LOGINبعد ثلاثة أيام، كنتُ غارقاً بين أروقة مكتبة الجامعة. كنتُ أتصفح كتاباً في الكيمياء العضوية المتقدمة، وأدون ملاحظات سريعة في دفتري. كانت المكتبة معقلاً للسكينة؛ جدرانها الخشبية العتيقة تفوح برائحة الورق القديم والغبار الممزوج بالوقار. لم يكن هناك سوى قلة من الطلاب، مما جعل الصمت هنا رفيقاً طيباً، وليس عدواً متربصاً كما هو الحال في غرفتي.
سمعتُ وقع خطوات خفيفة تقترب. رفعتُ رأسي، فوجدتُ "أولغا" تقف أمامي، تحتضن كومة من الكتب الدراسية. سألتني بنبرة هامسة: "هل هذا المقعد شاغر؟" "نعم، تفضلي." جلست بجانبي وشرعت في القراءة بصمت. حاولتُ العودة لتركيزي، لكن عيني كانت تخونني وتتجه نحوها بين الحين والآخر؛ كان شعرها الأسود ينسدل بنعومة على كتفيها، وتفوح منها رائحة صابون طبيعي منعشة، بعيدة كل البعد عن العطور الرخيصة التي تملأ حفلات الصخب. "لماذا ترقبني؟" قالتها دون أن ترفع بصرها عن كتابها. اجتاحتني موجة من الخجل: "أنا.. لا أفعل." "بلى، أنت تفعل،" رفعت عينيها الخضراوين نحوي وأردفت بابتسامة خافتة: "لكن لا بأس، فأنا أيضاً كنتُ أراقبك." عجزتُ عن الرد. في حلب، لم أعتد خوض حوارات بهذه الصراحة مع فتاة؛ كنتُ دائماً ذلك الشاب الخجول الذي يخشى الرفض. لكن أولغا كانت مختلفة، لم تكن تشكل تهديداً، بل كانت تمنحني شعوراً غريباً بالأمان. "هل نأخذ استراحة؟" اقترحت فجأة، "هناك كشك صغير بالخارج يبيع شاياً ساخناً." "في هذا الصقيع؟" "لهذا السبب بالتحديد يُباع الشاي ساخناً." خرجنا معاً. كان المقهى مجرد كشك خشب بائس وسط ساحة الجامعة المترامية. مسحت أولغا الثلج عن مقعد بلاستيكي بكل بساطة وجلست، ففعلتُ مثلها. أحضرت لنا امرأة عجوز كأسين من الشاي الأحمر، يتصاعد منهما بخار كثيف. قبضتُ بيدي المرتجفتين على الكأس، وشعرتُ بالدفء يتسرب إلى أطرافي المتخشبة. قالت أولغا فجأة: "أخبرني عن سوريا." "لا يوجد ما يُحكى عنه،" أجبتُ بمرارة. "لماذا؟" "لأن سوريا التي أعرفها لم تعد موجودة." حدقتُ في قعر الكأس وتابعت: "القصف محا كل شيء؛ بيتنا، مدرستي، حتى الزقاق الذي شهد طفولتي." "وعائلتك؟" "أمي بخير، نجت بأعجوبة. أما أبي.. فقد رحل قبل سنتين بنوبة قلبية. يقول الأطباء إنه التوتر، وأنا أقول إنه القهر." ساد صمت ثقيل، قبل أن تمد أولغا يدها وتضعها فوق يدي. كانت يدها باردة كالثلج، لكن ملمسها كان أرق من كل الكلمات. "أنا آسفة حقاً، يوسف." "لا داعي للاعتذار.. الجميع يقولون ذلك." "لكني أعنيه." بقيت يدها فوق يدي، ولم أشأ نزعها. سألتها لأغير المجرى: "وأنتِ؟ لماذا اخترتِ علم الأحياء؟" "لأفهم الحياة،" ابتسمت، "قريتي في جبال الأورال منسية، ينهش المرض أجساد الناس هناك ولا طبيب يغيثهم. حلمي أن أعود وأفتتح عيادة خاصة." "هذا مسعى نبيل." "بل هو مسعى عملي،" رشفة من شايها ثم تابعت: "النبلاء هم من يضحون بحياتهم لأجل القضايا الكبرى، أما أنا.. فأريد فقط أن نعيش بكرامة." راقت لي صراحتها؛ لم تكن غارقة في أوهام الفتيات، بل كانت حقيقية، تشبه شتاء سيبيريا في صدقه وقسوته. فجأة، تغيرت لهجتها وقالت بحزم: "يوسف.. لا تضع ثقتك الكاملة في نيكولاي." "لماذا؟" "إنه ليس شريراً بطبعه، لكنه كائن تدميري. كل من يدور في فلكه ينتهي به المطاف إما خلف القضبان أو في ردهات المشافي." "كيف تيقنتِ من ذلك؟" "صديقتي أنيا.. وقعت في شباكه، فأقنعها أن الحرية تكمن في بيع جسدها للأثرياء من الطلاب. اليوم هي ضائعة في سراديب موسكو، ولا أحد يعرف عنها شيئاً." وقع كلماتها كان كالصدمة، لكني كابرتُ وقلت: "أنا لست أنيا، وأجيد حماية نفسي جيداً." نظرت إليّ بعينين يغلفهما الحزن: "كل الرجال يظنون ذلك، ثم يهوون في القاع." وقفتُ فجأة محاولاً الهروب من نظراتها: "يجب أن أعود، لدي فروض متراكمة." "يوسف.." نادتني قبل أن أبتعد. توقفتُ مكاني دون التفات. "إذا احتجت يوماً لمن يصغي إليك.. فأنا هنا." مضيتُ في طريقي، وشعور بالثقل يجثم على صدري. لم يكن غضباً، بل كان صراعاً داخلياً مريراً؛ خوفاً من الوحدة، وخوفاً أكبر من الاقتراب من شخص يمد لي طوق النجاة، بينما أنا أعدُّ العدة للغرق بمحض إرادتي. في تلك الليلة، فتحتُ دفتر الكيمياء، وعلى هامش إحدى المعادلات المعقدة، كتبتُ: "أولغا.. عيناها خضراوان، يداها باردتان، صوتها دافئ. خطر." ثم ببطء، شطبتُ كلمة "خطر" واستبدلتها بكلمة "أمل". سخرتُ من نفسي في سري؛ أمل؟ في قلب سيبيريا؟ هنا، الأمل هو أول من يلفظ أنفاسه قبل البشر.الأماكن التي هربتَ منها لا تنساك. تنتظرك بصبر الأشياء التي تعرف أنك ستعود. الطائرة بدأت بالهبوط في الساعة العاشرة صباحاً. جلستُ عند النافذة وكانت سوريا تظهر ببطء من تحت الغيوم — أولاً خطوط بنية وصفراء لا تقول شيئاً، ثم تفاصيل أكثر، ثم مدينة. دمشق. نظرتُ إليها من الأعلى وحاولتُ أن أشعر بشيء محدد. لكن ما جاء لم يكن محدداً — كان مزيجاً غريباً من أشياء لا تجتمع عادةً. شيء يشبه الوصول لمكان تعرفه ولا تعرفه في آن واحد. تعرف لغته وهواءه وألوانه. لكن الشخص الذي كان يعرفه بالكامل لم يعد موجوداً — ذهب في طائرة قبل سنوات وترك مكانه لرجل آخر يحمل نفس الاسم. قال ألكسي بجانبي دون أن يرفع عينيه من الملف الذي يقرأه: «أول مرة تعود؟» «نعم.» «كيف تشعر؟» نظرتُ للنافذة. «لا أعرف بعد.» أومأ كأن هذا الجواب كان متوقعاً. «هذا طبيعي. سوريا تحتاج وقتاً حتى تقرر كيف تشعر معها.» «أنت تعرفها جيداً؟» «أعرفها بقدر ما يسمح لي عملي.» نظر من النافذة لثانية. «لكنك ستعرفها بطريقة مختلفة. أنت منها.» الطائرة لامست الأرض. وسوريا استقبلتني بصمت لا يُشبه أي استقبال آخر. المطار كان مختلفاً عما تذكّرتُه. أو ربما
الرجل الذي يغادر مكاناً للمرة الثانية يغادره بطريقة مختلفة. المرة الأولى تغادر لأنك تهرب. المرة الثانية تغادر لأنك قررت. في آخر يوم في سيبيريا، استيقظتُ قبل الفجر. لم يكن هناك سبب محدد. لكن الجسد أحياناً يعرف قبل العقل أن شيئاً ما على وشك أن يتغير، فيستيقظ ليودّع بهدوء قبل أن يبدأ الضجيج. جلستُ على حافة السرير في الظلام. سيبيريا خارج النافذة كانت صامتة بصمتها المعتاد — ذلك الصمت الذي لا تجده في المدن الكبيرة، صمت المكان الذي لا يحاول أن يُثبت شيئاً لأحد. نظرتُ للنافذة وفكّرتُ في كل ما حدث في هذا المكان. المختبر القديم. فيكتور. مارينا. أولغا. دراغان. وفوق كل شيء — نيكولاي. سيبيريا أخذت مني أشياء لن تعود. وأعطتني أشياء لم أكن أعرف أنني أحتاجها. قمتُ. ارتديتُ معطاي. وخرجتُ. مشيتُ في شوارع المدينة وحدي قبل أن يستيقظ أحد. الثلج تحت قدمي يُصدر صوته المعتاد. الهواء بارد بطريقة سيبيريا التي اعتدتُها الآن — لم يعد عدواً، أصبح جزءاً من التنفس. مررتُ بالمقهى الصغير. بالحانة التي التقينا فيها بفيكتور لأول مرة. بالشارع الذي وقف فيه نيكولاي ذات ليلة وقال أتمنى أن ينتهي هذا بسرعة ولم يُكمل ا
الأماكن التي شهدت بداياتك لا تنساك. تحتفظ بك في جدرانها وهوائها وصمتها. وحين تعود إليها لا تعود كزائر — تعود كجزء منها كان غائباً. في الصباح الثاني في سيبيريا، ذهبتُ للمختبر القديم. لم يطلب مني أحد الذهاب. ولم أُخطط له. استيقظتُ وعرفتُ أن هذا ما يجب أن أفعله قبل أي شيء آخر — قبل أن أرى ميلان وديمتري وقبل أن أُراجع الأرقام وقبل أن أبدأ ما جئتُ لأبدأه. أن أذهب لهناك أولاً. مشيتُ وحدي. الطريق لمبنى الفيزياء القديم لم يتغير. نفس الممرات ونفس الأشجار التي تحمل الثلج على أغصانها كأنها اعتادت هذا الثقل منذ الأزل. الجامعة في الصباح الباكر كانت شبه فارغة — بعض الطلاب يمشون بسرعة برؤوس محنية في مواجهة البرد. لم يلتفت أحد إليّ. وصلتُ لمبنى الفيزياء. الباب الخارجي لم يكن مقفلاً — لم يكن مقفلاً يوماً بطريقة تمنع من يعرف. نزلتُ الدرج الحلزوني الصدئ. رائحة الرطوبة والعفن لا تزال هناك، نفسها تماماً، كأن الوقت لم يمس هذا المكان. وقفتُ أمام الباب الحديدي الثقيل. أخرجتُ المفتاح. لا أعرف لماذا أبقيتُه معي كل هذا الوقت. حملتُه من سيبيريا لموسكو ومن موسكو لكل مكان ذهبتُ إليه. مفتاح صدئ لا قيمة له
المكان الذي بدأتَ فيه لا يتذكرك. لكنك تتذكره. وهذا الفرق هو كل شيء. قررتُ العودة لسيبيريا في صباح عادي. لم يكن قراراً مدروساً بالطريقة التي أتخذ بها القرارات عادةً — لا جداول ولا أوراق ولا اجتماعات. استيقظتُ وعرفتُ. أحياناً الأشياء الصحيحة تأتي هكذا، بدون مقدمات، كأن جزءاً من داخلك كان يعرف منذ وقت وانتظر حتى تلحق به. اتصلتُ بفاسيلي. «فاسيلي، أنا قادم.» صمت قصير. ثم: «متى؟» «بعد يومين.» «سأكون في المحطة.» لم يسأل لماذا الآن. لم يسأل عن خطط أو أعمال أو اجتماعات. فقط قال سأكون في المحطة. وهذا كان كافياً. أخبرتُ بوريس. جلس أمامي وسمع. ثم قال: «كم ستبقى؟» «لا أعرف.» «يوسف، هناك أشياء هنا تحتاج—» «بوريس.» توقف. «الشبكة تعمل وحدها. هذا ما بنيناه من أجله. أعطني أسبوعاً.» نظر إليّ بعيون تُقيّم ثم أومأ. «أسبوع.» في اليوم الأخير في موسكو، مشيتُ في الشوارع وحدي. مشيتُ في أربات — الشارع الذي مررتُ به أول أيامنا حين أخذنا بوريس في جولته. مررتُ بالمطعم الصغير الذي جلسنا فيه مع فولكوف في أول لقاء حقيقي. مررتُ بالمقهى الذي كان نيكولاي يذهب إليه وحده في تلك الأيام الصعبة. وقفتُ أمام
الإنسان لا يتذكر كل شيء. لكن بعض الأشياء تتذكره هي — تجلس فيه دون أن يدعوها وتبقى دون أن يطلب. وهذا النوع من البقاء لا يُشبه أي شيء آخر. في الأسابيع التي تلت، تعلّمتُ شيئاً لم أكن أعرفه من قبل. تعلّمتُ أن الفقد لا يذهب. يتغير شكله فقط. في البداية كان حاداً بطريقة الجروح الجديدة. كل صباح بدون رائحة القهوة كان يُخبرني. كل اجتماع والكرسي عن يساري فارغ كان يُخبرني. كل لحظة أريد فيها أن أقول شيئاً لشخص يفهم قبل أن أُكمل الجملة — كانت تُخبرني. الفقد في أيامه الأولى يسكن في الأشياء الصغيرة أكثر مما يسكن في اللحظات الكبيرة. ليس في الجنازة ولا في الورقة ولا في الغرفة المرتبة. بل في كوب القهوة الفارغ. وفي السيجارة التي لا أحد يُشعلها. وفي الصمت الذي لا ينتظر. ثم بدأ يتغير ببطء. لم يخف. لم يُصبح أصغر. لكنه أصبح جزءاً من الهواء الذي أتنفسه — دائماً هناك لكن لا يمنعك من التنفس. في أحد الصباحات في الأسبوع الرابع، صنعتُ القهوة كالمعتاد. جلستُ أمامها. ومددتُ يدي وشربتُ. وهي لا تزال ساخنة. لم أنسَ. لم تبرد أمامي بينما أنا أحدق في نقطة لا شيء فيها. شربتُها كما يشرب الإنسان قهوته في صباح عادي —
الرجل الذي يصل وحده لا يصل بنفس الطريقة التي تخيّلها. القمة هناك. لكن المكان بجانبك فارغ. وهذا الفراغ لا يُشبه أي فراغ آخر — لأنه فراغ له شكل. في الأسبوع الثالث بعد رحيل نيكولاي، وصلتُ. ليس بإعلان ولا باحتفال ولا بلحظة درامية تُخبرك أن هذا هو المكان. وصلتُ بالطريقة التي تصل بها الأشياء الحقيقية — ببطء وبتراكم وبيوم يشبه اليوم الذي قبله حتى تجلس ذات مساء وتنظر لما أمامك وتُدرك بهدوء أنك وصلتَ. كان المساء عادياً في بداياته. بوريس على الطاولة يُراجع أرقام الأسبوع. غريغوري أرسل تقريراً عن آخر التحركات في الشبكة. وفولكوف — الذي نادراً ما يتصل في المساء — اتصل في الثامنة. رددتُ. «يوسف.» «فولكوف.» «أريد أن أقول لك شيئاً.» نبرته كانت مختلفة — ليست نبرة الاجتماعات والأرقام. نبرة رجل في الستين يقول شيئاً قرر أن يقوله لأنه يعتقد أنه يجب أن يُقال. «موسكو الآن لك بالكامل. ليس بالقدر الذي يهم — بالكامل. كل من يعمل في هذه المدينة بالطريقة التي تعمل بها يعرف اسمك ويعرف ما خلفه.» جلستُ مع هذه الجملة في صمت. موسكو بالكامل. فكّرتُ في سيبيريا. في الغرفة 319 والبرد الذي لا يرحم والحافلة التي أو







