مشاركة

إنه الملك

last update تاريخ النشر: 2026-06-24 21:37:24

لم أتحرك في البداية.

بقيت جالسة على طرف الفراش أحدق في الخادمة العجوز وكأنني لم أفهم ما قالته، أو لعلني كنت أحاول إقناع نفسي أنني لم أفهمه حقًا.

الملك طلب رؤيتي.

يا إلهي...

تجمد لساني في فمي، وشعرت كأن برودة خفية تسللت إلى أطرافي حتى صارت أصابعي ترتعش فوق الغطاء. كنت أعلم أن شيئًا كهذا سيحدث منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه داخل غرفة الملكة، لكن سماع الأمر بصوت مسموع كان أشبه بحكم بالإعدام.

"أسرعي يا فتاة." قالت العجوز بنفاد صبر وهي تضم يديها إلى صدرها. "لا تجعليه ينتظر أكثر."

نهضت بصعوبة، وكأن جسدي صار أثقل من أن أحمله. عدلت فستاني المرتبك، ثم مررت كفي على ضفيرتي لأتأكد أنها ما تزال في مكانها، مع أنني لم أكن أدري لمَ أهتم بمظهري أصلًا وأنا ذاهبة إلى مصيري.

خرجت خلف العجوز وأنا أجر قدمي جراً. كان القصر في تلك الساعة مختلفًا تمامًا عن النهار؛ أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا، وأكثر رعبًا. الممرات الطويلة المضاءة بالمشاعل بدت كأنها لا تنتهي، والظلال المرتسمة على الجدران كانت تجعل كل زاوية تبدو كمخبأ لشيء سيئ ينتظرني.

"إلى أين تأخذينني؟" سألتها بصوت منخفض.

لم تنظر إليّ وهي تجيب: "إلى جناح الملك."

كادت قدماي تتوقفان عن الحركة.

جناح الملك؟

التفت إليها بحدة، لكن وجهها بقي جامدًا كالحجر، وكأنها لم تقل شيئًا يستحق كل هذا الهلع. تابعت السير بصمت، أما أنا فشعرت أن صدري يضيق أكثر مع كل خطوة.

لماذا يريدني في جناحه؟ هل اشتكى للملكة من وقاحتي؟ هل عرف أنني لم أنحنِ له كما يجب؟ أم أنه تذكر الطريقة التي كلمته بها في الممر، وقرر أخيرًا أن يعلمني الفرق بين ملك وخادمة؟

يا إلهي... ليت الأرض تنشق وتبتلعني الآن.

توقفنا أخيرًا أمام بابين شاهقين من الخشب الداكن، تحرسهما مشعلتان كبيرتان وجنديان جامدا الملامح. انحنت العجوز قليلًا ثم قالت للحارس الأقرب:

"الخادمة سيلا."

أومأ الرجل برأسه ودفع الباب ليفتح ببطء.

في تلك اللحظة، تمنيت لو أستطيع الفرار. تمنيت لو أستطيع العودة إلى غرفتي، أو إلى بيتنا البائس، أو حتى إلى محل الملابس الحقير في الحي... أي مكان في العالم إلا هنا.

"ادخلي." همست العجوز وهي تدفعني برفق من كتفي.

ابتلعت ريقي ودخلت.

أُغلق الباب خلفي بصوت خافت، فارتجف قلبي في صدري.

كانت الغرفة واسعة إلى حد أربكني. السقف مرتفع، والستائر الثقيلة تتدلى من النوافذ الطويلة، ورائحة خشب دافئ ممزوجة بعطر خفيف تملأ المكان. لم تكن غرفة نوم عادية كما تخيلت، بل أقرب إلى قاعة خاصة؛ مكتبة على أحد الجدران، وخريطة كبيرة معلقة على جدار آخر، وطاولة واسعة فوقها عدد من الأوراق والشموع.

وكان هو واقفًا عند النافذة، يدير ظهره لي.

للحظة، لم أرَ فيه الملك الذي يدخل بتيجان ومواكب، بل رجلًا طويل القامة يملأ المكان بهيبة مزعجة حتى وهو صامت. كانت كتفاه عريضتين على نحو لافت، وقامته مستقيمة كأنها لا تعرف الانحناء. وحين استدار نحوي ببطء، انعقد نفسي في صدري.

يا إلهي...

اللعنة، كيف لم ألحظ هذا من قبل؟

كان وسيمًا على نحو قاسٍ، لا ذلك الجمال الناعم الذي يبعث الراحة، بل جمال حاد يربك النظر إليه. بشرته قمحية فاتحة، وخط فكه واضح وصلب، وأنفه مستقيم كأنه نحت بعناية. أما عيناه... فكانتا أكثر ما أربكني؛ رماديتين مائلتين إلى الزرقة في ضوء المشاعل، ثابتتين على نحو يجعل من ينظر إليهما يشعر وكأنه مكشوف بالكامل. شعره أسود كثيف، أقصر قليلًا عند الجانبين، بينما انسدلت بعض الخصلات فوق جبينه بلا ترتيب كامل، كأنها زادت ملامحه صرامة بدل أن تخففها.

كان قد خلع رداءه الملكي الثقيل، واكتفى بثياب داكنة بسيطة، لكن بساطتها لم تنزع عنه هيبته، بل جعلتها أوضح. بدا أقل بهرجة من ظهوره في غرفة الملكة، وأكثر خطورة. رجل لا يحتاج إلى تاج فوق رأسه ليعرف الجميع أنه الآمر هنا.

ارتجفت أصابعي من جديد. للحظة، فكرت أن أبقى صامتة حتى يلتفت هو، لكنني خشيت أن يعدّ ذلك وقاحة جديدة، فتمتمت بصوت بالكاد خرج من حنجرتي:

"طلبتني... يا مولاي؟"

ثبت عينيه عليّ فورًا، بنفس النظرة الطويلة المربكة التي رأيتها في الممر، كأن وجودي يثير فيه سؤالًا لا يجد له جوابًا.

"اقتربي."

قالها بهدوء، لا بصوت غاضب كما توقعت، لكن ذلك لم يخفف رعشتي.

تقدمت خطوتين فقط، ثم توقفت. لم أكن مستعدة للاقتراب أكثر من رجل يستطيع، بكلمة واحدة، أن يقطع رأسي ويواصل عشاءه بهدوء.

رفع حاجبه قليلًا، وكأنه لاحظ ترددي، ثم قال: "أأنت خائفة مني إلى هذا الحد؟"

كذبت فورًا: "لا."

ابتسم ابتسامة قصيرة، ساخرة على نحو أزعجني.

"إذن لِمَ ترتجف يداكِ؟"

خفضت بصري بسرعة إلى أصابعي، فوجدتها بالفعل ترتعش فوق أطراف الفستان. لعنت نفسي في سري وضممت يدي خلف ظهري حتى لا يراهما.

ساد صمت قصير قبل أن يتحرك مبتعدًا عن النافذة، ثم اتكأ بطرفه على الطاولة وأعاد السؤال الذي طرحه عليّ أول مرة، لكن بصوت أبطأ هذه المرة:

"من أنتِ يا سيلا؟"

رمشت باستغراب.

"لقد أخبرتك... أنا سيلا."

"هذا اسمك، لا جواب سؤالي." قالها وهو يراقب وجهي بدقة. "من أين جئتِ؟ من الذي أدخلك القصر؟ وكيف انتهى بك الأمر خادمة لدى الملكة؟"

ارتبكت. لم أكن أتوقع هذا النوع من الأسئلة. ظننت أنه استدعاني ليوبخني أو يعاقبني، لا ليستجوبني عن حياتي.

رفعت رأسي نحوه بحذر وقلت: "أنا من الأحياء الجنوبية، يا مولاي. أمي خياطة، وصاحب محل الثياب هو من رشحني للعمل هنا بعد أن طلب القصر خادمة جديدة."

"الأحياء الجنوبية..." كررها ببطء، وكأن الكلمات وحدها لا تكفي. "وأبوك؟"

تصلبت ملامحي دون إرادة.

"مات."

لم أضف شيئًا. لم أحب يومًا الحديث عن أبي، ولا عن موته، ولا عن الجنود الذين تركوا في بيتنا كراهية لم تنطفئ حتى الآن.

لكن الملك لم يبدُ كمن سيفلت الأمر بهذه السهولة. ضيق عينيه قليلًا وقال: "كيف مات؟"

رفعت نظري إليه بحدة خفيفة قبل أن أتمكن من منع نفسي.

"في شجار مع جنود المملكة."

خرجت الجملة باردة، إلا أن ما تحتها كان ساخنًا بما يكفي ليحرقني. أدركت فورًا أنني ربما قلت أكثر مما يجب، فعضضت على شفتي، لكن الوقت كان قد فات.

ظل يحدق بي لثوانٍ طويلة، ثم استقام عن الطاولة واقترب خطوة واحدة.

"ومع ذلك جئتِ للعمل في القصر."

"لم يكن لدي خيار." قلتها قبل أن أفكر، ثم ندمت مباشرة على نبرتي.

لم يبدُ غاضبًا، بل على العكس... ظهرت في عينيه لمعة غريبة، أقرب إلى الفضول منها إلى الاستياء.

"ليس لديكِ الكثير من الخوف في لسانك." قالها بنبرة هادئة.

رفعت ذقني قليلًا، رغم أن قلبي كان يخبط بعنف داخل صدري. "بل لديّ ما يكفي من الخوف، يا مولاي. لكنني لا أرى فائدة من تزيين الكلام إن كان مصيري قد حُسم بالفعل."

اتسعت ابتسامته هذه المرة، ببطء، كأن إجابتي أمتعته على نحو ما.

"ومن قال إن مصيرك قد حُسم؟"

رمشت بارتباك. "ألم تستدعني لمعاقبتي؟"

"ولمَ أعاقبك؟"

كدت أضحك من شدة التوتر. هل يسخر مني؟ هل نسي حقًا الطريقة التي خاطبته بها؟ رفعت حاجبي وأنا أجيبه بحذر:

"لأنني اصطدمت بك، ورفعت صوتي عليك، ولم أعرف أنك الملك."

"ولو كنتِ تعرفين؟"

ترددت. الحقيقة أنني لم أكن لأتجرأ أصلًا لو عرفت، لكن شيئًا في نظرته استفز عنادي، فقلت بصوت أخفض:

"لكنني لم أكن أعرف."

أطلق ضحكة قصيرة، بالكاد سُمعت، ثم استدار مبتعدًا خطوتين كأنه يمنحني فرصة لأتنفس.

"اطمئني، لن تُعاقبي الليلة."

شعرت بأن الهواء عاد إلى رئتي دفعة واحدة، حتى كدت أترنح من شدة الارتياح المفاجئ. لكن الارتياح لم يدم طويلًا، لأن صوته جاء بعد لحظة، أكثر هدوءًا وجدية:

"استدعيتك لأنني لا أحب وجود وجوه غريبة في القصر دون أن أعرف عنها شيئًا."

التفت إليّ مجددًا، ثم أكمل وهو يثبت عينيه عليّ:

"وخاصة الوجوه التي تنظر إليّ بتلك الطريقة."

عقدت حاجبي. "أي طريقة؟"

اقترب خطوة أخرى، حتى شعرت أن المسافة بيننا صارت أضيق مما ينبغي، وقال بصوت منخفض أربكني أكثر مما أخافني:

"وكأنها لا ترى ملكًا."

حبست أنفاسي. لم أعرف ماذا أقول، ولا لماذا شعرت فجأة بحرارة تصعد إلى وجهي. أشحت بنظري عنه، لكنني كنت أشعر بعينيه عليّ بوضوح.

"يمكنك الانصراف." قالها أخيرًا.

رفعت رأسي إليه بسرعة، غير مصدقة أن الأمر انتهى بهذه البساطة.

"لكن..." تلعثمت. "هذا كل شيء؟"

ابتسم ابتسامة جانبية غامضة، ثم قال: "هذا كل شيء... الآن."

الآن؟

ترددت لثانية، ثم انحنيت انحناءة سريعة مرتبكة، واستدرت نحو الباب قبل أن يتبدل رأيه. فتحت الباب على عجل وكأنني أهرب من حريق، ولم أتوقف حتى ابتعدت عن الجناح بممرين كاملين.

هناك فقط، أسندت ظهري إلى الجدار وأطلقت الزفير الذي كنت أحجزه منذ دخلت عليه.

لم يقتلني.

لم يعاقبني.

بل لم يكن غاضبًا أصلًا... وهذا وحده كان كافيًا ليجعل الأمر أكثر رعبًا.

وضعت يدي على صدري أحاول تهدئة نبضه المجنون، لكن صورة عينيه، وطريقته في مراقبتي، وكلماته الأخيرة، كانت تدور في رأسي بلا رحمة.

"هذا كل شيء... الآن."

اللعنة.

لا، لا يوجد في هذه الجملة ما يطمئن أبدًا.

رفعت رأسي ببطء، أحدق في الممر المظلم أمامي، وشعور ثقيل يهبط في معدتي.

كنت قد دخلت هذا القصر وأنا أظن أن أكبر مشاكلي ستكون الملكة، أو الخادمات، أو الأعمال الشاقة... لكنني بدأت أفهم أخيرًا أن المشكلة الحقيقية قد تكون شيئًا آخر تمامًا.

شيئًا يملك تاجًا، ونظرة لا تترك وجهك بسهولة إنه الملك .

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيدة القصر    إنه الملك

    لم أتحرك في البداية. بقيت جالسة على طرف الفراش أحدق في الخادمة العجوز وكأنني لم أفهم ما قالته، أو لعلني كنت أحاول إقناع نفسي أنني لم أفهمه حقًا. الملك طلب رؤيتي. يا إلهي... تجمد لساني في فمي، وشعرت كأن برودة خفية تسللت إلى أطرافي حتى صارت أصابعي ترتعش فوق الغطاء. كنت أعلم أن شيئًا كهذا سيحدث منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه داخل غرفة الملكة، لكن سماع الأمر بصوت مسموع كان أشبه بحكم بالإعدام. "أسرعي يا فتاة." قالت العجوز بنفاد صبر وهي تضم يديها إلى صدرها. "لا تجعليه ينتظر أكثر." نهضت بصعوبة، وكأن جسدي صار أثقل من أن أحمله. عدلت فستاني المرتبك، ثم مررت كفي على ضفيرتي لأتأكد أنها ما تزال في مكانها، مع أنني لم أكن أدري لمَ أهتم بمظهري أصلًا وأنا ذاهبة إلى مصيري. خرجت خلف العجوز وأنا أجر قدمي جراً. كان القصر في تلك الساعة مختلفًا تمامًا عن النهار؛ أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا، وأكثر رعبًا. الممرات الطويلة المضاءة بالمشاعل بدت كأنها لا تنتهي، والظلال المرتسمة على الجدران كانت تجعل كل زاوية تبدو كمخبأ لشيء سيئ ينتظرني. "إلى أين تأخذينني؟" سألتها بصوت منخفض. لم تنظر إليّ وهي تجيب:

  • سيدة القصر    هناك شيئ سيئ سيحدث

    تسلّل بعض ضوء الشمس من شباك الغرفة، واختلط بضحكات صاخبة كانت تقترب من الباب. للوهلة الأولى، شعرت بالغرابة؛ أين أنا؟ وما كل هذا الصخب؟ تبا... لقد نسيت أنني في قصر المملكة. تململت بكسل، واضعة يدي أمام عيني لأحجب أشعة الشمس. كانت شمس الغروب. اقتربت بخطوات متثاقلة وفتحت الشباك بالكامل، حتى غمر نور الشمس أرجاء الغرفة. ثم رتبت شعري وفستاني على عجل، وخرجت. اعترضني صوت الفتيات اللواتي يتشاركن الغرفة معي، وهن مجتمعات في البهو. تجاوزتهن بابتسامة خفيفة، لكنهن لم يبدين أي ردة فعل، باستثناء واحدة سمعتها تتمتم بعدما ظنت أنني ابتعدت بما يكفي: "تظن نفسها صارت الأجمل لمجرد أنها استحمت من قذارتها..." فضحكت البقية. "اللعنة عليهن... متى قلت إنني الأجمل أصلًا؟" تمتمت مزمجرة. لكن، وعلى نحو غريب، تسللت إلى شفتي ضحكة خفيفة حين تذكرت نفسي أمام المرآة. في الحقيقة... لم أكن سيئة على الإطلاق. أكملت طريقي أتمشى في القصر، أتأمل كل تفصيلة فيه؛ علو السقف، زخارف الجدران، والرخام الممتد على كامل الأرض. واصلت خطواتي مترنحة، ورأسي يدور في كل الاتجاهات يتفحص المكان، إلى أن توقفت فجأة إثر اصطدام رأسي بشيء صلب. ا

  • سيدة القصر    كل شيئ مثل الحلم

    قادنا الحراس إلى غرفة واسعة تقع على الجانب الأيمن من بهو القصر. لم أكن أظن أن مكانًا بهذا الجمال يمكن أن يوجد حقًا. كانت تفاصيل المعمار تحيط بي من كل جانب، فبقيت أتأملها بانبهار لم أستطع إخفاءه. لا شك أن أمي لاحظت ذلك، فقد بدا على وجهها شيء من الرضا، وكأن هذا وحده كافٍ ليؤكد لها أنها اتخذت القرار الصحيح. لكنها لا تعلم أنني، رغم كل هذا الجمال، تركت جزءًا مني خلفي... هناك، بين أزقة المدينة الفقيرة، حيث تعيش جدتي. كانت الغرفة شاسعة إلى حد يصعب تصديقه. للوهلة الأولى ظننتها جناحًا كاملًا لا غرفة واحدة. امتلأت بالنساء من مختلف الأعمار والملامح، غير أن شيئًا واحدًا جمع بين معظمهن؛ ذلك الأثر الذي يتركه الفقر على الوجوه مهما حاول أصحابه إخفاءه. تقدمت نحونا امرأة في مثل سن أمي تقريبًا، وطلبت منها أن تتبعها. هممت بالسير خلفهما، لكن امرأة أخرى، بدت خادمة كذلك، أوقفتني بإشارة خفيفة وأمرتني أن أتبعها. يا إلهي... منذ أن وطئت قدماي هذا القصر وأنا أشعر بشيء غريب. إحساس مبهم يرافقني في كل خطوة. شيء يبدو مألوفًا على نحو يربكني، وكأنني مررت به يومًا، أو حلمت به في زمن بعيد. لم أكن أملك تفسيرًا لذلك

  • سيدة القصر    هذا هو القصر

    مضى يومان تقريبًا، وخلالهما شعرتُ بأن رأسي على وشك الانفجار من فرط ما يعتصره من أفكار. يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟ وضعتني أمي أمام أمرٍ محتوم؛ لا أستطيع التراجع عنه، ولا أملك قبوله. إنها تمسك بماضيّ اللعين وتدفعني بيديها إلى مستقبلٍ مشؤوم. أطلقتُ تنهيدة مثقلة بالضيق، كأنها إعلانٌ صريح عن انفجار رأسي تحت ركام تلك الأفكار البائسة، غير أن صوتًا رقيقًا بدا مألوفًا اخترق المكان: "سيييل، أيتها الغبية!" تبا... إنها ماري. لا بد أنها جاءت لتكسر ما تبقى من رأسي بأخبارها ومغامراتها الحمقاء مع حبيبها المزارع. "ماذا؟" قلت بلا مبالاة. تقدمت نحوي بخطوات حذرة، ثم سألت بتردد: "هل صحيح ما يتداولونه في الحي؟" قطبت حاجبي بعدم فهم. "ماذا تقصدين؟" "يقولون إنكِ أنتِ ووالدتكِ ستنتقلان للخدمة في القصر... أخبريني أن هذا ليس صحيحًا." قفزت من مكاني مزمجرة: "تبا لك يا ماري! أنتِ تعلمين أن الأمر صحيح، وكأن الخيار بيدي أصلًا! أمي تريد نهايتي، ألا ترين ذلك؟" لكن نبرة صوتي خانتني في آخر الجملة، وانكسرت رغمًا عني، فتابعت بألم: "وجدتي... إلى أين سأخذها؟ لا يمكنني الابتعاد عنها، ولا أستطيع رميها في منزل عمت

  • سيدة القصر    فرصة ذهبية

    لا أعلم كيف وصلت إلى عتبة المنزل أصلًا، تلك العتبة الملعونة التي يحاصرها الطين من كل جانب. تبا... مجرد مرور كلمة "قصر" في مخيلتي يجعلني أشمئز أكثر من هذا المنزل اللعين، المنزل الذي قضيت فيه أكثر من عشرين عامًا من الفقر والذل والحرمان. شددت قبضتي بقوة، وكنت على استعداد لتمزيق أي شيء يقف أمامي من شدة الحسرة، ولم أستفق من غليان رأسي إلا على صوت جدتي. "هل جاءت سوداء العينين؟" هذا ما صاحت به، وكأنني أبعد عنها أمتارًا، بينما لا يفصلني عنها سوى بضع خطوات. يا له من أمر بائس... جدتي تعاني من ضعف النظر، بالإضافة إلى ضعف ذاكرتها. "يا إلهي، يبدو أنها تقف قرب الباب منذ غادرت، تنتظر عودتي..." همست بضيق، بينما جال في مخيلتي سيناريو بائس: ماذا لو خرجت من المنزل بحثًا عني، فسحقتها إحدى العربات في الطريق؟ اللعنة... لم أكن لأسامح نفسي أبدًا. كان عليّ أن أمر عليها لتحية الصباح قبل مغادرتي. تقدمت نحوها بخطوات هادئة، أمسكت راحة يدها وقبلتها برفق. "صباح الخير، جدتي... آسفة لأنني لم أمر عليكِ في الصباح." قلت بخجل. ابتسمت بحنان، وغمر اللطف كامل ملامحها وهي تجيب: "لا عليكِ يا جميلتي، آتيكِ

  • سيدة القصر    البداية

    يا إلهي... إنها السادسة صباحًا! انتفضت من فراشي أحدّق في عقرب الساعة بعينين متسعتين، وشعور بارد من الذعر ينساب في أطرافي. لقد تأخرت مجددًا... وهذا يعني مزيدًا من التعب، ومزيدًا من التوبيخ، ويومًا آخر يبدأ بالجحيم. "سيلااا!" مزّق صوت أمي أفكاري كالسوط. أغمضت عيني بقوة وأنا أزفر بضيق. رائع... ها قد بدأ الأمر. بقيّة يومي تحوّلت إلى خراب قبل أن أنهض من فراشي حتى. سمعت وقع خطواتها الثقيلة يقترب من الغرفة، متزامنًا مع صراخها باسمي، ولم أجد مهربًا سوى أن أسحب اللحاف فوق رأسي. آخر ما أود رؤيته هذا الصباح هو وجهها العابس، ونظراتها الحادة التي تجعلني أشعر وكأن الجحيم نفسه يحدّق بي. لم يدم اختبائي طويلًا. اقتربت من فراشي، وسحبت اللحاف بعنف حتى كدت أسقط أرضًا، ثم صاحت وهي تلعن: "تبا لكِ من كسولة! لقد أضعتِ ساعتين كاملتين! الأعمال تراكمت، وصاحب المحل سيجنّ إذا تأخرتِ عليه في إيصال الملابس!" عضضت على شفتي كي لا أجيبها. في الحقيقة، لم أتأخر سوى ساعة واحدة، لا ساعتين، لكن لا فائدة من التوضيح. ذلك الرجل البغيض سيوبخني سواء وصلت باكرًا أم متأخرة، وكأن الأمر هوايته المفضلة. قفزت من الفراش أبحث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status