Partager

اصطدام في الممر الخطأ

Auteur: Lamar
last update Date de publication: 2026-07-29 07:59:24

الجامعة في الصباح كانت دائمًا مزدحمة بشكل يثير أعصاب نرجس. الممرات مليئة بالطلاب، الضحكات العالية، المجموعات المتجمهرة أمام قاعات المحاضرات وهي تتبادل أحاديث لا تنتهي عن حفلة الجمعة أو مشروع التخرج أو أي شيء آخر لا يعنيها بشيء.

نرجس لم تكن من النوع الذي ينتمي إلى مجموعة. لم تكن تملك صديقة مقربة، ولا حتى معارف تجلس معهم في الكافيتيريا. كانت تدخل، تحضر محاضرتها، وتخرج بأسرع ما يمكن — كأنها ظل يمر بين الجدران دون أن يترك أثرًا. الأمر لم يكن يزعجها، أو هكذا كانت تقنع نفسها كل صباح. الصداقات تعني قربًا، والقرب يعني أسئلة، والأسئلة كانت آخر شيء تحتاجه في حياتها.

في ذلك الصباح تحديدًا، كانت متأخرة عشر دقائق عن محاضرة علم النفس المرضي، وهذا وحده كان كافيًا ليفسد مزاجها. أسرعت الخطى في الممر الرئيسي، عيناها مثبتتان على هاتفها وهي تتحقق من رقم القاعة، حين اصطدمت بجسم صلب فجأة.

كوب قهوة كامل انسكب بالكامل على قميصها.

"ما هذا—!"

رفعت رأسها بغضب لتجد شابًا طويلًا، بشعر أسود منكوش وكأنه لم يمشط منذ أيام، ينظر إليها بصدمة مماثلة، والكوب الفارغ لا يزال في يده وكأنه لا يستوعب ما حدث.

"أنتِ من اصطدمتِ بي!" قالها بنبرة اتهامية، لكن طرف فمه كان يرتجف كأنه يحاول كتم ضحكة.

"أنا؟ أنت من كان يمشي وكأنه يملك الممر بأكمله!" ردّت نرجس، صوتها أعلى مما تريده عادة، وقطرات القهوة الساخنة لا تزال تنزل على يدها.

"حسنًا، بصراحة، هذا القميص كان يحتاج تغييرًا بأي حال — اللون كان مملًا بعض الشيء."

حدّقت فيه نرجس بذهول ممزوج بغضب. "هل... هل تمازحني الآن؟"

"لا، أنا فقط أحاول أن أجعل الموقف أقل كارثية. يبدو أنني فشلت." رفع كتفيه بلا مبالاة مصطنعة، ثم مدّ يده فجأة نحوها وكأنه سيمسح القهوة عن قميصها، قبل أن يتراجع بسرعة حين رأى نظرتها القاتلة. "حسنًا، حسنًا، لن ألمس شيئًا. فقط... أنا آسف. حقًا. اسمي سرمد، بالمناسبة."

"لم أسأل عن اسمك."

"أعرف، لكنني أشعر أن من يسكب القهوة على شخص غريب يستحق على الأقل أن يعرف اسمه، تحسبًا لو قررتِ رفع دعوى قضائية."

رغم غضبها، شعرت نرجس برغبة غريبة في الابتسام، قاومتها بكل قوتها. من هذا الشخص؟ ولماذا يتحدث بهذه الثقة العجيبة وكأن سكب القهوة على غريبة أمر يومي عادي بالنسبة له؟

"اسمك غريب،" قالت أخيرًا، محاولة تغيير مسار المحادثة بعيدًا عن حرجها المتزايد.

"غريب بمعنى مميز، أم غريب بمعنى 'يجب أن أبتعد عن هذا الشخص فورًا'؟" سأل بجدية مصطنعة تمامًا، وكأن هذا سؤال حياتي مهم.

"الخيار الثاني، على الأرجح."

ضحك سرمد بصوت عالٍ، ضحكة أزعجت نرجس أكثر مما توقعت — ليس لأنها كانت مزعجة فعلًا، بل لأنها كانت... مختلفة. صادقة بشكل غير معتاد.

"حسنًا يا صاحبة القميص الملطخ، دعيني أعوّض عليكِ. قهوة جديدة، على حسابي، وأعدك ألا أسكبها هذه المرة."

"لا داعي لذلك حقًا."

"إصرار غريب على الرفض. هل تخافين من القهوة تحديدًا، أم من الأشخاص الذين يحاولون تصحيح أخطائهم؟"

توقفت نرجس للحظة، غير متأكدة كيف تجيب على سؤال بهذا القدر من الوقاحة اللطيفة. لم يكن أحد قد تحدث معها بهذه الطريقة المباشرة منذ وقت طويل — لا أحد كان يحاول أصلًا. الناس عادة يشعرون بشيء غريب في طريقة تعاملها معهم، شيء يبقيهم على مسافة دون أن يعرفوا لماذا بالضبط.

لكن هذا الشخص، بشعره غير المرتب وابتسامته المتهكمة، لم يبدُ عليه أنه يشعر بتلك المسافة أصلًا.

"عندي محاضرة،" قالت أخيرًا، متجاهلة سؤاله، وبدأت تبتعد.

"إذن سأنتظرك بعد المحاضرة! أمام باب القاعة، بقهوة جديدة، كتعويض رسمي عن الجريمة التي ارتكبتها!"

لم تردّ، واصلت السير دون أن تلتفت إلى الوراء، لكنها شعرت بنظراته تتبعها حتى انعطفت في الممر التالي.

جلست في القاعة، والقميص لا يزال رطبًا بقعة بنية واضحة عليه، وحاولت أن تركز على المحاضرة، لكن صوته الساخر ظل يتردد في ذهنها بإزعاج غريب. من هذا الشخص الذي يتجرأ على مزاحها بهذه البساطة، وكأنه لا يشعر بذلك الحاجز غير المرئي الذي كانت تضعه حول نفسها دائمًا؟

لم تكن تعرف، لكن شيئًا في داخلها — شيء لم تشعر به منذ سنتين — بدأ يتحرك بقلق خفيف.

وفي مكان ما بعيد عنها، كان سرمد يقف عند باب القاعة كما وعد، يبتسم لنفسه بثقة غريبة، وكأنه يعرف شيئًا لا تعرفه هي بعد.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   أحاديث تحت الفجر

    جلسا في عمق الكهف الصغير، النار التي أشعلها سرمد بحذر تضيء المكان بدفء خافت، بينما كانت أولى خيوط الفجر تتسلل عبر فتحة الكهف الضيقة. لم يستطع أي منهما النوم رغم الإرهاق الشديد، عقولهما لا تزالان مثقلتين بكل ما حدث تلك الليلة."سرمد،" قالت نرجس أخيرًا، كاسرة الصمت الطويل، عيناها ثابتتان على النار المتراقصة. "أريد أن أسألك شيئًا، وأريد إجابة صادقة تمامًا."نظر إليها بجدية، يدرك من نبرة صوتها أن السؤال القادم مهم. "اسأليني أي شيء.""حين أتيت إليّ أول مرة، حين اصطدمنا في ذلك الممر... هل كان ذلك جزءًا من الخطة؟ أم كان صدفة حقيقية؟"تنهد سرمد بعمق، يدرك أن هذا السؤال كان معلقًا بينهما منذ اكتشافها لحقيقته. "كان جزءًا من الخطة، نرجس. تتبعت خطواتك لأسابيع قبل ذلك اليوم، أدرس روتينك، أبحث عن أفضل طريقة للاقتراب منك دون إثارة شكوكك. ذلك الاصطدام في الممر لم يكن صدفة، كان محسوبًا بدقة."شعرت نرجس بوخزة ألم قديمة تعود، لكنها لم تنسحب هذه المرة، بل أومأت برأسها، تطلب المزيد. "استمر.""لكن كل شيء تغيّر بعد ذلك اليوم بسرعة لم أتوقعها." اقترب منها قليلًا، عيناه تحملان صدقًا عميقًا. "كنت أخطط لمهمة با

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status