مشاركة

هذا هو القصر

last update تاريخ النشر: 2026-06-24 21:19:48

مضى يومان تقريبًا، وخلالهما شعرتُ بأن رأسي على وشك الانفجار من فرط ما يعتصره من أفكار. يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟ وضعتني أمي أمام أمرٍ محتوم؛ لا أستطيع التراجع عنه، ولا أملك قبوله. إنها تمسك بماضيّ اللعين وتدفعني بيديها إلى مستقبلٍ مشؤوم.

أطلقتُ تنهيدة مثقلة بالضيق، كأنها إعلانٌ صريح عن انفجار رأسي تحت ركام تلك الأفكار البائسة، غير أن صوتًا رقيقًا بدا مألوفًا اخترق المكان:

"سيييل، أيتها الغبية!"

تبا... إنها ماري. لا بد أنها جاءت لتكسر ما تبقى من رأسي بأخبارها ومغامراتها الحمقاء مع حبيبها المزارع.

"ماذا؟" قلت بلا مبالاة.

تقدمت نحوي بخطوات حذرة، ثم سألت بتردد:

"هل صحيح ما يتداولونه في الحي؟"

قطبت حاجبي بعدم فهم.

"ماذا تقصدين؟"

"يقولون إنكِ أنتِ ووالدتكِ ستنتقلان للخدمة في القصر... أخبريني أن هذا ليس صحيحًا."

قفزت من مكاني مزمجرة:

"تبا لك يا ماري! أنتِ تعلمين أن الأمر صحيح، وكأن الخيار بيدي أصلًا! أمي تريد نهايتي، ألا ترين ذلك؟"

لكن نبرة صوتي خانتني في آخر الجملة، وانكسرت رغمًا عني، فتابعت بألم:

"وجدتي... إلى أين سأخذها؟ لا يمكنني الابتعاد عنها، ولا أستطيع رميها في منزل عمتي كلوي. لن يعاملوها جيدًا، ولن يهتموا بها كما أفعل أنا."

انسابت دمعة على خدي حتى بلغت طرف غمازتي. كان مؤلمًا جدًا أن أفارق الشخص الوحيد الذي حال دون انهياري، الشخص الوحيد الذي عاملني كإنسانة... بل كأفضل إنسانة في هذا العالم.

اقتربت ماري برفق ومسحت دمعتي. بعد جدتي، لم يكن في حياتي أحد أقرب منها. كانت صديقة طفولتي، كبرنا معًا نتقاسم بؤس الحياة، وبعد كل شيء، ورغم اختلافنا في كثير من الأحيان، ظلت شريكة خطواتي وبئر أسراري.

همست بلطف:

"لا عليكِ يا سيل... لن أسمح لأحد بإيذاء الجدة. إن أردتِ، سأخذها إلى منزلنا حتى تعودي."

رفعت بصري إليها وقلت بصوتٍ خافت:

"لكني لا أعلم إن كنتُ سأعود يا ماري."

ابتسمت ابتسامة مطمئنة وقالت:

"ستعودين، أنا واثقة. يمكنكِ التذرع بالمرض مثلًا، فإن رأوا أنكِ غير قادرة على الخدمة، سيستغنون عنكِ. كثيرات فعلن ذلك."

ترددت قليلًا قبل أن أسألها:

"وهل ستوافق والدتكِ على مكوث جدتي عندكم؟"

كنت أعلم مدى لطف الخالة ساندي، والدة ماري، لكن لم يسعني إلا أن أتساءل.

ضحكت ماري وقالت:

"وكأنكِ لا تعرفين مدى حب أمي للجدة! ستفرح إن بقيت معنا."

بدأت الفكرة تدور في رأسي. كنت أعلم أن عائلة ماري لا تقل عنا فقرًا، لكنهم على الأقل عائلة متماسكة، يحب أفرادها بعضهم بعضًا.

تنفست بارتياح وقلت:

"حسنًا يا ماري... أنا أثق بكِ. ستكون جدتي أمانة عندكم. سأزورها كلما استطعت، وسأعطيكم المال كلما امتلكت منه شيئًا."

كان ذلك أقل ما يمكنني فعله ردًا على معروفهم.

---

مرّ يومان منذ نقلنا جدتي وأغراضها إلى منزل ماري. حاولت خلال تلك الفترة القصيرة أن أبقى معها أطول وقت ممكن قبل الذهاب إلى القصر، رغم اعتراض أمي المتكرر.

والآن، لم يعد يفصلنا عن التوجه إلى القصر سوى ساعتين.

أخذنا كل ما يمكننا أخذه، وأصرت أمي أن أرتدي أفضل ما أملك، وكأن ثيابي تستحق النظر إليها أصلًا. كانت قديمة ومهترئة، تثير الشفقة أكثر مما تثير الإعجاب.

ارتديت فستانًا أسود، وكأنه إعلان صريح عن جنازتي أنا.

بعد دقائق، جاءت عربة من القصر، تقل امرأتين في العقد الخامس من عمرهما. بدا من هيئتهما أنهما عاملتان مثل أمي. أخذتا تتفحصانني بفضول، لكنهما ما لبثتا أن أشاحتا بنظريهما عني بازدراء، ما إن وقعت أعينهما على مظهري البائس.

لحقت بهما أمي بعد برهة، وصعدت إلى العربة، ثم التفتت إليّ بنظرة آمرة جعلتني ألحقها على مضض. وما إن استقر بنا المقام داخلها حتى انطلقت، تشق أحياء المدينة الفقيرة، ثم تجاوزتها نحو سهلٍ ممتدٍّ من العشب، تتناثر الأشجار على أطراف الطريق كأنها زُرعت هناك بلا نظام.

يا إلهي... لم أغادر أحياء المدينة يومًا، ولم أكن أعلم أن هناك ربيعًا أجمل خارج أسوارها اللعينة.

مضى ما يقارب نصف ساعة على اهتزاز العربة، قبل أن تتوقف فجأة معلنة وصولنا. رفعت بصري بفضول، لأجد نفسي أمام سورٍ لم أرَ في حياتي كلها ما يضاهيه ارتفاعًا.

نزلت من العربة، وأخذت أمسح المكان بنظري، ألتهم تفاصيله بذهول، حتى لمحني أحد الجنود، فقال مبتسمًا بفخر، وكأنه مالك هذا العالم كله:

"هذا هو القصر."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيدة القصر    إنه الملك

    لم أتحرك في البداية. بقيت جالسة على طرف الفراش أحدق في الخادمة العجوز وكأنني لم أفهم ما قالته، أو لعلني كنت أحاول إقناع نفسي أنني لم أفهمه حقًا. الملك طلب رؤيتي. يا إلهي... تجمد لساني في فمي، وشعرت كأن برودة خفية تسللت إلى أطرافي حتى صارت أصابعي ترتعش فوق الغطاء. كنت أعلم أن شيئًا كهذا سيحدث منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه داخل غرفة الملكة، لكن سماع الأمر بصوت مسموع كان أشبه بحكم بالإعدام. "أسرعي يا فتاة." قالت العجوز بنفاد صبر وهي تضم يديها إلى صدرها. "لا تجعليه ينتظر أكثر." نهضت بصعوبة، وكأن جسدي صار أثقل من أن أحمله. عدلت فستاني المرتبك، ثم مررت كفي على ضفيرتي لأتأكد أنها ما تزال في مكانها، مع أنني لم أكن أدري لمَ أهتم بمظهري أصلًا وأنا ذاهبة إلى مصيري. خرجت خلف العجوز وأنا أجر قدمي جراً. كان القصر في تلك الساعة مختلفًا تمامًا عن النهار؛ أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا، وأكثر رعبًا. الممرات الطويلة المضاءة بالمشاعل بدت كأنها لا تنتهي، والظلال المرتسمة على الجدران كانت تجعل كل زاوية تبدو كمخبأ لشيء سيئ ينتظرني. "إلى أين تأخذينني؟" سألتها بصوت منخفض. لم تنظر إليّ وهي تجيب:

  • سيدة القصر    هناك شيئ سيئ سيحدث

    تسلّل بعض ضوء الشمس من شباك الغرفة، واختلط بضحكات صاخبة كانت تقترب من الباب. للوهلة الأولى، شعرت بالغرابة؛ أين أنا؟ وما كل هذا الصخب؟ تبا... لقد نسيت أنني في قصر المملكة. تململت بكسل، واضعة يدي أمام عيني لأحجب أشعة الشمس. كانت شمس الغروب. اقتربت بخطوات متثاقلة وفتحت الشباك بالكامل، حتى غمر نور الشمس أرجاء الغرفة. ثم رتبت شعري وفستاني على عجل، وخرجت. اعترضني صوت الفتيات اللواتي يتشاركن الغرفة معي، وهن مجتمعات في البهو. تجاوزتهن بابتسامة خفيفة، لكنهن لم يبدين أي ردة فعل، باستثناء واحدة سمعتها تتمتم بعدما ظنت أنني ابتعدت بما يكفي: "تظن نفسها صارت الأجمل لمجرد أنها استحمت من قذارتها..." فضحكت البقية. "اللعنة عليهن... متى قلت إنني الأجمل أصلًا؟" تمتمت مزمجرة. لكن، وعلى نحو غريب، تسللت إلى شفتي ضحكة خفيفة حين تذكرت نفسي أمام المرآة. في الحقيقة... لم أكن سيئة على الإطلاق. أكملت طريقي أتمشى في القصر، أتأمل كل تفصيلة فيه؛ علو السقف، زخارف الجدران، والرخام الممتد على كامل الأرض. واصلت خطواتي مترنحة، ورأسي يدور في كل الاتجاهات يتفحص المكان، إلى أن توقفت فجأة إثر اصطدام رأسي بشيء صلب. ا

  • سيدة القصر    كل شيئ مثل الحلم

    قادنا الحراس إلى غرفة واسعة تقع على الجانب الأيمن من بهو القصر. لم أكن أظن أن مكانًا بهذا الجمال يمكن أن يوجد حقًا. كانت تفاصيل المعمار تحيط بي من كل جانب، فبقيت أتأملها بانبهار لم أستطع إخفاءه. لا شك أن أمي لاحظت ذلك، فقد بدا على وجهها شيء من الرضا، وكأن هذا وحده كافٍ ليؤكد لها أنها اتخذت القرار الصحيح. لكنها لا تعلم أنني، رغم كل هذا الجمال، تركت جزءًا مني خلفي... هناك، بين أزقة المدينة الفقيرة، حيث تعيش جدتي. كانت الغرفة شاسعة إلى حد يصعب تصديقه. للوهلة الأولى ظننتها جناحًا كاملًا لا غرفة واحدة. امتلأت بالنساء من مختلف الأعمار والملامح، غير أن شيئًا واحدًا جمع بين معظمهن؛ ذلك الأثر الذي يتركه الفقر على الوجوه مهما حاول أصحابه إخفاءه. تقدمت نحونا امرأة في مثل سن أمي تقريبًا، وطلبت منها أن تتبعها. هممت بالسير خلفهما، لكن امرأة أخرى، بدت خادمة كذلك، أوقفتني بإشارة خفيفة وأمرتني أن أتبعها. يا إلهي... منذ أن وطئت قدماي هذا القصر وأنا أشعر بشيء غريب. إحساس مبهم يرافقني في كل خطوة. شيء يبدو مألوفًا على نحو يربكني، وكأنني مررت به يومًا، أو حلمت به في زمن بعيد. لم أكن أملك تفسيرًا لذلك

  • سيدة القصر    هذا هو القصر

    مضى يومان تقريبًا، وخلالهما شعرتُ بأن رأسي على وشك الانفجار من فرط ما يعتصره من أفكار. يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟ وضعتني أمي أمام أمرٍ محتوم؛ لا أستطيع التراجع عنه، ولا أملك قبوله. إنها تمسك بماضيّ اللعين وتدفعني بيديها إلى مستقبلٍ مشؤوم. أطلقتُ تنهيدة مثقلة بالضيق، كأنها إعلانٌ صريح عن انفجار رأسي تحت ركام تلك الأفكار البائسة، غير أن صوتًا رقيقًا بدا مألوفًا اخترق المكان: "سيييل، أيتها الغبية!" تبا... إنها ماري. لا بد أنها جاءت لتكسر ما تبقى من رأسي بأخبارها ومغامراتها الحمقاء مع حبيبها المزارع. "ماذا؟" قلت بلا مبالاة. تقدمت نحوي بخطوات حذرة، ثم سألت بتردد: "هل صحيح ما يتداولونه في الحي؟" قطبت حاجبي بعدم فهم. "ماذا تقصدين؟" "يقولون إنكِ أنتِ ووالدتكِ ستنتقلان للخدمة في القصر... أخبريني أن هذا ليس صحيحًا." قفزت من مكاني مزمجرة: "تبا لك يا ماري! أنتِ تعلمين أن الأمر صحيح، وكأن الخيار بيدي أصلًا! أمي تريد نهايتي، ألا ترين ذلك؟" لكن نبرة صوتي خانتني في آخر الجملة، وانكسرت رغمًا عني، فتابعت بألم: "وجدتي... إلى أين سأخذها؟ لا يمكنني الابتعاد عنها، ولا أستطيع رميها في منزل عمت

  • سيدة القصر    فرصة ذهبية

    لا أعلم كيف وصلت إلى عتبة المنزل أصلًا، تلك العتبة الملعونة التي يحاصرها الطين من كل جانب. تبا... مجرد مرور كلمة "قصر" في مخيلتي يجعلني أشمئز أكثر من هذا المنزل اللعين، المنزل الذي قضيت فيه أكثر من عشرين عامًا من الفقر والذل والحرمان. شددت قبضتي بقوة، وكنت على استعداد لتمزيق أي شيء يقف أمامي من شدة الحسرة، ولم أستفق من غليان رأسي إلا على صوت جدتي. "هل جاءت سوداء العينين؟" هذا ما صاحت به، وكأنني أبعد عنها أمتارًا، بينما لا يفصلني عنها سوى بضع خطوات. يا له من أمر بائس... جدتي تعاني من ضعف النظر، بالإضافة إلى ضعف ذاكرتها. "يا إلهي، يبدو أنها تقف قرب الباب منذ غادرت، تنتظر عودتي..." همست بضيق، بينما جال في مخيلتي سيناريو بائس: ماذا لو خرجت من المنزل بحثًا عني، فسحقتها إحدى العربات في الطريق؟ اللعنة... لم أكن لأسامح نفسي أبدًا. كان عليّ أن أمر عليها لتحية الصباح قبل مغادرتي. تقدمت نحوها بخطوات هادئة، أمسكت راحة يدها وقبلتها برفق. "صباح الخير، جدتي... آسفة لأنني لم أمر عليكِ في الصباح." قلت بخجل. ابتسمت بحنان، وغمر اللطف كامل ملامحها وهي تجيب: "لا عليكِ يا جميلتي، آتيكِ

  • سيدة القصر    البداية

    يا إلهي... إنها السادسة صباحًا! انتفضت من فراشي أحدّق في عقرب الساعة بعينين متسعتين، وشعور بارد من الذعر ينساب في أطرافي. لقد تأخرت مجددًا... وهذا يعني مزيدًا من التعب، ومزيدًا من التوبيخ، ويومًا آخر يبدأ بالجحيم. "سيلااا!" مزّق صوت أمي أفكاري كالسوط. أغمضت عيني بقوة وأنا أزفر بضيق. رائع... ها قد بدأ الأمر. بقيّة يومي تحوّلت إلى خراب قبل أن أنهض من فراشي حتى. سمعت وقع خطواتها الثقيلة يقترب من الغرفة، متزامنًا مع صراخها باسمي، ولم أجد مهربًا سوى أن أسحب اللحاف فوق رأسي. آخر ما أود رؤيته هذا الصباح هو وجهها العابس، ونظراتها الحادة التي تجعلني أشعر وكأن الجحيم نفسه يحدّق بي. لم يدم اختبائي طويلًا. اقتربت من فراشي، وسحبت اللحاف بعنف حتى كدت أسقط أرضًا، ثم صاحت وهي تلعن: "تبا لكِ من كسولة! لقد أضعتِ ساعتين كاملتين! الأعمال تراكمت، وصاحب المحل سيجنّ إذا تأخرتِ عليه في إيصال الملابس!" عضضت على شفتي كي لا أجيبها. في الحقيقة، لم أتأخر سوى ساعة واحدة، لا ساعتين، لكن لا فائدة من التوضيح. ذلك الرجل البغيض سيوبخني سواء وصلت باكرًا أم متأخرة، وكأن الأمر هوايته المفضلة. قفزت من الفراش أبحث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status