LOGINالساعة 2:48 فجرًا — استوديو البرنامج
كانت رها ترتب الأوراق أمامها حين رفعت عينيها نحو شاشة الاتصالات. لم يكن هناك ما يستدعي انتباهها، ومع ذلك عادت تنظر إليها بعد لحظات، كأنها تنتظر ظهور اسم تعرفه.
هزّت رأسها بخفة، ثم قرّبت الميكروفون.
عند الثالثة تمامًا، أضاء ضوء البث.
_مساء الخير لكل من لا يزال مستيقظًا في هذه الساعة... أعرف أن بعضكم لم يختر السهر، وأن بعضكم الآخر يهرب إلى الليل لأنه يجد فيه مساحة لا يجدها في النهار. أحيانًا لا نفتقد الأشخاص بقدر ما نفتقد الشعور الذي كان يتركه وجودهم فينا. وأحيانًا لا نعرف أن صوتًا ما أصبح جزءًا من ليلنا، إلا حين يمر الليل كله من دونه. لا بأس إن لم تجدوا الكلمات الليلة... يكفي أنكم هنا.
أنهت كلماتها، ثم استقبلت أول اتصال.
_مرحبًا بك، أنا رها. كيف يمكنني مساعدتك الليلة؟
_لا أعرف إن كنت أحتاج إلى مساعدة فعلًا.
_لا بأس. يمكننا أن نبدأ من هنا. ما الذي جعلك تتصل؟
_لم أنم منذ أيام. كلما أغمضت عيني، أشعر أنني نسيت شيئًا مهمًا، فأستيقظ وأحاول تذكّره.
_هل يحدث ذلك في وقت معين، أم طوال الليل؟
_غالبًا عندما أضع رأسي على الوسادة. أظل أراجع يومي، وأتذكر أشياء صغيرة حدثت قبل سنوات، وأفكر في أشياء كان ينبغي أن أقولها ولم أقلها.
ابتسمت رها ابتسامة خفيفة، وخفّضت صوتها قليلًا.
_يبدو أن الليل يمنح أفكارك وقتًا أطول مما تستحق.
_ربما... لكنني لا أستطيع إيقافها.
_هل تحاول حلّ كل ما تتذكره في اللحظة نفسها؟
_نعم. أشعر أنني إذا لم أفعل، فسأظل عالقًا فيها.
_وماذا لو لم يكن مطلوبًا منك أن تحلّ كل شيء الليلة؟ بعض الذكريات لا تحتاج إلى محاكمة جديدة كلما عادت. أحيانًا يكفي أن نعترف بأنها حدثت، وأننا لم نعد الأشخاص أنفسهم الذين كناهم وقتها.
صمت المتصل قليلًا.
_لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
_جرّب الليلة ألّا تبحث عن إجابة لكل فكرة. عندما تأتيك ذكرى، قل لنفسك إنك تستطيع العودة إليها غدًا إن أردت. لا تجعل الليل موعدًا إجباريًا لمحاسبة نفسك.
_سأحاول. شكرًا لكِ.
_أتمنى لك ليلة أخف، وأرجو أن تمنح نفسك بعض الرفق.
انتهى الاتصال، وعادت رها إلى شاشة المتصلين.
استقبلت مكالمة أخرى، ثم ثالثة. استمعت إلى شكوى شاب يشعر بالوحدة، وإلى امرأة تتحدث عن خلاف عائلي لم تجد من تصارحه به. كانت حاضرة مع كل واحد منهما، تسأل وتجيب وتمنح الحديث ما يحتاج إليه من هدوء.
لكن عينيها كانتا تعودان بين حين وآخر إلى الشاشة.
الثالثة والنصف.
لم يظهر الاسم.
الرابعة إلا قليلًا.
لم يظهر أيضًا.
قالت لنفسها إن الأمر طبيعي. بحر لم يعدها بالاتصال، ولم يكن بينهما اتفاق على موعد. ثم إنها ليست مسؤولة عن غيابه، ولا يحق لها أن تنتظر من شخص مجهول أن يجعل ليلها مختلفًا.
ومع ذلك، حين انتهى البرنامج وأغلقت الميكروفون، بقيت جالسة في مكانها.
دخلت زينة إلى الاستوديو بعد دقائق، تحمل كوبًا من القهوة.
_ما بكِ؟ انتهى البث منذ قليل، وأنتِ ما زلتِ تحدقين في الشاشة.
_لا شيء. كنت أراجع الاتصالات.
_منذ متى تحتاج مراجعة الاتصالات إلى كل هذا الوقت؟
رفعت رها عينيها إليها.
_منذ أصبحتِ تراقبينني بدلًا من أن تشربي قهوتك.
ضحكت زينة وجلست قبالتها.
_حسنًا، لن أسأل. لكنك تبدين شاردة.
_مجرد ليلة طويلة.
لم تجادلها زينة. وضعت القهوة أمامها، ثم غادرت بعد حديث قصير.
بقيت رها وحدها. أغلقت سجل الاتصالات، وأطفأت الشاشة، لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير في سؤال واحد:
هل كان غيابه مجرد ليلة عادية بالنسبة إليه، أم أنها وحدها التي لاحظت أن شيئًا ما لم يحدث؟
لم تجد إجابة.
ولم يكن لديها ما تفعله سوى انتظار ليلة أخرى.
الليلة التالية — الساعة 3:17 فجرًا، استوديو البرنامج
كانت رها قد بدأت تتقبل فكرة أن بحر لن يتصل، حين أضاء خط الاتصال فجأة.
توقفت عيناها عند الاسم.
_بحر.
ترددت لحظة قصيرة قبل أن تضغط زر الاستقبال.
_مرحباً
_مرحبًا.
_هذه المرة لم تسألي من المتصل.
_بعض الأصوات لا تحتاج إلى تعريف.
_إذًا تذكرتِ صوتي.
_أتذكر أصوات جميع المتصلين.
_لكنّك لم تقولي ذلك بهذه الطريقة في المرة السابقة.
أخفت رها ابتسامة صغيرة، ثم عادت إلى نبرتها الهادئة.
_مرحبًا بعودتك، بحر. كيف حالك؟
_هل كنتِ تنتظرين اتصالي؟
_كنت أعمل كالمعتاد.
_لم أسألكِ عن عملك.
_وأنا لم أجبك عن سؤالك.
ضحك بحر بخفوت.
_يبدو أن غيابي لم يعلّمكِ الصراحة.
_بل علّمني أن بعض الأشخاص يظنون أن العالم يتوقف حين يغيبون.
_وهل توقف عالمكِ؟
_لا. لكنه كان هادئًا أكثر من اللازم.
ساد صمت قصير، ثم قال:
_إجابة مثيرة للاهتمام.
_لا تجعل منها اعترافًا أكبر مما تحتمل.
_لن أفعل. ليس بعد.
لم تعلّق رها. كان في عودته شيء مختلف؛ لم يبدأ بسؤال فلسفي كما اعتاد، ولم يحاول جرّها إلى الحديث عن ماضيها. بدا كأنه جاء وهو يحمل شيئًا يريد قوله، لكنه ينتظر اللحظة المناسبة.
_أخبريني يا رها، هل تعتقدين أن الإنسان يتغير فعلًا؟
_نعم، لكن التغيير لا يحدث لمجرد أن الإنسان يرغب فيه.
_وماذا يحتاج؟
_أن يواجه نفسه، وأن يتحمل نتائج ما فعله، لا أن يكتفي بتغيير الطريقة التي يروي بها قصته.
_وماذا لو لم يشعر بالندم؟
_عدم الشعور بالندم لا يجعل الفعل أقل سوءًا.
_أنتِ تحبين إصدار الأحكام بسرعة.
_أنا أفرّق بين الحكم على الفعل والحكم على صاحبه. لا أحتاج إلى معرفة كل تفاصيل حياة إنسان لأعرف أن إيذاء الآخرين أمر لا يمكن تبريره بسهولة.
_وماذا لو كان إيذاء الآخرين أمرًا اعتاده؟
_عندها تصبح المشكلة أخطر، لا أبسط.
تنفس بحر ببطء.
_كنت أعرف رجلًا اعتاد أن يختفي الناس من حوله.
لم تقاطعه رها.
_لم يكن يصرخ، ولم يكن يهدد كثيرًا. كان هادئًا بصورة تثير الاشمئزاز. يتحدث معك وكأنكما صديقان، ثم يقرر أن حياتك لم تعد تعنيه.
_هل تتحدث عن شخص تعرفه؟
_قلت إنني كنت أعرفه.
_وماذا حدث له؟
_لم يعد موجودًا.
_هل مات؟
_ربما.
لم تكن إجابته عابرة كما بدت. شعرت رها ببرودة تسري في أطرافها، لكنها أبقت صوتها ثابتًا.
_هل كان اختفاؤه مرتبطًا بك؟
_أنتِ تطرحين أسئلة خطيرة الليلة.
_وأنت تفتح أبوابًا لا يمكن أن تتوقع مني تجاهلها.
_هل تريدين أن تعرفي إن كنت قد قتلته؟
لم تجب فورًا.
_أريد أن أعرف لماذا تخبرني بهذا.
_لأنني أستطيع.
_هذا ليس سببًا.
_بل هو السبب الوحيد الذي أحتاج إليه أحيانًا.
أغمضت رها عينيها لحظة، ثم فتحتهما.
_بحر، إذا كنت تتحدث عن جريمة حقيقية، فلا تحوّل الأمر إلى لعبة. هناك فرق بين أن تتحدث عن شيء يؤلمك، وأن تستخدمه لإخافة شخص يستمع إليك.
_ومن قال إنني أحاول إخافتك؟
_أنا لا أعرف. لكنني أسمع ما تقوله، وأحاول أن أفهم ما الذي تريد الوصول إليه.
_ربما أريد أن تعرفي أنني لست رجلًا طيبًا كما قد تتخيلين.
_لم أقل يومًا إنك طيب.
_لكنّك ما زلتِ تستمعين.
_الاستماع ليس تزكية، يا بحر.
ضحك بصوت منخفض.
_أعرف. ولهذا عدت.
توقفت رها عند عبارته، لكنها لم تسأله عمّا يقصده. كان عليها أن تترك له مسؤولية اختيار ما يكشفه، وألا تسمح لفضولها بأن يقود الحديث إلى مكان لا تستطيع التعامل معه.
_هل هناك شيء آخر تريد قوله؟
_نعم.
تغير صوته قليلًا، واختفت منه نبرة المزاح.
_لقد ارتكبت أشياء لا أستطيع التراجع عنها. وبعضها، لو عاد بي الزمن، لا أعرف إن كنت سأختار غيره.
_هل تقول إنك لا تندم؟
_أقول إن الندم لا يعيد شيئًا إلى مكانه.
_لكنه قد يمنعك من تكرار الخطأ.
_ومن قال إنني أريد التوقف؟
_هل تسمع نفسك حين تتحدث بهذه الطريقة؟
_أسمع نفسي جيدًا.
_إذًا أنت تدرك كيف تبدو كلماتك.
_وكيف أبدو؟
_كرجل لا يرى مشكلة في تكرار الأذى، ما دام مقتنعًا بأن لديه سببًا لذلك.
_وهل تعتقدين أنني أبحث عن موافقتك؟
_لا. أعتقد أنك تبحث عن رد فعل.
_وربما أبحث عن شخص لا يهرب حين يسمع الحقيقة.
_الحقيقة لا تُقاس بقدرة الآخرين على احتمالها، بل بمدى استعدادك لتحمل مسؤوليتها.
ضحك بحر ضحكة قصيرة.
_أتعرفين ما الذي يعجبني في حديثك؟ أنكِ لا تحاولين أن تجعلي العالم أبيض وأسود، ومع ذلك تصرين على وضع حدود واضحة بينهما.
_لأن وجود مناطق رمادية لا يعني أن كل شيء مباح.
_أحيانًا تكون الحدود هي ما يمنع الإنسان من فعل ما يريده.
_وأحيانًا تكون هي الشيء الوحيد الذي يمنعه من التحول إلى شخص لا يعرف نفسه.
لم يجب مباشرة. سمعت رها صوت حركة بعيدة في الطرف الآخر، ثم عاد صوته أكثر انخفاضًا.
_هل سبق أن تمنيتِ لو أنكِ لم تعرفي شخصًا ما؟
شعرت أن السؤال يقترب من منطقة شخصية، لكنها لم تتراجع هذه المرة.
_نعم.
_وهل تتمنين لو أنكِ لم تعرفي ذلك الشخص الذي تحدثتِ عنه في المرة الماضية؟
_لا. أتمنى لو أنني فهمت بعض الأشياء في وقت أبكر.
_وهل كان ذلك سيغيّر النهاية؟
_لا أعرف. وربما لن أعرف أبدًا.
_إذًا ما زلتِ تعيشين مع احتمال كان يمكن ألّا يحدث.
_لم تجبه رها فورًا. كانت تكره أن يضع إصبعه على موضع لم تمنحه الإذن بلمسه.
_هناك فرق بين التفكير في الماضي وبين السماح له بأن يقرر حياتنا كلها.
_هل نجحتِ في ذلك؟
_ليس دائمًا.
_على الأقل لم تدّعي الكمال.
_ولماذا تريد مني أن أكون كاملة؟
_لا أريد ذلك. الأشخاص الكاملون مملّون.
_أظن أنك تفضّل الأشخاص الذين لا يعرفون متى يبتعدون.
_ربما.
توقفت رها عن الكتابة. لم تعد تعرف إن كان بحر يتحدث عن نفسه، أم يصف شخصًا آخر، أم يختبر قدرتها على قراءة ما بين كلماته. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا: اعترافاته لم تكن طلبًا للمغفرة.
_بحر، أريد أن أسألك سؤالًا، وأرجو أن تجيبني دون مراوغة.
_تفضلي.
_هل هناك شخص مهدد الآن بسبب شيء فعلته؟
طال الصمت هذه المرة.
لم تسمع سوى أنفاسه المتقطعة، ثم قال:
_هناك دائمًا شخص يدفع ثمن قرارات شخص آخر.
_لم أسألك عن العالم. سألتك عن شخص محدد.
_وأنا لم أقل إنني سأجيب عن كل أسئلتك.
_إذا كان هناك إنسان في خطر، فلا ينبغي أن تتعامل مع الأمر كأنه سر بيننا.
_هل ستتصلين بالشرطة؟
_إذا علمت أن حياة شخص مهددة، فلن أتعامل مع ذلك كأنه مجرد حديث ليلي.
_إذًا أنتِ لستِ المكان الآمن الذي ظننته.
_لم أقل لك يومًا إنني مكان آمن لكل ما قد تفعله.
تنفس بحر ببطء، ثم قال:
_جيد. كنت أريد أن أعرف ذلك.
_لماذا؟
_لأنني لا أحب الأشخاص الذين يبيعون مبادئهم عندما تصبح الأمور غير مريحة.
_ولا أنا أحب الأشخاص الذين يختبرون الآخرين بدلًا من أن يتحدثوا معهم بوضوح.
_يبدو أننا لن نتفق على أشياء كثيرة.
_ليس ضروريًا أن نتفق.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول بحر:
_سأترككِ تكملين ليلتكِ.
_هل ستتصل مجددًا؟
خرج السؤال من رها قبل أن تفكر فيه. أدركت ذلك، لكنها لم تتراجع عنه.
_هل تريدين ذلك؟
_أريد أن أعرف إن كنت ستستمر في الحديث أم ستكتفي بترك الأسئلة معلقة.
_ربما أعود عندما يكون لديّ ما أقوله.
_أتمنى أن تفكر جيدًا فيما تريد قوله.
_وأنتِ فكّري جيدًا فيما تريدين سماعه.
انتهت المكالمة.
بقيت رها تنظر إلى شاشة الاتصال بعد أن اختفى اسمه. لم يكن ما سمعته اعترافًا واضحًا بجريمة، لكنه لم يكن حديث رجل بريء يحاول التخلص من سوء فهم أيضًا.
أما بحر، فظل ممسكًا بهاتفه لحظات قبل أن يضعه جانبًا.
لم يكن قد طلب منها أن تصدقه، ولم يمنحها ما يكفي لتفهمه. ترك لها صورة رجل يتحدث عن الأذى ببرود، وعن الماضي بلا ندم، وعن احتمال وجود شخص آخر يدفع ثمن أفعاله.
ولم يكن يعرف أيهما أكثر إثارة للقلق:
أن رها بدأت تنتظر صوته...
أم أنها، رغم كل ما سمعته، لم تستطع أن تقرر إن كانت تريد منه أن يعود أم لا.
إلى أن تجمعنا سطورٌ أخرى، دمتم بخير، وكونوا بالقرب... فالحكاية لم تنتهِ بعد🤍
الساعة 2:56 فجرًا — استوديو البرنامجلم تكن رها تحب الكلمات التي تُقال بسهولة عن الذنب. فالبعض يعتذر كي يتخلص من ثقل ضميره، والبعض يندم لأنه خسر شيئًا، لا لأنه آذى إنسانًا. وبين الاثنين مسافة لا تقيسها الكلمات، بل ما يفعله المرء حين لا يراقبه أحد.اقتربت من الميكروفون، وأخذت نفسًا هادئًا._مساء الخير... ثمة أشياء نفعلها ثم نمضي، كأن مرور الوقت قادر على محو أثرها. لكن الحقيقة أن بعض الأفعال لا تنتهي حين تنتهي لحظتها؛ تبقى تعيش في مكان ما، في ذاكرة إنسان، أو في خوفه، أو في حياة لم تعد كما كانت. لا أريد الليلة أن أطلب من أحد أن يسامح نفسه، ولا أن يجلدها. أريد فقط أن نتذكر أن الاعتراف بالخطأ ليس نهاية الحكاية، بل بداية تحمل مسؤولية ما فعلناه.أنهت الافتتاحية وبدأت استقبال الاتصالات.كانت المكالمات عادية، حتى وصلها اتصال من رجل يتحدث عن غضبه المتكرر، وعن خوفه من أن يفقد السيطرة يومًا ما._هل سبق أن آذيت أحدًا بسبب غضبك؟_لم أضرب أحدًا، لكنني قلت أشياء لا أستطيع التراجع عنها._وهل حاولت إصلاح ما أفسدته؟_حاولت، لكنه لم يعد ينظر إليّ كما كان._ربما لا تستطيع إعادة نظرته القديمة، لكنك تستطيع
الساعة 2:48 فجرًا — استوديو البرنامجكانت رها ترتب الأوراق أمامها حين رفعت عينيها نحو شاشة الاتصالات. لم يكن هناك ما يستدعي انتباهها، ومع ذلك عادت تنظر إليها بعد لحظات، كأنها تنتظر ظهور اسم تعرفه.هزّت رأسها بخفة، ثم قرّبت الميكروفون.عند الثالثة تمامًا، أضاء ضوء البث._مساء الخير لكل من لا يزال مستيقظًا في هذه الساعة... أعرف أن بعضكم لم يختر السهر، وأن بعضكم الآخر يهرب إلى الليل لأنه يجد فيه مساحة لا يجدها في النهار. أحيانًا لا نفتقد الأشخاص بقدر ما نفتقد الشعور الذي كان يتركه وجودهم فينا. وأحيانًا لا نعرف أن صوتًا ما أصبح جزءًا من ليلنا، إلا حين يمر الليل كله من دونه. لا بأس إن لم تجدوا الكلمات الليلة... يكفي أنكم هنا.أنهت كلماتها، ثم استقبلت أول اتصال._مرحبًا بك، أنا رها. كيف يمكنني مساعدتك الليلة؟_لا أعرف إن كنت أحتاج إلى مساعدة فعلًا._لا بأس. يمكننا أن نبدأ من هنا. ما الذي جعلك تتصل؟_لم أنم منذ أيام. كلما أغمضت عيني، أشعر أنني نسيت شيئًا مهمًا، فأستيقظ وأحاول تذكّره._هل يحدث ذلك في وقت معين، أم طوال الليل؟_غالبًا عندما أضع رأسي على الوسادة. أظل أراجع يومي، وأتذكر أشياء صغي
الساعة 2:47 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت قطرات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، فيما تحرك عقرب الثواني في الساعة المعلقة فوق الباب دون أن يكسر هدوء المكان. جلست رها أمام الميكروفون، وأحاطت أصابعها بكوب الشاي الدافئ، ثم رفعت عينيها إلى الضوء الأحمر الذي ينتظر إشارة البث.لم تكن الليلة مختلفة في ظاهرها، لكن سؤالًا ظل يرافقها منذ أيام: هل نعرف الأشخاص حقًا، أم نعرف فقط الأجزاء التي يسمحون لنا برؤيتها؟اقتربت من الميكروفون، وتحدثت بصوت هادئ، كأنها تخاطب شخصًا يجلس أمامها وحده._مساء الخير لكل قلبٍ وصل إلى هذه الساعة وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز ما حدث.أحيانًا نظن أن مرور الوقت يعني أننا تعافينا، ثم تأتي كلمة صغيرة، أو رائحة مألوفة، أو ذكرى لم نستدعها، فنعرف أن بعض الأشياء لم تغادرنا كما اعتقدنا.لا بأس إن وجدتم أنفسكم تعودون إلى مكان ظننتم أنكم خرجتم منه. التعافي ليس طريقًا مستقيمًا، ولا يعني أنكم ضعفاء كلما عاد إليكم وجع قديم.وإذا كان هناك شيء تتمنون لو أنكم فعلتموه بطريقة مختلفة، فتذكروا أنكم اتخذتم قراراتكم يومًا بما كنتم تعرفونه آنذاك، لا بكل ما عرفتموه بعد ذلك.لا أ
الساعة 5:12 فجرًا — الطريق إلى المنزلكانت المدينة تستيقظ ببطء، بينما عادت رها إلى منزلها بعد ليلة طويلة. بقي صوت المطر الخفيف يرافق خطواتها، وبقي في ذهنها سؤال لم تجد له سببًا واضحًا: لماذا تذكّرت ذلك المتصل تحديدًا، رغم أنها استمعت إلى أصوات كثيرة طوال الليل؟لم يكن في مكالمته ما يكفي لتفسير فضولها. لم يطلب مساعدة مباشرة، ولم يروِ حكاية حزينة، ولم يمنحها سببًا لتخشى عليه. كان مجرد رجل يُدعى بحر، وصوت لم تستطع أن تحدد ما وراءه.الساعة 5:24 فجرًا — منزل رهاوضعت حقيبتها قرب الباب، وخلعت معطفها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتحضّر كوبًا من الماء. كان التعب يثقل جفنيها، لكنها لم تكن مستعدة للنوم بعد.أضاء هاتفها باسم زينة._أنتِ في المنزل؟أجابت رها وهي تجلس إلى طرف الأريكة:_وصلت منذ دقائق._جيد. كنت سأرسل فرقة بحث إذا لم تجيبي._فرقة بحث؟ كل ما في الأمر أنني تأخرت قليلًا._رها، أنتِ تعتبرين ساعة كاملة تأخيرًا بسيطًا إذا كنتِ غارقة في التفكير، وتعتبرين ثلاث ساعات نوم كافية إذا كان لديكِ عمل. لذلك اسمحي لي أن أقلق.ابتسمت رها رغم إرهاقها._أنتِ تبالغين.__وأنتِ تقلّلين من كل شيء. هل أكلتِ؟_ليس
الساعة 2:45 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت حبات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، تتخلله تكتكة ساعة الحائط الرتيبة. في الزاوية البعيدة، انبعث ضوء أزرق خافت من شاشة صغيرة، بينما تصاعد بخار ضعيف من كوب شاي استقرّ بين يدي رها، وقد فقد حرارته منذ وقت طويل.رفعت الكوب إلى شفتيها، وارتشفت منه قليلًا، ثم أعادته إلى مكانه دون أن يتغير شيء في ملامحها.على الشاشة أمامها، كانت أرقام الساعة تتبدل ببطء. بقيت خمس عشرة دقيقة على موعد البث._أنتِ ما زلتِ هنا؟جاء صوت زينة عبر الهاتف الموضوع بجانب لوحة المفاتيح._أين سأكون؟_لا أعرف. ربما في مكان يستطيع إقناعكِ بأن النوم ليس مؤامرة كونية ضدكِ.ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي رها._أنتِ آخر شخص يحق له الحديث عن النوم. أرسلتِ لي ثلاث رسائل عند الثانية صباحًا لأنكِ لم تستطيعي الاختيار بين الشاي والقهوة._كان قرارًا مصيريًا._بالطبع._على الأقل، أنا أعترف بمشكلاتي. أما أنتِ، فتجلسين أمام شاشة منذ ساعة، وكأنكِ تنتظرين اعترافًا منها.نظرت رها إلى الشاشة، ثم إلى كوبها الفاتر._ربما أنتظر أن تنتهي هذه الليلة بسلام.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتغير صوت ز
قبل أن تقلب الصفحة، أريد منك أن تفعل شيئًا واحدًا.أغلق الباب.ليس لأن ما ينتظرك خلف هذه الكلمات يستطيع الوصول إليك، بل لأنني أريدك أن تتأكد من أنك وحدك. أريد أن يكون الصمت من حولك كاملًا، وأن تسمع دقات الساعة، وأن تنتبه إلى صوت أنفاسك وهي تعبر صدرك وتعود منه، كأنها تتأكد في كل مرة أنك ما زلت حيًّا.هل فعلت ذلك؟جيد.والآن، أخبرني... هل تثق بالأشياء التي لا تراها؟لا تتعجل الإجابة. لطالما ظن الإنسان أن الخطر يأتيه من الأماكن المظلمة، ومن الوجوه الغريبة، ومن الأيدي التي تحمل السكاكين. لكنه نادرًا ما فكّر في أن الخطر قد يختبئ خلف ابتسامة يعرفها، أو صوت يطمئنه، أو كلمة قيلت له في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى من يسمعه.نحن لا نخاف الظلام لأنه أسود، بل لأننا لا نعرف ما الذي يخفيه. وربما كانت تلك أكبر كذبة صدّقناها عن أنفسنا؛ فنحن لا نخشى المجهول بقدر ما نخشى أن نكتشف أن ما عرفناه طوال حياتنا لم يكن سوى وهمٍ متقن الصنع.أتعرف ما الذي يؤلمني حقًّا؟أن بعض القلوب لا تتحطم دفعة واحدة. إنها تتشقق بصمت، شقًّا بعد آخر، بينما يواصل أصحابها الابتسام، ويجيبون عن الأسئلة المعتادة، ويقولون إنهم بخير







