Share

ظلال تقترب

Author: Lamar
last update publish date: 2026-08-02 08:54:10

لم يردّ سرمد على رسالة كبير العشيرة تلك الليلة، ولا في اليوم التالي. تجاهلها بإصرار، محاولًا أن يكسب وقتًا لم يعد يملك ترفه الكافي منه، بينما كانت حياته مع نرجس تزداد قربًا وعمقًا يومًا بعد يوم، وكأن الاثنين، دون أن يقولا ذلك بصوت عالٍ، كانا يحاولان التمسك بلحظة سعادة هشة يعرفان في أعماقهما أنها لن تدوم طويلًا.

لكن العشيرة لم تكن من النوع الذي ينتظر بصبر.

في مساء يوم الخميس، بينما كانت نرجس تغلق المقهى بعد نهاية دوامها المتأخر، شعرت فجأة بذلك الإحساس القديم يعود بقوة مضاعفة — إحساس المراقبة، لكن هذه المرة أكثر إلحاحًا، أقرب، وكأن خطرًا حقيقيًا بدأ يتسلل من الظلام مباشرة نحوها.

خرجت من المقهى، تتفحص الشارع الفارغ بحذر شديد، حواسها الحقيقية تتيقظ رغمًا عن إرادتها. وفجأة، من بين الظلال العميقة عند نهاية الزقاق، ظهرت ثلاث أشكال بشرية الهيئة، لكن نرجس عرفت على الفور، من طريقة تحركهم غير الطبيعية، ومن تلك النظرة الحادة في عيونهم، أنهم ليسوا بشرًا على الإطلاق.

"نرجس بنت العشيرة الحاكمة." قال أحدهم، صوته باردًا كالحديد، بلا أي محاولة للتمويه أو الكذب. "لقد وجدناك أخيرًا."

تراجعت نرجس خطوة، جسدها يستعد غريزيًا للمواجهة، رغم أنها كانت تعرف جيدًا أن ثلاثة من مقاتلي العشيرة المدرَّبين يشكلون خطرًا حقيقيًا حتى عليها.

"لم آتِ لأقاتل،" قالت بحذر، محاولة كسب بعض الوقت. "أعرف ما تريدونه. لكن اسمحوا لي فقط—"

"لا وقت للمفاوضات." تقدّم الثاني منهم بخطوة سريعة مفاجئة، يداه بدأتا تتحولان بالفعل إلى ألسنة من نار داكنة. "الحكم صدر منذ زمن طويل. لن نغادر بدون تنفيذه."

هاجمها الثلاثة في آنٍ واحد، وانطلقت نرجس في معركة شرسة صامتة وسط الزقاق المظلم، جسدها يتحرك بسرعة وقوة تفوق أي بشري، تتفادى ضربات النار المتطايرة بينما تحاول في الوقت نفسه ألا تستخدم كامل قوتها الحقيقية، خوفًا من جذب انتباه أي عين بشرية قد تمر بالصدفة.

تلقت ضربة قوية في كتفها أطاحت بها أرضًا، وشعرت بألم حارق ينتشر في جسدها، حين ظهر فجأة صوت رابع، غاضب، مألوف بشكل مروع، يصرخ من نهاية الزقاق:

"توقفوا!"

كان سرمد، واقفًا هناك، أنفاسه ثقيلة من الركض، وعيناه تحملان رعبًا حقيقيًا وهو يرى نرجس ملقاة على الأرض ودمًا خفيفًا يسيل من كتفها.

التفت أحد المهاجمين نحوه بدهشة واضحة. "سرمد؟ ماذا تفعل هنا؟ هذه ليست مهمتك بعد الآن، تراجع."

"قلت توقفوا!" تقدّم بخطوات سريعة، يقف بين نرجس والمهاجمين الثلاثة، جسده يتحول فجأة، للمرة الأولى أمام نرجس، إلى هيئته الحقيقية — أطياف من دخان أغمق، أكثر كثافة من دخانها هي، وعينان تتوهجان بضوء أحمر عميق يشبه جمر النار المشتعلة حديثًا.

وقفت نرجس، رغم الألم في كتفها، مسمّرة في مكانها بذهول تام، تدرك أخيرًا، في تلك اللحظة بالذات، أن سرمد لم يكن يومًا إنسانًا بسيطًا كما ظنت، بل واحدًا من عالمها هي بالضبط.

"سرمد، ماذا تفعل؟" سأل القائد بينهم بحدة، غير مصدق ما يراه. "أنت أُرسلت لتنفيذ الحكم بنفسك! هل نسيت واجبك؟"

جمد الزمن للحظة، بينما كانت نرجس تنظر إلى سرمد بصدمة تتجاوز كل ما شعرت به في حياتها كلها، تفهم أخيرًا سبب كل ذلك التردد الغريب فيه، كل تلك النظرات المثقلة بالأسرار، كل تلك اللحظات التي كان يحاول فيها إخبارها بشيء ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.

"لن أؤذيها." قال سرمد بصوت هادر، جسده يتخذ وضعية دفاعية كاملة أمامها. "مهما كلّفني ذلك، لن تلمسوها."

اندلعت مواجهة عنيفة جديدة، هذه المرة بين سرمد والثلاثة الآخرين، ألسنة النار والدخان تتصارع في الزقاق الضيق بعنف متزايد، بينما كانت نرجس، رغم إصابتها، تحاول أن تنهض لتساعده، عقلها لا يزال غارقًا في صدمة الاكتشاف الأخير.

بعد دقائق من القتال الشرس، تمكن سرمد، بقوة يائسة مدفوعة بشيء أعمق من مجرد واجب، من صدّ المهاجمين الثلاثة وإجبارهم على التراجع مؤقتًا، وإن كان واضحًا من نظراتهم الغاضبة وهم يختفون في الظلام أن هذه لم تكن سوى معركة أولى من حرب طويلة قادمة.

التفت سرمد نحو نرجس أخيرًا، أنفاسه لا تزال ثقيلة، وجسده يعود ببطء إلى هيئته البشرية. ركع بجانبها، يفحص جرحها بقلق، لكنها ابتعدت عنه فجأة، عيناها مليئتان بخليط من الألم الجسدي والخيانة العاطفية العميقة.

"كنت مبعوثًا لقتلي." همست، صوتها يرتجف بغضب وحزن معًا. "طوال هذا الوقت... كل شيء بيننا... كان جزءًا من مهمة؟"

"نرجس، الأمر ليس كما يبدو، أرجوك دعيني أشرح—"

"ابتعد عني." وقفت بصعوبة، تتراجع منه بخطوات مرتجفة، رغم الألم الحارق في كتفها. "لا تقترب مني أبدًا مرة أخرى."

وقف سرمد في مكانه، ممزقًا بالكامل، يراقبها وهي تبتعد في الظلام تعرج قليلًا من إصابتها، غير قادر على تحريك قدميه ليلحق بها، تمامًا كما لم يكن قادرًا طوال الأسابيع الماضية على إخبارها بالحقيقة الكاملة قبل فوات الأوان

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   خيوط تتشابك في الظل

    في اليومين التاليين، استقرت نرجس وسرمد في روتين هادئ داخل القصر الملكي الأكبر، حيث دُعيا للبقاء ضيوفًا لفترة إضافية بناءً على إصرار لطيف من الملك نفسه، الذي بدا مصممًا على تعويض نرجس عن كل السنوات التي حُرمت فيها من عائلتها ووطنها الحقيقي.في صباح اليوم الثالث، بينما كانت نرجس تتجول في حدائق القصر الواسعة برفقة إحدى وصيفات القصر التي عُيّنت لخدمتها، وجدت نفسها فجأة أمام الأمير كيان، يجلس وحيدًا على مقعد حجري قديم بجانب بحيرة صغيرة تعكس السماء الصافية بألوان نارية خافتة مميزة لعالم الجن."نرجس." نهض بأدب فور رؤيتها، ابتسامة ترحيبية صادقة على وجهه. "لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا بمفردكِ هذا الصباح.""كنت أتمشى فقط، أستمتع بجمال الحدائق." جلست بحذر مهذب على الطرف الآخر من المقعد الحجري حين أشار إليها بلطف للجلوس. "لم أرَ مكانًا بهذا الجمال من قبل."تحدثا لوقت طويل، الأمير يشاركها بصدق واضح ذكريات إضافية عن والدتها، عن دفئها وحكمتها، عن طريقة تعليمها له أساسيات فن الحكم بعيدًا عن القسوة التي اعتاد عليها من مستشاري أبيه الآخرين. استمعت نرجس بشغف متجدد، تشعر وكأنها تكتشف جزءًا حقيقيًا مفقودًا من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status