LOGINالساعة 2:47 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتي
كانت قطرات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، فيما تحرك عقرب الثواني في الساعة المعلقة فوق الباب دون أن يكسر هدوء المكان. جلست رها أمام الميكروفون، وأحاطت أصابعها بكوب الشاي الدافئ، ثم رفعت عينيها إلى الضوء الأحمر الذي ينتظر إشارة البث.
لم تكن الليلة مختلفة في ظاهرها، لكن سؤالًا ظل يرافقها منذ أيام: هل نعرف الأشخاص حقًا، أم نعرف فقط الأجزاء التي يسمحون لنا برؤيتها؟
اقتربت من الميكروفون، وتحدثت بصوت هادئ، كأنها تخاطب شخصًا يجلس أمامها وحده.
_مساء الخير لكل قلبٍ وصل إلى هذه الساعة وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز ما حدث.
أحيانًا نظن أن مرور الوقت يعني أننا تعافينا، ثم تأتي كلمة صغيرة، أو رائحة مألوفة، أو ذكرى لم نستدعها، فنعرف أن بعض الأشياء لم تغادرنا كما اعتقدنا.
لا بأس إن وجدتم أنفسكم تعودون إلى مكان ظننتم أنكم خرجتم منه. التعافي ليس طريقًا مستقيمًا، ولا يعني أنكم ضعفاء كلما عاد إليكم وجع قديم.
وإذا كان هناك شيء تتمنون لو أنكم فعلتموه بطريقة مختلفة، فتذكروا أنكم اتخذتم قراراتكم يومًا بما كنتم تعرفونه آنذاك، لا بكل ما عرفتموه بعد ذلك.
لا أطلب منكم أن تسامحوا أنفسكم الليلة، ولا أن تنسوا ما يؤلمكم. أطلب فقط ألّا تحاكموا أنفسكم إلى الأبد بعينٍ لم تكتسب كل تلك المعرفة إلا بعد فوات اللحظة.
الخط مفتوح. إن كان في صدوركم كلام لم تجدوا له مكانًا، فربما نستطيع أن نمنحه بعض الوقت معًا.
أغلقت رها عينيها للحظة بعد انتهاء المقدمة، ثم فتحت خطوط الاتصال.
الساعة 3:06 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتي
_مساء الخير، أنت على الهواء.
_مساء النور. لا أعرف من أين أبدأ.
_ليس عليك أن تعرف الآن. ما الذي جعلك تتصل؟
_تشاجرت مع أبي. قال إنني لا أتحمل المسؤولية، وربما هو محق.
_هل تعتقد أنك لا تتحمل المسؤولية، أم أنك صدقت ذلك لأن شخصًا مهمًا في حياتك قاله؟
_لا أعرف. كلما حاولت أن أثبت له أنني تغيرت، يحدث شيء يعيدني إلى النقطة نفسها.
_وهل التغيير عندك يعني ألّا تخطئ أبدًا؟
_ربما.
_إذن، أنت تطلب من نفسك شيئًا لا تستطيع أن تطلبه من أي إنسان آخر.
سكت المتصل قليلًا، ثم تنفس بعمق.
_لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
_لا تحتاج إلى أن تحسم كل شيء الليلة. ابدأ بما تستطيع تغييره، ولا تجعل خطأ واحدًا حكمًا نهائيًا على حياتك كلها.
شكرها الرجل، وانتهت المكالمة.
أعادت رها ترتيب الورقة أمامها، ثم نظرت إلى الساعة. لم يكن هناك شيء غير مألوف في سير البرنامج، ومع ذلك شعرت بأنها أكثر انتباهًا من المعتاد. لم تكن تنتظر اتصالًا بعينه، أقنعت نفسها بذلك، لكنها كانت تلاحظ كلما أضاء مؤشر الخط.
الساعة 3:19 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتي
أضاء المؤشر أخيرًا.
_أهلًا بك، أنت على الهواء.
جاءها صوته بعد لحظة قصيرة.
_هل ما زلتِ تعتقدين أن الناس يتغيرون؟
لم تحتج رها إلى وقت طويل لتعرفه.
_مساء الخير يا بحر.
_لم تجيبي عن سؤالي.
_وأنت لم تبدأ بتحية، ومع ذلك لم أعتبر الأمر مشكلة.
_هل هذه طريقتكِ في تجنّب الإجابة؟
_بل طريقتي في تذكيرك بأن الحديث لا يحتاج إلى أن يكون امتحانًا في كل مرة.
_ربما لأن الإجابات العادية لا تخبرني بشيء.
_وربما لأنك تسأل أسئلة لا تريد لها إجابات عادية.
ضحك ضحكة قصيرة، باردة على نحو لم تألفه منه في المكالمة السابقة.
_إذن، ما زلتِ تتذكرينني جيدًا.
_أتذكر محادثتنا. هذا لا يعني أنني أعرفك جيدًا.
_فرق دقيق.
_لكنه مهم.
_حسنًا، لنعد إلى سؤالي. هل يتغير الناس فعلًا، أم يتعلمون فقط كيف يخفون الأجزاء التي لا تعجب الآخرين؟
نظرت رها إلى دفترها.
_بعضهم يتغير، وبعضهم يتعلم إخفاء ما لا يريد مواجهته. لا يمكننا أن نضع الجميع في حكم واحد.
_إجابة مهنية.
_ لأنك تسألني سؤالًا عامًا.
_وماذا لو لم يكن السؤال عامًا؟
_عندها عليك أن تخبرني بما يكفي حتى أفهم ما تسأل عنه.
_ألا تستطيعين أن تفهمي من دون أن أخبرك؟
_لا يا بحر. أنا أستمع جيدًا، لكنني لا أقرأ الأفكار.
_أهذا ما تقولينه لكل من يتصل بك؟
_أقول لكل شخص إنني لن أدّعي معرفة ما لم يخبرني به.
تأخر بحر في الرد، ثم قال:
_يبدو أنكِ تؤمنين كثيرًا بقدرة الكلام على كشف الحقيقة.
_لا. أؤمن بأنه يساعدنا على الاقتراب منها، إن كنا صادقين في استخدامه.
_وإن كان الشخص لا يعرف كيف يكون صادقًا؟
_يمكنه أن يبدأ بالاعتراف بأنه لا يعرف.
جاء صوته أكثر انخفاضًا:
_وهل سبق أن عرفتِ شخصًا لم تعرفي ما يدور في داخله، رغم أنك كنتِ قريبة منه؟
توقفت رها عن تحريك القلم.
_نعم.
لم تكن تنوي الإجابة بهذه السرعة، لكنها لم تستطع سحب الكلمة بعدما خرجت.
_وماذا حدث؟ سأل بحر.
رفعت عينيها نحو النافذة، حيث انعكس وجهها على الزجاج المعتم.
_كان شخصًا قريبًا مني جدًا. كنت أظن أنني أعرف متى يكون بخير، ومتى يحتاج إلى المساعدة. كنت أظن أنني سألاحظ لو تغيّر شيء فيه.
_وكنتِ مخطئة؟
شدّت أصابعها حول القلم.
_اكتشفت أنني لم أكن أعرف كل شيء.
_وهل كان ذلك خطؤكِ؟
لم تجب فورًا.
_لا أعرف إن كان من العدل أن أختصر حكاية كاملة في كلمة واحدة مثل الخطأ.
_لكن يبدو أنكِ ما زلتِ تحاولين الإجابة عن هذا السؤال.
شعرت رها بأن الحديث ابتعد عن المساحة التي اعتادت الوقوف فيها. كان بإمكانها إنهاء الموضوع، لكنها وجدت نفسها تقول:
_أحيانًا، عندما تفقد شخصًا قريبًا، تعود إلى تفاصيل صغيرة لم تنتبه إليها وقتها. تتذكر جملة قالها، أو نظرة لم تفهمها، ثم تبدأ في التساؤل إن كان بإمكانك فعل شيء مختلف.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
أدركت رها أنها كشفت أكثر مما اعتادت كشفه عن نفسها، فاستعادت نبرتها المهنية.
_لكننا ابتعدنا عن موضوعنا يا بحر. أنت اتصلت لتسأل عن التغيير، لا لتسألني عن حياتي.
_أنا لم أطلب منكِ أن تتحدثي عن حياتكِ.
لم يكن صوته مرتفعًا، ولم يحمل اعتذارًا. كان باردًا بما يكفي ليجعلها تشعر بأنها وضعت شيئًا خاصًا على الطاولة، بينما ظل هو واقفًا في الجهة الأخرى ويداه فارغتان.
_صحيح، قالت رها. لم تطلب.
ثم سألته مباشرة:
_لكن لماذا يبدو أنك تريد معرفة ما الذي أخفيه، بينما تحرص أنت على ألّا تكشف شيئًا عن نفسك؟
_لأنكِ تسألين عن الأشياء التي لا أسمح لأحد بالاقتراب منها.
_وأنتَ تتعمد الاقتراب من الأشياء التي لا أريد الحديث عنها.
_ربما لأنني أريد أن أعرف إن كنتِ تجيدين إغلاق الأبواب، أم أنكِ تتركينها مواربة ثم تتظاهرين بأنها أُغلقت.
تغيّرت ملامح رها قليلًا. لم تكن كلماته تهديدًا صريحًا، لكنها حملت ذلك النوع من الاستفزاز الذي يدفع المرء إلى الدفاع عن نفسه حتى حين لا يكون متهمًا.
_أنت لا تعرفني بما يكفي لتقرر ما الذي أفعله بأبوابي.
_صحيح. لكنكِ تحدثتِ عن شخص لم تفهميه كما ظننتِ، ثم توقفتِ فجأة. يبدو أنكِ تعرفين كيف تفتحين الحديث، لكنكِ لا تعرفين كيف تتحملين ما قد يخرج منه.
أبعدت رها يدها عن القلم. لم يعجبها أنه لاحظ ترددها، ولم يعجبها أكثر أنها أرادت أن تشرح له سبب صمتها.
_ليس كل صمت اعترافًا، يا بحر.
_وليس كل سؤال فضولًا.
_إذًا، ما الذي تبحث عنه؟
تأخر جوابه. سمعت أنفاسه الخافتة، ثم صوت احتكاك شيء بسطح قريب منه.
_أريد أن أعرف إن كنتِ ستتحدثين إليّ بالطريقة نفسها لو عرفتِ من أكون.
تأملت رها العبارة. كان السؤال مختلفًا هذه المرة؛ لم يطلب منها أن تكشف شيئًا عن نفسها، بل وضع أمامها احتمالًا لم تكن تعرف إن كان حقيقيًا أم مجرد لعبة أخرى من ألعابه.
_لا أستطيع أن أحكم على شخص لا أعرفه.
_هذا ليس جوابًا.
_لأنه ليس سؤالًا عادلًا. أنت تطلب مني أن أحكم على حقيقة لم تخبرني بها، ثم تريد مني أن أضمن لك أن حكمي لن يتغير.
_ربما أريد أن أعرف إن كنتِ تملكين الشجاعة الكافية لتسمعي الحقيقة.
_وربما تريد أن تعرف مقدار ما تستطيع إخفاءه قبل أن يتغير صوتي.
ضحك بحر ضحكة قصيرة خالية من المرح.
_أنتِ أسرع مما توقعت.
_وأنت أبرع في تحويل الحديث إلى اختبار لا أعرف قواعده.
_لا تحتاجين إلى معرفة القواعد. يكفي أن تعرفي النتيجة.
_لا. هذه الطريقة تصلح لمن يريد إخضاع الآخرين، لا لمن يريد أن يفهمهم.
ساد الصمت بينهما. نظرت رها إلى الساعة المثبتة أمامها. كانت عقاربها تقترب من الثالثة والنصف، فيما بدا الليل خارج النافذة أعمق من أن ينتهي قريبًا.
ثم قال بحر بصوت هادئ على نحو أثار انتباهها:
_أنا مجرم يا رها.
تصلبت أصابعها فوق المكتب.
لم يرفع صوته، ولم يتلعثم، ولم يمنحها أي علامة توحي بأنه ينتظر منها إنقاذه. قالها كما لو أنه يضع حجرًا ثقيلًا في منتصف الطريق، ثم يراقب ما إذا كانت ستتعثر به.
_هل تعترف لي بجريمة، أم تحاول إخافتي؟
_هل يهمكِ الفرق؟
_نعم. الاعتراف يعني أنك تريد قول شيء، أما التخويف فيعني أنك تريد مني أن أفعل شيئًا.
_وماذا لو كنت أريد الأمرين؟
_سأستمع إلى ما تقوله، لكنني لن أسمح لك بأن تقرر نيابة عني ما الذي ينبغي أن أشعر به.
اختفت السخرية من صوته للحظة، وحل محلها صمت بدا كأنه يعيد النظر في إجابتها.
_ألا تخافين؟
_أنا لا أعرف إن كنتَ مجرمًا فعلًا، ولا أعرف ما الذي فعلته، ولا أعرف إن كنتَ تقول الحقيقة أصلًا. سيكون خوفي الآن مبنيًا على كلمة واحدة، وهذا ليس حكمًا أستطيع الدفاع عنه.
_لكنني أخبرتكِ من أكون.
_أخبرتني بما تسمي نفسك. لم تخبرني بما فعلت.
_ألا يكفيكِ أن تسمعي هذه الكلمة مني؟
_لا. لأنني لو صدقت كل من وصف نفسه بالضحية، لظلمتُ ضحاياه. ولو صدقت كل من وصف نفسه بالمجرم، فقد أساعده على إخفاء حقيقة مختلفة.
تغير تنفسه قليلًا. لم تعرف إن كان منزعجًا أم أن حديثهما بدأ يقترب من منطقة لم يخطط لها.
_تتحدثين كما لو أن العدالة أمر بسيط.
_لم أقل إنها بسيطة. قلت إنها لا تبدأ بإلغاء الأسئلة.
_وماذا لو كان سؤالكِ التالي هو ما سيجعلكِ تكرهينني؟
أجابت رها بعد لحظة:
_لن أعدك بأنني سأحب ما سأسمعه. ولن أعدك بأنني سأقف إلى جانبك مهما فعلت. لكنني لن أدينك لمجرد أنك طلبت مني أن أخاف.
عاد الصمت.
هذه المرة، لم تحاول رها ملأه. تركته قائمًا بينهما، كما تترك مساحة لشخص لا تعرف إن كان يستعد للكلام أم يتهيأ للرحيل.
وحين تكلم بحر أخيرًا، لم يكن صوته أكثر دفئًا، بل أكثر حذرًا.
_إذًا أخبريني، يا دكتورة رها... هل تستطيعين الاستماع إلى مجرم من دون أن تنسي أنه ربما آذى شخصًا آخر؟
لم تجب رها فورًا. كان السؤال أثقل من أن يُقابل بجملة جاهزة، وأخطر من أن تتعامل معه بوصفه تمرينًا لغويًا آخر من تمارينه.
_أستطيع أن أستمع إليك من دون أن أنسى احتمال وجود شخص تضرر بسببك.
_وهل تستطيعين الاستمرار في الاستماع بعد أن تعرفي ما فعلته؟
_هذا يعتمد على ما فعلته، وعلى ما إذا كنت تريد الحديث بصدق أم تريد استخدام اعترافك وسيلة للسيطرة على الحديث.
_تعودين دائمًا إلى الصدق.
_لأنه الشيء الوحيد الذي لا أستطيع أن أطلبه منك بالقوة.
تنفس بحر ببطء، ثم قال:
_وماذا لو لم يكن لديّ ما أقوله سوى أشياء ستجعلكِ تكرهينني؟
_حينها ستقرر أنت إن كنت تريد قولها، وسأقرر أنا كيف أتعامل معها. لست مضطرًا إلى الاعتراف لي بشيء، لكن لا تطلب مني أن أبرر شيئًا لم أعرفه بعد.
_أنتِ حريصة جدًا على حدودكِ.
_ينبغي أن أكون كذلك.
_حتى مع شخص يتحدث إليكِ في الثالثة والنصف فجرًا، ويخبركِ بأنه مجرم؟
_خصوصًا معه.
خرجت من بحر ضحكة خافتة، لكنها لم تحمل السخرية نفسها التي اعتادت سماعها منه.
_كنت أظن أن أصحاب المهن التي تتعامل مع البشر يحاولون دائمًا إقناعهم بأنهم أفضل مما يعتقدون.
_أنا لا أعمل على إقناع الناس بأنهم جيدون. أساعدهم على فهم أنفسهم، وأحيانًا يكون ما يكتشفونه مؤلمًا. لكن الفهم لا يعني أن يصبح كل شيء مقبولًا.
_إذًا، أنتِ لا تؤمنين بأن الإنسان يستحق فرصة ثانية دائمًا؟
_أؤمن بأن الفرص لا تمحو النتائج. قد يستحق الإنسان فرصة أخرى، لكن هذا لا يعني أن من آذاهم ملزمون بمنحه إياها.
لم يجب. شعرت رها بأن السؤال الذي بدأ به المكالمة لم يكن سوى ستار لشيء آخر. لم تعرف إن كان يريد اختبار خوفها، أو التأكد من أنها لن تتعامل معه بوصفه وحشًا بمجرد أن يضع هذه الكلمة أمامها. وربما كان يريد الاثنين معًا.
_لماذا اتصلت بي الليلة، يا بحر؟
_اتصلت لأنني أردت أن أسمع إجابتك.
_كان بإمكانك أن تسأل أي شخص.
_لم أكن أريد إجابة أي شخص.
لم تسمح رها للجملة بأن تستقر في داخلها أكثر مما ينبغي.
_هذا لا يجعلني مسؤولة عن قراراتك، ولا يجعل ما بيننا أكبر مما هو عليه.
_لم أقل إنه كذلك.
_لكنّك تتصرف أحيانًا كما لو أنك تريد مني أن أثبت شيئًا لك.
_ألا تفعلين ذلك الآن؟
توقفت رها، ثم أدركت أنه أعاد إليها سؤالها بطريقة جعلتها هي من تدافع عن موقفها.
_ربما. لكنني لا أريد أن أحوّل كل مكالمة بيننا إلى اختبار. إذا كنت تريد الحديث، فتحدث. وإذا كنت تريد أن تراقب ردود أفعالي، فلن أستطيع أن أكون الشخص الذي تبحث عنه.
_ومن قال إنني أبحث عن شخص بعينه؟
_لا أحد. وأنا لا أدّعي معرفة ما يدور في رأسك.
_أخيرًا، جملة صادقة.
_كل ما قلته لك كان صادقًا.
_حتى حين تحدثتِ عن ذلك الشخص الذي لم تفهميه؟
تبدلت ملامحها. عاد الألم القديم إلى مكانه، كأنه لم يكن بعيدًا قط. للحظة، أرادت أن تشرح له أن بعض الأشياء لا تُفهم في وقتها، وأن الإنسان قد يكتشف متأخرًا أن قربه من أحدهم لم يكن كافيًا لإنقاذه من وحدته. لكنها لم تفعل.
_قلت لك ما استطعت قوله.
_ولم تقولي كل شيء.
_ولست ملزمة بذلك.
_صحيح.
جاءت موافقته هادئة على نحو أربكها. لم يحاول انتزاع المزيد، ولم يضغط عليها بسؤال آخر. ومع ذلك، لم تشعر بالارتياح؛ فقد بدا لها أنه تراجع بإرادته، لا لأنه أدرك خطأه.
نظرت إلى الساعة، ثم إلى مؤشر المكالمة الذي ظل يتحرك أمامها.
_أعتقد أننا وصلنا إلى نهاية حديثنا الليلة.
_هل لأنني أخبرتك أنني مجرم؟
_لأننا بدأنا نكرر الأسئلة نفسها، ولأنني لا أريد أن يتحول الاستماع إلى لعبة لا يفوز فيها أحد.
_ومن قال إنني أردت الفوز؟
_أنت من يقرر ذلك، يا بحر.
ساد صمت قصير، ثم قال:
_ليلة هادئة، يا دكتورة.
_أتمنى أن تجد بعض الهدوء أنت أيضًا.
_لا تتمني أشياء لا تعرفين إن كانت ممكنة.
_ولماذا أفترض أنها مستحيلة؟
لم يجب. انتهت المكالمة بعد لحظات، من دون وداع آخر.
بقيت رها تنظر إلى الشاشة. لم تكتب في سجلها أنه مجرم، ولم تسجل اعترافًا لم يتضمن جريمة محددة أو واقعة يمكن التحقق منها. كتبت اسمه فقط، ثم أضافت ملاحظة قصيرة: يحاول اختبار رد الفعل أكثر من طلب المساعدة.
قرأت العبارة مرتين، ولم تعجبها بساطتها. كان وراء كلماته شيء لم تستطع تحديده، لكنها لم تسمح للغموض بأن يتحول إلى يقين.
أكملت البرنامج، وودعت المستمعين بصوت هادئ، ثم أغلقت الميكروفون. لم تعد إلى المنزل فورًا؛ بقيت جالسة أمام المكتب، تستمع إلى صوت المطر المتقطع خلف الزجاج.
وفي مكان لم تعرفه، كان بحر ينظر إلى هاتفه بعد انتهاء الاتصال.
لم يحصل على الخوف الذي ربما توقعه، لكنه لم يحصل على الثقة أيضًا. كانت رها قد وضعت حدًا واضحًا بين الاستماع والتبرير، وبين فهم الإنسان ومنحه البراءة.
أطفأ شاشة الهاتف، وأسند رأسه إلى الخلف.
لم تكن المشكلة أنها صدقته أو كذبته.
المشكلة أنها لم تفعل أيًّا منهما.
وكان عليه، للمرة الأولى منذ اتصاله بها، أن يقرر إن كان سيعود إلى الحديث معها من دون أن يجعل كل كلمة فخًا.
حتى نلتقي مجددًا، لا تخافوا من صمت الليل، ولا تصدّقوا أن كل ما يسكت قد انتهى. دمتم بخير، ولنا لقاءٌ في الفصل القادم🤍
الساعة 2:56 فجرًا — استوديو البرنامجلم تكن رها تحب الكلمات التي تُقال بسهولة عن الذنب. فالبعض يعتذر كي يتخلص من ثقل ضميره، والبعض يندم لأنه خسر شيئًا، لا لأنه آذى إنسانًا. وبين الاثنين مسافة لا تقيسها الكلمات، بل ما يفعله المرء حين لا يراقبه أحد.اقتربت من الميكروفون، وأخذت نفسًا هادئًا._مساء الخير... ثمة أشياء نفعلها ثم نمضي، كأن مرور الوقت قادر على محو أثرها. لكن الحقيقة أن بعض الأفعال لا تنتهي حين تنتهي لحظتها؛ تبقى تعيش في مكان ما، في ذاكرة إنسان، أو في خوفه، أو في حياة لم تعد كما كانت. لا أريد الليلة أن أطلب من أحد أن يسامح نفسه، ولا أن يجلدها. أريد فقط أن نتذكر أن الاعتراف بالخطأ ليس نهاية الحكاية، بل بداية تحمل مسؤولية ما فعلناه.أنهت الافتتاحية وبدأت استقبال الاتصالات.كانت المكالمات عادية، حتى وصلها اتصال من رجل يتحدث عن غضبه المتكرر، وعن خوفه من أن يفقد السيطرة يومًا ما._هل سبق أن آذيت أحدًا بسبب غضبك؟_لم أضرب أحدًا، لكنني قلت أشياء لا أستطيع التراجع عنها._وهل حاولت إصلاح ما أفسدته؟_حاولت، لكنه لم يعد ينظر إليّ كما كان._ربما لا تستطيع إعادة نظرته القديمة، لكنك تستطيع
الساعة 2:48 فجرًا — استوديو البرنامجكانت رها ترتب الأوراق أمامها حين رفعت عينيها نحو شاشة الاتصالات. لم يكن هناك ما يستدعي انتباهها، ومع ذلك عادت تنظر إليها بعد لحظات، كأنها تنتظر ظهور اسم تعرفه.هزّت رأسها بخفة، ثم قرّبت الميكروفون.عند الثالثة تمامًا، أضاء ضوء البث._مساء الخير لكل من لا يزال مستيقظًا في هذه الساعة... أعرف أن بعضكم لم يختر السهر، وأن بعضكم الآخر يهرب إلى الليل لأنه يجد فيه مساحة لا يجدها في النهار. أحيانًا لا نفتقد الأشخاص بقدر ما نفتقد الشعور الذي كان يتركه وجودهم فينا. وأحيانًا لا نعرف أن صوتًا ما أصبح جزءًا من ليلنا، إلا حين يمر الليل كله من دونه. لا بأس إن لم تجدوا الكلمات الليلة... يكفي أنكم هنا.أنهت كلماتها، ثم استقبلت أول اتصال._مرحبًا بك، أنا رها. كيف يمكنني مساعدتك الليلة؟_لا أعرف إن كنت أحتاج إلى مساعدة فعلًا._لا بأس. يمكننا أن نبدأ من هنا. ما الذي جعلك تتصل؟_لم أنم منذ أيام. كلما أغمضت عيني، أشعر أنني نسيت شيئًا مهمًا، فأستيقظ وأحاول تذكّره._هل يحدث ذلك في وقت معين، أم طوال الليل؟_غالبًا عندما أضع رأسي على الوسادة. أظل أراجع يومي، وأتذكر أشياء صغي
الساعة 2:47 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت قطرات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، فيما تحرك عقرب الثواني في الساعة المعلقة فوق الباب دون أن يكسر هدوء المكان. جلست رها أمام الميكروفون، وأحاطت أصابعها بكوب الشاي الدافئ، ثم رفعت عينيها إلى الضوء الأحمر الذي ينتظر إشارة البث.لم تكن الليلة مختلفة في ظاهرها، لكن سؤالًا ظل يرافقها منذ أيام: هل نعرف الأشخاص حقًا، أم نعرف فقط الأجزاء التي يسمحون لنا برؤيتها؟اقتربت من الميكروفون، وتحدثت بصوت هادئ، كأنها تخاطب شخصًا يجلس أمامها وحده._مساء الخير لكل قلبٍ وصل إلى هذه الساعة وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز ما حدث.أحيانًا نظن أن مرور الوقت يعني أننا تعافينا، ثم تأتي كلمة صغيرة، أو رائحة مألوفة، أو ذكرى لم نستدعها، فنعرف أن بعض الأشياء لم تغادرنا كما اعتقدنا.لا بأس إن وجدتم أنفسكم تعودون إلى مكان ظننتم أنكم خرجتم منه. التعافي ليس طريقًا مستقيمًا، ولا يعني أنكم ضعفاء كلما عاد إليكم وجع قديم.وإذا كان هناك شيء تتمنون لو أنكم فعلتموه بطريقة مختلفة، فتذكروا أنكم اتخذتم قراراتكم يومًا بما كنتم تعرفونه آنذاك، لا بكل ما عرفتموه بعد ذلك.لا أ
الساعة 5:12 فجرًا — الطريق إلى المنزلكانت المدينة تستيقظ ببطء، بينما عادت رها إلى منزلها بعد ليلة طويلة. بقي صوت المطر الخفيف يرافق خطواتها، وبقي في ذهنها سؤال لم تجد له سببًا واضحًا: لماذا تذكّرت ذلك المتصل تحديدًا، رغم أنها استمعت إلى أصوات كثيرة طوال الليل؟لم يكن في مكالمته ما يكفي لتفسير فضولها. لم يطلب مساعدة مباشرة، ولم يروِ حكاية حزينة، ولم يمنحها سببًا لتخشى عليه. كان مجرد رجل يُدعى بحر، وصوت لم تستطع أن تحدد ما وراءه.الساعة 5:24 فجرًا — منزل رهاوضعت حقيبتها قرب الباب، وخلعت معطفها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتحضّر كوبًا من الماء. كان التعب يثقل جفنيها، لكنها لم تكن مستعدة للنوم بعد.أضاء هاتفها باسم زينة._أنتِ في المنزل؟أجابت رها وهي تجلس إلى طرف الأريكة:_وصلت منذ دقائق._جيد. كنت سأرسل فرقة بحث إذا لم تجيبي._فرقة بحث؟ كل ما في الأمر أنني تأخرت قليلًا._رها، أنتِ تعتبرين ساعة كاملة تأخيرًا بسيطًا إذا كنتِ غارقة في التفكير، وتعتبرين ثلاث ساعات نوم كافية إذا كان لديكِ عمل. لذلك اسمحي لي أن أقلق.ابتسمت رها رغم إرهاقها._أنتِ تبالغين.__وأنتِ تقلّلين من كل شيء. هل أكلتِ؟_ليس
الساعة 2:45 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت حبات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، تتخلله تكتكة ساعة الحائط الرتيبة. في الزاوية البعيدة، انبعث ضوء أزرق خافت من شاشة صغيرة، بينما تصاعد بخار ضعيف من كوب شاي استقرّ بين يدي رها، وقد فقد حرارته منذ وقت طويل.رفعت الكوب إلى شفتيها، وارتشفت منه قليلًا، ثم أعادته إلى مكانه دون أن يتغير شيء في ملامحها.على الشاشة أمامها، كانت أرقام الساعة تتبدل ببطء. بقيت خمس عشرة دقيقة على موعد البث._أنتِ ما زلتِ هنا؟جاء صوت زينة عبر الهاتف الموضوع بجانب لوحة المفاتيح._أين سأكون؟_لا أعرف. ربما في مكان يستطيع إقناعكِ بأن النوم ليس مؤامرة كونية ضدكِ.ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي رها._أنتِ آخر شخص يحق له الحديث عن النوم. أرسلتِ لي ثلاث رسائل عند الثانية صباحًا لأنكِ لم تستطيعي الاختيار بين الشاي والقهوة._كان قرارًا مصيريًا._بالطبع._على الأقل، أنا أعترف بمشكلاتي. أما أنتِ، فتجلسين أمام شاشة منذ ساعة، وكأنكِ تنتظرين اعترافًا منها.نظرت رها إلى الشاشة، ثم إلى كوبها الفاتر._ربما أنتظر أن تنتهي هذه الليلة بسلام.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتغير صوت ز
قبل أن تقلب الصفحة، أريد منك أن تفعل شيئًا واحدًا.أغلق الباب.ليس لأن ما ينتظرك خلف هذه الكلمات يستطيع الوصول إليك، بل لأنني أريدك أن تتأكد من أنك وحدك. أريد أن يكون الصمت من حولك كاملًا، وأن تسمع دقات الساعة، وأن تنتبه إلى صوت أنفاسك وهي تعبر صدرك وتعود منه، كأنها تتأكد في كل مرة أنك ما زلت حيًّا.هل فعلت ذلك؟جيد.والآن، أخبرني... هل تثق بالأشياء التي لا تراها؟لا تتعجل الإجابة. لطالما ظن الإنسان أن الخطر يأتيه من الأماكن المظلمة، ومن الوجوه الغريبة، ومن الأيدي التي تحمل السكاكين. لكنه نادرًا ما فكّر في أن الخطر قد يختبئ خلف ابتسامة يعرفها، أو صوت يطمئنه، أو كلمة قيلت له في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى من يسمعه.نحن لا نخاف الظلام لأنه أسود، بل لأننا لا نعرف ما الذي يخفيه. وربما كانت تلك أكبر كذبة صدّقناها عن أنفسنا؛ فنحن لا نخشى المجهول بقدر ما نخشى أن نكتشف أن ما عرفناه طوال حياتنا لم يكن سوى وهمٍ متقن الصنع.أتعرف ما الذي يؤلمني حقًّا؟أن بعض القلوب لا تتحطم دفعة واحدة. إنها تتشقق بصمت، شقًّا بعد آخر، بينما يواصل أصحابها الابتسام، ويجيبون عن الأسئلة المعتادة، ويقولون إنهم بخير