Início / التشويق / الإثارة / سِرّ الاسم الآخر / الفصل الثاني: الغرفة المغلقة

Compartilhar

الفصل الثاني: الغرفة المغلقة

last update Data de publicação: 2026-09-22 06:39:15

قضت نور بقية ذلك المساء جالسة على أرضية الغرفة الصغيرة، تنقل بصرها بين الصندوق الخشبي والأوراق المتناثرة حولها، غير قادرة على تحريك ساق واحدة من شدة الصدمة. كان الصمت من حولها ثقيلًا، يقطعه بين الحين والآخر صرير خفيف يصدر عن أثاث البيت القديم، وكأن الشقة نفسها تتنفس بعد سنوات من السكون. لم تكن محامية تتعامل مع الوقائع بمنطق بارد فحسب، بل كانت أيضًا امرأة تحاول أن تستوعب أن حياتها كلها ربما قامت على أساس مختلف عما اعتقدت، وأن كل ذكرى طفولة كانت تظنها كاملة قد تكون في الحقيقة نصف حكاية.

فتحت الصندوق الخشبي بحذر، فتصاعدت منه رائحة ورق قديم ممزوجة بخشب متعفن، فوجدت بداخله كومة من الأوراق الصفراء المتهالكة، بعضها يبدو كأنه أوراق رسمية قديمة تحمل أختامًا باهتة، وبعضها الآخر رسائل مكتوبة بخط اليد بحبر تلاشى معظمه مع الزمن. كانت هناك أيضًا شهادة ميلاد ممزقة الأطراف، حاولت نور قراءتها في ضوء الهاتف الخافت، فاقتربت بالورقة من الشاشة، لكن الحبر كان باهتًا يصعب فك رموزه بالكامل، ولم تستطع أن تميز منه سوى تاريخ ميلاد يعود إلى أكثر من عشرين عامًا مضت، وحرف واحد من اسم لم يكتمل.

بين الأوراق، عثرت على عشرات الصور الأخرى للطفلة نفسها، سارة، في مراحل عمرية مختلفة: طفلة رضيعة في مهدها بعينين واسعتين تحدّقان في العدسة، ثم في الثانية من عمرها تلعب في حديقة صغيرة لم تتعرف نور على مكانها، ثم في الرابعة ترتدي زي المدرسة وتبتسم ابتسامة عريضة تكشف عن سنّين ناقصتين. كانت كل صورة أشبه بلوحة من ماضٍ لم تعشه نور، لكنها تشعر بغرابة أنها تعرفه بطريقة ما، وكأن جسدها يتذكر ما نسيه عقلها، وكأن رائحة تلك الحديقة أو صوت ذلك الضحك كانا يومًا جزءًا من حياتها هي.

في إحدى الصور، ظهرت سارة وهي تجلس في حضن امرأة شابة، لم تتعرف نور على ملامحها بوضوح بسبب اهتراء الصورة وتلاشي جزء من الوجه، لكن شيئًا في طريقة جلوسها وابتسامتها بدا مألوفًا بشكل غريب، وكأنها رأت هذا الوجه من قبل في مكان ما لا تستطيع تذكره، ربما في صورة قديمة على جدار، أو في حلم متكرر لم تعره اهتمامًا من قبل. قلّبت الصورة عدة مرات بحثًا عن اسم أو تاريخ، لكنها لم تجد شيئًا سوى بقعة رطوبة قديمة في الزاوية.

استمرت في البحث حتى عثرت على مغلف بني كبير، مختوم بشمع أحمر لم يُفتح من قبل، وكأن أحدًا قد قرر أن مضمونه يجب ألا يرى النور أبدًا. حاولت فتحه بحذر شديد، وأصابعها ترتجف وهي تكسر الشمع القديم، فوجدت بداخله رسالة طويلة، لكن الأجزاء الأولى منها كانت قد تآكلت بفعل الرطوبة، ولم يبقَ منها سوى سطور متناثرة غير مترابطة تتحدث عن "خطأ لا يُغتفر" و"حماية الطفلة مهما كلف الأمر"، وسطر واحد بدا شبه مكتمل يقول إن "الصمت كان الخيار الوحيد المتاح حينها".

لم تكن هناك توقيعات واضحة، لكن الخط كان يشبه خط جدتها إلى حد كبير، تلك الحروف المائلة المنمقة التي كانت نور تراها على بطاقات المعايدة كل عام. جلست تقرأ السطور مرارًا وتكرارًا، تحاول أن تجمع الأجزاء المتناثرة في معنى واحد متكامل، لكنها لم تصل إلى شيء واضح سوى إحساس متزايد بأن جدتها كانت تخفي سرًا ثقيلًا طوال حياتها، سرًا كلّفها على ما يبدو ثمنًا باهظًا من الصمت والعزلة.

نظرت إلى ساعتها فوجدت أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل دون أن تشعر. قررت أن تجمع كل الأوراق والصور بعناية، تلف كل مجموعة منها بقطعة قماش وجدتها بجانب الصندوق، ووضعتها في حقيبتها بحرص شديد كما لو كانت تحمل دليلًا في قضية حقيقية، ثم أغلقت الباب الصغير خلف الخزانة كما كان، وأعادت الخزانة إلى مكانها الأصلي. عادت إلى الصالة لتجلس على الأريكة القديمة محاولة استيعاب ما حدث، بينما كانت عقارب الساعة المتوقفة على الحائط تبدو وكأنها تسخر من محاولاتها لفهم زمن لم يعد يشبه ما تعرفه.

في صباح اليوم التالي، استيقظت نور مبكرًا بعد ليلة لم تنم فيها إلا ساعات قليلة متقطعة، مليئة بأحلام مشوشة عن طفلة تركض في ممر طويل لا نهاية له. قررت أن تبدأ بالحديث مع أقرب شخص يمكنه أن يعطيها إجابات: عمها سامي، الأخ الأصغر لوالدها، والذي كان دائمًا قريبًا من الجدة زينب رغم خلافاتهما المتكررة على مر السنين، وكان اسمه غالبًا ما يُذكر في العائلة بنبرة حذرة، كأن هناك ما لا يُقال عنه أيضًا.

اتصلت به، وطلبت أن يلتقيا في أقرب وقت ممكن، فوافق على مضض بعد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط، وحدّد موعدًا في مقهى قريب من منزله بعد ظهر ذلك اليوم. شعرت نور بارتياح بسيط، معتقدة أنها ستجد أخيرًا من يوضح لها بعض تفاصيل هذا اللغز الذي بدأ يتشكل حول حياتها، لكن نبرة صوته المتوترة عبر الهاتف تركت في نفسها قلقًا لم تستطع تفسيره.

لكن ما لم تكن نور تعلمه، وهي تستعد للقاء عمها، أن هناك من كان يراقب تحركاتها في البيت القديم منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها، شخصًا ظل يقف على مسافة آمنة في الشارع المقابل، متكئًا على سياج حديدي صدئ، يتابع أضواء الشقة وهي تنطفئ واحدة تلو الأخرى، ثم يغادر المكان بهدوء تام، حاملًا هاتفه ليرسل رسالة قصيرة إلى رقم مجهول، وأصابعه تكتب ببطء وحزم: "لقد وجدت الغرفة".

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل العشرون: أسماء بلا أمهات

    بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل التاسع عشر: دار السكينة

    قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثامن عشر: ما خبأته الساعة

    وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السابع عشر: الشبهة

    وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السادس عشر: ما لم يُسجَّل

    أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الخامس عشر: الفخ

    بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status