Masukأمسك علي بالعلبة، وأخرج الساعة منها بحرص شديد، وقال بنبرة دافئة وهو ينظر إليها مباشرة: — عموماً.. هذه أجمل هدية جاءتني في حياتي. دون تردد، خلع الساعة التي كان يرتديها في يده، ولبس الساعة الجديدة التي أحضرتها له، وكأنه يعلن لها أن مكانتها عنده تفوق أي شيء آخر. نظرت شروق إلى يده، وشعرت برعشة خفيفة في قلبها، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها. عاد الاثنان إلى العمل، وانضم إليهما وليد بعد دقائق، ونجحوا خلال ساعات في إنهاء التصميم النهائي لمشروع "بيت المزرعة" وإرساله إلى أصحاب العمل، وجاء الرد سريعاً بالموافقة التامة والإعجاب الشديد. خلال الأيام التالية، بدأت شروق تقود صراعاً داخلياً مع نفسها؛ حاولت جاهدة إقناع عقلها بأن موقف علي وحياته الشخصية لا يجب أن يؤثرا عليها بأي شكل من الأشكال، مادامت قد وضعت حداً لعواطفها وتعتبره مجرد صديق مقرب وليس حبيباً. ضغطت على مشاعرها، وحاولت جاهدة أن تتناسى مشهد وفاء، ودفنت نفسها في العمل المتواصل لتتخطى هذا الوجع. انشغل الجميع تماماً في الإشراف على اللمسات الأخيرة لبيت المزرعة، وكان الوقت يداهمهم؛ فلم يتبقَّ سوى أسبوع واحد فقط على موعد عيد ميلاد زوجة صا
ما إن وصلا إلى المزرعة، حتى استقبلهما صاحب العمل بترحاب شديد. أخرج علي وشروق التصاميم المبدئية وفلدا الأوراق أمامه على الطاولة الخشبية الكبيرة في حديقة المزرعة. تفحص الرجل الرسومات بعناية، ثم اعتدل في جلسته وقال بنبرة هادئة وممتنة: — التصميم جميل جداً وراقي يا بشمهندسين، ولكنني أريد إدخال بعض التعديلات.. أريد أن أرى تصميماً يشبه زوجتي، أريد أن أشعر أن كل ركن في هذا البيت يشير إليها، وفيه روحها ولمستها الخاصة. ابتسمت شروق برقة وقد مست الكلمات قلبها المهني، وقالت: — إذا أردت هذا، فيجب أن نلتقي بزوجتك أولاً، ونجلس معها ونتحدث طويلاً حتى نستشعر ما تحبه وما تريده في بيتها. تهلل وجه الرجل وقال بحماس: — إذاً سنقضي اليوم معاً هنا في المزرعة. ثم التفت ونادى على بعض العمال وصاح فيهم بترحيب ريفي أصيل: "حضروا لنا فطير مشلتت حلو وعسل وجبنة علشان الباشمهندسين!"، ثم التفت ونادى على زوجته لتخرج إليهم. ما إن وصلت الزوجة حتى رحبت بشروق بحفاوة، واستأذنت شروق علياً وصاحب المزرعة لتتحرك مع المرأة داخل أرجاء المزرعة الشاسعة. وطوال جولتهم بين الأشجار والممرات، كانتا تتحدثان في أمور شتى، وم
كانت "وفاء" تخرج من شقة علي بخطوات واثقة، ولمحت شروق الجالسة خلف مكتبها بنظرة خاطفة باردة، ثم تظاهرت كأنها لم ترَها على الإطلاق. في تلك اللحظة، كان علي يقف عند عتبة الباب، ولم يلاحظ بعد أن باب المكتب الخارجي مفتوح أو أن هناك أحداً بالداخل. وفجأة، وبحركة مباغتة ومدروسة، التفتت وفاء نحو علي، وجذبت ياقة قميصه بقوة وقبلته قبلة حارة وطويلة. اتسعت عينا علي من شدة الاستعجاب والصدمة، وتجمد في مكانه لثوانٍ لم يستوعب فيها ما يحدث. وقبل أن يستفيق من ذهوله ويدفعها عنه أو ينطق بكلمة واحدة، تحركت نظراته تلقائياً نحو قاعة المكتب، ليلتقي سهم عينيه بعيني شروق الواقفة هناك، تراقب المشهد بنظرات حزينة ومذهولة. وقبل أن يتمكن علي من التحدث مع وفاء أو محاسبتها على ما فعلته وكيف تجرأت على هذا التصرف، استدارت وفاء بخفة ونزلت الدرج بسرعة، مخلّفة وراءها عاصفة من الصمت القاتل. أنزلت شروق نظرها سريعاً إلى الأرض، وشعرت بغصة تخنق حلقها وبرغبة عارمة في الاختفاء. تحركت بخطوات سريعة وشبه فاقدة للوعي، ودخلت إلى الحمام وأغلقت الباب بقوة لتهرب من مواجهة علي ومن نظراته. أما علي، فاندفع نحو الممر متجاوزاً عتبة
نظرت نهال إلى شروق. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لا تشبه الفرح. وقالت بهدوء: — ومن قال لكِ إنني تخطيته؟ توقفت يد شروق عن ترتيب الأشياء. ونظرت إليها بدهشة. سكتت نهال لحظة. ثم قالت وهي تنظر أمامها: — أنا فقط… تعلمت أن أتوقف عن الانتظار. سكتت. ثم أضافت: — أعرف علي. إذا اتخذ قرارًا… فمن الصعب أن يعود فيه. ثم توقفت. وقالت بصوت أخفض: — وخاصة أنه… وسكتت. رفعت شروق رأسها بسرعة. وقالت: — وخاصة أنه ماذا؟ ابتسمت نهال فورًا. وكأنها تراجعت. ثم قالت: — لا شيء. هزت شروق رأسها وقالت: — لا. كنتِ ستقولين شيئًا. نظرت نهال إليها لحظة. ثم قالت بهدوء: — كنت سأقول… إن بعض الناس عندما يغلقون بابًا… لا يغلقونه لأنهم لا يشعرون. بل لأنهم يخافون أن يشعروا أكثر. ساد الصمت. نظرت شروق إليها. ثم قالت بهدوء: — لكن هذا ظلم لشريف. نظرت نهال إليها فورًا. ثم قالت: — لا. أنا لم أعد شريف بأي شيء. وهو يعرف ذلك. سكتت. ثم ابتسمت وقالت: — ومن أول يوم قلت له بوضوح… أنا لا أبحث عن أحد ينقذني. ولا عن قصة تعوض قصة. إذا بقي… فليبقَ لأنه
نزلا معًا. وأعطى علي الملف لشروق وقال: — اقرئي هذا ولخّصيه لي ونحن في الطريق. أخذته وبدأت تقلب الصفحات. ثم قالت: — مشروع مزرعة… في طريق مدينة رشيد؟ رفعت رأسها وسألته: — أين تقع؟ أجاب وهو يقود: — ساعة تقريبًا من هنا. لا تقلقي. ثم ابتسم وأضاف: — سنعود مبكرًا. قالت بتلقائية وهي تنظر أمامها: — إذًا سننام في منازلنا. وما إن قالتها… حتى سكتت. لم تنتبه للجملة. لكن علي سمعها. ونظر للطريق دون تعليق. أما شروق فعادت سريعًا للملف وأكملت القراءة. وبدأت تلخص: — مساحة الأرض ليست كبيرة. لا يوجد نشاط تجاري. عدد العاملين قليل. والتنفيذ مطلوب خلال عدة أشهر. سكتت لحظة. ثم قالت باستغراب: — لكن لماذا كل هذا الاهتمام بالتفاصيل إذا كان مجرد منزل؟ قال علي بهدوء: — سنعرف عندما نصل. بعد وقت… وصلا. كانت الأرض بعيدة عن الزحام. هواء مفتوح. وأشجار متفرقة. وفي المنتصف… وقف رجل يبدو في بداية الخمسينيات. وبجواره سيدة هادئة الملامح. كان ينظر إليها بين الحين والآخر بطريقة مختلفة. ليست نظرة إعجاب… بل شيء يشبه الألفة القديمة. اقترب الرجل
وقفت شروق صامتة. ثم نظرت إلى علي. كان واضحًا أنه لا يزال غير مقتنع. ولا يزال يرى أن الأمر انتهى أسرع مما يستحق. لكنها ابتسمت له ابتسامة صغيرة. ثم قالت بهدوء: — حسنًا… من أجل أمي فقط. حتى لا أحزن أختها. ظل ينظر إليها للحظات. ثم أومأ برأسه. ولم يجادل. لكن قبل إنهاء الإجراءات… أصر على أمر واحد. أن يُثبت محضر عدم تعرض. وبالفعل تم اتخاذ الإجراءات. وغادر الاثنان. في السيارة… لم يتحدث أحد. كان الطريق هادئًا. وشروق تنظر من النافذة. أما علي… فكان يقود بصمت. وبعد دقائق… قالت فجأة: — ممكن تقف قليلًا؟ نظر إليها سريعًا. وسأل: — هنا؟ أومأت. وقالت: — عند البحر. توقف. ونزلا. كان الشاطئ هادئًا. الهواء باردًا قليلًا. والناس قليلة. سارت شروق ببطء. ثم وقفت أمام المياه. وضمت ذراعيها. وظلت تنظر طويلًا. اقترب علي. لكنه لم يتكلم. وبعد وقت قالت: — أنت غاضب. نظر إليها. ثم قال: — لا. ابتسمت بخفة. وقالت: — تكذب. سكت. فقالت وهي تنظر إلى البحر: — أنت ترى أنني أخطأت. لم يرد. فأكملت: — يمكن. لكن… لا







