا شأنه هو، وعليكِ أن تتحمّلي نتيجة أفعالك كما تحمّلتُ أنا نتيجتها لسنوات." بدأت سلوى تبكي بصوت مسموع، متوسلة، لكن ريم لم تشعر بأي رغبة في التراجع عن موقفها. أغلقت الباب بهدوء، تاركة سلوى تقف وحيدة في الممر، غارقة في دموع الندم المتأخر. عاد سامر إلى المنزل في المساء، ولاحظ توتر ريم الواضح. حين أخبرته بما حدث، احتضنها بقوة، وقال بصوت حازم: "لقد فعلتِ الصواب تمامًا، هذا ليس شأننا، ويجب أن تتحمل سلوى عواقب أفعالها. أنتِ لستِ مضطرة لحمل ذنب أي شخص آخر بعد الآن." في تلك الليلة، وبينما كانت ريم تهدهد طفلتها لتنام، تلقت رسالة قصيرة من كريم: "سمعت أن سلوى ذهبت إليك اليوم. أعتذر إن كانت قد أزعجتك بأي شكل، سأتولى الأمر بنفسي من الآن فصاعدًا، ولن أدعها تقترب منك أو من عائلتك مرة أخرى." قرأت ريم الرسالة، وشعرت بامتنان صادق تجاه كريم لأول مرة منذ سنوات طويلة، ليس كزوج سابق، بل كإنسان يحاول تصحيح أخطاء الماضي بطريقته الخاصة. ردّت عليه بكلمات بسيطة: "شكرًا لك يا كريم، أتمنى لك حياة أفضل مما مضى." ولم تكن تعلم حينها أن هذه الرسالة القصيرة ستكون بداية تواصل جديد، بريء في ظاهره، لكنه سيحمل تبعات لم تكن تتوقعها إطلاقًا. وضعت هاتفها جانبًا، وعادت لتحديق في وجه ابنتها النائمة بسلام، محاولة أن تطرد كل الأفكار المزعجة من رأسها. لم تكن تدرك أن سامر، الذي دخل الغرفة بهدوء في تلك اللحظة، قد لمح اسم كريم يومض على شاشة الهاتف قبل أن تغلقها، وأن شعورًا خفيًا من القلق بدأ يتسلل إلى قلبه رغم كل الثقة التي أعلنها بصوت عالٍ قبل ساعات قليلة فقط. وقف عند الباب صامتًا للحظة، يراقب زوجته وابنته في مشهد يفيض دفئًا، قبل أن يقرر أن يبقي مخاوفه لنفسه، على الأقل في الوقت الراهن.قادت ريم ثلاث ساعات في طريق العودة.لم تشغّل الراديو، ولم تتصل بأحد، ولم تتوقف إلا مرة واحدة لتشتري ماءً.كانت تنتظر أن تشعر بشيء: غضب، أو انكسار، أو حتى بكاء في مكان ما على الطريق.لم يأتِ شيء.وحين وصلت إلى مشارف مدينتها في الثامنة مساءً، أدركت أخيرًا ما تشعر به.كانت مرهقة. لا أكثر ولا أقل.وجدت سامر في المطبخ."الأطفال؟""نائمان. جنى قاومت ساعة كاملة لأنها أرادت انتظارك."جلست على الكرسي، وخلعت حذاءها، ولم تخلع معطفها."سامر، أنا لن أستطيع أن أحكي كل شيء الليلة.""لا أحد يطلب.""لكنني سأقول لك جملة واحدة، لأنني إن لم أقلها الآن فسأحملها إلى الفراش.""قولي."نظرت إليه."كريم عرف أنني بريئة بعد أربعة أشهر من الطلاق. لا بعد ثلاث سنوات."توقف سامر عن الحركة تمامًا.جلس أمامها، ولم يقل شيئًا لفترة.ثم قال: "ريم، أنا سأقول شيئًا وأنا أعرف أنه لن يعجبك.""قل.""لو كنت مكانه، ولو فعلت ما فعله، لما استطعت أن أنظر في وجهي مرة أخرى."جلست ريم صامتة."سامر، أنا لم أشعر بشيء في الطريق.""ماذا تعنين؟""قدت ثلاث ساعات، وكنت أنتظر أن أغضب أو أبكي أو أصرخ في السيارة." قالت. "ولم يأتِ شيء. وصلت متع
وصل الاتصال في أيلول، بعد الحفل بشهرين.كانت ريم في السيارة، عائدة من العمل، حين ظهر رقم لا تعرفه."ألو؟""السيدة ريم؟ اسمي ليلى. أنا زوجة كريم."توقفت ريم عن الحديث للحظة، ثم أشارت بالسيارة إلى جانب الطريق."أهلاً ليلى. هل كل شيء بخير؟""لا." قالت المرأة. "كريم في المستشفى منذ أربعة أيام."الحكاية كانت بسيطة وقاسية معًا.أزمة قلبية في السابعة والأربعين، في مكتبه، في الحادية عشرة صباحًا. أنقذه موظف كان معه في الغرفة، واتصل بالإسعاف في الدقيقة الأولى."الأطباء يقولون إنه سينجو." قالت ليلى. "لكنه لن يعود كما كان. قسطرة، وأدوية مدى الحياة، وعمل أقل بكثير.""وكيف حاله الآن؟""مستقر، ويتكلم، ويسأل عن كل شيء إلا صحته." قالت. "وهذا سبب اتصالي.""لا أفهم."صمتت ليلى لحظة."سيدة ريم، أنا أعرف قصتكما. كريم أخبرني بكل شيء قبل أن نتزوج، ولم يخفِ عني حرفًا." قالت. "وأنا لست هنا لأفتح شيئًا قديمًا.""أعرف.""لكنه في اليوم الثاني، وهو تحت تأثير الأدوية، قال جملة لم أفهمها." قالت. "وهو لا يذكر أنه قالها.""ما هي؟""قال: أخبروها أنني لم أستطع أن أخبرها."جلست ريم في سيارتها على جانب الطريق عشرين دقيقة
وُقّع اتفاق لبنى ووائل بعد ثلاثة أسابيع.يومان في الشهر، وثلاث مكالمات أسبوعية، ومراجعة الترتيب بعد ستة أشهر. صاغته هدى في صفحتين، ولم يكن فيه أي شرط جزائي، لأن الطرفين رفضا ذلك."هذه أول مرة أكتب فيها اتفاقًا يرفض الطرفان وضع عقوبات فيه." قالت هدى بعد التوقيع. "وأنا لا أعرف إن كان هذا مطمئنًا أم مقلقًا.""وما رأيك المهني؟" سألت ريم."مهنيًا، الاتفاق ضعيف." قالت. "إنسانيًا، هو أفضل شيء رأيته منذ سنوات."عادت لبنى إلى الدورة الرابعة كمشاركة، لا كحالة.وفي الجلسة الخامسة، تلك التي كانت ريهام قد وصفتها بأنها "تقول للأمهات إن البرنامج ليس لهن"، حدث شيء لم يخطط له أحد.كانت الجلسة عن العمل والاستقلال المادي.رفعت امرأة يدها وقالت: "أنا عندي ثلاثة أطفال ولا أحد يرعاهم، فكيف أبحث عن عمل؟"وقبل أن تجيب ريهام، تكلمت لبنى."هل يمكنني؟"أومأت ريهام."أنا عملت في مطعم أربع ساعات مساءً، ثم في مكتبة ست ساعات صباحًا." قالت لبنى. "وأنا لم يكن عندي أطفال معي، وكان الأمر صعبًا جدًا. فلا أستطيع أن أقول لك إنه ممكن."صمتت القاعة."لكنني أستطيع أن أقول لك شيئًا آخر: أنا أضعت ثمانية أسابيع في هذه القاعة صا
مرّت أربعة أشهر.عاد إيقاع الحياة إلى ما كان عليه تقريبًا: قسم العمليات يعمل بمعدل استقالات سبعة بالمئة، ومشروع سامر بثلاثة موظفين، والبرنامج في دورته الثالثة، وقائمة المحامين وصلت إلى تسعة عشر اسمًا بعد تعديل الشروط.سبع نساء استفدن من القائمة في تلك الأشهر.اثنتان ربحتا الطعن. وواحدة خسرت. وأربع ما زالت ملفاتهن مفتوحة.ولم تصل أي رسالة أخرى من لبنى.كانت ريم قد تعلمت شيئًا في تلك الأشهر: أن تحمل السؤال دون أن تلاحقه.في البداية كانت تفتح البريد العام للمركز كل صباح.ثم صارت مرتين أسبوعيًا.ثم توقفت عن العدّ.لم يكن نسيانًا، بل شيئًا آخر: أنها وضعت الأمر في مكان تستطيع أن تعيش بجانبه.في أحد أيام نيسان، وبينما كانت في اجتماع طويل، وصلتها رسالة من ريهام."سيدتي، حين تنتهين، اتصلي بي. ليس طارئًا. لكن اتصلي."خرجت من الاجتماع بعد أربعين دقيقة، واتصلت من الممر."ريهام؟""سيدتي، هي هنا."توقفت ريم في مكانها."من؟""لبنى. جاءت قبل ساعة ونصف. جالسة في القاعة الصغيرة الآن."قادت ريم إلى المركز في اثنتين وعشرين دقيقة.وقفت عند باب القاعة الصغيرة، وأخذت نفسًا قبل أن تدخل.كانت امرأة تجلس على ا
نُشر المقال بعد ثلاثة أسابيع.عنوانه: "عنوان خاطئ في ملف: كيف تخسر امرأة أطفالها بسبب ورقة؟"لم يذكر اسم لبنى، ولا اسم المركز، ولا مدينة بعينها. ذكر ثماني حالات مجهّلة من ملفات محامية بخبرة ثماني سنوات، وذكر النص القانوني الذي يسمح بالطعن، وذكر شرط تغيير العنوان في السجل والمستندات المطلوبة له.وفي الفقرة قبل الأخيرة، جملة واحدة من هدى:"النظام لا يطلب من المرأة أن تثبت أنها هربت. يطلب منها أن تثبت أين تسكن الآن. وهذان طلبان مختلفان تمامًا حين تكونين نائمة على أريكة صديقة."في اليوم الأول، قرأ المقال أربعة آلاف شخص.في اليوم الثالث، تسعة عشر ألفًا.وفي اليوم الخامس، اتصلت بهدى محامية لا تعرفها من مدينة أخرى."الأستاذة هدى؟ قرأت المقال، وعندي حالة مطابقة تمامًا منذ سنة ونصف. وأنا لم أفكر في الطعن على أساس العنوان إطلاقًا."في اليوم السابع، وصل المركز اثنان وعشرون اتصالاً.معظمها من نساء يسألن سؤالاً واحدًا بصيغ مختلفة: "هل هذا ينطبق عليّ أنا؟"وواحد كان مختلفًا.اتصل رجل في الستينيات، وطلب أن يتحدث مع "المسؤولة"."سيدتي، أنا قاضٍ متقاعد." قال. "عملت في محاكم الأسرة أربعة عشر عامًا."تو
استغرق القسم الفني تسعة أيام لفتح الهاتف.كانت تسعة أيام مرت على ريم بإيقاع غريب: تعمل بكفاءة كاملة في النهار، وتستيقظ في الرابعة صباحًا بلا سبب، وتفتح الشاشة، وتنظر، ولا تجد شيئًا.في اليوم السادس، لاحظت جنى."ماما، لماذا وجهك حزين وأنتِ لستِ حزينة؟"توقفت ريم عن ترتيب الحقيبة."ماذا تعنين يا حبيبتي؟""أنتِ تضحكين، لكن وجهك يبقى حزينًا." قالت الطفلة. "مثل حين تكون المعلمة متعبة وتقول إنها بخير."جلست ريم على ركبتيها."عندي في العمل امرأة لا نعرف أين هي." قالت. "ونحن نحاول أن نجدها، ولا نستطيع.""وهل هي طفلة؟""لا، كبيرة."فكرت جنى."إذن هي تعرف الطريق إلى بيتها."نظرت ريم إلى ابنتها، وشعرت بشيء ينفرج قليلاً لأول مرة منذ تسعة أيام."نعم يا حبيبتي." قالت. "هي تعرف الطريق."اتصل الضابط في صباح اليوم العاشر."سيدة ريم، فُتح الهاتف."جلست فورًا. "وماذا وجدتم؟""لا أستطيع أن أعطيك تفاصيل، والملف الآن ملف تحقيق." قال. "لكنني سأخبرك بشيئين، لأنكم أنتم من بدأتم هذا الملف.""تفضل.""الأول: لا يوجد في الهاتف ما يشير إلى أنها تنوي إيذاء نفسها. لا رسائل، ولا بحث، ولا شيء إطلاقًا."أغمضت ريم عينيه







