Se connecterفي صباح اليوم التالي…
استيقظت شروق مبكرًا. بقيت تنظر قليلًا إلى السقف. كانت تعرف أن اليوم لن يكون سهلًا. أمس خسروا المشروع… لكن ما كان يؤلمها أكثر هو شكل علي وهو يغادر. أمسكت هاتفها واتصلت بنهال. ردت نهال بعد لحظات: — صباح الخير. ابتسمت شروق وقالت: — صباح النور… هل ستأتين إلى المكتب معي؟ ردت نهال: — عندي مشوار مع ماما، سأُنهيه وأمر عليكم. — حسنًا… سننتظرك. أغلقت شروق الهاتف. ثم خرجت. وفي الطريق توقفت أمام محل زهور. وقفت للحظات… ثم اشترت باقة صغيرة. ليست فخمة. مجرد زهور هادئة بألوان بسيطة. ثم ذهبت إلى المكتب. كان المكان هادئًا. لا أحد وصل بعد. دخلت من الباب الجانبي المؤدي مباشرة إلى مساحة العمل. كانت قد تعمدت الوصول مبكرًا. لا لشيء… فقط شعرت أن المكان يحتاج أن يعود كما كان. خلعت حقيبتها. وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة. ترتب الملفات. تعيد الأقلام إلى أماكنها. تغلق الأدراج المفتوحة. ثم وضعت باقة الزهور على مكتب علي. ونظرت إليها لحظة. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. وعادت تكمل الترتيب. أثناء تنظيف الأرض… وجدت بقايا كوب مكسور. انحنت تجمع القطع. لكن إحدى القطع جرحت يدها. سحبت يدها بسرعة. ظهر خط أحمر رفيع. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت الباب. رفعت رأسها. كان علي. وقف للحظة ينظر إليها. ثم اقترب. وحين لاحظ الدم… مد يده تلقائيًا كأنه سيتفقد الجرح. لكن شروق رفعت يدها الأخرى بسرعة وقالت بابتسامة صغيرة: — لا تقلق… سأعالجها. توقف علي في مكانه. وصمت لثوانٍ. ثم تذكر. تذكر أنها لا تحب أن يقترب أحد منها فجأة. فسحب يده بهدوء. واتجه إلى الدرج. وأخرج علبة مناديل ووضعها أمامها. ثم انحنى وجلس على الأرض. وبدأ يجمع باقي قطع الزجاج بنفسه. نظرت إليه شروق قليلًا. ثم قالت بهدوء: — كان بإمكاني أن أنهي هذا. رد دون أن ينظر إليها: — وأنا كان بإمكاني ألا أترك المكتب بهذا الشكل أمس. انتهى من جمع القطع. ثم وقف. ونظر حوله. المكان أصبح مرتبًا. الأوراق عادت لأماكنها. والزهور على مكتبه. نظر إليها ثم قال: — لماذا أتعبتِ نفسك؟ سكتت شروق لحظة. ثم قالت بهدوء: — لأن هذا المكان… مكاني أيضًا. ثم ابتسمت وأضافت: — ولا أشعر بالتعب فيه. نظر إليها علي للحظات. ثم التفت إلى الزهور. وسأل بهدوء: — وهذه أيضًا من ضمن ترتيب المكتب؟ نظرت للباقة ثم قالت بخفة: — لا… هذه محاولة لجعل المكان يبدو أقل حزنًا. ابتسم للمرة الأولى منذ أمس. ابتسامة صغيرة… لكنها كانت حقيقية. وفي شركة الريان… كان حمدي يجلس في مكتبه يراجع بعض الملفات. رن هاتفه. نظر إلى الشاشة… فتغيرت ملامحه قليلًا. وأجاب بصوت أكثر هدوءًا مما اعتاد الجميع أن يسمعوه: — أهلًا… وحشتيني. جاءه صوت زوجته يحمل عتابًا خفيفًا: — واضح إن الشغل أهم مني. بقالك شهرين في إسكندرية، وكل مرة تقول يومين وترجع. ابتسم حمدي وقال: — كنتِ تعرفين أن فترة المناقصة ستكون مرهقة. وبعدين… أنا اشتقت لكِ أكثر. ردت بابتسامة خفيفة: — كلام جميل… لكن لا يعوض وجودك. سكت لحظة ثم قال: — سأرتب بعض الأمور هنا. وأحتاج عدة أيام فقط. ثم أضاف: — لو تحبي تيجي تقعدي معايا كام يوم؟ جاءه ردها سريعًا: — لا… أنت تعرف أني لا أحب أترك شرم وأجي أقعد وسط الشغل والاجتماعات. لكن لا تتأخر. ابتسم وقال: — وعد. أنهى المكالمة. وفي اللحظة نفسها… طرقت ريم الباب. أعاد الهاتف إلى مكانه، وعادت ملامحه العملية المعتادة. دخلت ريم وجلست أمامه. ثم قالت مباشرة: — لا تضغط أكثر على علي. رفع حمدي عينيه إليها وقال: — وماذا فعلت حتى أكون ضغطت عليه؟ تنهدت ريم وقالت: — مهما حصل… هو اجتهد سنوات طويلة في الشركة. وخسر مشروعًا كان يراهن عليه. سكت قليلًا ثم قال: — وكان لابد أن يفهم. نظرت إليه وقالت: — يفهم ماذا؟ أغلق الملف الذي أمامه وقال بهدوء: — أن الإدارة ليست اجتهادًا فقط. هناك أشياء أخرى تُحسب. سكتت لحظة ثم قالت: — وما علاقة وفاء؟ نظر إليها ثم قال: — ما زلتِ لا تفهمين؟ وجود وفاء كان مهمًا. هي تعرف كيف تُدار الأمور. ولديها شبكة علاقات قوية. وكانت واثقة أن الشركة ستفوز بوجودها. ثم أكمل: — وأنا لم أكن مستعدًا للمجازفة. سكتت ريم للحظات. ثم قالت بهدوء: — يعني كنت تريد من علي أن يتجاوز كل شيء… فقط لأن النتيجة تستحق؟ نظر إليها دون رد. فقالت: — أنت ترى أن النجاح يبرر القرار… وعلي يرى أن بعض الأشياء لا تستحق أن ندفع ثمنها. وقفت. ثم قالت قبل أن تخرج: — يمكن لهذا السبب… أنتم تشبهون بعض أكثر مما تعتقد. خرجت. وبقي حمدي وحده. نظر إلى الملفات أمامه… لكن للمرة الأولى منذ وقت طويل… لم يشعر أن الفوز مريح كما توقع.ساد الصمت للحظات… ثم ابتسمت شروق ابتسامة خافتة وقالت: — هل تعلم… كم مرة سقطت؟ ثم هزت رأسها قليلًا وأضافت: — لا أعتقد أنني أستطيع عدّها. كنت في كل مرة أظن أنني وصلت للنهاية… ثم أجد شيئًا صغيرًا يجعلني أتمسك من جديد. أمل. شخص. حلم. أي شيء يمنعني من الاستسلام. كنت أُحبط… ثم أنهض. أتعثر… ثم أحاول مرة أخرى. ومع الوقت فهمت أن السقوط لا يعني النهاية. ظل علي ينظر إليها قليلًا ثم قال بهدوء: — أحيانًا أنسى أنكِ… رغم هدوئك… مررتِ بأشياء أصعب مما أتصور. تردد للحظة ثم قال: — هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟ ولو لا تريدين الإجابة… لا بأس. رفعت شروق عينيها إليه وقالت بهدوء: — لا… لم يعد الأمر يؤلمني كما كان. بفضل دكتورة ريهام… أصبحت أستطيع أن أتحدث دون أن أهرب. سألها بهدوء: — لماذا أنتِ وحدك؟ أين بقية عائلتك؟ سكتت شروق قليلًا. ثم قالت: — بعد كل ما حدث… كانت أمي الشيء الوحيد الذي كنت أنتظره. كنت أعد الأيام… وأقول لنفسي إن أول ما أخرج سأجدها. ثم عادت بذاكرتها بعيدًا… كنت أقف أمام هاتف دار الرعاية… وأتصل بخالتي سهام. وما إن سمعت صوتها حتى سأ
في صباح اليوم التالي…استيقظت شروق مبكرًا.بقيت تنظر قليلًا إلى السقف.كانت تعرف أن اليوم لن يكون سهلًا.أمس خسروا المشروع…لكن ما كان يؤلمها أكثر هو شكل علي وهو يغادر.أمسكت هاتفها واتصلت بنهال.ردت نهال بعد لحظات:— صباح الخير.ابتسمت شروق وقالت:— صباح النور… هل ستأتين إلى المكتب معي؟ردت نهال:— عندي مشوار مع ماما، سأُنهيه وأمر عليكم.— حسنًا… سننتظرك.أغلقت شروق الهاتف.ثم خرجت.وفي الطريق توقفت أمام محل زهور.وقفت للحظات…ثم اشترت باقة صغيرة.ليست فخمة.مجرد زهور هادئة بألوان بسيطة.ثم ذهبت إلى المكتب.كان المكان هادئًا.لا أحد وصل بعد.دخلت من الباب الجانبي المؤدي مباشرة إلى مساحة العمل.كانت قد تعمدت الوصول مبكرًا.لا لشيء…فقط شعرت أن المكان يحتاج أن يعود كما كان.خلعت حقيبتها.وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة.ترتب الملفات.تعيد الأقلام إلى أماكنها.تغلق الأدراج المفتوحة.ثم وضعت باقة الزهور على مكتب علي.ونظرت إليها لحظة.ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.وعادت تكمل الترتيب.أثناء تنظيف الأرض…وجدت بقايا كوب مكسور.انحنت تجمع القطع.لكن إحدى القطع جرحت يدها.سحبت يدها بسرعة.ظهر خط أحمر
جاء اليوم المنتظر. اجتمعت الشركات المشاركة داخل القاعة. شاشات العرض تعمل. الملفات أمام الجميع. ووجوه تحمل خليطًا من التوتر والثقة. جلس علي إلى جوار وليد وشروق. أما نهال فجلست خلفهم تتابع بصمت. نظر علي أمامه للحظات. لم يكن يشعر بالقلق… بل بشيء أقرب إلى اليقين. ليس غرورًا. لكن شعور بأن كل ما مروا به خلال الأسابيع الماضية… لا بد أن ينتهي بشيء يستحق. نظر إلى شروق وقال بهدوء: — مهما كانت النتيجة… أنا فخور باللي عملناه. ابتسمت شروق وقالت: — وأنا أيضًا. بدأت اللجنة تتحدث. شرح طويل. معايير تقييم. قدرة تنفيذ. استدامة. تكلفة. سجل الشركات. وكل دقيقة كانت تمر… يزداد معها الترقب. ثم جاء الإعلان. قال رئيس اللجنة: — وبعد دراسة جميع العروض المقدمة… ونظرًا لعدة اعتبارات مرتبطة بالتنفيذ والإمكانات… تم اختيار… شركة الريان. ساد الصمت. لثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية. شعرت شروق وكأن الصوت أصبح بعيدًا. أما علي… فبقي ينظر للأمام. بهدوء غريب. ثم التفت ببطء. على الطاولة المقابلة… كان حمدي الريان جالسًا. وإلى جواره وفاء. نظرت وفاء نحوه للحظة. لم تبتسم. لكن نظرته
بينما كانوا منشغلين بمراجعة الرسومات وتبادل الأفكار… رن جرس الباب. رفع علي رأسه باستغراب وقال: — لا أعتقد أن أحدًا سيأتي الآن. اتجه إلى الباب وفتحه. فتوقف لثوانٍ. كان وليد يقف أمامه. لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفات أو يبدو كعادته داخل الشركة… بل كان يقف مبتسمًا وكأنه اتخذ قرارًا مهمًا. دخل ونظر حوله قليلًا. ثم قال بهدوء: — يبدو أنني وصلت في الوقت المناسب. نظر إليه علي باستغراب وقال: — وليد؟ ماذا تفعل هنا؟ ابتسم وليد وقال: — قدمت استقالتي. وجئت لأعمل معكم. ساد الصمت للحظات. نظرت شروق إلى نهال بدهشة. أما علي فبقي ينظر إليه وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم قال: — استقلت؟ لكن… كيف عرفت أصلًا؟ أنا بدأت الإجراءات اليوم فقط. ابتسم وليد ابتسامة صغيرة وقال: — يبدو أنك نسيت أين كنت تعمل. ثم أردف بهدوء: — الخبر وصل إلى الشركة كلها. وأنت تعرف أن حمدي بيه… لا يفوته شيء. سكت قليلًا ثم أكمل: — لديه أشخاص يعرف من خلالهم كل ما يحدث. نظر إليه علي بصمت. ثم قال: — لكن لماذا تركت عملك؟ نحن حتى الآن لا نملك مكتبًا جاهزًا. ولا فريقًا. ولا يوجد أي ضمان أن الأمر سينجح. ابتسم و
في صباح اليوم التالي… استيقظ علي مبكرًا على غير عادته. ظل مستلقيًا للحظات ينظر إلى السقف. ثم نهض فجأة وكأن القرار الذي اتخذه بالأمس لم يكن مجرد فكرة عابرة. أمسك هاتفه وبدأ يجري عدة اتصالات متتالية. مكتب محاسبة. إجراءات قانونية. أحد معارفه في التراخيص. مهندس تشطيبات. ثم شخص آخر يثق به في تجهيز المكاتب. كل شيء كان يتحرك بسرعة. وكأن هذه الخطوة لم تولد بالأمس… بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة. بعد ساعات… كان يقف داخل شقته. شقة كبيرة لم يعد إليها منذ فترة طويلة. فتح النوافذ ودخل ضوء الصباح. تأمل المكان بهدوء. ثم أخرج ورقة وبدأ يرسم بعض الخطوط والأفكار. توقف فجأة. ثم أمسك هاتفه واتصل بشروق. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — ستأتين في أي ساعة؟ سكتت قليلًا ثم قالت باستغراب: — آتي إلى أين؟ قال وكأن الأمر محسوم: — إلى الشقة. سنبدأ العمل. نراجع التصميم ونرى كيف سنعيد تقسيم المكان. ضحكت شروق وقالت: — لحظة… ألم نتفق أننا سنفكر أولًا؟ أجاب بهدوء: — أنا انتهيت من التفكير. بدأت بالفعل في الإجراءات. وسنحتاج تعديل بعض الأشياء في الشقة. وعندي أكثر من تصور. و
في مساء اليوم التالي… ذهب وليد إلى منزل علي ليطمئن عليه. فتح له علي الباب، وكان يبدو أكثر هدوءًا مما توقع. جلسا قليلًا، ثم قال وليد مباشرة: — ما الذي تنوي فعله الآن؟ جلس علي أمامه، وظل لحظة يفكر قبل أن يجيب: — لديّ فكرة. نظر له وليد باهتمام: — فكرة ماذا؟ ابتسم علي ابتسامة خفيفة وقال: — إذا نجحت… سأثبت لهم أنني لا أحتاج إلى أحد. عقد وليد حاجبيه: — تقصد الشركة؟ نظر علي بعيدًا وقال: — حين تكتمل الفكرة… سأخبرك. فهم وليد أن الحديث انتهى عند هذا الحد. فنهض وقال: — فقط لا تجعل الغضب يتخذ القرار بدلًا منك. أومأ علي دون أن يرد. بعد خروج وليد… أخرج علي هاتفه واتصل بنهال. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — هل أنتِ مشغولة؟ تنهدت وقالت باعتذار: — للأسف… عندنا ضيوف اليوم ولن أستطيع الخروج. سكت لحظة ثم قال: — لا بأس. ثم أضاف بهدوء: — سأمر على شروق. تغير صوت نهال فورًا: — شروق؟ هل حدث شيء؟ ابتسم وقال: — لا… لا تقلقي. عندي فكرة فقط… وعندما نلتقي سأخبرك. هدأت قليلًا وقالت: — حسنًا… وخذ بالك من نفسك. أغلق الهاتف. ثم أخذ مفاتيحه وغادر. وصل إلى المكان الذي اعتاد