LOGINأخبرها بعد زفرة متمهلة:— قليلًا.رفعت حاجبها، وكأنها لم تقتنع بإجابته، خاصة مع الطريقة التي حاول بها أن يبدو هادئًا رغم الألم الواضح على ملامحه.— قليلًا؟نظر إليها، ثم قال:— حسنًا... كثيرًا قليلًا.حدقت فيه باستنكار، بينما حاول هو إخفاء ابتسامته.— هذه ليست إجابة.ابتسم نوح، وكأنه استمتع بردة فعلها أكثر مما ينبغي.— لكنها أفضل إجابة أستطيع تقديمها الآن.تنهدت تالين، ثم جلست إلى جواره، وبدأت تجهز الإفطار أمامه. كانت تتحرك بعناية، تضع كل شيء في متناوله حتى لا يضطر إلى الانحناء أو بذل أي مجهود.وضعت الطعام أمامه، ثم قالت بنبرة جادة:— تناول ببطء.نظر إليها نوح، ثم ابتسم.— أنتِ تتحدثين وكأنني طفل.رفعت عينيها إليه.— وأنت تتصرف كطفل مصاب يصر على القيام بكل شيء وحده.ضحك نوح بخفوت، ثم أخذ لقمة صغيرة.— ربما لأنني لا أحب أن أشعركِ بأن عليكِ الاعتناء بي طوال الوقت.توقفت يد تالين للحظة.كانت الجملة بسيطة، لكنها جعلتها ترفع عينيها إليه، وكأنها أرادت أن تتأكد من أنه يعني ما قاله فعلًا.— لا أشعر أنك عبء عليّ.نظر إليها نوح.كانت نبرتها هادئة، لكنها خرجت بصدق جعل ابتسامته تختفي تدريجيًا.ظل
في الصباح استيقظ نوح.فتح عينيه ببطء، وبقي للحظات يحدق في السقف فوقه، وكأن عقله كان يحتاج إلى بعض الوقت ليستوعب أين هو، وما الذي حدث خلال الساعات الماضية.كانت الغرفة هادئة، ولم يكن يُسمع سوى صوت العصافير التي تغرد بالقرب من النافذة المغلقة.حاول أن يحرك جسده قليلًا، فشعر بالألم يمتد من موضع إصابته.تجمد للحظة، وأخذ نفسًا بطيئًا، ثم ترك جسده يسترخي من جديد.وبعد لحظات، أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير.كان فارغًا.بقي ينظر إلى المكان للحظات، ثم مد يده فوق الوسادة التي كانت تالين تستلقي عليها طوال الليل.كانت باردة.عرف فورًا أنها استيقظت قبله.ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه رغمًا عنه.فكرة أنها كانت هنا طوال الليل، ثم استيقظت قبله لتتركه يرتاح، جعلته يشعر بشيء من الدفء في صدره.حاول الجلوس ببطء، مستندًا إلى ذراعه السليمة، ثم بقي جالسًا للحظات حتى يتأكد أن جسده لن يخونه.لم يكن يريد أن يقلق تالين إذا عادت ووجدته لا يزال مستلقيًا طوال الوقت، كما أنه لم يكن يريد أن تشعر بأنه عاجز عن فعل أبسط الأشياء بنفسه.دفع الغطاء جانبًا، ثم وضع قدميه على الأرض.وقف بحذر، وتوقف للحظة عندما شعر بوخزة
سكت أدهم، ولم يسأله عما يقصد، فقد عرف من نبرة صوته أن الحديث الذي انتظره طويلًا قد حان.تابع كمال:— عرفت حقيقة التسجيل، وعرفت ما فعله تامر، وعرفت أن ابنتي ظلمتك.خفض أدهم عينيه للحظة.— لم يكن ذنبها وحدها.هز كمال رأسه قليلًا.— ربما.ثم تنهد، وبدا على وجهه شيء من الأسف الصادق.— لكنني أتيت اليوم لأنني أتمنى أن تعود الأمور بينكما كما كانت.رفع أدهم عينيه إلى جُمان.كانت تقف على مسافة قريبة، وعيناها لا تفارقان وجهه، وكأنها تحاول قراءة ما يدور بداخله قبل أن تسمع منه كلمة واحدة.قال كمال:— أنتما كنتما سعيدين قبل أن يدخل أحد بينكما. وأنا أعرف أن ما حدث لم يكن بسببك.انتهى حديثهما ببضعة عبارات، وغادر بعد ذلك، بينما ظلت جُمام رفقة أدهم، ظل أدهم صامتًا للحظات، بينما بقيت الأخرى واقفة أمامه. كانت تراقب ملامحه في هدوء، وكأنها تحاول أن تعرف إن كان ما بينهما قد تجاوز فعلًا أصعب مراحله، أم أن شيئًا ما لا يزال يقف بينهما.لم تكن هذه أول مرة تراه فيها منذ انكشاف الحقيقة؛ فقد بقيت إلى جواره في المستشفى، ورافقته أيام علاجه، ولم تتركه وحده منذ خروج الرصاصة من كتفه واستقرار حالته.كانت علاقتهما قد بد
وفجأة وهي في قمة انهيارها، جاء طرق خفيف على باب الغرفة. لم تجب. تكرر الطرق مرة أخرى. ثم جاء صوت آدم من خلف الباب: — أمي... هل يمكنني الدخول؟ أغمضت لارا عينيها، وحاولت السيطرة على بكائها. — أمي، لقد سمعتكِ تبكين... دعيني أجلس معكِ. انقبض صدرها. لم تكن تحتمل رؤية أحد الآن، حتى طفلها. قال آدم من خلف الباب بصوت خافت: — أريد أن أبقى معكِ. وفجأة انفجرت لارا: — اذهب يا آدم! ساد الصمت خلف الباب. ثم جاء صوته مترددًا: — لكن يا أمي... صرخت، وقد اختلط غضبها بألمها: — قلت لك اذهب! لا أريد أن أرى أحدًا! — أنا فقط أريد أن أواسيكِ... — لا أريد مواساة أحد! اخرج من هنا! ساد صمت طويل. ثم قالت لارا بصوت مرتجف: — اذهب إلى غرفتك يا آدم... واتركني وحدي. لم يجب الطفل. وبقي واقفًا خلف الباب لثوانٍ، قبل أن ينسحب بخطوات صغيرة. أما لارا، فما إن سمعت خطواته تبتعد حتى وضعت يديها على وجهها، وانفجرت في البكاء من جديد. ---كان أدهم جالسًا في حديقة منزله، بعدما عاد من المستشفى بساعات قليلة.كان المساء قد بدأ يفرض هدوءه على المكان، والهواء يتحرك بين أغصان الأشجار من حوله في نسيم خفيف. جلس على
نظرت إليه بدهشة، وكأنها بدأت تكتشف إلى أي مدى كان يخطط لهذا منذ البداية.— وهل هذه هي خطتك منذ البداية؟فتح عينيه ونظر إليها مباشرة، ولم يحاول إخفاء ابتسامته هذه المرة.— ربما كانت كذلك.ضيقت عينيها أكثر، ثم قالت بنبرة تجمع بين الاعتراض والاستسلام:— أنت ماكر.ابتسم نوح.— وأنتِ بقيتِ.سكتت تالين.لم تجد ردًا مناسبًا، خصوصًا أن كلماته كانت صحيحة بالفعل.فهي كانت تستطيع أن تنهض وتعود إلى الكرسي، لكنها لم تفعل.أما نوح، فاقترب قليلًا، ثم أراح رأسه على الوسادة، وظلت ذراعه محيطة بخصرها دون أن يضغط عليها.وبعد لحظة، تغيرت نبرته، واختفى منها ذلك العبث الذي كان يرافقه منذ بداية الحديث.قال بصوت أخفض:— لا تقلقي... لن أفعل شيئًا، فأنا ما زلت مريضًا كنا تري.قال جملته الأخيرة ببعض المرح، ثم أضاف بعد لحظة:— فقط ابقي هنا.نظرت إليه تالين طويلًا.هذه المرة، لم ترَ في عينيه المكر الذي بدأ به حديثه، ولا محاولة لاستغلال مرضه كي يبقيها بجواره.كان هناك شيء أكثر صدقًا.احتياج هادئ، وخوف لا يريد الاعتراف به، ورغبة بسيطة في ألا يفتح عينيه فيجد المكان خاليًا منها.فاستسلمت أخيرًا، وأراحت رأسها على الوسا
اتسعت عيناها قليلًا، وكأنها لم تتوقع أن يطلب منها البقاء بهذه الطريقة.— نوح...ابتسم نوح ابتسامة هادئة، وكأنه لم يقل شيئًا غريبًا على الإطلاق، ثم نظر إليها بنظرة بريئة تخفي خلفها شيئًا من المكر.— ربما أحتاج إلى مساعدتكِ... فأنا ما زلت مريضًا، كما ترين.نظرت إليه تالين بشك، وقد بدأت تدرك أن وراء هدوئه هذا حيلة ما.— يمكنك أن تنادي الممرضة إن احتجت إلى شيء.هز نوح رأسه قليلًا، وكأنه رفض الفكرة تمامًا.— لكنني لا أريد الممرضة.ابتسم بمزيد من البراءة المصطنعة، مستغلًا معرفته جيدًا بأنها لن تستطيع تجاهل طلبه وهو لا يزال في فترة التعافي.— سأكون أكثر اطمئنانًا إذا بقيتِ هنا.سحبت تالين يدها برفق من يده، محاولة أن تخفي ارتباكها، ثم قالت وهي تبحث عن حل يبعدها عن هذا الموقف:— سأبقى، لكنني سأجلس على الكرسي.وأشار نوح إلى الكرسي القريب من السرير، ثم نظر إليها وكأنه يحاول تصورها جالسة هناك طوال الليل.— طوال الليل؟— نعم.رفعت كتفيها ببساطة، وكأن الأمر لا يعني لها شيئًا.— ستتعبين.— لا بأس.هز رأسه وكأنه يدرس الأمر بجدية، ثم نظر إليها بنظرة طويلة قبل أن يقول:— ولماذا تتعبين نفسكِ؟ثم تحرك قل







