تسجيل الدخوللا أعلم كيف وصلت إلى عتبة المنزل أصلًا، تلك العتبة الملعونة التي يحاصرها الطين من كل جانب. تبا... مجرد مرور كلمة "قصر" في مخيلتي يجعلني أشمئز أكثر من هذا المنزل اللعين، المنزل الذي قضيت فيه أكثر من عشرين عامًا من الفقر والذل والحرمان.
شددت قبضتي بقوة، وكنت على استعداد لتمزيق أي شيء يقف أمامي من شدة الحسرة، ولم أستفق من غليان رأسي إلا على صوت جدتي. "هل جاءت سوداء العينين؟" هذا ما صاحت به، وكأنني أبعد عنها أمتارًا، بينما لا يفصلني عنها سوى بضع خطوات. يا له من أمر بائس... جدتي تعاني من ضعف النظر، بالإضافة إلى ضعف ذاكرتها. "يا إلهي، يبدو أنها تقف قرب الباب منذ غادرت، تنتظر عودتي..." همست بضيق، بينما جال في مخيلتي سيناريو بائس: ماذا لو خرجت من المنزل بحثًا عني، فسحقتها إحدى العربات في الطريق؟ اللعنة... لم أكن لأسامح نفسي أبدًا. كان عليّ أن أمر عليها لتحية الصباح قبل مغادرتي. تقدمت نحوها بخطوات هادئة، أمسكت راحة يدها وقبلتها برفق. "صباح الخير، جدتي... آسفة لأنني لم أمر عليكِ في الصباح." قلت بخجل. ابتسمت بحنان، وغمر اللطف كامل ملامحها وهي تجيب: "لا عليكِ يا جميلتي، آتيكِ أنا إن لم تفعلي أنتِ ذلك." لم يسعني في تلك اللحظة سوى أن أعانقها بشدة. يا إلهي... ما أجمل أن يكون للإنسان حضن دافئ يتكئ عليه، حضن يخفف عنه قسوة العالم ولو للحظات لكن، وكما يحدث دائمًا، لم يدم ذلك الدفء طويلًا. قاطعتنا نظرات أمي الملعونة وهي تردد بضيق: "اللعنة عليكما، تضيعان الوقت الثمين في حركات سخيفة!" في تلك اللحظة، لم تجتحني سوى رغبة عارمة في دهس أمي. اللعنة، كيف لهذه المرأة أن تكون بهذه القسوة؟ تنهدت بضيق، ثم ابتعدت عن حضن جدتي برفق، محاولة أن آخذها إلى فناء المنزل حيث الظل. جلست بعد ذلك قريبة من أمي، بينما كانت تلتقط الأواني من الأرض، وقلت دون تردد: "القصر يحتاج إلى قطع ملابس من الحرير." استدارت نحوي بسرعة لا تُصدق، واتسعت حدقتا عينيها وهي تردد بدهشة: "القصر؟!" "نعم." ضيّقت عينيها وقالت بسرعة: "من قال لكِ ذلك؟ وما علاقتنا نحن بالأمر؟" أجبتها وأنا أراقب توترها المتزايد: "العجوز اللعين، صاحب المحل، أشار إلى حاجة القصر لمن يخيط قطعًا جديدة." ثم أضفت: "يبدو أنهم يبحثون عن عاملات خياطة." بدأ التوتر والأمل يلمعان في عيني أمي على نحو غريب، وفجأة، ومن دون أي مقدمات، رمت آخر آنية كانت بيدها وخرجت مسرعة من المنزل. مرّ أسبوع كامل منذ ذلك اليوم... أسبوع لم يحمل جديدًا يُذكر، سوى استمرار الحياة البائسة نفسها، وانقطاعنا المفاجئ عن تزويد محل "صايمون" الحقير بالملابس. وفي الحقيقة، لم أكن أعلم السبب. كانت أمي ترفض حتى أن أطرح عليها سؤالًا بشأن الأمر، وكأن مجرد سؤالي يُعدّ تعديًا على شيء لا يخصني. حاولت أن أستفسر من جدتي، لكن المسكينة لم تكن تعلم شيئًا. أمي لا تستشيرها في شيء، ولا تمنحها أي اعتبار بصفتها كبيرة هذا المنزل، بل تتعامل معها وكأنها مجرد عجوز بائسة تعيش أيامها الأخيرة. عزمت على معرفة الأمر، حتى لو كلفني ذلك التمرد على جبروت والدتي. في صباح يوم الخميس، توجهت إلى غرفة الخياطة الخاصة بها، وعلى نحو غريب لا يُصدق، وجدتها تجمع أدوات الخياطة بعناية داخل صناديق خشبية، وتنظف البقايا المتناثرة حولها. كانت نظرة واحدة كافية ليجزم الناظر بأنها إما قررت اعتزال الخياطة، أو أنها تستعد للانتقال إلى مكان جديد. قاطعت دهشتي بنظرة جانبية ماكرة، وقالت ببرود: "ما الذي جاء بكِ؟" عقدت حاجبيّ وأنا أتأمل الصناديق المكدسة حولها. "ما هذا؟ ماذا تفعلين؟" سألتها من دون مقدمات. مرت بجانبي حاملة أصغر صندوق خشبي، ووضعته فوق آخر، ثم قالت بنظرة خاطفة: "سأعلمكِ بالمستجدات في المساء... أما الآن، فنظفي المنزل كله." ثم أومأت لي بالمغادرة، وكأن وجودي هناك لا يعنيها في شيء. "اللعنة... ما كل هذا الغموض؟" تمتمت متذمرة، قبل أن أتوجه لتنظيف المنزل كما أمرتني. جاء المساء ثقيلًا كعادته، لكنه حمل معه نسمات الربيع الأولى، وكأنها جاءت لتهمس في أذني: انظري يا سيلا... لقد انتهى الشتاء، وجاء الربيع. لا ثقل يدوم يا عزيزتي. ابتسمت من دون وعي وأنا أستمع إلى تلك العبارات التي نسجتها مخيلتي، لكن، وكما يحدث دائمًا، لم يطل الأمر حتى قطع صوت أمي تلك اللحظة. "هل جننتِ؟! لمن تبتسمين؟" قالت باستهجان. رفعت رأسي إليها وقلت مباشرة: "أخبريني بما كنتِ ستقولينه." أشارت لي بالجلوس، ثم جلست هي على حافة حوض المياه، وقالت بنبرة تكسوها الجدية على نحو غير مألوف: "انظري يا سيلا... يبدو أنه لم يعد بإمكاننا الاستمرار في العيش هنا. الطريقة التي توفي بها والدكِ جعلت الجيران ينظرون إلينا وكأننا تمردنا على جنود المملكة، هذا إلى جانب دخلنا الضعيف الذي لم يعد يكفي لشيء. كان عليّ أن أجد حلًا أفضل، وبطريقة ما تمكنت من الحصول على وظيفة داخل القصر، حتى وإن كانت مؤقتة. من اليوم فصاعدًا، سأعمل مع عاملات الخياطة هناك." سكتت برهة وهي تتفحص ملامحي، وكأنها تنتظر ردة فعلي. كان ذلك غريبًا... فهي لم تهتم يومًا بكيف سأتلقى قراراتها. حدقت في عينيها بثبات وقلت: "ماذا تقصدين بقولكِ: بطريقة ما؟" ضحكت ضحكة صغيرة تحمل شيئًا من المكر، ثم قالت: "كالعادة... لا يفوتكِ تفصيل واحد. لئن كنتِ على مستوى جمال جدتكِ، فإنكِ ورثتِ الذكاء والشجاعة من والدكِ." لم أعلم إن كان ذلك إطراءً أم نوعًا من التحسر لأنني لا أشبهها في شيء، لكنني دفعت كل تلك الأفكار جانبًا وقلت بإصرار: "أجيبيني." تنهدت، ثم قالت وكأن الأمر لا يستحق كل هذا التردد: "لم أستطع الحصول على الوظيفة إلا بعد أن عرضت خدماتكِ أيضًا... في الحقيقة، ستعملين أنتِ كذلك هناك، كخادمة لسيدة القصر." تجمدت الكلمات في حلقي. اللعنة... هذا آخر ما كنت أتوقعه. كيف وافقت على شيء كهذا من دون أن تسألني؟ كيف قررت مصيري بهذه البساطة؟ بدا الأمر وكأنها دفعتني بيديها إلى قبرٍ ذهبي، لا إلى فرصة نجاة. من المعلوم أن الخادمات الخاصات بالعائلة المالكة نادرًا ما يتزوجن، وإن حدث ذلك، فغالبًا ما يكون مصيرهن الارتباط برجل عجوز لا يملك من الحياة سوى ما تبقى منها. شعرت برفض عارم يتجمع داخلي، لكن وسط ذلك كله، قفزت إلى ذهني فجأة حقيقة أكثر إيلامًا. جدتي. اللعنة... كيف نسيتها؟ رفعت بصري نحو أمي وقلت بسرعة: "وماذا عن جدتي؟" أبعدت نظرها عني وقالت ببرود: "سآخذها إلى ابنتها في الحي المجاور. لا يمكننا اصطحابها معنا." تبا... ما هذه القسوة التي تحملها في قلبها؟ كانت تعلم جيدًا أنني لا أستطيع مفارقة جدتي، كما تعلم أيضًا أن عمتي ليست ابنة بارة، وأن زوجها رجل لعوب ومدمن خمر لعين. حاولت تهدئة نفسي، ثم قلت بصوت اختلط فيه الرجاء بالغضب: "أمي، أنتِ تعلمين ظروف الحياة في منزل عمتي. لم أرَ حياة أكثر بؤسًا من حياتنا إلا حياتها. ثم إن جدتي متعلقة بي، وأنا كذلك... سيكون الأمر صعبًا علي كلتينا. وفوق كل هذا، هل تريدين مني أن أتعفن كخادمة خاصة لسيدة القصر؟ لن أستطيع مغادرة القصر طوال حياتي، ولن أتمكن من الزواج أو إنجاب أطفال. لن يكون لي مستقبل هناك، كما أنني..." لكن صراخها قاطعني، وملأ فناء المنزل دفعة واحدة: "اللعنة عليكِ وعلى جدتكِ! لو ماتت مع ابنها لتخلصنا من عبئها اللعين! ثم هل ترين لكِ أي مستقبل في هذا الحي القذر؟ إنها فرصة ذهبية... فرصتنا الوحيدة للخروج من هذه البيئة اللعينة!" تجمدت في مكاني أحدق فيها غير مصدقة. فرصة ذهبية؟ وماذا عن جدتي؟ وماذا عني أنا؟ تبا...لم أتحرك في البداية. بقيت جالسة على طرف الفراش أحدق في الخادمة العجوز وكأنني لم أفهم ما قالته، أو لعلني كنت أحاول إقناع نفسي أنني لم أفهمه حقًا. الملك طلب رؤيتي. يا إلهي... تجمد لساني في فمي، وشعرت كأن برودة خفية تسللت إلى أطرافي حتى صارت أصابعي ترتعش فوق الغطاء. كنت أعلم أن شيئًا كهذا سيحدث منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه داخل غرفة الملكة، لكن سماع الأمر بصوت مسموع كان أشبه بحكم بالإعدام. "أسرعي يا فتاة." قالت العجوز بنفاد صبر وهي تضم يديها إلى صدرها. "لا تجعليه ينتظر أكثر." نهضت بصعوبة، وكأن جسدي صار أثقل من أن أحمله. عدلت فستاني المرتبك، ثم مررت كفي على ضفيرتي لأتأكد أنها ما تزال في مكانها، مع أنني لم أكن أدري لمَ أهتم بمظهري أصلًا وأنا ذاهبة إلى مصيري. خرجت خلف العجوز وأنا أجر قدمي جراً. كان القصر في تلك الساعة مختلفًا تمامًا عن النهار؛ أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا، وأكثر رعبًا. الممرات الطويلة المضاءة بالمشاعل بدت كأنها لا تنتهي، والظلال المرتسمة على الجدران كانت تجعل كل زاوية تبدو كمخبأ لشيء سيئ ينتظرني. "إلى أين تأخذينني؟" سألتها بصوت منخفض. لم تنظر إليّ وهي تجيب:
تسلّل بعض ضوء الشمس من شباك الغرفة، واختلط بضحكات صاخبة كانت تقترب من الباب. للوهلة الأولى، شعرت بالغرابة؛ أين أنا؟ وما كل هذا الصخب؟ تبا... لقد نسيت أنني في قصر المملكة. تململت بكسل، واضعة يدي أمام عيني لأحجب أشعة الشمس. كانت شمس الغروب. اقتربت بخطوات متثاقلة وفتحت الشباك بالكامل، حتى غمر نور الشمس أرجاء الغرفة. ثم رتبت شعري وفستاني على عجل، وخرجت. اعترضني صوت الفتيات اللواتي يتشاركن الغرفة معي، وهن مجتمعات في البهو. تجاوزتهن بابتسامة خفيفة، لكنهن لم يبدين أي ردة فعل، باستثناء واحدة سمعتها تتمتم بعدما ظنت أنني ابتعدت بما يكفي: "تظن نفسها صارت الأجمل لمجرد أنها استحمت من قذارتها..." فضحكت البقية. "اللعنة عليهن... متى قلت إنني الأجمل أصلًا؟" تمتمت مزمجرة. لكن، وعلى نحو غريب، تسللت إلى شفتي ضحكة خفيفة حين تذكرت نفسي أمام المرآة. في الحقيقة... لم أكن سيئة على الإطلاق. أكملت طريقي أتمشى في القصر، أتأمل كل تفصيلة فيه؛ علو السقف، زخارف الجدران، والرخام الممتد على كامل الأرض. واصلت خطواتي مترنحة، ورأسي يدور في كل الاتجاهات يتفحص المكان، إلى أن توقفت فجأة إثر اصطدام رأسي بشيء صلب. ا
قادنا الحراس إلى غرفة واسعة تقع على الجانب الأيمن من بهو القصر. لم أكن أظن أن مكانًا بهذا الجمال يمكن أن يوجد حقًا. كانت تفاصيل المعمار تحيط بي من كل جانب، فبقيت أتأملها بانبهار لم أستطع إخفاءه. لا شك أن أمي لاحظت ذلك، فقد بدا على وجهها شيء من الرضا، وكأن هذا وحده كافٍ ليؤكد لها أنها اتخذت القرار الصحيح. لكنها لا تعلم أنني، رغم كل هذا الجمال، تركت جزءًا مني خلفي... هناك، بين أزقة المدينة الفقيرة، حيث تعيش جدتي. كانت الغرفة شاسعة إلى حد يصعب تصديقه. للوهلة الأولى ظننتها جناحًا كاملًا لا غرفة واحدة. امتلأت بالنساء من مختلف الأعمار والملامح، غير أن شيئًا واحدًا جمع بين معظمهن؛ ذلك الأثر الذي يتركه الفقر على الوجوه مهما حاول أصحابه إخفاءه. تقدمت نحونا امرأة في مثل سن أمي تقريبًا، وطلبت منها أن تتبعها. هممت بالسير خلفهما، لكن امرأة أخرى، بدت خادمة كذلك، أوقفتني بإشارة خفيفة وأمرتني أن أتبعها. يا إلهي... منذ أن وطئت قدماي هذا القصر وأنا أشعر بشيء غريب. إحساس مبهم يرافقني في كل خطوة. شيء يبدو مألوفًا على نحو يربكني، وكأنني مررت به يومًا، أو حلمت به في زمن بعيد. لم أكن أملك تفسيرًا لذلك
مضى يومان تقريبًا، وخلالهما شعرتُ بأن رأسي على وشك الانفجار من فرط ما يعتصره من أفكار. يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟ وضعتني أمي أمام أمرٍ محتوم؛ لا أستطيع التراجع عنه، ولا أملك قبوله. إنها تمسك بماضيّ اللعين وتدفعني بيديها إلى مستقبلٍ مشؤوم. أطلقتُ تنهيدة مثقلة بالضيق، كأنها إعلانٌ صريح عن انفجار رأسي تحت ركام تلك الأفكار البائسة، غير أن صوتًا رقيقًا بدا مألوفًا اخترق المكان: "سيييل، أيتها الغبية!" تبا... إنها ماري. لا بد أنها جاءت لتكسر ما تبقى من رأسي بأخبارها ومغامراتها الحمقاء مع حبيبها المزارع. "ماذا؟" قلت بلا مبالاة. تقدمت نحوي بخطوات حذرة، ثم سألت بتردد: "هل صحيح ما يتداولونه في الحي؟" قطبت حاجبي بعدم فهم. "ماذا تقصدين؟" "يقولون إنكِ أنتِ ووالدتكِ ستنتقلان للخدمة في القصر... أخبريني أن هذا ليس صحيحًا." قفزت من مكاني مزمجرة: "تبا لك يا ماري! أنتِ تعلمين أن الأمر صحيح، وكأن الخيار بيدي أصلًا! أمي تريد نهايتي، ألا ترين ذلك؟" لكن نبرة صوتي خانتني في آخر الجملة، وانكسرت رغمًا عني، فتابعت بألم: "وجدتي... إلى أين سأخذها؟ لا يمكنني الابتعاد عنها، ولا أستطيع رميها في منزل عمت
لا أعلم كيف وصلت إلى عتبة المنزل أصلًا، تلك العتبة الملعونة التي يحاصرها الطين من كل جانب. تبا... مجرد مرور كلمة "قصر" في مخيلتي يجعلني أشمئز أكثر من هذا المنزل اللعين، المنزل الذي قضيت فيه أكثر من عشرين عامًا من الفقر والذل والحرمان. شددت قبضتي بقوة، وكنت على استعداد لتمزيق أي شيء يقف أمامي من شدة الحسرة، ولم أستفق من غليان رأسي إلا على صوت جدتي. "هل جاءت سوداء العينين؟" هذا ما صاحت به، وكأنني أبعد عنها أمتارًا، بينما لا يفصلني عنها سوى بضع خطوات. يا له من أمر بائس... جدتي تعاني من ضعف النظر، بالإضافة إلى ضعف ذاكرتها. "يا إلهي، يبدو أنها تقف قرب الباب منذ غادرت، تنتظر عودتي..." همست بضيق، بينما جال في مخيلتي سيناريو بائس: ماذا لو خرجت من المنزل بحثًا عني، فسحقتها إحدى العربات في الطريق؟ اللعنة... لم أكن لأسامح نفسي أبدًا. كان عليّ أن أمر عليها لتحية الصباح قبل مغادرتي. تقدمت نحوها بخطوات هادئة، أمسكت راحة يدها وقبلتها برفق. "صباح الخير، جدتي... آسفة لأنني لم أمر عليكِ في الصباح." قلت بخجل. ابتسمت بحنان، وغمر اللطف كامل ملامحها وهي تجيب: "لا عليكِ يا جميلتي، آتيكِ
يا إلهي... إنها السادسة صباحًا! انتفضت من فراشي أحدّق في عقرب الساعة بعينين متسعتين، وشعور بارد من الذعر ينساب في أطرافي. لقد تأخرت مجددًا... وهذا يعني مزيدًا من التعب، ومزيدًا من التوبيخ، ويومًا آخر يبدأ بالجحيم. "سيلااا!" مزّق صوت أمي أفكاري كالسوط. أغمضت عيني بقوة وأنا أزفر بضيق. رائع... ها قد بدأ الأمر. بقيّة يومي تحوّلت إلى خراب قبل أن أنهض من فراشي حتى. سمعت وقع خطواتها الثقيلة يقترب من الغرفة، متزامنًا مع صراخها باسمي، ولم أجد مهربًا سوى أن أسحب اللحاف فوق رأسي. آخر ما أود رؤيته هذا الصباح هو وجهها العابس، ونظراتها الحادة التي تجعلني أشعر وكأن الجحيم نفسه يحدّق بي. لم يدم اختبائي طويلًا. اقتربت من فراشي، وسحبت اللحاف بعنف حتى كدت أسقط أرضًا، ثم صاحت وهي تلعن: "تبا لكِ من كسولة! لقد أضعتِ ساعتين كاملتين! الأعمال تراكمت، وصاحب المحل سيجنّ إذا تأخرتِ عليه في إيصال الملابس!" عضضت على شفتي كي لا أجيبها. في الحقيقة، لم أتأخر سوى ساعة واحدة، لا ساعتين، لكن لا فائدة من التوضيح. ذلك الرجل البغيض سيوبخني سواء وصلت باكرًا أم متأخرة، وكأن الأمر هوايته المفضلة. قفزت من الفراش أبحث







