Share

حارس من الظل

Author: Lamar
last update publish date: 2026-08-02 08:54:41

مرّ أسبوع كامل على تلك الليلة في الزقاق، أسبوع تحوّلت خلاله نرجس إلى شخص مختلف تمامًا عن تلك التي عرفها سرمد. اختفى كل ذلك الدفء الهش الذي بدأ يتشكل بينهما، وحلّ محله جدار من الغضب الصلب، أكثر برودة وقسوة من أي شيء أظهرته حتى في أشد لحظات حذرها الأولى معه.

حاول سرمد الاقتراب منها مرات عديدة. وقف عند باب المقهى في أول ليلة بعد الحادثة، يحمل في عينيه توسلًا صامتًا، لكنها رأته من خلف النافذة وأدارت ظهرها فورًا، رافضة حتى النظر في اتجاهه. حاول الاقتراب منها في الجامعة، لكنها غيّرت مسارها بمجرد رؤيتها له، تسير بخطى سريعة حازمة لا تترك مجالًا لأي محاولة للحديث.

في المرة الثالثة، حين لحق بها أخيرًا في الممر الخارجي للجامعة وأمسك بذراعها بلطف ليوقفها، انفجرت نرجس بعنف لم يتوقعه.

"لا تلمسني!" صرخت، تدفعه بقوة خارقة جعلته يترنح للخلف عدة خطوات، عيناها تلمعان بذلك الضوء الذهبي الغاضب الذي لم يرها تُظهره من قبل بهذا الوضوح. "لا يحق لك أن تلمسني بعد كل ما فعلته!"

"نرجس، أرجوك، فقط استمعي لي دقيقة واحدة—"

"استمع لك؟" ضحكت ضحكة مريرة، خالية تمامًا من أي مرح. "استمعت إليك لأسابيع، سرمد. صدّقت كل كلمة قلتها، كل لمسة، كل نظرة. وطوال ذلك الوقت كنت تخطط لقتلي."

"لم أكن سأفعل ذلك أبدًا! منذ اللحظة التي—"

"لا يهم متى توقفت عن النية بقتلي!" قاطعته بصراخ يحمل كل الألم المكبوت لأسبوع كامل. "المهم أنك جئت إليّ بكذبة من البداية. كل شيء بيننا كان مبنيًا على خداع، وأنا... أنا سمحت لنفسي أن أثق بك، أن أحبك، بعد كل ما مررت به. لن أسامح ذلك أبدًا."

استدارت وابتعدت بسرعة، تاركة سرمد واقفًا وحيدًا، مثقلًا بذنب لم يكن يعرف كيف يحمله. لم يحاول ملاحقتها هذه المرة، مدركًا أن أي محاولة إضافية ستزيد الأمر سوءًا فقط.

لكنه لم يتوقف عن مراقبتها.

من مسافة آمنة، بعيدة بما يكفي ألا تشعر بوجوده، بدأ سرمد يتبع خطواتها كظل صامت. كان يقف في الجانب المقابل من الشارع كل ليلة وهي تغلق المقهى، يتأكد أنها تصل إلى شقتها بأمان. كان يراقب محيط الجامعة بحثًا عن أي أثر لعشيرته أو لأي خطر آخر قد يقترب منها دون علمها. لم يكن يريد منها أن تعرف، لم يكن يتوقع أي شكر أو مغفرة، بل فقط كان يحتاج أن يعرف أنها بأمان، حتى لو كان الثمن أن يراقبها من بعيد وهي تكرهه بكل ما أوتيت من قوة.

في إحدى تلك الليالي، بينما كان يقف في زاوية مظلمة يراقب نافذة شقتها المضاءة، ظهر أمامه فجأة اثنان من أفراد عشيرته، قادمين من الظلام دون سابق إنذار.

"سرمد. كبير العشيرة يريد رؤيتك. الآن."

اقتيد سرمد إلى مكان لقاء سري، غرفة مظلمة في مبنى مهجور على أطراف المدينة، حيث كان كبير عشيرته ينتظره بوجه صارم لا يعرف الرحمة.

"لقد فشلت في مهمتك، وأسوأ من ذلك، خنت واجبك تجاه عشيرتك بحمايتها." قال كبير العشيرة بصوت بارد يحمل تهديدًا واضحًا خلف كل كلمة. "أخبرني لماذا لا يجب أن أعاقبك بنفس الحكم الذي صدر بحقها."

وقف سرمد أمامه، محاولًا أن يجد الشجاعة اللازمة لما كان على وشك قوله. "أطلب منك أن تمنحها فرصة أخرى. دعني أقنعها بتقديم اعتذار رسمي أمام مجلس العشيرة، اعتذار دموي وفق التقاليد القديمة. سأتحمل مسؤولية إقناعها بالخضوع لحكم العشيرة والعودة تحت سلطتها. فقط امنحها هذه الفرصة الأخيرة."

نظر كبير العشيرة إليه طويلًا، عينان باردتان تحسبان احتمالات كثيرة، قبل أن يجيب أخيرًا بصوت لا يخلو من تحذير قاسٍ: "لديك شهر واحد فقط. إن لم تعد بها خاضعة تمامًا، منفذة للاعتذار الدموي أمام المجلس، فسيُنفذ الحكم عليها بأقسى طريقة ممكنة، وستُحاسَب أنت أيضًا على خيانتك."

خرج سرمد من ذلك اللقاء بقلب مثقل بوزن مستحيل، يدرك جيدًا أن ما وعد به كبير العشيرة قد يكون أصعب بكثير مما تخيل. لأنه، أكثر من أي شخص آخر، كان يعرف عمق كبرياء نرجس وشدة رفضها لأي شكل من أشكال الخضوع، خاصة بعد كل الظلم الذي عانته.

في تلك الليلة نفسها، بعيدًا في شقتها، جلست نرجس وحدها، تحدّق في السقف، غضبها لا يزال محتدمًا بداخلها كنار لا تنطفئ. فكرت في اقتراح الاعتذار الذي وصلها همسًا عبر أحد معارفها من عالمها القديم — اقتراح سرمد بأن تقدّم اعتذارًا للمجلس مقابل النجاة.

قبضت يدها بغضب حتى أدمت أظافرها راحة كفها.

"لن أعتذر أبدًا." همست لنفسها بصوت متحجر، عيناها تلمعان بذلك الضوء الغاضب في العتمة. "لن أنحني لهم بعد كل ما فعلوه بي. لن أطلب الصفح عن حب لم يكن يومًا خطيئة."

كانت تعرف أن رفضها هذا قد يعني نهايتها، لكنها كانت مستعدة، بعد كل هذا العذاب، أن تواجه مصيرها واقفة بكرامتها، لا راكعة أمام من ظلموها منذ البداية.

وفي الخارج، تحت ضوء القمر البارد، وقف سرمد في الشارع المقابل لشقتها، يراقب نافذتها المضاءة بعينين مثقلتين بمسؤولية لا يعرف كيف سيحملها، مدركًا أن المعركة الحقيقية، تلك التي ستحدد مصير كل شيء، لم تبدأ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   خيوط تتشابك في الظل

    في اليومين التاليين، استقرت نرجس وسرمد في روتين هادئ داخل القصر الملكي الأكبر، حيث دُعيا للبقاء ضيوفًا لفترة إضافية بناءً على إصرار لطيف من الملك نفسه، الذي بدا مصممًا على تعويض نرجس عن كل السنوات التي حُرمت فيها من عائلتها ووطنها الحقيقي.في صباح اليوم الثالث، بينما كانت نرجس تتجول في حدائق القصر الواسعة برفقة إحدى وصيفات القصر التي عُيّنت لخدمتها، وجدت نفسها فجأة أمام الأمير كيان، يجلس وحيدًا على مقعد حجري قديم بجانب بحيرة صغيرة تعكس السماء الصافية بألوان نارية خافتة مميزة لعالم الجن."نرجس." نهض بأدب فور رؤيتها، ابتسامة ترحيبية صادقة على وجهه. "لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا بمفردكِ هذا الصباح.""كنت أتمشى فقط، أستمتع بجمال الحدائق." جلست بحذر مهذب على الطرف الآخر من المقعد الحجري حين أشار إليها بلطف للجلوس. "لم أرَ مكانًا بهذا الجمال من قبل."تحدثا لوقت طويل، الأمير يشاركها بصدق واضح ذكريات إضافية عن والدتها، عن دفئها وحكمتها، عن طريقة تعليمها له أساسيات فن الحكم بعيدًا عن القسوة التي اعتاد عليها من مستشاري أبيه الآخرين. استمعت نرجس بشغف متجدد، تشعر وكأنها تكتشف جزءًا حقيقيًا مفقودًا من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status