Share

كل شيئ مثل الحلم

last update publish date: 2026-06-24 21:37:16

قادنا الحراس إلى غرفة واسعة تقع على الجانب الأيمن من بهو القصر.

لم أكن أظن أن مكانًا بهذا الجمال يمكن أن يوجد حقًا. كانت تفاصيل المعمار تحيط بي من كل جانب، فبقيت أتأملها بانبهار لم أستطع إخفاءه. لا شك أن أمي لاحظت ذلك، فقد بدا على وجهها شيء من الرضا، وكأن هذا وحده كافٍ ليؤكد لها أنها اتخذت القرار الصحيح.

لكنها لا تعلم أنني، رغم كل هذا الجمال، تركت جزءًا مني خلفي... هناك، بين أزقة المدينة الفقيرة، حيث تعيش جدتي.

كانت الغرفة شاسعة إلى حد يصعب تصديقه. للوهلة الأولى ظننتها جناحًا كاملًا لا غرفة واحدة. امتلأت بالنساء من مختلف الأعمار والملامح، غير أن شيئًا واحدًا جمع بين معظمهن؛ ذلك الأثر الذي يتركه الفقر على الوجوه مهما حاول أصحابه إخفاءه.

تقدمت نحونا امرأة في مثل سن أمي تقريبًا، وطلبت منها أن تتبعها. هممت بالسير خلفهما، لكن امرأة أخرى، بدت خادمة كذلك، أوقفتني بإشارة خفيفة وأمرتني أن أتبعها.

يا إلهي...

منذ أن وطئت قدماي هذا القصر وأنا أشعر بشيء غريب. إحساس مبهم يرافقني في كل خطوة. شيء يبدو مألوفًا على نحو يربكني، وكأنني مررت به يومًا، أو حلمت به في زمن بعيد. لم أكن أملك تفسيرًا لذلك، لكنه لم يفارقني.

قادتني الخادمة إلى غرفة أخرى ضمت خمس فتيات تقريبًا، بدت أعمارهن قريبة من عمري. كانت أثوابهن أنيقة على نحو لم أعتد رؤيته، حتى إنني وجدت نفسي أحدق فيها أكثر مما أحدق في وجوههن.

ابتسمت الخادمة وأشارت إلى أمتعتي.

"ضعي هذه الأشياء جانبًا، فلن تحتاجي إليها."

ثم أضافت بنبرة لطيفة:

"والآن عليكِ أن تستحمي وتبدّلي هذا الهندام. يجب أن تقابلي السيدة وأنتِ في أفضل هيئة."

سرت قشعريرة خفيفة في جسدي.

ماذا لو لم تستلطفني الملكة؟

وماذا لو كانت عجوزًا متجهمة لا ترضى عن شيء؟

في رأيي، معظم النساء الكبيرات في السن لا يعرفن سوى التذمر... حسنًا، باستثناء جدتي. لكن جدتي مختلفة عن الجميع، أما الملكة فتنتمي إلى عالم آخر تمامًا.

"تعالي."

قطعت الخادمة أفكاري بهذه الكلمة الواحدة.

تبعتها إلى الحمام، حيث كانت فتاتان بانتظارنا. تبادلتا نظرة سريعة قبل أن تبتسما لي بلطف. لم أفهم ما الذي دار بينهن في البداية، لكنني أدركت الأمر لاحقًا حين بدأتا بمساعدتي على الاستحمام.

ولأكون صادقة...

لم أشعر في حياتي كلها بمثل ذلك القدر من الراحة.

لم يكن حمامًا عاديًا، بل بدا لي وكأنه بداية جديدة.

كل شيء هنا مختلف عن عالمي؛ الوجوه النظيفة، الثياب الفاخرة، الروائح العطرة، والابتسامات الهادئة التي لا تحمل ذلك الثقل الذي اعتدت رؤيته على وجوه الناس في الحي.

تبا...

أشعر وكأنني في الجنة.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم أكن أتمنى شيئًا أكثر من الطعام والنوم.

"لقد انتهينا."

قالت إحدى الفتاتين مبتسمة.

"ارتدي فستانًا لائقًا وخذي قسطًا من الراحة. لن يُطلب منك شيء اليوم."

كدت أضحك من شدة ارتياحي.

يا إلهي... لو أن أحدهم سألني قبل ساعة عن أمنيتي، لكانت بالضبط ما عرضته عليّ الآن.

أومأت بخجل وسألت:

"وماذا عن العمل؟"

أجابتني الفتاة الأخرى:

"لا تقلقي. لا أحد يعمل في يومه الأول. اعتبري نفسك ضيفة اليوم."

كانت جميلة على نحو لافت، لكن شيئًا في عينيها أوحى لي بأنها ترى أكثر مما تقول. أما الفتاة الثانية فبدت لطيفة وبريئة إلى حد يصعب معه الشك فيها.

"هيا، سأريكِ غرفتك."

تبعتها بصمت.

كانت الغرفة فارغة هذه المرة، وما إن دخلنا حتى أشارت إلى فستان موضوع بعناية فوق السرير.

توقفت في مكاني.

لا...

لا يمكن أن يكون هذا فستان خادمة.

بدا أقرب إلى ثوب إحدى أميرات القصص.

"شكرًا لكِ."

لم أجد ما أقوله غير ذلك.

ابتسمت وقالت:

"ارتديه، ثم جدّلي شعرك كما نفعل نحن. سيصل الطعام بعد قليل، وبعدها يمكنك الراحة."

همّت بالمغادرة، لكنني استوقفتها:

"وماذا سأفعل بقية اليوم؟"

استدارت نحوي مبتسمة.

"يمكنك التجول قليلًا والتعرف إلى القصر. أما العمل فسيبدأ غدًا."

ثم غادرت.

ما إن أُغلق الباب حتى فقدت ما تبقى لدي من وقار.

أخذت أقفز في أنحاء الغرفة كالمجنونة، حتى تناثرت قطرات الماء من خصلات شعري فوق الأثاث.

تبا...

ما كل هذا؟

أشعر وكأنني أعيش حلمًا.

صحيح أن صوتًا خافتًا في أعماقي كان يخبرني بأن هناك شيئًا غير مريح في كل ما يحدث، لكنني تجاهلته. أقنعت نفسي بأنه مجرد خوف اعتاد مرافقتي منذ سنوات الفقر الطويلة.

أخذت الفستان وارتديته بحذر، ثم وقفت أمام المرآة.

يا إلهي...

أهذه أنا حقًا؟

ظللت أحدق في انعكاسي غير مصدقة. احتضن الفستان جسدي بانسيابية جميلة، محددًا خصري برقة، ومنسدلًا على بقية جسدي بخفة. كان بلون السماء، تتخلله زخارف بيضاء رقيقة زادت من جماله.

لم أستطع منع نفسي من الابتسام.

أما شعري، فلم يحتج إلى كثير من العناء. جدلته في ضفيرة طويلة، وتركت بعض الخصلات تنسدل حول وجهي.

ولم تمضِ سوى دقائق حتى وصلت إحدى الخادمات تحمل الطعام.

وضعت أمامي صينية تضم طبقًا من الدجاج، وآخر من الأرز والسلطة، إلى جانب بعض الفاكهة وكوب ماء.

ما إن خرجت من الغرفة حتى انقضضت على الطعام بلا تردد.

وكأنني لم أتذوق وجبة حقيقية منذ سنوات.

كانت كل لقمة تبعث في داخلي شعورًا بالرضا لم أعرفه من قبل.

يا إلهي...

لقد كان يومًا أشبه بالحلم.

ولم تمضِ دقائق على انتهائي من الطعام حتى استسلمت للنوم، وغرقت فيه دون أن أشعر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيدة القصر    غرفة الملك

    انفتح الباب ببطء. "تفضلي." قالها أحد الحارسين وهو يفسح لي الطريق. قبضت على الصينية الفضية بقوة، ثم دخلت بخطوات هادئة. لم يكن هذا أول دخول لي إلى جناح الملك... لكنه كان أول مرة أدخله وأنا أحمل كل تلك الأسئلة. أغلقت الباب خلفي برفق. رفعت بصري قليلًا. كان الملك يقف إلى جوار الطاولة، يتصفح مجموعة من الوثائق بعناية، بينما استقرت إلى جانبه عدة رسائل مختومة بالشمع الملكي. لم يلتفت إليّ فورًا. بدا منشغلًا تمامًا بما بين يديه. تقدمت حتى بلغت الطاولة الصغيرة المخصصة لتقديم الطعام. ثم وضعت صحن الحلوى فوقها بحذر، حتى لا يصدر أي صوت. من المفترض أن أغادر الآن... لكن قدميّ بقيتا ثابتتين مكانهما. كانت عيناي تراقبانه دون قصد. أهو حقًا الرجل نفسه الذي سمعت حديث الملكة عنه قبل قليل؟ ذلك الرجل الذي لا يكاد يزور جناح زوجته... ولا يمنحها حتى فرصة لتنجب الوريث الذي تنتظره المملكة بأسرها؟ لم أعد أعرف. فكل ما أراه أمامي رجل هادئ، غارق في أوراقه، لا يبدو عليه شيء مما سمعته. طوى إحدى الرسائل، ثم رفع رأسه نحوي. "هل وضعتِ الحلوى؟" انتفضت على صوته. "نعم... يا جلالة ا

  • سيدة القصر    صفحة أخرى بعد

    خرجتُ من غرفة الجواري مع أول خيوط الصباح، بينما كان القصر يستيقظ ببطء من سكون الليل. كان الهواء البارد يتسلل عبر النوافذ الحجرية العالية، فيحمل معه رائحة الحدائق المبتلة بندى الفجر. بدأت أصوات الخدم تتعالى شيئًا فشيئًا، وأخذت الممرات تمتلئ بحركة لا تهدأ؛ بعضهم يحمل سلال الغسيل، وآخرون يجرون عربات الطعام، بينما كانت أوامر المشرفات تتردد في كل زاوية. وضعت يدي فوق صدري دون وعي. كان الدفتر ما يزال مخبأً تحت ثوبي. شعرت بثقله رغم أنه لم يكن كبيرًا. ربما لأن ما يحمله أثقل من وزنه بكثير. توقفت لحظة عند نهاية الممر. أغمضت عيني. "سأعيده." همست لنفسي وكأنني أحاول إقناعها. لم أعد أريد أن أحتفظ بشيء لا يخصني. منذ الأمس وأنا أعيش في خوف لا ينتهي. كلما مر أحد بقربي، ظننت أنه اكتشف أمري. كلما نادتني كايلا، شعرت أن كل شيء انتهى. لا... يجب أن يعود الدفتر إلى مكانه. قبل أن يبتلعني فضولي أكثر. سرت بخطوات ثابتة نحو جناح الملكة. كانت الحركة في ذلك الجناح أقل من بقية القصر، فالملكة عادت متأخرة في الليلة الماضية، لذلك لم يكن يسمح لأحد بالدخول أو إزعاجها إلا بإذن. اقتربت من الباب، وأخذت أتل

  • سيدة القصر    الدفتر

    خرجتُ من جناح الملكة بخطوات سريعة، لكنني أجبرت نفسي على التمهل ما إن بلغت الممر الرئيسي. لا... لا يجب أن أركض. الخادمة التي تركض دون سبب تلفت الأنظار، وأنا آخر ما أريده الآن أن يلتفت إليّ أحد. خفضت رأسي، واندمجت بين الخدم الذين يملؤون أروقة القصر جيئة وذهابًا، وكأنني جزء من هذه الفوضى التي عمّت المكان. في الخارج، تعالت أصوات الأبواق الملكية. تبعها صوت عجلات العربات وهي تعبر البوابة الضخمة. رفعت رأسي دون وعي. من خلال النوافذ العالية لمحت جزءًا من الموكب الملكي يدخل باحة القصر. خيول مزينة، وحراس مصطفون على الجانبين، وخدم ينحنون في صفوف طويلة. لم أرَ الملكة... لكن حضورها كان كافيًا ليغيّر القصر كله. ازدادت حركة الخدم، وارتفعت الأوامر في كل مكان. "أسرعن!" "انقلوا هذه الصناديق!" "لا تتركوا شيئًا في الممرات!" وسط كل تلك الفوضى... وضعت يدي بخفة فوق صدري. الدفتر... ما زال في مكانه. شعرت بدقات قلبي تتسارع من جديد. لو فتشتني كايلا الآن... لو سقط الدفتر من ثوبي... لا... لا أريد حتى أن أتخيل ما سيحدث. "سيلا!" انتفضت على صوت كايلا. التفتُّ إليه

  • سيدة القصر    غرفة الملكة

    كان الصباح مختلفًا عن غيره في القصر. ليس لأنه هادئ... بل لأن الهدوء نفسه كان يبدو متوترًا، كأن الجدران تخفي شيئًا لا تريد أن يظهر في وضح النهار. منذ ساعات، بدأ الخدم يتحركون بسرعة أكبر من المعتاد، الهمسات تتنقل بين الممرات، والأبواب تُفتح وتُغلق دون تفسير واضح. "الملكة ستعود اليوم..." جملة واحدة كانت كافية لتغيير إيقاع القصر بالكامل. لم يسأل أحد عن التفاصيل. لكن الجميع كان يتصرف وكأن هناك أمرًا غير معلن يجب الاستعداد له. وقفتُ للحظة في الممر الطويل، أراقب الحركة من بعيد، ثم شددتُ على أطراف ثوبي قبل أن أواصل طريقي. كان عليّ أن أتمم عملي كعادتي. جناح الملكة. ذلك المكان الذي بدا دائمًا هادئًا أكثر مما يجب... وكأنه يخفي ما لا يُقال. دفعتُ الباب ثم دخلتُ جناح الملكة ببطء، وكأنني أخشى أن يفضحني صوت خطواتي. كان المكان كما تركته آخر مرة، مرتبًا بشكل مبالغ فيه، هادئًا لدرجة غير طبيعية. لكن هذه المرة... لم يكن الهدوء مطمئنًا. أغلقت الباب خلفي، ثم وقفت للحظة أستمع. لا شيء. فقط صمت ثقيل يملأ الغرفة. تنفست ببطء وبدأت عملي، لكن ليس كالمعتاد. هذه المرة لم أكن أنظف فقط... كنت أبح

  • سيدة القصر    " لابد أن أجد طريقة "

    بقيت أحدق في المفتاح بين يدي لثوانٍ طويلة. كان شعورًا غريبًا... وكأنني أمسكت بشيء لا يجب أن يكون هنا. "ما الذي تفعله قطعة كهذه في غرفة الملكة؟" لم يكن سؤالًا يحتاج جوابًا... لكنه ظل يتردد في رأسي بلا توقف. أعدتُ النظر في أرجاء الغرفة بسرعة. إذا كان هناك مفتاح... فلا بد أن هناك ما يخصه. صندوق؟ خزانة مخفية؟ درج سري؟ بدأت أتحرك ببطء، أفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر، أتحسس الزوايا، أزيح القماش القديم عن الطاولات، وأفحص الأرضية بعناية أكبر. كل شيء كان يبدو عاديًا... لكن شعوري كان يقول العكس تمامًا. "لا بد أنه هنا..." همست لنفسي وأنا أركع قرب الجدار، أمرر أصابعي على الخشب البارد، أبحث عن أي اختلاف صغير. وفجأة... سمعت صوت خطوات خارج الغرفة. توقفت يدي في مكانها. كان الصوت يقترب. اقترب أكثر... باب الغرفة انفتح ببطء. تجمدت في مكاني، ويدي ما زالت تقبض على المفتاح داخل جيبي. دخلت كايلا. كانت نظرتها حادة كعادتها، تتفحص الغرفة بسرعة وكأنها تبحث عن خطأ صغير لتلومني عليه. "ما الذي تفعلينه؟" قالتها بصوت بارد وهي تغلق الباب خلفها. ابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أ

  • سيدة القصر     المفتاح

    لم أنم إلا قليلًا... ولم يكن السبب ذلك اللقاء بحد ذاته، بل الأسئلة التي تركها خلفه. فتحت عيني قبل أن يشرق الفجر، أحدق في السقف وأنا أتنهد. من يكون هذا الرجل حقًا؟ أعرف أنه الملك... لكن هذا لا يفسر شيئًا. كيف لملك أن يتجول وحده، من دون حرس أو خدم؟ أليس من المفترض أن يحيط به الجنود أينما ذهب؟ ولماذا كان في الحديقة الخلفية تحديدًا؟ ذلك المكان لا يمر به أحد تقريبًا، حتى الخدم لا يقصدونه إلا نادرًا. الأغرب... أنني أراه أكثر مما ينبغي. جناحه بعيد عن جناح الملكة الذي أعمل فيه، وبعيد أيضًا عن مساكن الخدم، ومع ذلك... تتقاطع طرقنا باستمرار، وكأن القصر نفسه يدفعنا إلى اللقاء. مصادفة؟ لا أدري... لكنها لم تعد تبدو كذلك. أغمضت عيني للحظة، ثم عاد إلى ذهني ذلك التعب الذي رأيته في عينيه. لم يكن حزنًا عابرًا... كان شيئًا أعمق. شيئًا يشبه رجلًا يحمل فوق كتفيه حملًا لا يستطيع مشاركته مع أحد. حتى عندما ابتسم... شعرت أن ابتسامته تخفي أكثر مما تكشف. من يكون ريان عندما لا يكون ملكًا؟ ولماذا بدا وكأنه يبحث عن شيء... وهو يتحدث معي؟ زفرت بضيق، ثم سحبت الغطاء فوق رأس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status