Share

١٣

last update publish date: 2026-07-08 14:52:47

الفصل الثالث عشر — بين الحب والمطاردة

"هناك لحظات لا يعود فيها القلب قادرًا على الاختيار… بين النجاة، أو البقاء مع من يحب."

ترددت الخطوات فوق رأسيهما كالرعد.

كان الرجال يتحركون بسرعة، وصوت ارتطام أحذيتهم بالحجارة يقترب شيئًا فشيئًا.

أطفأ إيثان المصباح في لحظة.

غرق النفق في ظلام دامس.

مد يده يبحث عنها.

ولم تمض ثانية حتى وجد أصابعها.

تشبثت به بقوة، وكأنها تخشى أن يبتلعها الظلام إن تركته.

همس قرب أذنها:

"لا تصدري أي صوت."

أومأت رغم أنه لم يكن يستطيع رؤيتها.

كانت تسمع أنفاسه فقط.

قريبة.

دافئة.

ومطمئنة بصورة أربكتها.

بعد لحظات دوى صوت ارتطام قوي.

ثم انفتح مدخل النفق خلفهما.

قال أحد الرجال:

"انزلوا... لا بد أنهم هنا."

تسارع نبض قلب إيلي.

شعرت بأن أصابعها تضغط على يد إيثان أكثر.

ابتسم في الظلام.

رغم كل ما يحدث، عرف أنها لم تعد تحاول الابتعاد عنه.

بل أصبحت تبحث عنه حين تخاف.

مال قليلًا وهمس:

"سنجري عندما أقول."

همست:

"وإذا أمسكوا بنا؟"

اقترب أكثر حتى لامست أنفاسه خدها.

"لن أسمح بذلك."

خرجت الجملة واثقة.

بلا تردد.

وفي اللحظة التالية...

شد يدها وانطلق.

ركضا داخل الممر الحجري الضيق.

كانت خطواتهما تتردد بين الجدران، بينما ارتفعت خلفهما أصوات المطاردين.

"إنهم هناك!"

"أسرعوا!"

ازداد الجري.

تعثرت إيلي مرة أخرى بسبب الظلام.

لكن هذه المرة لم تسقط.

إيثان رفعها بذراعه وكأنها لا تزن شيئًا.

شهقت وهي تنظر إليه.

قال دون أن يبطئ:

"قلت لك... لن أدعك تسقطين."

رغم خوفها...

ابتسمت دون إرادة.

ثم قالت وهي تلهث:

"ما زلت عنيدًا."

أجاب وهو يبتسم لأول مرة منذ ساعات:

"وما زلتِ خفيفة كما كنت."

رمقته بنظرة مستنكرة.

"هذا ليس وقت المزاح."

قال وهو يواصل الجري:

"بل هو أفضل وقت... حتى لا يستسلم الخوف."

شعرت بشيء دافئ يخفف رعبها.

للمرة الأولى منذ سنوات...

عاد إيثان الذي عرفته.

ليس الرجل الصامت المليء بالأسرار.

بل الشاب الذي كان يجعلها تضحك حتى في أصعب الأيام.

وصل النفق إلى مفترق طريقين.

توقف إيثان فجأة.

نظر يمينًا ويسارًا.

عبس.

همست:

"ماذا حدث؟"

قال بقلق:

"كان هناك مخرج واحد فقط..."

رفع المصباح الصغير الذي أشعله ثانية.

اكتشف أن جزءًا من السقف انهار منذ سنوات.

وأغلق الممر الذي كان يؤدي إلى الغابة.

تنهد ببطء.

"علينا أن نسلك الطريق الآخر."

نظرت إليه.

"هل تعرفه؟"

صمت.

ثم قال:

"لا."

تبادلا النظرات.

للمرة الأولى...

لم يكن يملك خطة.

لكن لم يكن هناك وقت.

اقتربت الأصوات خلفهما.

فسحبها إلى الممر الثاني.

كان أكثر ضيقًا.

وأكثر رطوبة.

وكلما تقدما، ازدادت برودة الهواء.

قالت وهي تنظر إلى الجدران:

"هذا المكان مخيف."

نظر إليها.

"خائفة؟"

هزت رأسها.

"نعم."

مد يده إليها.

هذه المرة دون أن يطلب.

"إذن لا تتركي يدي."

وضعت يدها في يده بهدوء.

ولم تسحبها.

سارا معًا.

ببطء.

كان الصمت بينهما مختلفًا.

لم يعد صمت غضب.

بل صمت مليء بأشياء لم تُقل بعد.

قالت فجأة:

"هل كنت تفكر بي؟"

توقف عن السير.

نظر إليها.

لم يتوقع السؤال.

أخفض رأسه قليلًا.

ثم ابتسم بحزن.

"كل يوم."

ارتعش قلبها.

ابتلعت ريقها.

"حتى بعد خمس سنوات؟"

ضحك بخفة.

"خصوصًا بعد خمس سنوات."

أطرقت برأسها.

لم تعرف بماذا تجيب.

فأكمل بصوت هادئ:

"كنت أكتب اسمك في كل مدينة وصلت إليها."

"كنت أشتري كتابين بدلًا من واحد... لأنني كنت أتخيل أنك ستقرأينه معي."

"وفي كل شتاء... كنت أتذكر أنك تكرهين البرد."

شعرت بالدموع تمتلئ عينيها.

همست:

"توقف."

نظر إليها.

"لماذا؟"

قالت بصعوبة:

"لأنك تجعلني أندم على كرهي لك."

ساد الصمت.

ثم اقترب منها خطوة.

رفع يده ببطء.

ومسح دمعة هربت من عينها.

هذه المرة...

لم تمنعه.

بل أغمضت عينيها للحظة.

شعرت بدفء أصابعه.

ودفء قلبها الذي ظل مغلقًا سنوات.

قال بهمس:

"لا أريد منك أن تسامحيني الليلة."

"كل ما أريده..."

سكت.

كأنه يخشى إكمال الجملة.

فتحت عينيها.

"ماذا؟"

نظر إليها طويلًا.

"أن تمنحيني فرصة... لأحبك بالطريقة التي كنت تستحقينها دائمًا."

ارتجفت أنفاسها.

اقترب منها أكثر.

حتى لم يعد بينهما سوى بضع سنتيمترات.

كانت تنظر إلى عينيه.

وهو ينظر إلى شفتيها.

ببطء...

مال نحوها.

ولم تبتعد.

بل أغمضت عينيها.

لكن قبل أن تلتقي شفاههما...

دوى انفجار عنيف هز النفق كله.

تساقطت الحجارة من السقف.

ثم انهار جزء كبير من الممر بينهما وبين المطاردين.

لكن الانهيار لم يتوقف.

امتد نحوهما بسرعة.

صرخ إيثان:

"إيلي... اهربي!"

لكن الأرض تشققت تحت قدميها فجأة.

وأطلقت صرخة حادة...

قبل أن تختفي في الظلام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيدة القصر    ٣٠

    الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد

  • سيدة القصر    ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت

  • سيدة القصر    ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه

  • سيدة القصر    ٢٧

    الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول

  • سيدة القصر    ٢٦

    الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث

  • سيدة القصر    ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status