登入كانت نادية تبكي بانهيار، وكأن قلبها يُنتزع من صدرها.
رغم كل شيء... كانت تحبه أكثر مما اعترفت يومًا. عاشت معه عمرًا كاملًا... وحين رأته جثة هامدة، شعرت أن روحها تُسحب معه. وفجأة... توقفت أنفاسها للحظة. وضعت يدها فوق صدرها بألم، بينما شحب وجهها بسرعة. التفتت ليلى إليها بصدمة: "نادية...؟". لكن نادية لم تستطع الرد. اختنق نفسها، ثم سقط جسدها بجانب الشيخ أحمد بلا حراك. اتسعت عينا ليلى برعب: "نادية!! نادية افتحي عينيكِ!". لكن الأوان كان قد فات. رحلا معًا... الرجل الذي بدأت معه حياتها... والمرأة التي أحبته حتى آخر نبضة بقلبها. أما مسك، فكانت تتراجع خطوة للخلف، وعيناها واسعتان بصدمة عميقة وهي لا تستوعب ما يحدث. الشيخ أحمد... "لماذا لا تتكلم...؟". كانت ترتجف بعنف، ودموعها تتساقط بلا توقف، بينما شعرت لأول مرة... أن العالم من حولها انهار بالكامل. بدأت تتحرك بشكل هستيري داخل المكان، تدفع جسد الشيخ أحمد وهي تبكي بجنون: "أجبني! أرجوك لا تمت! أمي نادية... استيقظي! أنتما تمزحان معي صحيح!". لكن لا صوت يرد. في تلك اللحظة، اندفعت ليلى نحوها كالعاصفة، وانهالت عليها ضربًا وشدًّا للشعر، وملامحها مشتعلة بالغضب. صرخت ليلى: "قتلتيهم! يا كلبة... قتلتي الشيخ أحمد! وماتت نادية أيضًا!". تجمدت مسك لثوانٍ، وكأن الكلمات اخترقت صدرها. لم تعد تشعر بالضرب، ولا بالألم الذي ينهشها، فقط شعورٌ بالانهيار الداخلي. دفعتها الصدمة بعيدًا، وزحفت نحو نادية والشيخ أحمد، مرة أخرى بيدين ترتعشان. بدأت تصرخ بصوتٍ مكسور، يخرج من أعماقها: "أمي... نادية! أرجوكِ أجيبي! أمي لا ترحلي... الشيخ أحمد رد عليّ!". كانت تتحرك بشكل هستيري، تلمس أجسادهم وكأنها تبحث عن حياةٍ ضاعت منها فجأة. اقتربت من جسد نادية، ثم ارتجف صوتها وهي تبكي: "أمي... أمي أجيبي...". وانحنت نحوها تقبّل وجهها وهي تهتف بحرقة: "تكلمي... أرجوكِ لا تسكتي!". ثم التفتت نحو الشيخ أحمد، تمسك به وتهزه بعجزٍ يائس: "الشيخ أحمد... أرجوك قل شيئًا... أي شيء!". في الخارج، تجمع أهل القرية بعد أن سمعوا الصراخ. دخلت جارة كبيرة في السن ومعها بعض النساء، وما إن رأت المشهد حتى تجمدت. قالت ليلى بغضب وهي تلهث: "ابتعدي! لقد انتهى الأمر... أنتِ السبب في كل هذا!". لكن مسك كانت منهارة، تصرخ وتبكي بلا وعي: "لا! هذا ليس صحيحًا... هم أحياء! أمي هنا... الشيخ أحمد لم يمت!". ثم جرتها ليلى بقوة إلى القبو، وأغلقت الباب عليها، تاركة إياها تبكي وتضرب الباب بجنون. كانت صرخات مسك تتلاشى تدريجيًا إلى نحيبٍ مكسور: "أمي... لا تتركيني... أرجوكِ لا تذهبي...". »»»»»»»»»»»»»»». .»»»»»»»»»»»»»»»»» في مكانٍ آخر، كان جبريل، الأخ الأصغر للشيخ أحمد، قد عاد لتوه إلى قصره المنعزل خارج المدينة، وسط الغابات الكثيفة. القصر كان ضخمًا، باردًا، صامتًا، وكأنه عالمٌ منفصل عن البشر. ترجل من سيارته، ودخل بخطوات بطيئة، حتى وصل إلى الداخل حيث يسود السواد والهدوء التام. خلع ساعته ووضعها على الطاولة، ثم همّ بالدخول إلى الحمام ليستحم، لكن رنين هاتفه أوقفه. تنهد بسخط، والتقط الهاتف دون اهتمام... ثم توقف فجأة. رقم غريب. فتح الخط ببرود: "نعم؟". لكن ما وصله لم يكن كلامًا طبيعيًا... كان صراخًا مضطربًا، وكلمات متقطعة عن موت الشيخ أحمد، أخيه الأكبر. ساد الصمت لثوانٍ. ثم تغير كل شيء في وجهه. أغلق الهاتف فجأة، واتسعت عيناه، قبل أن يندفع خارج القصر بسرعة غير معتادة، وهو يصرخ للحراس: "جهّزوا طائرة خاصة فورًا... أنا قادم حالًا!". بعد ساعات داخل القرية، كانت "المزرعة" قد امتلأت عن آخرها. الناس في كل مكان، أصوات البكاء تعلو، والوجوه يكسوها الحزن، فيما كانت سيارات الشرطة تحيط بالمكان بانتظار أي توجيهات. وفجأة، شقّت ثلاثة سيارات فاخرة حديثة الطريق، لتتوقف بعنف عند المدخل، ثم يترجل منها جبريل. كان صدره يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وملامحه قاتمة. خطاه كانت سريعة، ثقيلة، كأن الأرض لا تتحمل غضبه. دخل إلى وسط الدار، وخلفه رجال الحراسة، يفتحون الطريق أمامه دون كلام. في الداخل، كانت ليلى جالسة على الأرض تبكي بحرقة، بجانبها نساء القبيلة في حالة انهيار. وحين رأت جبريل، نهضت بسرعة واندفعت نحوه، ممسكة بثيابه وهي تصرخ من بين دموعها: "جبريل... لقد رحلوا! نادية... والشيخ أحمد... لقد ماتا!". تجمّد جبريل في مكانه. نظراته أصبحت حادة، ثقيلة، وكأن الكلمات لم تدخل عقله من الأساس. خفض صوته ببرود مخيف: "كيف... ماذا حدث؟". ابتلعت ليلى دموعها، ثم أجابت بصوت مرتجف: "هي... مسك... دفعت الشيخ أحمد... سقط ومات... ونادية حين رأت ذلك... لم تتحمل...". ساد صمت ثقيل للحظة. عروق جبريل بدأت تبرز على وجهه، ونظراته تحولت إلى جليد قاتل. اقترب منه أحد الضباط باحترام: "سيدي... هل نأخذ الجثامين للتشريح؟". لم يلتفت جبريل إليه، بل ظل يحدق في الفراغ، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم: "لا... لن تُمسّ الجثث". ثم رفع عينيه ببطء، وسأل بحدة: "أين هي؟". ترددت ليلى قبل أن تجيب: "إنها في القبو". أشار جبريل بيده نحو أحد رجاله دون أن ينطق، فجاء فورًا. قال جبريل ببرود قاتل: "أخرجوها". سأله الرجل: "أين نأخذها يا سيدي؟". أجاب جبريل دون تردد: "إلى طائرتي... ستُرحّل إلى الخارج حتى أنتهي من كل شيء هنا". انحنى الرجل: "أمرك سيدي". ثم التفت جبريل نحو ليلى، ونظراته لا تحمل سوى الجحيم: "أريد رؤيتهما". ارتجفت ليلى، ومسحت دموعها بسرعة، ثم تقدمت أمامه بخطوات مرتجفة. بينما كان جبريل يسير خلفها، كان الصمت يبتلع المكان... داخل غرفة الشيخ، كان جبريل واقفًا بصمت ثقيل أمام الجثتين، لا يتحرك كأنه فقد الإحساس بالزمن. على الأرض، كانت نادية والشيخ أحمد ساكنين بلا روح، والجو يزداد ثقلًا مع كل ثانية تمر. اقترب جبريل ببطء، ثم انحنى قليلًا، وركع أمامهما، وملامحه جامدة من الخارج... لكن داخله كان يشتعل بنار لا تنطفئ. قال بصوت منخفض، حادّ كالسيف: "كنتما في حمايتي، لم أتوقع يومًا أن أصل إلى هذا المشهد". سكت لثوانٍ، ثم أكمل بنبرة أخطر: "اليوم انتهى كل شيء... وسيبدأ الحساب". انحنى وقبّل جبين الشيخ أحمد، ثم جبين نادية كانت بمثابة أمه، ونهض ببطء وكأن القرار قد اتخذ. ثم التفت إلى رجاله وقال ببرود: "جهّزوا لهما الغُسل. لا أريد تأخيرًا". في القبو، كانت مسك على الأرض، تبكي وتضرب الباب بكل ما تبقى لديها من قوة. صوتها كان مكسورًا، متقطعًا، يختلط فيه الصراخ بالرجاء: "افتحوا الباب! أريد أن أراهما... أمي... الشيخ أحمد... قولوا لي أنهما بخير!". لكن لا أحد يجيب. فجأة، فُتح الباب بقوة. دخلت ليلى، ووجهها شاحب وعيناها ممتلئتان بالحزن، وأشارت للرجال خلفها. قالت بصوت خافت لكنه قاسٍ: "هذه هي... خذوها". تجمّدت مسك مكانها لثوانٍ، ثم ارتجفت وهي تنظر إليهم: "ماذا يحدث؟ إلى أين تأخذونني؟ ليلى أجيبي!". اقترب أحد الرجال، ثم أمسك بها من ذراعها، فصرخت: "اتركوني! أريد أمي! أريد الشيخ أحمد!". لكن الرجل لم يتوقف، وحملها رغم مقاومتها، وهي تصرخ وتبكي حتى انقطع صوتها بين شهقاتها. في الخارج، كانت السيارات الفاخرة بانتظارهم عند بوابة المزرعة. وُضعت مسك داخل السيارة بالقوة، بينما شعرها مبعثر ودموعها لا تتوقف. ليلى وقفت تنظر بصمت. رحلة بدأت... لكن نهايتها لم تُكتب بعد.ثوانٍ مرت كأنها دهر. تلاقت النظرات في صمت مريب؛ سواد عينيه الحارق الذي يفيض بالموت والوعيد، يقابله رماد عينيها الآسر الذي يمتزج فيه بريق البراءة الجريحة بعناد يائس. لكن تلك الجرأة لم تكن سوى الوميض الأخير لشمعة توشك على الانطفاء.فجأة، اهتزت نظراتها، خانتها قواها تمامًا؛ ولم يعد جسدها المستنزف بفعل أيام من الجوع والضرب المبرح قادرًا على المقاومة أكثر، خاصة بعد الصدمة الحرارية للماء المثلج الذي غمر جراحها ونخر عظامها.ارتخى رأسها إلى الخلف، وانطبقت جفونها ببطء، وتلاشت كل ملامح الحياة من وجهها الشاحب. وفي لحظة، ثقل جسدها تمامًا وارتخت أطرافها، لتسقط بين يديه الغليظتين كجثة هامدة، غائبة عن الوعي وعن كل ما يحيط بها.تجمد **جبريل** في مكانه، وشعر بالثقل المفاجئ لجسدها النحيل الذي بات معلقًا بالكامل بقبضته الممسكة بياقتها. تملكته دهشة ممزوجة بارتباك خفي لم يعتده؛ تطلع إلى وجهها المشوه بالكدمات، والدماء الممتزجة بالماء البارد التي تسيل على وجنتيها، ولم يجد في ملامحها سوى سكون الموت.**جبريل** (بصوت خفيض هزه القلق رغماً عنه): "**مسك**... استيقظي! لا تمثلي عليّ!"هزها بقوة، لكن رأسها مال على
كان **جبريل** مستلقيًا على سريره الواسع، يصارع أفكاره القاتمة التي ترفض أن تستكين. خاض حربًا شرسة مع عقله طوال الساعات الماضية ليهدأ صخبه، حتى غلبه النوم أخيرًا ليرتاح بضع ساعات لم تخلُ من الكوابيس. استيقظ فجأة، وفتح عينيه ليجد عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل تمامًا. طار النوم من جفنيه، وشعر بضيق يجتاح صدره. نهض من فراشه وعزم على الخروج؛ فالمعسكر لا ينام، وأراد أن يرى إن كان **آدم** و**ملاك** قد وصلا إلى حافة الاتفاق أم أن النيران ما زالت مستعرة بينهما. توجه إلى غرفة الملابس، وارتدي بنطال جينز داكنًا، وقميصًا أسود ملتصقًا بجسده يكاد ينفجر من ضخامة عضلاته المفتولة. انتعل حذاءه الرياضي، وارتدى سترة جلدية سوداء، ثم التقط هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته وخرج. هبط درج القصر الكبير، وكان الصمت المطبق يلف الأرجاء. قصر باهت، مظلم وهادئ، يخلو من أي روح أو نبض حياة؛ لم يعد يعيش فيه أحد غيره بعد أن تفرق أصدقاؤه، وبات كل واحد منهم غارقًا في هَمّه الخاص ومهماته الانتحارية. خرج إلى الباحة وركب سيارته الفارهة. وقبل أن يدير المحرك ويتحرك، ومضت صورتها في عقله بغتة. ترجل من السيارة، واتجه بخطوات ثقي
اشتعلت عينا **آدم** بشرر الجنون، وفقد السيطرة على أعصابه تمامًا بعد هذا الإذلال اللفظي. رفع يده الأخرى بغضب عارم ليوجه إليها ضربة قاضية تنهي هذه الغطرسة، لكن **ملاك** كانت قد توقعت حركته. في أجزاء من الثانية، تفادت اللكمة ببراعة مذهلة مستغلة خفة وزنها وقصر قامتها مقارنة به. اندفعت نحو الأمام بقوة دفع جسدها كله، وهزت رأسها ل تضربه بجبهتها ضربة حجرية مباغتة وقاسية على جبهته.ترنح **آدم** إلى الخلف خطوة، مذهولاً من جراء الصدمة والألم المفاجئ. وقبل أن يستوعب ما حدث أو يستعيد توازنه العسكري، انحنت **ملاك** بخفة البرق، ودارت حوله بسرعة فائقة لتصبح خلف ظهره تمامًا. قفزت بخفة ورشاقة مذهلتين، ولفّت ذراعيها النحيلتين والقويتين كقضبان الحديد حول عنقه، محكمةً عليه الخناق من الخلف بكل ما أوتيت من قوة مستنزفة.حاول **آدم** التملص والضرب بيديه إلى الخلف، لكنها كانت متمسكة به كظله، تضغط على مجرى تنفسه وتمنعه من الحركة الحرة. قربت فمها من أذنه، وقالت بنبرة حاسمة كحد السيف، تلفظ الكلمات ببطء لتدخل في عقله:**ملاك**: "إياك، ثم إياك أن تحاول التقليل من شأن امرأة تقف في ميدانك بعد الآن... وبدلاً من أن تد
كان السكون يلف زوايا مطعم المعسكر المصابيح الباهتة كانت تتذبذب فوق رأسها، ملقية بظلال رقيقة على ملامحها المجهدة. جلست **ملاك** بمفردها في تلك الزاوية البعيدة، تحيط بها جدران إسمنتية باردة شهدت على انكسار الكثيرين، لكنها بالنسبة إليها لم تكن سوى حافز إضافي للصمود. أمامها استقر طبق العشاء المعدني؛ طعام بسيط وبارد، لم تلمس منه سوى لقيمات معدودة، ليس زهدًا فيه، بل لأن التعب قد سلبها حتى الرغبة في الابتلاع. مضى يومان كاملان كأنهما دهر من العذاب المتواصل؛ يومان استُهلكا في تدريبات وحشية، وركض مرير تحت شمس حارقة لا ترحم، وقفز فوق الحواجز، وزحف تحت الأشواك فوق الرمال. كان جسدها يصرخ احتجاجًا، وعضلاتها تنبض بألم حاد مع كل شهيق وزفير، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق عناد غريب. كانت تدرك في أعماقها أن القائد **آدم** لا يعاملها وفقًا لمعايير التدريب العادية؛ إنه يضغط عليها عمدًا، يتجاوز معها حدود القسوة المألوفة. ساءلت نفسها مرارًا: هل يفعل ذلك لأن طبيعة المهمات السرية القادمة تتطلب وحوشًا لا تشعر بالألم؟ أم أنه مدفوع برغبة شخصية مريضة لرؤيتها جاثية على ركبتيها، تتوسل منه الرحمة؟ أياً كان ا
في عتمة الفجر، وبالتحديد عند الرابعة صباحاً، انشقّ سكون المعسكر.فتح آدم عينيه؛ لم يكن مستيقظاً فحسب، بل كان مشحوناً برغبة عارمة في كسر ذلك التحدي الذي رمته في وجهه.نهض كعاصفة صامتة، ارتدى ملابس التدريب السوداء، وخرج قاصداً غرفتها، وفي ذهنه فكرة واحدة: أن يختبر صلابتها حتى تتوسل طلباً للراحة.وقف أمام بابها، ولم يطرق، بل ضرب الباب بقبضته ضربات متلاحقة زلزلت هدوء الممر:— «استيقظي! انتهى وقت الدلال، حان وقت الجحيم!»تراجع خطوة، وهمّ بالضرب مجدداً، لولا صوتٌ وقور قطعه من الخلف.التفت ليجد أحد الحراس ينحني باحترام حذر:— «سيدي العميد... هل تبحث عن الضابطة ملاك؟»ارتفع حاجب آدم بنظرة حادة كشفرة سيف:— «نعم. أين هي؟»أجابه الحارس بهدوء:— «لقد غادرت إلى ساحة التدريب... منذ قرابة النصف ساعة, يا سيدي.»اشتعلت ملامحه بغضب مكتوم."تتحداني حتى في التوقيت؟" زمجر في سره، واستدار متوجهاً إلى الساحة بخطوات تكاد تحرق الأرض تحتها.من بعيد، كانت الساحة غارقة في ضباب الفجر الرمادي، وفي وسطها... كانت هي.ملاك، ترتدي زيها الرياضي الضيق، تركض بسرعة وثبات أسطوري، وكأنها لا تنافس أحداً بل تسابق الريح نفسها
في قاعدة المعسكر، أنهى آدم مكالمته الهاتفية، ثم بقي واقفًا في الساحة يحدّق في ساعته بتركيز وكأنه يحسب الدقائق بدقة لعودة مثيرة المشاكل.في منزلها، كانت ملاك تجمع أغراضها الضرورية على عجل.ارتدت زيّ المعسكر الرسمي، وحملت حقيبتها ونزلت الدرج بخطوات سريعة، لتجد والدتها في الأسفل تراقبها كعادتها بصمتٍ ثقيل.قالت زهرة: "ملاك...".رفعت ملاك رأسها بهدوء، وعيناها ما زالتا معلقتين بالحقيبة بين يديها.قالت زهرة بصوت مكسور: "كم ستغيبين هذه المرة؟".أجابت ملاك: "لا أعلم... ربما فترة طويلة".سألت زهرة بقلق: "وتتركينني وحدي؟".ردت ملاك: "ما الفرق؟ حتى لو بقيتُ هنا، ستشعرين بالوحدة أيضًا".قالت زهرة: "كم مرة طلبتُ منك ألا تدخلي هذا المجال الصعب؟".ابتسمت ملاك ابتسامة جانبية خفيفة، فيها شيء من التحدي: "وأنا أيضًا كم مرة نصحتكِ أن تتقبّلي قراري ولم تفعلي".بدأت دموع زهرة تنهمر بصمت.قالت زهرة: "كل شيء تغيّر، لماذا أخبريني أنا أمك...".تنفست ملاك بحدة، ثم قالت بصوت أكثر برودًا: "لم يتغير شيء. كنتِ خائفة وضعيفة، وأنا لم أعد أريد أن أكون مثل تلك النسخة. لقد قتلتُ ذلك الجزء منّي...".تراجعت زهرة خطوة، وعي