LOGINفي قاعدة المعسكر، أنهى آدم مكالمته الهاتفية، ثم بقي واقفًا في الساحة يحدّق في ساعته بتركيز وكأنه يحسب الدقائق بدقة لعودة مثيرة المشاكل.
في منزلها، كانت ملاك تجمع أغراضها الضرورية على عجل. ارتدت زيّ المعسكر الرسمي، وحملت حقيبتها ونزلت الدرج بخطوات سريعة، لتجد والدتها في الأسفل تراقبها كعادتها بصمتٍ ثقيل. قالت زهرة: "ملاك...". رفعت ملاك رأسها بهدوء، وعيناها ما زالتا معلقتين بالحقيبة بين يديها. قالت زهرة بصوت مكسور: "كم ستغيبين هذه المرة؟". أجابت ملاك: "لا أعلم... ربما فترة طويلة". سألت زهرة بقلق: "وتتركينني وحدي؟". ردت ملاك: "ما الفرق؟ حتى لو بقيتُ هنا، ستشعرين بالوحدة أيضًا". قالت زهرة: "كم مرة طلبتُ منك ألا تدخلي هذا المجال الصعب؟". ابتسمت ملاك ابتسامة جانبية خفيفة، فيها شيء من التحدي: "وأنا أيضًا كم مرة نصحتكِ أن تتقبّلي قراري ولم تفعلي". بدأت دموع زهرة تنهمر بصمت. قالت زهرة: "كل شيء تغيّر، لماذا أخبريني أنا أمك...". تنفست ملاك بحدة، ثم قالت بصوت أكثر برودًا: "لم يتغير شيء. كنتِ خائفة وضعيفة، وأنا لم أعد أريد أن أكون مثل تلك النسخة. لقد قتلتُ ذلك الجزء منّي...". تراجعت زهرة خطوة، وعيناها ممتلئتان بالدموع: "لماذا تؤلمينني هكذا؟ أنا أمك...". ابتسمت ملاك بسخرية خفيفة، وقالت بحدة: "لهذا السبب بالذات، سأحميكِ حتى لو اضطررتُ أن أكون قاسية. أي شخص يقترب منك سيعتبر نفسه ميتًا قبل أن يلمسك. قد أضحّي بنفسي من أجلك، لكن لا تنتظري مني أن أكون لطيفة". ثم استدارت وغادرت، تاركة والدتها تبكي بصمت. وصلت إلى المعسكر، ففتح لها الحراس البوابة ودخلت بخطوات ثابتة نحو غرفتها الخاصة، وهي تحمل حقيبتها. لكن في الممر، كان آدم واقفًا يعترض طريقها، ممسكًا سيجارة، ينظر إليها ببرود وهو يلاحظ الساعة. قال آدم بحدة: "أهذه هي الساعة التي تعودين فيها؟". ملاك لم ترد، فقط رمقته بنظرة هادئة. نظر آدم إلى حقيبتها ثم قال بصرامة: "ضعي أغراضك، ثم اذهبي لتنفذي مئة لفة حول المعسكر". ابتسمت ملاك بسخرية خفيفة، ورفعت إصبعها الأوسط بإشارة استهزاء، ثم دخلت غرفتها دون أن تنطق بكلمة. تقدم آدم خلفها بغضب، وعندما وصل أغلقت الباب، حاول فتحه، لكنها كانت أسرع وأدارته من الداخل وأحكمت إغلاقه. ضرب الباب بعصبية: "افتحي الباب فورًا!". من الداخل، كانت ملاك قد ألقت حقيبتها، وخلعت حذاءها العسكري بهدوء، ثم استلقت على السرير وأغمضت عينيها دون اكتراث. قالت ملاك ببرود: "اذهب بعيدًا... رأسي يؤلمني". قال آدم بغضب شديد: "أقسم أنني سأحاسبك على هذا!". بعد مرور ساعات، وصلت الطائرة إلى روسيا. توقفت سيارتان أمام بوابة قصر ضخم. ترجّل أربعة رجال أشداء، تبدو هيئتهم كأنهم خُلقوا للحرب، لا شيء في ملامحهم يوحي بالرحمة. كانت مسك فاقدة للوعي. كلما بدأت تستعيد وعيها للحظة، يسبقها الألم ثم تعود لتغيب من جديد تحت وطأته. اقترب أحد الحراس، وحملها بسهولة فوق كتفه، كانت خفيفة كريشة. تحرّك بها نحو مبنى خلف القصر، يبدو معزولًا ومهجورًا. فتحوا الباب الحديدي، ودخلوا إلى قبو مظلم تنبعث منه رائحة العفن والرطوبة. كل شيء هناك كان ميتًا قبل أن يُمسّ: جدران متآكلة، أرضية رطبة، ورائحة دم قديم امتزجت بالجدران. هذا القبو معروف بأنه مكان لا يخرج منه أحد بسهولة. مكان يُقال إن من يدخله... لا يعود كما كان. أنزلوا مسك الدرج الحجري حتى وصلوا إلى الأسفل. أُضيئت المصابيح فجأة، فظهرت غرفة واسعة، وأدوات تعذيب متناثرة في كل زاوية. أُلقيت مسك بقوة على الأرض. ارتطم جسدها بالبرد القاسي، فأطلقت أنينًا خافتًا وهي تتلوّى من الألم. استعادت وعيها فجأة، فنهضت مذعورة، تمسك ظهرها وتتنفس بصعوبة، وجسدها يرتجف بالكامل. قالت: "أأأه... ماذا يحدث...؟". كانت تدرك تمامًا أين هي، لكن الصدمة جعلت عقلها يرفض الاستيعاب للحظة. رفعت عينيها بسرعة تبحث عن أي مخرج، لكن لم يكن هناك سوى أبواب مغلقة ورجال متوحشون. ارتفع صوتها المرتجف: "من... من أنتم؟ ماذا تريدون مني؟". لم تُكمل جملتها حتى تلقت صفعة قوية على وجهها أسقطتها أرضًا. تقدّم أحد الحراس، أمسكها من ملابسها بعنف ورفعها قليلًا: "هذه أوامر جبريل. وما دمتِ تحت يده... فأنتِ تستحقين ما سيحدث لكِ". ارتجفت أنفاسها: "أنا... لم أفعل شيئًا...". لكن كلماتها لم تصل. انفجرت صفعات قوية متتالية في وجهها أسكتتها تمامًا، ثم دفعها الحارس إلى الجدار بعنف. اصطدم رأسها بالحائط، فسقطت على الأرض مجددًا وهي تئن من الألم. وجهها بدأ يزداد زرقة، وأنفاسها تتقطع. اقترب آخر وأمر بجفاء: "أحضروا الماء". أُحضر دلو ماء مثلج، وسكبوه عليها فجأة. انتفض جسدها بعنف وهي تفتح عينيها مذعورة، تحاول التراجع وهي ترتجف: "لا... أرجوكم... لا تضربوني...". لكن الرد كان قاسيًا؛ عصا بدأت تنهال على جسدها بلا توقف. ضربة... تليها أخرى... ثم أخرى. كانت تنكمش على نفسها، تحاول حماية نفسها بيديها المرتجفتين، لكن الألم كان أقوى من قدرتها على الاحتمال. صرخاتها ملأت المكان حتى بدا وكأن الجدران نفسها تتألم معها: "آآآه! توقفوا! أرجوكم!". لكن لا أحد توقف. كل ضربة كانت تمزق جزءًا من قوتها، من أنفاسها، من قدرتها على الصمود. جسدها بدأ ينهار تحت وطأة العنف المتواصل. صوتها أصبح مبحوحًا: "ربي... رحمتك...". ومع كل لحظة، كانت مسك تغرق أكثر في حدود التحمل... حتى بدأت أنفاسها تخفت، وجسدها يقترب من الاستسلام بين الحياة والموت. في الخارج، أُغلق الباب الحديدي بإحكام. وبقيت وحدها في الأسفل... تصارع شيئًا أكبر من الألم نفسه: البقاء. في المطار، هبط جبريل من طائرته الخاصة، مرتديًا نفس الملابس التي غادر بها، وكأن الزمن لم يغيّر فيه شيئًا. لكن داخله لم يكن كما كان... فقد عاد وفي قلبه حقدٌ متقد، ينهشه الغضب كلما تذكّرها. كان لا يفكر إلا في لحظة وصوله إليها... في اللحظة التي يضعها فيها بين يديه، ليجعلها تدفع ثمن كل شيء. نزل من الطائرة وملامحه جامدة كالصخر. تقدّم أحد الحراس باحترام: "سيدي جبريل، الحمد لله على سلامة العودة". أومأ ببرود، ثم قال بصوت حاد: "أين هي؟". أجابه الحارس: "تمت المهمة كما أُمرت... وهي الآن في القبو التابع للقصر". ما إن سمع ذلك حتى انطلقت سيارته بسرعة جنونية. عند الوصول، اتجه مباشرة نحو المبنى المهجور. كل خطوة كانت تحمل معها رائحة الرطوبة والعفن. وصل إلى الباب الحديدي، وهبط الدرج المؤدي إلى القبو. ومع أول نفس داخله، عبس بشدة بسبب رائحة الدم التي ملأت المكان. مدّ يده، وأضاء المصباح، ثم أدار رأسه ببطء يبحث عنها. وفي الزاوية... كانت هناك مسك. صغيرة جدًا، منكمشة على نفسها في الأرض، جسدها يرتجف بصمت. توقّف لثوانٍ وهو يحدق فيها، كأنه لا يصدق ما يراه. ثم اقترب ببطء حتى وقف فوقها، وحرّكها بقدمه بخفة ليجعلها تشعر بوجوده. ارتجف جسدها فورًا، وأطلقت أنينًا ضعيفًا: "آه...". ابتسم جبريل ابتسامة جانبية باردة، وانحنى نحوها، ثم قال بصوت منخفض مبحوح يحمل قسوة لا تُوصف: "مرحبًا بكِ في جحيمي. الآن... أنتِ تلك التي قتلتِهم". اندفع نحوها فجأة، وأمسكها بعنف من ملابسها، ثم دفعها بقوة إلى الجدار. ارتطم ظهرها بالحائط، فخرج منها أنين مكتوم. كانت هذه ليست المرة الأولى... الألم أصبح يتكرر بلا تفسير، وكأنها داخل دائرة لا نهاية لها. همست بصوت مرتجف: "أنا... لم أفعل شيئًا...". لكن كلمتها ضاعت في غضبه. دفعها مجددًا حتى ارتطمت بالأرض، فتعالت نظراته القاسية. توقّف للحظة وهو يراقبها بصمت، ثم استدار ببطء وصوته جاء باردًا كالسيف: "ستبقين هنا... حتى تعترفي بكل شيء". ثم غادر، تاركًا إياها في العتمة، وعيناها الرماديتان تحدقان في الفراغ، كأنها تبحث عن تفسير لقدرها، ولا تجد سوى الصمت.لم يمنحوها حتى فرصة لالتقاط أنفاسها المتقطعة؛ صرخ أحدهم بصوت غليظ مكتوم خلف قناعه: **"تحركي! إلى الأسفل فوراً، وبدون أي حركات غبية!"** جذبها اثنان منهم بقسوة من ذراعيها، ورغم جسدها الذي يرتجف من الحمى، بصقت كلماتها في وجهيهما بشراسة: **"أبعدوا أيديكم القذرة عني! سأمشي وحدي أيها الحثالة!"** دفعوها بعنف على درجات السلم حتى وصلت إلى بهو الفيلا. هناك، تجمدت الدماء في عروقها حين رأت والدتها **زهرة** راكعة على الأرض، تبكي بحرقة وذعر، وفوهة مسدس باردة تستقر على رأسها المرتجف. وفي منتصف البهو، كان زعيمهم يجلس على الأريكة الجلدية ببرود مستفز، واضعاً قدماً فوق الأخرى، صامتاً تماماً كتمثال من جليد، ووجهه مختفٍ خلف قناع أسود. وقف بجانبه رجل آخر أضخم الجثة، يبدو أنه المتحدث باسمه. صرخت **ملاك** وهي تحاول الإفلات من قبضة الرجال: **"أمي! ماذا تفعلون بها؟ اتركوها أيها الجبناء!"** تقدم المتحدث بخطوة، وقال بنبرة آلية خالية من المشاعر: **"وفروا هذا الصراخ. الزعيم ليس لديه وقت ليضيعه. نريد إجابات واضحة ومباشرة."** رفعت **ملاك** رأسها بتحدٍ، وعيناها تشتعلان رغم الإعياء: **"إجابات عن ماذا؟ من أن
لحظات من الصمت الثقيل لفت أركان تلك الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى أزيز الرياح الخريفية الباردة في الخارج، وهي تضرب زجاج النوافذ، يرافقها صوت أنفاس **مسك** الواهنة التي كانت تصارع سكرات المرض للبقاء على قيد الحياة. وقف **جبريل** كصخرة صماء بجانب الفراش، وعيناه المظلمتان تتأملان ذلك الجسد النحيل. امتدت يده المترددة—التي لطالما كانت سبب عذابها وجحيمها طوال الأيام الماضية—لتتحسس جبينها. كانت بشرتها ساخنة كالجمر، تلذع أصابعه بقسوة. لقد بدأت نبوءة الطبيب تتحقق سريعًا؛ واجتاحت الحمى جسدها المستنزف، لتغلي الدماء في عروقها. تراجع خطوة إلى الوراء، وعقد يديه أمام صدره، وكأن حرارة جسدها قد لسعته، تلاطمت في عقله أسئلة عدة، وسأل نفسه بمرارة: "مَن تكون هذه الفتاة حقًا؟ هل هي تلك الأفعى الماكرة التي حاكت خيوط المؤامرة لإنهاء حياة أخي واغتياله بدم بارد؟ أم أنها مجرد ضحية بريئة سحقها انتقامه الأعمى دون ذنب؟" انقبض صدره بقوة وهو يرى شفتيها المتشققتين تتحركان بتمتمات غير مفهومة، يرافقها أنين خافت يمزق سكون الغرفة. انحنى **جبريل** بجسده قليلًا، مدفوعًا برغبة عارمة في سماع ما تقوله وسط غيبوبتها ال
ثوانٍ مرت كأنها دهر. تلاقت النظرات في صمت مريب؛ سواد عينيه الحارق الذي يفيض بالموت والوعيد، يقابله رماد عينيها الآسر الذي يمتزج فيه بريق البراءة الجريحة بعناد يائس. لكن تلك الجرأة لم تكن سوى الوميض الأخير لشمعة توشك على الانطفاء.فجأة، اهتزت نظراتها، خانتها قواها تمامًا؛ ولم يعد جسدها المستنزف بفعل أيام من الجوع والضرب المبرح قادرًا على المقاومة أكثر، خاصة بعد الصدمة الحرارية للماء المثلج الذي غمر جراحها ونخر عظامها.ارتخى رأسها إلى الخلف، وانطبقت جفونها ببطء، وتلاشت كل ملامح الحياة من وجهها الشاحب. وفي لحظة، ثقل جسدها تمامًا وارتخت أطرافها، لتسقط بين يديه الغليظتين كجثة هامدة، غائبة عن الوعي وعن كل ما يحيط بها.تجمد **جبريل** في مكانه، وشعر بالثقل المفاجئ لجسدها النحيل الذي بات معلقًا بالكامل بقبضته الممسكة بياقتها. تملكته دهشة ممزوجة بارتباك خفي لم يعتده؛ تطلع إلى وجهها المشوه بالكدمات، والدماء الممتزجة بالماء البارد التي تسيل على وجنتيها، ولم يجد في ملامحها سوى سكون الموت.**جبريل** (بصوت خفيض هزه القلق رغماً عنه): "**مسك**... استيقظي! لا تمثلي عليّ!"هزها بقوة، لكن رأسها مال على
كان **جبريل** مستلقيًا على سريره الواسع، يصارع أفكاره القاتمة التي ترفض أن تستكين. خاض حربًا شرسة مع عقله طوال الساعات الماضية ليهدأ صخبه، حتى غلبه النوم أخيرًا ليرتاح بضع ساعات لم تخلُ من الكوابيس. استيقظ فجأة، وفتح عينيه ليجد عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل تمامًا. طار النوم من جفنيه، وشعر بضيق يجتاح صدره. نهض من فراشه وعزم على الخروج؛ فالمعسكر لا ينام، وأراد أن يرى إن كان **آدم** و**ملاك** قد وصلا إلى حافة الاتفاق أم أن النيران ما زالت مستعرة بينهما. توجه إلى غرفة الملابس، وارتدي بنطال جينز داكنًا، وقميصًا أسود ملتصقًا بجسده يكاد ينفجر من ضخامة عضلاته المفتولة. انتعل حذاءه الرياضي، وارتدى سترة جلدية سوداء، ثم التقط هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته وخرج. هبط درج القصر الكبير، وكان الصمت المطبق يلف الأرجاء. قصر باهت، مظلم وهادئ، يخلو من أي روح أو نبض حياة؛ لم يعد يعيش فيه أحد غيره بعد أن تفرق أصدقاؤه، وبات كل واحد منهم غارقًا في هَمّه الخاص ومهماته الانتحارية. خرج إلى الباحة وركب سيارته الفارهة. وقبل أن يدير المحرك ويتحرك، ومضت صورتها في عقله بغتة. ترجل من السيارة، واتجه بخطوات ثقي
اشتعلت عينا **آدم** بشرر الجنون، وفقد السيطرة على أعصابه تمامًا بعد هذا الإذلال اللفظي. رفع يده الأخرى بغضب عارم ليوجه إليها ضربة قاضية تنهي هذه الغطرسة، لكن **ملاك** كانت قد توقعت حركته. في أجزاء من الثانية، تفادت اللكمة ببراعة مذهلة مستغلة خفة وزنها وقصر قامتها مقارنة به. اندفعت نحو الأمام بقوة دفع جسدها كله، وهزت رأسها ل تضربه بجبهتها ضربة حجرية مباغتة وقاسية على جبهته.ترنح **آدم** إلى الخلف خطوة، مذهولاً من جراء الصدمة والألم المفاجئ. وقبل أن يستوعب ما حدث أو يستعيد توازنه العسكري، انحنت **ملاك** بخفة البرق، ودارت حوله بسرعة فائقة لتصبح خلف ظهره تمامًا. قفزت بخفة ورشاقة مذهلتين، ولفّت ذراعيها النحيلتين والقويتين كقضبان الحديد حول عنقه، محكمةً عليه الخناق من الخلف بكل ما أوتيت من قوة مستنزفة.حاول **آدم** التملص والضرب بيديه إلى الخلف، لكنها كانت متمسكة به كظله، تضغط على مجرى تنفسه وتمنعه من الحركة الحرة. قربت فمها من أذنه، وقالت بنبرة حاسمة كحد السيف، تلفظ الكلمات ببطء لتدخل في عقله:**ملاك**: "إياك، ثم إياك أن تحاول التقليل من شأن امرأة تقف في ميدانك بعد الآن... وبدلاً من أن تد
كان السكون يلف زوايا مطعم المعسكر المصابيح الباهتة كانت تتذبذب فوق رأسها، ملقية بظلال رقيقة على ملامحها المجهدة. جلست **ملاك** بمفردها في تلك الزاوية البعيدة، تحيط بها جدران إسمنتية باردة شهدت على انكسار الكثيرين، لكنها بالنسبة إليها لم تكن سوى حافز إضافي للصمود. أمامها استقر طبق العشاء المعدني؛ طعام بسيط وبارد، لم تلمس منه سوى لقيمات معدودة، ليس زهدًا فيه، بل لأن التعب قد سلبها حتى الرغبة في الابتلاع. مضى يومان كاملان كأنهما دهر من العذاب المتواصل؛ يومان استُهلكا في تدريبات وحشية، وركض مرير تحت شمس حارقة لا ترحم، وقفز فوق الحواجز، وزحف تحت الأشواك فوق الرمال. كان جسدها يصرخ احتجاجًا، وعضلاتها تنبض بألم حاد مع كل شهيق وزفير، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق عناد غريب. كانت تدرك في أعماقها أن القائد **آدم** لا يعاملها وفقًا لمعايير التدريب العادية؛ إنه يضغط عليها عمدًا، يتجاوز معها حدود القسوة المألوفة. ساءلت نفسها مرارًا: هل يفعل ذلك لأن طبيعة المهمات السرية القادمة تتطلب وحوشًا لا تشعر بالألم؟ أم أنه مدفوع برغبة شخصية مريضة لرؤيتها جاثية على ركبتيها، تتوسل منه الرحمة؟ أياً كان ا
في عتمة الفجر، وبالتحديد عند الرابعة صباحاً، انشقّ سكون المعسكر.فتح آدم عينيه؛ لم يكن مستيقظاً فحسب، بل كان مشحوناً برغبة عارمة في كسر ذلك التحدي الذي رمته في وجهه.نهض كعاصفة صامتة، ارتدى ملابس التدريب السوداء، وخرج قاصداً غرفتها، وفي ذهنه فكرة واحدة: أن يختبر صلابتها حتى تتوسل طلباً للراحة.وقف
كانت نادية تبكي بانهيار، وكأن قلبها يُنتزع من صدرها. رغم كل شيء... كانت تحبه أكثر مما اعترفت يومًا. عاشت معه عمرًا كاملًا... وحين رأته جثة هامدة، شعرت أن روحها تُسحب معه. وفجأة... توقفت أنفاسها للحظة. وضعت يدها فوق صدرها بألم، بينما شحب وجهها بسرعة. التفتت ليلى إليها بصدمة: "نادية...؟". لك
مساءً بالقرية... مرّ اليوم كاملًا على مسك وهي حبيسة داخل البيت، تتحمل كلمات ليلى الجارحة بصمتٍ موجع. كانت تبتلع الإهانة كل مرة وكأنها اعتادت أن تكون الحلقة الأضعف في هذا المنزل. في تلك الليلة، كانت النساء جالسات في الصالة حين نهضت نادية متجهة إلى غرفتها لتصلي العشاء. وما إن اختفت حتى اقتربت ليل
في فيلا صغيرة على أطراف روسيا، كانت ملاك داخل صالة التدريب الخاصة بها.ترتدي شورتًا أسود ضيقًا وقميصًا رياضيًا التصق بجسدها من شدة التعرق، بينما كان شعرها الأسود مربوطًا بإحكام كذيل حصان طويل.رفعت الأوزان الثقيلة بثبات مرعب، وعضلات ذراعيها ترتجف من الإجهاد، لكن ملامحها بقيت جامدة؛ وكأن الألم شيء ا







