เข้าสู่ระบบلحظات من الصمت الثقيل لفت أركان تلك الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى أزيز الرياح الخريفية الباردة في الخارج، وهي تضرب زجاج النوافذ، يرافقها صوت أنفاس **مسك** الواهنة التي كانت تصارع سكرات المرض للبقاء على قيد الحياة.
وقف **جبريل** كصخرة صماء بجانب الفراش، وعيناه المظلمتان تتأملان ذلك الجسد النحيل. امتدت يده المترددة—التي لطالما كانت سبب عذابها وجحيمها طوال الأيام الماضية—لتتحسس جبينها. كانت بشرتها ساخنة كالجمر، تلذع أصابعه بقسوة. لقد بدأت نبوءة الطبيب تتحقق سريعًا؛ واجتاحت الحمى جسدها المستنزف، لتغلي الدماء في عروقها. تراجع خطوة إلى الوراء، وعقد يديه أمام صدره، وكأن حرارة جسدها قد لسعته، تلاطمت في عقله أسئلة عدة، وسأل نفسه بمرارة: "مَن تكون هذه الفتاة حقًا؟ هل هي تلك الأفعى الماكرة التي حاكت خيوط المؤامرة لإنهاء حياة أخي واغتياله بدم بارد؟ أم أنها مجرد ضحية بريئة سحقها انتقامه الأعمى دون ذنب؟" انقبض صدره بقوة وهو يرى شفتيها المتشققتين تتحركان بتمتمات غير مفهومة، يرافقها أنين خافت يمزق سكون الغرفة. انحنى **جبريل** بجسده قليلًا، مدفوعًا برغبة عارمة في سماع ما تقوله وسط غيبوبتها الفوضوية، فجاء صوتها المتقطع ليعبر مسامعه كطعنات متتالية: "أنا... لم أفعل شيئًا... أقسم لك... ارحمني يا الله... أنا بريئة..." نزلت كلماتها عليه كالصاعقة. الجمود والتحجر اللذان تذرّع بهما طوال فترة تعذيبها بدآ يتشققان ويتهاويان بعنف. لأول مرة في حياته، يشعر بوخز الندم ينهش أحشاءه ويزلزل ثقته المطلقة. لكن، في تلك اللحظة بالذات، قفزت صورة شقيقه الغارق في دمائه إلى مخيلته، لتعيد إشعال فتيل غضبه المكبوت، وتذكره بقسم الثأر الذي قطعه على نفسه. عجز **جبريل** عن مغادرة الغرفة، فكأن هناك قيدًا خفيًا يربطه بها. سحب مقعدًا خشبيًا وجلس بجانبها، ثم أحضر وعاءً من الماء الفاتر وقطعة قماش. بدأ—رغماً عن قسوته—بوضع الكمادات على جبينها لعله يخفف من وطأة الحمى. وفي كل مرة كانت تنتفض ذعرًا وكأنها ما زالت تحت سوط جلادها، كان يمسك كفها الصغيرة دون وعي، ليوفر لها أمانًا حرمها منه بنفسه. مع مرور الوقت، بدأت حرارة جسد **مسك** تنخفض تدريجيًا، واستقرت ملامحها المجهدة لتغرق في نوم عميق وهادئ. وقف **جبريل** عند النافذة يراقب سكون الليل، وقد اتخذ قرارًا حاسمًا: لن يمسها بسوء، ولن يسمح لأحد باضطهادها حتى تكشف التحقيقات الحقيقة كاملة. التفت نحو الفراش، ملقيًا نظرة طويلة على وجهها، ثم تمتم بنبرة خفيضة وهو يغادر: "استيقظي وقاومي يا مسك... فالحساب الحقيقي بيننا لم يبدأ بعد." في مكان آخر من المدينة، وصلت **ملاك** إلى فيلتها المنعزلة. نزلت من فوق دراجتها النارية، ودخلت المنزل بخطى ثقيلة، حاملة حقيبتها بملامح يكسوها الإرهاق الشديد والتعب النفسي. لم تكن ترغب في شيء سوى العزلة والراحة من ضغوط العالم الخارجي. فور دخولها بهو الفيلا، رأتها والدتها **زهرة** التي كانت تجلس قلقة بانتظارها. انتفضت الأم من مكانها وأسرعت نحوها، وعانقتها بشدة وهي تبكي بحرقة قائلة: "ابنتي الحبيبة، لقد اشتقت إليكِ كثيرًا! أين غبتِ عني كل هذا الوقت وتركتِني للنيران تأكل قلبي؟" لكن **ملاك** ظلت واقفة كجذع شجرة يابس؛ لم تبادلها العناق، ولم تنطق بكلمة واحدة تسكن روع أمها. مدّت **زهرة** يدها المرتعشة لتلمس وجه ابنتها، وتفحصت تلك الكدمات الزرقاء التي خلفتها الصفعات القوية على وجنتها، وقالت بنبرة يملؤها العجز والحزن: "حرام عليكِ ما تفعلينه بنفسكِ يا بنيتي.. هذا العمل الخشن المليء بالدماء والمخاطر ليس للبنات!" انقبضت ملامح **ملاك** فجأة، ونظرت إلى أمها بعينين حادتين وقالت: "ومن قال لكِ إنني فتاة؟" صعقت الأم من السؤال وأجابت بذهول: "ماذا تقصدين بكلامكِ هذا؟ أنتِ ابنتي، أنتِ فتاة!" ابتسمت **ملاك** بمرارة وسخرية سوداء: "الفتاة التي أنجبتِها وتربّت في أحضانكِ قد ماتت وشبعت موتًا منذ زمن طويل. ومَن يقف أمامكِ الآن، يصارع هذا العالم القذر، هو رجل!" صرخت **زهرة** وهي تضرب صدرها بقلة حيلة: "ماذا تقولين؟ ماهذا الكلام المجنون؟ أنتِ فتاة بكامل أنوثتكِ، والحياة ما زالت في بدايتها أمامكِ! سيأتي يوم وتجدين فيه شخصًا شهمًا يحبكِ وتحبينه، يداوي جراحكِ، وسترزقين بأطفال يملؤون عليكِ الدنيا!" بمجرد أن اخترقت هذه الكلمات مسامعها، شحب وجه **ملاك** واعتصرها الغيظ الشديد، واجتاحتها نوبة غضب عارمة. لم تجد أمامها لتفريغ تلك الشحنة المدمرة سوى مجسم ديكور فخاري ضخم كان يزين الزاوية، فركلته بقدمها بكل ما أوتيت من قوة وعنف، حتى تفتت وتناثرت شظاياه الحادة في كل مكان محدثًا دويًا هائلًا. صرخت **ملاك** وعيناها تشتعلان حمرة كالدم: "لستُ فتاة! أنا لستُ فتاة ولن أكون كذلك أبدًا! إياكِ ثم إياكِ أن تشبهيني بكنّ أو تضعي اسمي في خانة النساء! مستحيل أن أسمح لأي نذل على هذه الأرض أن يقترب من جسدي، أنا **ملاك**.. أنا رجل رغماً عن أنف الرجال، وأقوى من كل أشباه الرجال الذين قابلتهم!" اكتفت **زهرة** بوضع يديها على وجهها، غارقة في بكاء مرير وهي تتأمل الحال القاسي والشرخ النفسي العميق الذي وصلت إليه ابنتها. كانت الأم تظن واهمة أن الأيام والسنوات كفيلة بمحو كرهها للرجال والذي لا تعلم سببه، ولم تتخيل أبدًا أن تتحول إلى هذا الكابوس المرعب و تكره هويتها كفتاة إلى هذا الحد. تابعت **ملاك** حديثها وهي ترتجف بعنف، والعرَق البارد يتصبب من جبينها. "إياكِ أن تناديني بلقب فتاة مجددًا، أو تتخيلي لوهلة أنني سأرتبط برجل أو أنكسر لأحد! إذا أردتِ البقاء العيش في هذا المنزل معي، فتقبليني كما أنا الآن. وإذا كان هذا الوضع لا يعجبكِ، يمكنكِ المغادرة لن أجبرك على البقاء!" تركت **ملاك** والدتها غارقة في دموعها، وصعدت الأدراج نحو غرفتها وهي تلهث وتتنفس بصعوبة وكأن الأكسجين قد هرب من المكان. دخلت غرفتها وجسدها كله ينتفض كعصفور بلله المطر، فتوجهت مباشرة بخطوات سريعة نحو الحمام. فتحت صنبور الماء البارد على أقصى درجة، وارتمت تحته بكامل ملابسها الرياضية دون أن تخلع منها شيئًا. اندفعت المياه المثلجة لتغمر رأسها وجسدها، وكان جسدها ينقبض بعنف جراء الصدمة الحرارية. كانت عيناها محمرتين ومتورمتين، وحين أوشكت دمعة وحيدة ضعيفة على الفرار، منعتها بقسوة؛ حيث بدأت تصفع وجهها بيديها بهستيرية، وتصرخ بأعلى صوتها ليغطي على صوت الماء المتدفق: "لا تبكي! إياكِ أن تبكي! أنتِ لم تُخلَقي لتذرفي الدموع، بل خُلقتِ لتجعليهم هم يبكون دماً! لن تنهزمي، ولن تسقطي، ولن تنكسري لأي سبب! أنتِ قوية.. أنتِ **ملاك** الفولاذية!" وقفت تلهث وتستند إلى الجدار البارد لبعض الوقت حتى هدأت نوبتها، ثم خرجت من الحمام تقطر ماءً. بدلت ثيابها المبتلة بسرعة وارتدت بذلة رياضية واسعة لتستريح. استلقت على فراشها ورمت عليها الغطاء الصوفي، لكنها بدأت تشعر بحمى مفاجئة وقشعريرة قاسية تجتاح أطرافها المنهكة، وأدركت أن المرض قد نال منها بفعل الماء البارد والإرهاق. بدأت أسنانها تصطك ببعضها بقوة من شدة البرد الداخلي. أغمضت عينيها، محاولة الهروب من واقعها المرير والاستسلام للنوم علّها تجد فيه بعض السكينة والمغفرة. وما إن بدأت تغفو وتفقد وعيها تدريجيًا لتغرق في النوم، حتى تناهى إلى مسامعها فجأة صوت صراخ والدتها **زهرة** في الطابق السفلي؛ صراخ حاد، ومذعور، ومقطع كأنه استغاثة أخيرة! فتحت **ملاك** عينيها بفزع، همّت بإزاحة الغطاء عنها لتنهض وتستطلع الأمر، لكنها لم تكد تضع قدمها على الأرض حتى فوجئت بباب غرفتها الخشبي يُحطم ويتناثر ركامًا بفعل ضربة همجية عنيفة. اندفع إلى داخل الغرفة خمسة رجال ضخام الجثة كأنهم وحوش كاسرة خرجت من عتمة الليل، يرتدون ملابس قتالية سوداء وملثمين بالكامل لا تظهر منهم سوى أعين يملؤها الغدر والشر، مشهرين أسلحتهم النارية نحوها، ومحاصرين كل زوايا الهروب في الغرفة.لحظات من الصمت الثقيل لفت أركان تلك الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى أزيز الرياح الخريفية الباردة في الخارج، وهي تضرب زجاج النوافذ، يرافقها صوت أنفاس **مسك** الواهنة التي كانت تصارع سكرات المرض للبقاء على قيد الحياة. وقف **جبريل** كصخرة صماء بجانب الفراش، وعيناه المظلمتان تتأملان ذلك الجسد النحيل. امتدت يده المترددة—التي لطالما كانت سبب عذابها وجحيمها طوال الأيام الماضية—لتتحسس جبينها. كانت بشرتها ساخنة كالجمر، تلذع أصابعه بقسوة. لقد بدأت نبوءة الطبيب تتحقق سريعًا؛ واجتاحت الحمى جسدها المستنزف، لتغلي الدماء في عروقها. تراجع خطوة إلى الوراء، وعقد يديه أمام صدره، وكأن حرارة جسدها قد لسعته، تلاطمت في عقله أسئلة عدة، وسأل نفسه بمرارة: "مَن تكون هذه الفتاة حقًا؟ هل هي تلك الأفعى الماكرة التي حاكت خيوط المؤامرة لإنهاء حياة أخي واغتياله بدم بارد؟ أم أنها مجرد ضحية بريئة سحقها انتقامه الأعمى دون ذنب؟" انقبض صدره بقوة وهو يرى شفتيها المتشققتين تتحركان بتمتمات غير مفهومة، يرافقها أنين خافت يمزق سكون الغرفة. انحنى **جبريل** بجسده قليلًا، مدفوعًا برغبة عارمة في سماع ما تقوله وسط غيبوبتها ال
ثوانٍ مرت كأنها دهر. تلاقت النظرات في صمت مريب؛ سواد عينيه الحارق الذي يفيض بالموت والوعيد، يقابله رماد عينيها الآسر الذي يمتزج فيه بريق البراءة الجريحة بعناد يائس. لكن تلك الجرأة لم تكن سوى الوميض الأخير لشمعة توشك على الانطفاء.فجأة، اهتزت نظراتها، خانتها قواها تمامًا؛ ولم يعد جسدها المستنزف بفعل أيام من الجوع والضرب المبرح قادرًا على المقاومة أكثر، خاصة بعد الصدمة الحرارية للماء المثلج الذي غمر جراحها ونخر عظامها.ارتخى رأسها إلى الخلف، وانطبقت جفونها ببطء، وتلاشت كل ملامح الحياة من وجهها الشاحب. وفي لحظة، ثقل جسدها تمامًا وارتخت أطرافها، لتسقط بين يديه الغليظتين كجثة هامدة، غائبة عن الوعي وعن كل ما يحيط بها.تجمد **جبريل** في مكانه، وشعر بالثقل المفاجئ لجسدها النحيل الذي بات معلقًا بالكامل بقبضته الممسكة بياقتها. تملكته دهشة ممزوجة بارتباك خفي لم يعتده؛ تطلع إلى وجهها المشوه بالكدمات، والدماء الممتزجة بالماء البارد التي تسيل على وجنتيها، ولم يجد في ملامحها سوى سكون الموت.**جبريل** (بصوت خفيض هزه القلق رغماً عنه): "**مسك**... استيقظي! لا تمثلي عليّ!"هزها بقوة، لكن رأسها مال على
كان **جبريل** مستلقيًا على سريره الواسع، يصارع أفكاره القاتمة التي ترفض أن تستكين. خاض حربًا شرسة مع عقله طوال الساعات الماضية ليهدأ صخبه، حتى غلبه النوم أخيرًا ليرتاح بضع ساعات لم تخلُ من الكوابيس. استيقظ فجأة، وفتح عينيه ليجد عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل تمامًا. طار النوم من جفنيه، وشعر بضيق يجتاح صدره. نهض من فراشه وعزم على الخروج؛ فالمعسكر لا ينام، وأراد أن يرى إن كان **آدم** و**ملاك** قد وصلا إلى حافة الاتفاق أم أن النيران ما زالت مستعرة بينهما. توجه إلى غرفة الملابس، وارتدي بنطال جينز داكنًا، وقميصًا أسود ملتصقًا بجسده يكاد ينفجر من ضخامة عضلاته المفتولة. انتعل حذاءه الرياضي، وارتدى سترة جلدية سوداء، ثم التقط هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته وخرج. هبط درج القصر الكبير، وكان الصمت المطبق يلف الأرجاء. قصر باهت، مظلم وهادئ، يخلو من أي روح أو نبض حياة؛ لم يعد يعيش فيه أحد غيره بعد أن تفرق أصدقاؤه، وبات كل واحد منهم غارقًا في هَمّه الخاص ومهماته الانتحارية. خرج إلى الباحة وركب سيارته الفارهة. وقبل أن يدير المحرك ويتحرك، ومضت صورتها في عقله بغتة. ترجل من السيارة، واتجه بخطوات ثقي
اشتعلت عينا **آدم** بشرر الجنون، وفقد السيطرة على أعصابه تمامًا بعد هذا الإذلال اللفظي. رفع يده الأخرى بغضب عارم ليوجه إليها ضربة قاضية تنهي هذه الغطرسة، لكن **ملاك** كانت قد توقعت حركته. في أجزاء من الثانية، تفادت اللكمة ببراعة مذهلة مستغلة خفة وزنها وقصر قامتها مقارنة به. اندفعت نحو الأمام بقوة دفع جسدها كله، وهزت رأسها ل تضربه بجبهتها ضربة حجرية مباغتة وقاسية على جبهته.ترنح **آدم** إلى الخلف خطوة، مذهولاً من جراء الصدمة والألم المفاجئ. وقبل أن يستوعب ما حدث أو يستعيد توازنه العسكري، انحنت **ملاك** بخفة البرق، ودارت حوله بسرعة فائقة لتصبح خلف ظهره تمامًا. قفزت بخفة ورشاقة مذهلتين، ولفّت ذراعيها النحيلتين والقويتين كقضبان الحديد حول عنقه، محكمةً عليه الخناق من الخلف بكل ما أوتيت من قوة مستنزفة.حاول **آدم** التملص والضرب بيديه إلى الخلف، لكنها كانت متمسكة به كظله، تضغط على مجرى تنفسه وتمنعه من الحركة الحرة. قربت فمها من أذنه، وقالت بنبرة حاسمة كحد السيف، تلفظ الكلمات ببطء لتدخل في عقله:**ملاك**: "إياك، ثم إياك أن تحاول التقليل من شأن امرأة تقف في ميدانك بعد الآن... وبدلاً من أن تد
كان السكون يلف زوايا مطعم المعسكر المصابيح الباهتة كانت تتذبذب فوق رأسها، ملقية بظلال رقيقة على ملامحها المجهدة. جلست **ملاك** بمفردها في تلك الزاوية البعيدة، تحيط بها جدران إسمنتية باردة شهدت على انكسار الكثيرين، لكنها بالنسبة إليها لم تكن سوى حافز إضافي للصمود. أمامها استقر طبق العشاء المعدني؛ طعام بسيط وبارد، لم تلمس منه سوى لقيمات معدودة، ليس زهدًا فيه، بل لأن التعب قد سلبها حتى الرغبة في الابتلاع. مضى يومان كاملان كأنهما دهر من العذاب المتواصل؛ يومان استُهلكا في تدريبات وحشية، وركض مرير تحت شمس حارقة لا ترحم، وقفز فوق الحواجز، وزحف تحت الأشواك فوق الرمال. كان جسدها يصرخ احتجاجًا، وعضلاتها تنبض بألم حاد مع كل شهيق وزفير، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق عناد غريب. كانت تدرك في أعماقها أن القائد **آدم** لا يعاملها وفقًا لمعايير التدريب العادية؛ إنه يضغط عليها عمدًا، يتجاوز معها حدود القسوة المألوفة. ساءلت نفسها مرارًا: هل يفعل ذلك لأن طبيعة المهمات السرية القادمة تتطلب وحوشًا لا تشعر بالألم؟ أم أنه مدفوع برغبة شخصية مريضة لرؤيتها جاثية على ركبتيها، تتوسل منه الرحمة؟ أياً كان ا
في عتمة الفجر، وبالتحديد عند الرابعة صباحاً، انشقّ سكون المعسكر.فتح آدم عينيه؛ لم يكن مستيقظاً فحسب، بل كان مشحوناً برغبة عارمة في كسر ذلك التحدي الذي رمته في وجهه.نهض كعاصفة صامتة، ارتدى ملابس التدريب السوداء، وخرج قاصداً غرفتها، وفي ذهنه فكرة واحدة: أن يختبر صلابتها حتى تتوسل طلباً للراحة.وقف أمام بابها، ولم يطرق، بل ضرب الباب بقبضته ضربات متلاحقة زلزلت هدوء الممر:— «استيقظي! انتهى وقت الدلال، حان وقت الجحيم!»تراجع خطوة، وهمّ بالضرب مجدداً، لولا صوتٌ وقور قطعه من الخلف.التفت ليجد أحد الحراس ينحني باحترام حذر:— «سيدي العميد... هل تبحث عن الضابطة ملاك؟»ارتفع حاجب آدم بنظرة حادة كشفرة سيف:— «نعم. أين هي؟»أجابه الحارس بهدوء:— «لقد غادرت إلى ساحة التدريب... منذ قرابة النصف ساعة, يا سيدي.»اشتعلت ملامحه بغضب مكتوم."تتحداني حتى في التوقيت؟" زمجر في سره، واستدار متوجهاً إلى الساحة بخطوات تكاد تحرق الأرض تحتها.من بعيد، كانت الساحة غارقة في ضباب الفجر الرمادي، وفي وسطها... كانت هي.ملاك، ترتدي زيها الرياضي الضيق، تركض بسرعة وثبات أسطوري، وكأنها لا تنافس أحداً بل تسابق الريح نفسها
في قاعدة المعسكر، أنهى آدم مكالمته الهاتفية، ثم بقي واقفًا في الساحة يحدّق في ساعته بتركيز وكأنه يحسب الدقائق بدقة لعودة مثيرة المشاكل.في منزلها، كانت ملاك تجمع أغراضها الضرورية على عجل.ارتدت زيّ المعسكر الرسمي، وحملت حقيبتها ونزلت الدرج بخطوات سريعة، لتجد والدتها في الأسفل تراقبها كعادتها بصمتٍ
كانت نادية تبكي بانهيار، وكأن قلبها يُنتزع من صدرها. رغم كل شيء... كانت تحبه أكثر مما اعترفت يومًا. عاشت معه عمرًا كاملًا... وحين رأته جثة هامدة، شعرت أن روحها تُسحب معه. وفجأة... توقفت أنفاسها للحظة. وضعت يدها فوق صدرها بألم، بينما شحب وجهها بسرعة. التفتت ليلى إليها بصدمة: "نادية...؟". لك
مساءً بالقرية... مرّ اليوم كاملًا على مسك وهي حبيسة داخل البيت، تتحمل كلمات ليلى الجارحة بصمتٍ موجع. كانت تبتلع الإهانة كل مرة وكأنها اعتادت أن تكون الحلقة الأضعف في هذا المنزل. في تلك الليلة، كانت النساء جالسات في الصالة حين نهضت نادية متجهة إلى غرفتها لتصلي العشاء. وما إن اختفت حتى اقتربت ليل
وسط الجبال العالية، كانت هناك قرية تبدو كأنها خُلقت خارج الزمن.بيوت حجرية قديمة تتشبث بسفوح الجبال، ومزارع واسعة تمتد حتى الضباب، وهواء بارد يحمل رائحة المطر والتراب الرطب.كانت الشمس تعانق القمم العالية كل صباح، فتغرق القرية بضوء ذهبي يمنحها جمالًا هادئًا... جمالًا يخفي خلفه قسوة لا يراها الغرباء







