Share

الفصل الخامس: اعترافٌ بلا ندم

last update publish date: 2026-11-03 23:35:31

الساعة 2:56 فجرًا — استوديو البرنامج

لم تكن رها تحب الكلمات التي تُقال بسهولة عن الذنب. فالبعض يعتذر كي يتخلص من ثقل ضميره، والبعض يندم لأنه خسر شيئًا، لا لأنه آذى إنسانًا. وبين الاثنين مسافة لا تقيسها الكلمات، بل ما يفعله المرء حين لا يراقبه أحد.

اقتربت من الميكروفون، وأخذت نفسًا هادئًا.

_مساء الخير... ثمة أشياء نفعلها ثم نمضي، كأن مرور الوقت قادر على محو أثرها. لكن الحقيقة أن بعض الأفعال لا تنتهي حين تنتهي لحظتها؛ تبقى تعيش في مكان ما، في ذاكرة إنسان، أو في خوفه، أو في حياة لم تعد كما كانت. لا أريد الليلة أن أطلب من أحد أن يسامح نفسه، ولا أن يجلدها. أريد فقط أن نتذكر أن الاعتراف بالخطأ ليس نهاية الحكاية، بل بداية تحمل مسؤولية ما فعلناه.

أنهت الافتتاحية وبدأت استقبال الاتصالات.

كانت المكالمات عادية، حتى وصلها اتصال من رجل يتحدث عن غضبه المتكرر، وعن خوفه من أن يفقد السيطرة يومًا ما.

_هل سبق أن آذيت أحدًا بسبب غضبك؟

_لم أضرب أحدًا، لكنني قلت أشياء لا أستطيع التراجع عنها.

_وهل حاولت إصلاح ما أفسدته؟

_حاولت، لكنه لم يعد ينظر إليّ كما كان.

_ربما لا تستطيع إعادة نظرته القديمة، لكنك تستطيع أن تكون أكثر وعيًا بما تفعله من الآن فصاعدًا.

شكرها الرجل، وأنهت المكالمة.

نظرت إلى الساعة. الثالثة وسبع وعشرون دقيقة.

لم تكن تنتظر اتصالًا بعينه، هكذا أقنعت نفسها. لكنها حين أضاء خط الاتصال بعد دقائق، وجدت عينيها تتجهان إليه قبل أن تمد يدها.

بحر.

تأخرتِ في الرد.

_لم أكن أعلم أنك ستتصل.

_ومع ذلك أجبتِ بسرعة.

_هل اتصلت لتناقش سرعة إجابتي؟

_لا. لديّ سؤال أفضل.

استقرت رها في مقعدها.

_تفضل.

_هل تعتقدين أن كل إنسان قادر على القتل؟

لم تتغير نبرتها، لكن يدها توقفت فوق الورقة.

_سؤال ثقيل لبداية مكالمة.

_لم أسألك إن كان ثقيلًا. سألتك إن كنتِ تؤمنين بذلك.

_أعتقد أن الإنسان قد يصل إلى لحظة ينهار فيها حكمه على الأشياء، لكن القدرة على القتل ليست عذرًا، ولا تعني أن الجميع سيفعلون ذلك.

_وماذا عن شخص لا ينهار؟ شخص يفكر بهدوء، ويعرف ما يفعله، ثم يفعله؟

_هذا يجعل الأمر أكثر خطورة، لا أكثر قابلية للفهم.

_إذًا أنتِ ترين أن القاتل يجب أن يكون غاضبًا أو فاقدًا للسيطرة؟

_لم أقل ذلك. قد يرتكب الإنسان جريمة وهو في كامل وعيه، وقد يخطط لها أيضًا. لكنني لا أستطيع أن أختصر جريمة قتل في حالة نفسية واحدة.

_جيد.

قالها بحر ببرود، كأنه كان ينتظر هذه الإجابة تحديدًا.

_لماذا تسأل؟

_لأن الناس يحبون الاعتقاد بأن القاتل يشبه الوحوش التي يرونها في الحكايات. وجه مختلف، عينان مخيفتان، وصوت يكشف شره قبل أن يتكلم.

_لكن الواقع لا يعمل بهذه الطريقة.

_بالضبط. قد يجلس القاتل إلى جوارك، يطلب قهوته، ويبتسم للنادل. قد تسمعين صوته كل ليلة، ولا يخطر ببالك أنه أنهى حياة إنسان.

شعرت رها بأن الهواء في الاستوديو صار أثقل.

_هل تتحدث عن فكرة عامة، أم عن شخص تعرفه؟

_أنتِ لا تحبين الأسئلة التي لا تملك إجابات جاهزة، أليس كذلك؟

_لا أحب أن أتعامل مع احتمال خطير وكأنه لغز للتسلية.

_وماذا لو لم يكن لغزًا؟

_إذًا قل ما تريد قوله بوضوح.

طال صمته. لم يكن صمتًا مرتبكًا؛ بدا كأنه يتعمد ترك الكلمات تتراكم قبل أن يختار أيّها سيطلق.

ثم قال:

_هل ستتغير طريقتك في الحديث معي إذا اكتشفتِ أنني ارتكبت جريمة لا يمكن إصلاحها؟

أجابت رها بحذر:

_ستتغير أسئلتي، وربما تتغير حدود الحديث بيننا. لكنني لن أتظاهر بأنني أعرف ما حدث قبل أن تخبرني.

_وماذا لو أخبرتكِ بشيء لا تستطيعين نسيانه؟

_لا أحد يستطيع أن يضمن لنفسه نسيان ما يسمعه.

_إذًا استمعي جيدًا هذه المرة، يا رها.

لم تقاطعه.

وكانت تلك أول مرة تشعر فيها أن بحر لم يتصل ليختبر إجابة، أو ليخوض معها مبارزة جديدة بالكلمات.

لقد اتصل ليعترف بشيء.

لم يتغير صوت بحر حين تابع حديثه. لم يرتجف، ولم يحاول أن يهيئها لما سيقوله. ألقى كلماته كما لو أنه يذكر تفصيلًا عابرًا من يوم مضى.

_أنا قتلته، يا رها.

توقفت يدها تمامًا.

لم يكن في الاستوديو صوت سوى أزيز الأجهزة الخافت.

_ماذا قلت؟

_سمعتِني.

_أريد أن أتأكد أنني فهمتك جيدًا. هل تقول إنك قتلت إنسانًا؟

_نعم.

ابتلعت رها ريقها، وحاولت أن تحافظ على ثبات صوتها.

_هل تتحدث عن جريمة حقيقية؟

_هل يبدو أنني أتحدث عن رواية؟

_لا أستطيع التعامل مع كلام كهذا بوصفه استفزازًا. هل أنت جاد؟

_لم أكن يومًا أكثر جدية.

أبعدت رها القلم عن يدها. كانت تحاول ترتيب أفكارها، لكن اعترافه جاء مباشرًا إلى حد لم يترك لها مساحة للاختباء خلف التأويل.

_من كان ذلك الرجل؟

_رجلًا كان يتنفس قبل أن أقابله.

_لا تسخر من الأمر.

_أنا لا أسخر. أنتِ طلبتِ الوضوح، وأنا أمنحكِ إياه.

_كيف مات؟

_كان مستلقيًا على الأرض. عيناه مفتوحتان، ويده تحاول الوصول إلى شيء لم يعد قادرًا على بلوغه. في البداية كان يقاوم، ثم صار يحرك أصابعه ببطء... وبعدها توقف.

شعرت رها بانقباض في صدرها. لم تكن التفاصيل كثيرة، لكنها كانت كافية لتجعل المشهد حاضرًا في خيالها رغمًا عنها.

_لماذا تخبرني بهذا؟

_لأنني أردت أن تعرفي أنني لا أتحدث عن القتل كفكرة مجردة.

_هل قتلته عمدًا؟

_كنت أعرف ما سيحدث حين بدأت.

_هذا لا يجيب عن سؤالي.

_بل يجيب عنه أكثر مما تتصورين.

أغمضت رها عينيها لحظة. لم تعد تسمع في صوته الرجل الذي يتحدث عن الصمت والذكريات فحسب. أمامها الآن شخص يصف موت إنسان دون أن يبدو عليه أدنى اضطراب.

_هل تشعر بالندم؟

_هل سيعيد الندم إليه حياته؟

_لم أسألك إن كان سيعيده. سألتك إن كنت نادمًا.

_لا.

خرجت الكلمة باردة، قصيرة، خالية من أي محاولة لتلطيف معناها.

_ألا يزعجك أنك أنهيت حياة إنسان؟

_أزعجني أشياء كثيرة في حياتي. هذا ليس واحدًا منها.

_هل تفهم ما تقوله؟ هناك إنسان مات، وهناك حياة انتهت بسبب قرار اتخذته أنت.

_أفهم ذلك جيدًا. لهذا لم أقل إنني أخطأت في الحساب.

_الحساب؟

_أنتِ من سألتني عن التفاصيل.

_أنا لم أطلب منك أن تتحدث عن موت إنسان وكأنه عملية حسابية.

_لكن الموت لا يتغير لأننا اخترنا له كلمات أكثر لطفًا.

تراجعت رها قليلًا في مقعدها. كان في منطقه شيء مخيف؛ ليس لأنه يصرخ أو يهدد، بل لأنه يتحدث عن القتل كما لو أنه تجاوز منذ زمن طويل الحاجز الذي يمنع الآخرين من الاقتراب منه.

_هل يعرف أحد بما فعلت؟

_ربما.

_هل ما زلت تشكل خطرًا على أحد؟

_كل إنسان يستطيع أن يكون خطرًا، يا رها. بعضهم يحتاج إلى سكين، وبعضهم لا يحتاج إلا إلى كلمة.

_لا تحاول تحويل السؤال إلى فلسفة. أسألك عن خطر حقيقي.

_وماذا ستفعلين إن أجبتك؟

_إذا كان هناك شخص مهدد الآن، فلن أتعامل مع الأمر باعتباره سرًا بين متصل ومستمعته.

ضحك بحر بهدوء.

_كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.

_إذًا لماذا أخبرتني؟

_لأنني أردت أن أعرف إن كان صوتك سيتغير حين تسمعين كلمة قاتل.

نظرت رها إلى شاشة الاتصال. بقي اسمه ظاهرًا أمامها، لكن حضوره لم يعد مألوفًا كما كان.

_وهل تغير؟

_أنتِ أخبريني.

_لا أستطيع أن أعدك بأن شيئًا لم يتغير. لقد أخبرتني أنك قتلت إنسانًا، وهذا ليس أمرًا يمكن تجاوزه بمجرد انتهاء المكالمة.

_لكنكِ لم تغلقي الخط.

_لأنني لم أنتهِ من الحديث معك.

صمت بحر قليلًا، ثم قال:

_إذًا اسأليني سؤالًا أخيرًا.

رفعت رها رأسها، وثبّتت نظرها على الشاشة.

_هل قتلت ذلك الرجل لأنك أردت موته، أم لأنك لم تكن ترى أمامك خيارًا آخر؟

لم يجب.

وللمرة الأولى منذ بداية المكالمة، بدا أن بحر هو من وجد نفسه أمام سؤال لا يريد الإجابة عنه.

ثم قال بصوت منخفض:

_أنتِ تفترضين أن هناك فرقًا بين الأمرين.

_هناك فرق يا بحر. أن تختار قتل إنسان، وأن تجد نفسك أمام خيار لا ترى غيره... لا يجعلان النتيجة مختلفة، لكنهما يكشفان الكثير عن الشخص الذي اتخذ القرار.

_وهل تظنين أن معرفة السبب ستغير حكمك؟

_لا أعرف. لكنني لن أختلق لك سببًا يخفف ما فعلته.

_لم أطلب منك ذلك.

_إذًا لماذا تتحدث معي؟ هل تريد أن تخبر أحدًا بما فعلت، أم تريد أن ترى إن كان هناك من يستطيع سماعك دون أن يخاف؟

_ربما أردت أن أعرف إن كان بإمكانك الاستمرار في النظر إليّ بالطريقة نفسها بعد أن تعرفي.

_أنا لا أراك أصلًا، يا بحر. كل ما أعرفه هو صوتك وكلماتك. ولا أريد أن أخلط بين معرفتي بصوتك ومعرفتي بك.

_لكنّك بدأتِ تنتظرين هذا الصوت.

لم تجبه فورًا. كان يعرف كيف يلتقط ما تحاول إخفاءه، وكيف يحوّل اعترافًا مرعبًا إلى سؤال شخصي يضعها في موضع الدفاع.

_لا تستخدم ما بيننا لتتهرب من مسؤولية ما تقوله.

_ما بيننا؟

_أقصد هذه المكالمات. لا تحرّف كلامي.

_حسنًا، دكتورة رها. لن أحرّفه.

ثم سألها بنبرة أكثر جدية:

_لو أخبرتك أنني قد أفعلها مرة أخرى، ماذا ستقولين؟

_سأسألك إن كان هناك شخص تنوي إيذاءه.

_وماذا لو كان هناك؟

_سأتعامل مع الأمر بجدية، ولن أعدك بالحفاظ على سر قد يعرّض حياة إنسان للخطر.

_إذًا أنتِ مستعدة لأن تخسري هذا الحديث؟

_أنا لست مستعدة لأن أكون شريكة في أذى أحد.

_حتى لو كان ذلك سيجعلني أختفي؟

_اختفاؤك ليس أهم من حياة إنسان آخر.

ساد الصمت. شعرت رها أن الجملة أصابته في موضع ما، لكنها لم تعرف إن كان قد تأثر بها أم أنه يعيد ترتيب أسئلته.

_أنتِ لا تعرفين شيئًا عني.

_صحيح.

_ولا تعرفين إن كان الرجل الذي قتلته يستحق ما حدث له.

_لا أحد يستحق أن يُقتل لمجرد أنك قررت ذلك.

_إجابة مثالية.

_ليست مثالية. إنها واضحة.

_الوضوح ترف لا يملكه الجميع.

_والغموض ليس عذرًا لكل شيء.

تنفّس بحر بعمق، ثم قال:

_كان من السهل أن أتوقع منكِ الخوف. أو أن تنهَي المكالمة. لكنكِ ما زلتِ تحاولين فهم ما أقوله.

_لا تخلط بين فهم كلامك وقبوله.

_لن أفعل.

_وأريدك أن تفهم شيئًا أيضًا. إذا كنت تستخدم هذا البرنامج لتختبر قدرتك على إخافة الناس، أو لتتحدث عن جريمة حقيقية دون أن تتحمل تبعاتها، فلا أستطيع أن أعدك بأنني سأستمر في استقبال مكالماتك بالطريقة نفسها.

_هل تريدين مني ألّا أتصل مجددًا؟

ترددت رها. لم تكن تريد أن تجيب من مكان فضولها، ولا من ذلك الفراغ الذي تركه غيابه في الليلة السابقة.

_أريدك أن تتوقف عن التعامل مع حياة الآخرين وكأنها مادة لاختبار ردود أفعالهم.

لم تجيبي عن سؤالي.

_لأنني لا أملك جوابًا الآن.

ضحك بحر ضحكة خافتة، ثم قال:

_على الأقل لم تكذبي هذه المرة.

_ولماذا يجب أن أكذب؟

_لأن بعض الحقائق لا تجعل الحياة أسهل.

_لكنها تجعلنا نعرف مع ماذا نتعامل.

لم يرد. وبعد لحظات، قال:

_تصبحين على خير، يا رها.

_ليلتك هادئة.

انتهت المكالمة.

ظلّت رها تنظر إلى الشاشة، ولم تكتب شيئًا في سجلها لعدة ثوانٍ. ثم دوّنت ملاحظة مقتضبة عن اعترافه بقتل رجل، وعن غياب الندم في حديثه، وعن إجاباته المراوغة حين سألته إن كان يشكل خطرًا على أحد.

لم تكن تعرف إن كان اعترافه حقيقيًا بالكامل، لكنها لم تستطع التعامل معه ككذبة مريحة.

أما بحر، فكان في مكان آخر، جالسًا أمام شاشة مضاءة. لم يبدُ عليه الندم، ولم يحاول إقناع نفسه بأنه رجل صالح. اكتفى بالنظر إلى انعكاس وجهه الداكن على الزجاج.

كان قد أخبرها أنه قاتل.

ولم يخبرها بعد كم وجهًا آخر يخفيه خلف ذلك الصوت.

كان هذا بعضًا من الحكاية، وللأسرار بقية... دمتم بخير، وإلى لقاءٍ قريب بين السطور🤍

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت    الفصل الخامس: اعترافٌ بلا ندم

    الساعة 2:56 فجرًا — استوديو البرنامجلم تكن رها تحب الكلمات التي تُقال بسهولة عن الذنب. فالبعض يعتذر كي يتخلص من ثقل ضميره، والبعض يندم لأنه خسر شيئًا، لا لأنه آذى إنسانًا. وبين الاثنين مسافة لا تقيسها الكلمات، بل ما يفعله المرء حين لا يراقبه أحد.اقتربت من الميكروفون، وأخذت نفسًا هادئًا._مساء الخير... ثمة أشياء نفعلها ثم نمضي، كأن مرور الوقت قادر على محو أثرها. لكن الحقيقة أن بعض الأفعال لا تنتهي حين تنتهي لحظتها؛ تبقى تعيش في مكان ما، في ذاكرة إنسان، أو في خوفه، أو في حياة لم تعد كما كانت. لا أريد الليلة أن أطلب من أحد أن يسامح نفسه، ولا أن يجلدها. أريد فقط أن نتذكر أن الاعتراف بالخطأ ليس نهاية الحكاية، بل بداية تحمل مسؤولية ما فعلناه.أنهت الافتتاحية وبدأت استقبال الاتصالات.كانت المكالمات عادية، حتى وصلها اتصال من رجل يتحدث عن غضبه المتكرر، وعن خوفه من أن يفقد السيطرة يومًا ما._هل سبق أن آذيت أحدًا بسبب غضبك؟_لم أضرب أحدًا، لكنني قلت أشياء لا أستطيع التراجع عنها._وهل حاولت إصلاح ما أفسدته؟_حاولت، لكنه لم يعد ينظر إليّ كما كان._ربما لا تستطيع إعادة نظرته القديمة، لكنك تستطيع

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الرابع : غيابٌ له صوت

    الساعة 2:48 فجرًا — استوديو البرنامجكانت رها ترتب الأوراق أمامها حين رفعت عينيها نحو شاشة الاتصالات. لم يكن هناك ما يستدعي انتباهها، ومع ذلك عادت تنظر إليها بعد لحظات، كأنها تنتظر ظهور اسم تعرفه.هزّت رأسها بخفة، ثم قرّبت الميكروفون.عند الثالثة تمامًا، أضاء ضوء البث._مساء الخير لكل من لا يزال مستيقظًا في هذه الساعة... أعرف أن بعضكم لم يختر السهر، وأن بعضكم الآخر يهرب إلى الليل لأنه يجد فيه مساحة لا يجدها في النهار. أحيانًا لا نفتقد الأشخاص بقدر ما نفتقد الشعور الذي كان يتركه وجودهم فينا. وأحيانًا لا نعرف أن صوتًا ما أصبح جزءًا من ليلنا، إلا حين يمر الليل كله من دونه. لا بأس إن لم تجدوا الكلمات الليلة... يكفي أنكم هنا.أنهت كلماتها، ثم استقبلت أول اتصال._مرحبًا بك، أنا رها. كيف يمكنني مساعدتك الليلة؟_لا أعرف إن كنت أحتاج إلى مساعدة فعلًا._لا بأس. يمكننا أن نبدأ من هنا. ما الذي جعلك تتصل؟_لم أنم منذ أيام. كلما أغمضت عيني، أشعر أنني نسيت شيئًا مهمًا، فأستيقظ وأحاول تذكّره._هل يحدث ذلك في وقت معين، أم طوال الليل؟_غالبًا عندما أضع رأسي على الوسادة. أظل أراجع يومي، وأتذكر أشياء صغي

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الثالث: الوجه الآخر للصوت

    الساعة 2:47 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت قطرات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، فيما تحرك عقرب الثواني في الساعة المعلقة فوق الباب دون أن يكسر هدوء المكان. جلست رها أمام الميكروفون، وأحاطت أصابعها بكوب الشاي الدافئ، ثم رفعت عينيها إلى الضوء الأحمر الذي ينتظر إشارة البث.لم تكن الليلة مختلفة في ظاهرها، لكن سؤالًا ظل يرافقها منذ أيام: هل نعرف الأشخاص حقًا، أم نعرف فقط الأجزاء التي يسمحون لنا برؤيتها؟اقتربت من الميكروفون، وتحدثت بصوت هادئ، كأنها تخاطب شخصًا يجلس أمامها وحده._مساء الخير لكل قلبٍ وصل إلى هذه الساعة وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز ما حدث.أحيانًا نظن أن مرور الوقت يعني أننا تعافينا، ثم تأتي كلمة صغيرة، أو رائحة مألوفة، أو ذكرى لم نستدعها، فنعرف أن بعض الأشياء لم تغادرنا كما اعتقدنا.لا بأس إن وجدتم أنفسكم تعودون إلى مكان ظننتم أنكم خرجتم منه. التعافي ليس طريقًا مستقيمًا، ولا يعني أنكم ضعفاء كلما عاد إليكم وجع قديم.وإذا كان هناك شيء تتمنون لو أنكم فعلتموه بطريقة مختلفة، فتذكروا أنكم اتخذتم قراراتكم يومًا بما كنتم تعرفونه آنذاك، لا بكل ما عرفتموه بعد ذلك.لا أ

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الثاني: ما لا تقوله الأصوات

    الساعة 5:12 فجرًا — الطريق إلى المنزلكانت المدينة تستيقظ ببطء، بينما عادت رها إلى منزلها بعد ليلة طويلة. بقي صوت المطر الخفيف يرافق خطواتها، وبقي في ذهنها سؤال لم تجد له سببًا واضحًا: لماذا تذكّرت ذلك المتصل تحديدًا، رغم أنها استمعت إلى أصوات كثيرة طوال الليل؟لم يكن في مكالمته ما يكفي لتفسير فضولها. لم يطلب مساعدة مباشرة، ولم يروِ حكاية حزينة، ولم يمنحها سببًا لتخشى عليه. كان مجرد رجل يُدعى بحر، وصوت لم تستطع أن تحدد ما وراءه.الساعة 5:24 فجرًا — منزل رهاوضعت حقيبتها قرب الباب، وخلعت معطفها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتحضّر كوبًا من الماء. كان التعب يثقل جفنيها، لكنها لم تكن مستعدة للنوم بعد.أضاء هاتفها باسم زينة._أنتِ في المنزل؟أجابت رها وهي تجلس إلى طرف الأريكة:_وصلت منذ دقائق._جيد. كنت سأرسل فرقة بحث إذا لم تجيبي._فرقة بحث؟ كل ما في الأمر أنني تأخرت قليلًا._رها، أنتِ تعتبرين ساعة كاملة تأخيرًا بسيطًا إذا كنتِ غارقة في التفكير، وتعتبرين ثلاث ساعات نوم كافية إذا كان لديكِ عمل. لذلك اسمحي لي أن أقلق.ابتسمت رها رغم إرهاقها._أنتِ تبالغين.__وأنتِ تقلّلين من كل شيء. هل أكلتِ؟_ليس

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الأول: قبل أن يبدأ الليل بالكلام

    الساعة 2:45 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت حبات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، تتخلله تكتكة ساعة الحائط الرتيبة. في الزاوية البعيدة، انبعث ضوء أزرق خافت من شاشة صغيرة، بينما تصاعد بخار ضعيف من كوب شاي استقرّ بين يدي رها، وقد فقد حرارته منذ وقت طويل.رفعت الكوب إلى شفتيها، وارتشفت منه قليلًا، ثم أعادته إلى مكانه دون أن يتغير شيء في ملامحها.على الشاشة أمامها، كانت أرقام الساعة تتبدل ببطء. بقيت خمس عشرة دقيقة على موعد البث._أنتِ ما زلتِ هنا؟جاء صوت زينة عبر الهاتف الموضوع بجانب لوحة المفاتيح._أين سأكون؟_لا أعرف. ربما في مكان يستطيع إقناعكِ بأن النوم ليس مؤامرة كونية ضدكِ.ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي رها._أنتِ آخر شخص يحق له الحديث عن النوم. أرسلتِ لي ثلاث رسائل عند الثانية صباحًا لأنكِ لم تستطيعي الاختيار بين الشاي والقهوة._كان قرارًا مصيريًا._بالطبع._على الأقل، أنا أعترف بمشكلاتي. أما أنتِ، فتجلسين أمام شاشة منذ ساعة، وكأنكِ تنتظرين اعترافًا منها.نظرت رها إلى الشاشة، ثم إلى كوبها الفاتر._ربما أنتظر أن تنتهي هذه الليلة بسلام.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتغير صوت ز

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   إهداءٌ إلى القارئ الذي لا يعرف متى يجب أن يخاف

    قبل أن تقلب الصفحة، أريد منك أن تفعل شيئًا واحدًا.أغلق الباب.ليس لأن ما ينتظرك خلف هذه الكلمات يستطيع الوصول إليك، بل لأنني أريدك أن تتأكد من أنك وحدك. أريد أن يكون الصمت من حولك كاملًا، وأن تسمع دقات الساعة، وأن تنتبه إلى صوت أنفاسك وهي تعبر صدرك وتعود منه، كأنها تتأكد في كل مرة أنك ما زلت حيًّا.هل فعلت ذلك؟جيد.والآن، أخبرني... هل تثق بالأشياء التي لا تراها؟لا تتعجل الإجابة. لطالما ظن الإنسان أن الخطر يأتيه من الأماكن المظلمة، ومن الوجوه الغريبة، ومن الأيدي التي تحمل السكاكين. لكنه نادرًا ما فكّر في أن الخطر قد يختبئ خلف ابتسامة يعرفها، أو صوت يطمئنه، أو كلمة قيلت له في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى من يسمعه.نحن لا نخاف الظلام لأنه أسود، بل لأننا لا نعرف ما الذي يخفيه. وربما كانت تلك أكبر كذبة صدّقناها عن أنفسنا؛ فنحن لا نخشى المجهول بقدر ما نخشى أن نكتشف أن ما عرفناه طوال حياتنا لم يكن سوى وهمٍ متقن الصنع.أتعرف ما الذي يؤلمني حقًّا؟أن بعض القلوب لا تتحطم دفعة واحدة. إنها تتشقق بصمت، شقًّا بعد آخر، بينما يواصل أصحابها الابتسام، ويجيبون عن الأسئلة المعتادة، ويقولون إنهم بخير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status