Share

الفصل الثاني: ما لا تقوله الأصوات

last update publish date: 2026-10-27 20:13:07

الساعة 5:12 فجرًا — الطريق إلى المنزل

كانت المدينة تستيقظ ببطء، بينما عادت رها إلى منزلها بعد ليلة طويلة. بقي صوت المطر الخفيف يرافق خطواتها، وبقي في ذهنها سؤال لم تجد له سببًا واضحًا: لماذا تذكّرت ذلك المتصل تحديدًا، رغم أنها استمعت إلى أصوات كثيرة طوال الليل؟

لم يكن في مكالمته ما يكفي لتفسير فضولها. لم يطلب مساعدة مباشرة، ولم يروِ حكاية حزينة، ولم يمنحها سببًا لتخشى عليه. كان مجرد رجل يُدعى بحر، وصوت لم تستطع أن تحدد ما وراءه.

الساعة 5:24 فجرًا — منزل رها

وضعت حقيبتها قرب الباب، وخلعت معطفها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتحضّر كوبًا من الماء. كان التعب يثقل جفنيها، لكنها لم تكن مستعدة للنوم بعد.

أضاء هاتفها باسم زينة.

_أنتِ في المنزل؟

أجابت رها وهي تجلس إلى طرف الأريكة:

_وصلت منذ دقائق.

_جيد. كنت سأرسل فرقة بحث إذا لم تجيبي.

_فرقة بحث؟ كل ما في الأمر أنني تأخرت قليلًا.

_رها، أنتِ تعتبرين ساعة كاملة تأخيرًا بسيطًا إذا كنتِ غارقة في التفكير، وتعتبرين ثلاث ساعات نوم كافية إذا كان لديكِ عمل. لذلك اسمحي لي أن أقلق.

ابتسمت رها رغم إرهاقها.

_أنتِ تبالغين.

__وأنتِ تقلّلين من كل شيء. هل أكلتِ؟

_ليس بعد.

_وهل شربتِ شيئًا غير الشاي الذي تعيدين تسخينه ثلاث مرات؟

_لا أذكر أنني أخبرتكِ عن الشاي.

_لأنني أعرفكِ منذ سنوات. لا أحتاج إلى تقرير يومي لأعرف أنكِ تهملين نفسكِ.

سكتت رها لحظة، ثم قالت:

_سأعدّ شيئًا قبل أن أنام. أعدكِ.

_لا أحب وعودكِ التي تبدأ بكلمة «سأفعل» وتنتهي بأن تنسي ما كنتِ ستفعلينه.

_وماذا تريدين مني الآن؟ أن أرسل لكِ صورة لوجبة الإفطار؟

_فكرة ممتازة، بشرط أن تكون وجبة حقيقية، لا قطعة بسكويت وكوب ماء.

ضحكت رها بخفة، فهدأت نبرة زينة.

_هكذا أفضل.

_ماذا؟

_ضحكتكِ. منذ أيام أشعر أنكِ تتحدثين مع الجميع وكأنكِ تؤدين واجبًا، حتى معي.

اختفت ابتسامة رها تدريجيًا.

_أنا متعبة يا زينة. لا أكثر.

_أعرف أنكِ متعبة. لكنني أسألكِ إن كان هناك شيء آخر.

_لا يوجد شيء محدد.

_هذه إجابة شخص لا يريد أن يتحدث، وليست إجابة شخص لا يملك ما يقوله.

أغمضت رها عينيها للحظة.

_هل يجب أن أملك حكاية في كل مرة تشعرين فيها بأنني صامتة؟

_لا. لكنني أريدكِ أن تعرفي أنكِ لستِ مضطرة إلى أن تكوني الطبيبة طوال الوقت. ليس معي على الأقل.

مرّ صمت قصير بينهما.

_أعرف ذلك، قالت رها أخيرًا.

_هل تعرفينه فعلًا، أم تقولينه لأنكِ تعرفين أنني سأغضب إن لم تقولي شيئًا؟

_أعرفه فعلًا.

_حسنًا. لن أضغط عليكِ. نامي قليلًا، وكلي شيئًا قبل ذلك. وسأتصل بكِ مساءً لأتأكد من أنكِ لم تحوّلي النوم إلى مشروع مؤجل.

_سأنتظر اتصالكِ بقلق شديد.

_اسخري كما تشائين. تصبحين على خير يا رها.

_وأنتِ بخير يا زينة.

أنهت المكالمة، وبقي الهاتف في يدها لحظات. كانت زينة تعرف كيف تصل إلى الأماكن التي تخفيها رها خلف إجاباتها المختصرة، لكنها لم تكن تعرف كل شيء. لم تكن رها تخبرها بكل ما يمر في ذهنها، لا لأنها لا تثق بها، بل لأنها أحيانًا لا تعرف كيف تشرح ما تشعر به حتى لنفسها.

نهضت أخيرًا، وأعدّت وجبة بسيطة، ثم جلست قرب النافذة. كان الضوء الرمادي يتسلل بين المباني، والمدينة تبدو أقل قسوة مما بدت عليه في منتصف الليل.

تذكرت سؤال بحر: هل يخيفها ألّا تعرف الإجابة؟

لم يكن السؤال جديدًا، ولم يحمل سرًا واضحًا، ومع ذلك ظل يتردد في ذهنها.

قالت لنفسها بصوت خافت:

_إنه مجرد متصل.

ثم وضعت الكوب على الطاولة، وكأنها أنهت بذلك الحديث مع نفسها.

الساعة 6:00 صباحًا — غرفة رها

استلقت رها أخيرًا، وأغلقت هاتفها، وأسدلت الستائر حتى تحجب ضوء الصباح.

لم تكن تفكر في الاتصال القادم، ولم تقرر أن تنتظر بحر. كانت تعرف أن عملها سيستمر، وأن عشرات الأصوات الأخرى ستصل إليها في الليالي المقبلة.

لكن قبل أن يغلبها النوم، عادت إلى ذاكرتها جملة واحدة قالها في الليلة الماضية:

أنتِ لا تحاولين إقناعي بأنكِ تفهمينني.

لم تعرف لماذا بقيت هذه الجملة تحديدًا.

ثم أغمضت عينيها...

الساعة 8:00 مساءً — العيادة النفسية

_رها، هل انتهيتِ من مراجعة ملفات الغد؟

رفعت رها رأسها عن الأوراق، فوجدت د. نجوى واقفة عند باب مكتبها، تحمل ملفًا أزرق وتراقبها بنظرتها المعتادة.

_بقي ملف واحد، وسأنتهي منه خلال دقائق.

_أريدكِ أن تنتهي منه قبل مغادرتكِ. لا أحب أن تتراكم الأعمال بسبب الإرهاق.

_لن يحدث ذلك.

وضعت نجوى الملف الأزرق على المكتب.

_جيد. وبالمناسبة، وصلني تقرير ساعات البث لهذا الأسبوع. أريدكِ أن تنتبهي إلى وقت الراحة بين نوبات العمل. لا يمكن أن تعالجي مشكلات الآخرين بينما تتجاهلين احتياجاتكِ الأساسية.

ابتسمت رها ابتسامة خفيفة.

_يبدو أن الجميع قرر أن يجعل نومي قضية عامة.

_لأنكِ تجعلين الأمر أصعب مما ينبغي.

ثم أضافت نجوى، بنبرة أكثر جدية:

_وأريد منكِ أن تتذكري أن البرنامج ليس بديلًا عن الجلسات العلاجية. قد يتحدث معكِ أشخاص لا تعرفين ظروفهم، ولا يمكنكِ تقييم حالتهم من مكالمة قصيرة.

_أعرف ذلك يا دكتورة. أنا لا أقدّم تشخيصات عبر الهواء.

_لم أقل إنكِ تفعلين. أريد فقط أن يبقى الحد الفاصل واضحًا.

_وهو واضح.

تأملت نجوى وجهها لحظة، ثم أومأت وغادرت.

عادت رها إلى الملف المفتوح أمامها. كان عليها أن تراجع ملاحظات جلسة علاجية، لكن كلمات نجوى أعادتها إلى فكرة تعرفها جيدًا: الإصغاء لا يعني أن تملك حق معرفة كل شيء عن الشخص الذي أمامك، كما أن الصمت لا يمنحك الحق في اختراع تفسير له.

أغلقت الملف، ونهضت لتغسل فنجانها قبل مغادرة العيادة.

الساعة 2:48 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتي

جلست رها أمام الميكروفون، وضبطت مستوى الصوت، ثم وضعت دفترها إلى جانب الحاسوب. كانت الليلة هادئة، والسماء خلف النافذة ملبدة بالغيوم.

قبل أن تفتح الخطوط، بقيت لحظة تنظر إلى الضوء الأحمر الصغير أمامها. فكرت في الأشخاص الذين يستمعون إليها من غرفهم، وفي أولئك الذين لا يعرفون كيف يطلبون المساعدة، وفي الذين يكتفون بتشغيل الراديو كي لا يشعروا بأنهم وحدهم.

اقتربت من الميكروفون، وبدأت بصوت دافئ، خالٍ من التكلف.

_مساء الخير لكل من وصل إلى هذه الساعة وهو يحمل في قلبه كلامًا لم يجد له مكانًا.

أعرف أن بعض الليالي لا تكون صعبة لأن شيئًا سيئًا حدث فيها، بل لأننا نتوقف أخيرًا عن الانشغال بكل ما حولنا، فنسمع ما كنا نحاول إسكاتَه طوال النهار.

ربما هناك كلمة قيلت لكم ولم تستطيعوا نسيانها، أو شخص تشتاقون إليه ولا تعرفون إن كان يشتاق إليكم، أو حكاية انتهت أمام الناس، لكنها لم تنتهِ في داخلكم.

لن أطلب منكم أن تنسوا، ولن أقول لكم إن النسيان هو الطريق الوحيد للراحة. بعض الأشياء لا تختفي حين نتجاهلها، وبعض الجروح تحتاج إلى أن نعترف بوجودها قبل أن نعرف كيف نعتني بها.

وإذا لم تجدوا الكلمات الليلة، فلا بأس. لا ينبغي أن يكون الألم بليغًا حتى يستحق الإصغاء، ولا ينبغي أن تعرفوا كيف تشرحونه حتى يحق لكم أن تتحدثوا عنه.

أنا هنا لأستمع. ليس لأنني أملك جوابًا لكل سؤال، بل لأنني أؤمن أن الإنسان لا ينبغي أن يواجه كل ما بداخله وحده.

الخط مفتوح... من يرغب في الحديث، نحن هنا.

بدأت المكالمات تصل تباعًا. استمعت رها إلى رجل يتحدث عن ضغط العمل، ثم إلى امرأة تشعر بأنها فقدت قدرتها على التعبير عن حزنها أمام عائلتها. منحت كل واحد منهما وقته، ولم تحاول أن تجعل حديثهما أكثر درامية مما كان.

وبعد انتهاء إحدى المكالمات، شربت رشفة من الماء، وألقت نظرة على الساعة.

_الساعة 3:17 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتي

أضاء مؤشر الاتصال من جديد.

ضغطت رها الزر، وارتدت السماعة.

_مساء الخير. أنت على الهواء.

لم يأتِها رد فوري.

انتظرت قليلًا، ثم قالت:

_لا بأس إن كنت تحتاج إلى لحظة قبل أن تتحدث.

وصلها صوت أنفاس هادئة، أعقبها صوت تعرفه الآن، وإن لم تكن قد سمعته إلا مرة واحدة.

_مساء الخير يا رها.

لم يتغير تعبير وجهها كثيرًا، لكن أصابعها توقفت عن تقليب صفحات الدفتر.

_أهلًا بك.

_هل تتذكرينني؟

_نعم. بحر، أليس كذلك؟

_كنت أتوقع أن تنسي الاسم.

_لا أنسى أسماء المتصلين بهذه السرعة.

_إذن، لم أترك انطباعًا سيئًا.

_لم أقل ذلك. قلت إنني أتذكر اسمك فقط.

ضحك بحر ضحكة خافتة.

_ما زلتِ حذرة في إجاباتكِ.

_وأنت ما زلتَ تحاول الحصول على إجابة لم أعطكِ سببًا لطلبها.

سكت لحظة، ثم قال:

_ربما أردت أن أعرف إن كنتِ تتحدثين بالطريقة نفسها مع الجميع.

_وهل وجدت الإجابة؟

_ليس بعد.

_إذن، يبدو أنك ستحتاج إلى أن تستمع قليلًا قبل أن تحكم.

_أليس هذا ما تطلبينه من الناس كل ليلة؟

_بل أطلب منهم ألّا يحكموا على أنفسهم قبل أن يمنحوا أنفسهم فرصة للكلام.

تغيّرت نبرة صوته قليلًا.

_وهل تمنحين نفسكِ الفرصة نفسها؟

نظرت رها إلى دفترها، حيث بقيت صفحة بيضاء تنتظر ملاحظاتها.

_هذا سؤال شخصي يا بحر.

_أعرف.

_وأنت تعرف أيضًا أنني لا أستطيع الإجابة عن كل سؤال لمجرد أنك طرحته.

_أعرف ذلك أيضًا.

لم يكن في صوته اعتراض، بل بدا كأنه يقبل حدودها، حتى وهو يختبرها.

قالت رها:

_حسنًا، أخبرني أنت. هل هناك شيء تريد الحديث عنه الليلة؟

عاد الصمت بينهما، لكن هذه المرة لم يكن صمت شخص لا يعرف من أين يبدأ فحسب؛ كان صمت شخص يختار بعناية ما يمكنه قوله، وما يجب أن يبقى خلف الكلمات.

ثم أجاب بحر بهدوء:

_هناك سؤال واحد أريد أن أطرحه عليكِ.

انتظرت رها حتى أكمل.

_هل يمكن للإنسان أن يثق بشخص لا يعرف عنه شيئًا، لمجرد أنه شعر، ولو للحظة واحدة، أن ذلك الشخص لن يحكم عليه؟

لم تجبه فورًا.

كان السؤال أعمق من أن يُختصر في نعم أو لا، وأبسط من أن يحتاج إلى محاضرة طويلة.

قالت أخيرًا:

_يمكنه أن يشعر بالارتياح،  لكن الثقة تحتاج إلى وقت. والشعور بالأمان في لحظة لا يعني أننا عرفنا الشخص الآخر حقًا.

_إذن، أنتِ لا تثقين بسهولة.

_أنا لا أخلط بين الشعور والمعرفة.

سمعت أنفاسه الهادئة من جديد.

_ربما لهذا السبب اتصلت مرة أخرى.

لم تسأله رها عمّا قصده.

بقيت جملة بحر معلّقة بينهما، ولم تتعجل رها الرد. كانت تعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة سريعة، وأن ملء الصمت لمجرد الخوف منه قد يفسد ما كان يمكن أن يقوله صاحبه.

_وهل وجدت ما كنت تبحث عنه في مكالمتنا السابقة؟ سألت أخيرًا.

_لا أعرف.

_إجابة صادقة.

_هل كنتِ تتوقعين إجابة أخرى؟

_كنت أتوقع أنك ستتهرب من السؤال بطريقة أكثر إقناعًا.

ضحك بحر بخفة.

_أنتِ تستمتعين بإحراج الناس، أليس كذلك؟

_فقط عندما يحاولون إخفاء تهربهم خلف الأسئلة الفلسفية.

_إذن، أنتِ تعتبرين أسئلتي تهربًا؟

_أعتبر بعضها طريقة لتأجيل الإجابة. وهناك فرق بين أن تسأل لأنك تريد أن تفهم، وأن تسأل لأنك لا تريد أن تُفهَم.

لم يجب مباشرة. سمعت رها حركة خافتة في الطرف الآخر، كاحتكاك قماش بسطح قريب، ثم عاد صوته أكثر هدوءًا.

_وهل تعتقدين أن الإنسان يستطيع أن يختار ما يكشفه عن نفسه، من دون أن يكذب؟

_بالطبع.

_حتى لو أخفى أهم ما فيه؟

_ليس كل ما نخفيه كذبًا، يا بحر. أحيانًا نحتاج إلى وقت حتى نفهم ما نشعر به، وأحيانًا لا يكون الشخص الذي أمامنا مستعدًا لسماع الحقيقة. لكن هناك فرقًا بين الاحتفاظ بخصوصيتك، وبين أن تصنع صورة كاذبة عن نفسك لتجعل الآخرين يصدقون شيئًا غير حقيقي.

_ومن يحدد هذا الفرق؟

_الشخص نفسه أولًا، ثم أثر اختياراته في الآخرين.

_يبدو أن لديكِ إجابة لكل شيء الليلة.

_لا، لكن لديّ رأيًا. ويمكنك أن تختلف معه.

_أختلف معكِ بالفعل.

_هذا حقك.

_ألا تريدين أن تعرفي لماذا؟

_إذا كنت تريد إخباري، فسأستمع.

ساد الصمت، ثم تنهد بحر ببطء.

_أحيانًا يكون الصدق ترفًا لا يستطيع الإنسان تحمّل ثمنه.

تغيّرت ملامح رها قليلًا، لكنها لم تقاطعه.

قالت:

_قد يكون،  لكنني أظن أن إخفاء الحقيقة له ثمن أيضًا. والسؤال ليس أي الطريقين بلا ثمن، بل أي ثمن تستطيع أن تتحمل.

_وهل تحملتِ أنتِ ثمن الحقيقة يومًا؟

توقفت أصابعها فوق الورقة.

لم يكن السؤال عدائيًا، ولم يبدُ أنه يحاول إحراجها هذه المرة. ومع ذلك، شعرت أنه اقترب من مساحة لم تكن تنوي فتحها في هذه المكالمة.

_مررت بأشياء جعلتني أعيد التفكير في كثير من الأمور، أجابت بهدوء. لكنني لا أظن أن الحديث عن نفسي هو ما اتصلت من أجله.

_أنتِ محقة.

جاء اعترافه سريعًا إلى درجة جعلتها تصمت لحظة.

_لم أتوقع أن توافق بهذه السهولة،

_لا تعتادي ذلك.

ابتسمت رها.

_لا تقلق. لم أبدأ بعد بتكوين توقعات عنك.

_وهل ستفعلين؟

_أنا أستمع إلى ما تقوله، لا أبني حكمًا على شخص لا أعرفه.

_حتى لو عاد مرات كثيرة؟

_حتى لو عاد مرات كثيرة.

لم تعرف إن كانت إجابتها قد أرضته، لكنها سمعت في صمته شيئًا أقل توترًا مما كان عليه في بداية المكالمة.

نظر بحر إلى ساعته في مكان لم تستطع رها رؤيته، ثم قال:

_أظن أنني أخذت من وقتك ما يكفي.

_البرنامج ما زال مستمرًا.

_أعرف. لكن هناك أشخاصًا آخرين ينتظرون دورهم.

_صحيح.

تردد قليلًا قبل أن يضيف:

_شكرًا لأنك لم تحاولي أن تجعليني أقول شيئًا لست مستعدًا لقوله.

_وشكرًا لأنك لم تتظاهر بأن لديك إجابة حين لم تكن تعرفها.

_هل هذه طريقتكِ في إنهاء المكالمات؟

_فقط عندما يكون المتصل قد بدأ يتعلم كيف يجيب عن أسئلته بنفسه.

_لا تفرحي كثيرًا. ما زلت أملك أسئلة كثيرة.

_هذا ليس عيبًا.

_تصبحين على خير يا رها.

_وأنت بخير يا بحر.

انتهى الاتصال، وعاد مؤشر الخط إلى حالته الأولى.

الساعة 3:29 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتي

نزعت رها السماعة عن أذنها، ثم دوّنت في دفترها ملاحظة قصيرة عن المكالمة التالية للبرنامج، قبل أن تعيد ترتيب الأوراق أمامها.

لم يكن بحر قد أخبرها بشيء جديد عن حياته. لم تعرف أين يعيش، ولا ماذا يعمل، ولا لماذا بدا الصدق بالنسبة إليه أمرًا مكلفًا إلى هذا الحد.

ومع ذلك، اختلفت المكالمة الثانية عن الأولى.

في المرة الماضية، بدا كأنه يختبر قدرتها على الاستماع. أما الليلة، فقد بدا كأنه يختبر حدود الثقة نفسها، من دون أن يطلب منها أن تمنحه إياها.

لم تعتبر ذلك دليلًا على شيء. ربما كان فضوليًا، وربما كان وحيدًا، وربما كانت لديه أسباب لم ترغب في تخمينها.

اقتربت من الميكروفون مجددًا، واستقبلت المتصل التالي بالنبرة الدافئة نفسها.

_أهلًا بك. خذ وقتك، أنا أستمع إليك.

لم تكن تعرف إن كان بحر سيعود في الليلة التالية، ولم تحاول أن تتنبأ بذلك.

لكنها أدركت شيئًا صغيرًا وهي تصغي إلى صوت المتصل الجديد: أن الاستماع إلى إنسان لا يعني أن تعرف حكايته كاملة، بل أن تمنحه فرصة ليروي منها ما يستطيع.

وفي تلك الساعة، كان ذلك كل ما تملكه رها لتقدمه.

إلى أن تجمعنا الحكاية من جديد، اعتنوا بقلوبكم، وكونوا رفقاء بأنفسكم؛ فبعض الأرواح تخوض معارك لا يراها أحد. دمتم بخير، وإلى لقاءٍ في الفصل القادم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت    الفصل الخامس: اعترافٌ بلا ندم

    الساعة 2:56 فجرًا — استوديو البرنامجلم تكن رها تحب الكلمات التي تُقال بسهولة عن الذنب. فالبعض يعتذر كي يتخلص من ثقل ضميره، والبعض يندم لأنه خسر شيئًا، لا لأنه آذى إنسانًا. وبين الاثنين مسافة لا تقيسها الكلمات، بل ما يفعله المرء حين لا يراقبه أحد.اقتربت من الميكروفون، وأخذت نفسًا هادئًا._مساء الخير... ثمة أشياء نفعلها ثم نمضي، كأن مرور الوقت قادر على محو أثرها. لكن الحقيقة أن بعض الأفعال لا تنتهي حين تنتهي لحظتها؛ تبقى تعيش في مكان ما، في ذاكرة إنسان، أو في خوفه، أو في حياة لم تعد كما كانت. لا أريد الليلة أن أطلب من أحد أن يسامح نفسه، ولا أن يجلدها. أريد فقط أن نتذكر أن الاعتراف بالخطأ ليس نهاية الحكاية، بل بداية تحمل مسؤولية ما فعلناه.أنهت الافتتاحية وبدأت استقبال الاتصالات.كانت المكالمات عادية، حتى وصلها اتصال من رجل يتحدث عن غضبه المتكرر، وعن خوفه من أن يفقد السيطرة يومًا ما._هل سبق أن آذيت أحدًا بسبب غضبك؟_لم أضرب أحدًا، لكنني قلت أشياء لا أستطيع التراجع عنها._وهل حاولت إصلاح ما أفسدته؟_حاولت، لكنه لم يعد ينظر إليّ كما كان._ربما لا تستطيع إعادة نظرته القديمة، لكنك تستطيع

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الرابع : غيابٌ له صوت

    الساعة 2:48 فجرًا — استوديو البرنامجكانت رها ترتب الأوراق أمامها حين رفعت عينيها نحو شاشة الاتصالات. لم يكن هناك ما يستدعي انتباهها، ومع ذلك عادت تنظر إليها بعد لحظات، كأنها تنتظر ظهور اسم تعرفه.هزّت رأسها بخفة، ثم قرّبت الميكروفون.عند الثالثة تمامًا، أضاء ضوء البث._مساء الخير لكل من لا يزال مستيقظًا في هذه الساعة... أعرف أن بعضكم لم يختر السهر، وأن بعضكم الآخر يهرب إلى الليل لأنه يجد فيه مساحة لا يجدها في النهار. أحيانًا لا نفتقد الأشخاص بقدر ما نفتقد الشعور الذي كان يتركه وجودهم فينا. وأحيانًا لا نعرف أن صوتًا ما أصبح جزءًا من ليلنا، إلا حين يمر الليل كله من دونه. لا بأس إن لم تجدوا الكلمات الليلة... يكفي أنكم هنا.أنهت كلماتها، ثم استقبلت أول اتصال._مرحبًا بك، أنا رها. كيف يمكنني مساعدتك الليلة؟_لا أعرف إن كنت أحتاج إلى مساعدة فعلًا._لا بأس. يمكننا أن نبدأ من هنا. ما الذي جعلك تتصل؟_لم أنم منذ أيام. كلما أغمضت عيني، أشعر أنني نسيت شيئًا مهمًا، فأستيقظ وأحاول تذكّره._هل يحدث ذلك في وقت معين، أم طوال الليل؟_غالبًا عندما أضع رأسي على الوسادة. أظل أراجع يومي، وأتذكر أشياء صغي

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الثالث: الوجه الآخر للصوت

    الساعة 2:47 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت قطرات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، فيما تحرك عقرب الثواني في الساعة المعلقة فوق الباب دون أن يكسر هدوء المكان. جلست رها أمام الميكروفون، وأحاطت أصابعها بكوب الشاي الدافئ، ثم رفعت عينيها إلى الضوء الأحمر الذي ينتظر إشارة البث.لم تكن الليلة مختلفة في ظاهرها، لكن سؤالًا ظل يرافقها منذ أيام: هل نعرف الأشخاص حقًا، أم نعرف فقط الأجزاء التي يسمحون لنا برؤيتها؟اقتربت من الميكروفون، وتحدثت بصوت هادئ، كأنها تخاطب شخصًا يجلس أمامها وحده._مساء الخير لكل قلبٍ وصل إلى هذه الساعة وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز ما حدث.أحيانًا نظن أن مرور الوقت يعني أننا تعافينا، ثم تأتي كلمة صغيرة، أو رائحة مألوفة، أو ذكرى لم نستدعها، فنعرف أن بعض الأشياء لم تغادرنا كما اعتقدنا.لا بأس إن وجدتم أنفسكم تعودون إلى مكان ظننتم أنكم خرجتم منه. التعافي ليس طريقًا مستقيمًا، ولا يعني أنكم ضعفاء كلما عاد إليكم وجع قديم.وإذا كان هناك شيء تتمنون لو أنكم فعلتموه بطريقة مختلفة، فتذكروا أنكم اتخذتم قراراتكم يومًا بما كنتم تعرفونه آنذاك، لا بكل ما عرفتموه بعد ذلك.لا أ

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الثاني: ما لا تقوله الأصوات

    الساعة 5:12 فجرًا — الطريق إلى المنزلكانت المدينة تستيقظ ببطء، بينما عادت رها إلى منزلها بعد ليلة طويلة. بقي صوت المطر الخفيف يرافق خطواتها، وبقي في ذهنها سؤال لم تجد له سببًا واضحًا: لماذا تذكّرت ذلك المتصل تحديدًا، رغم أنها استمعت إلى أصوات كثيرة طوال الليل؟لم يكن في مكالمته ما يكفي لتفسير فضولها. لم يطلب مساعدة مباشرة، ولم يروِ حكاية حزينة، ولم يمنحها سببًا لتخشى عليه. كان مجرد رجل يُدعى بحر، وصوت لم تستطع أن تحدد ما وراءه.الساعة 5:24 فجرًا — منزل رهاوضعت حقيبتها قرب الباب، وخلعت معطفها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتحضّر كوبًا من الماء. كان التعب يثقل جفنيها، لكنها لم تكن مستعدة للنوم بعد.أضاء هاتفها باسم زينة._أنتِ في المنزل؟أجابت رها وهي تجلس إلى طرف الأريكة:_وصلت منذ دقائق._جيد. كنت سأرسل فرقة بحث إذا لم تجيبي._فرقة بحث؟ كل ما في الأمر أنني تأخرت قليلًا._رها، أنتِ تعتبرين ساعة كاملة تأخيرًا بسيطًا إذا كنتِ غارقة في التفكير، وتعتبرين ثلاث ساعات نوم كافية إذا كان لديكِ عمل. لذلك اسمحي لي أن أقلق.ابتسمت رها رغم إرهاقها._أنتِ تبالغين.__وأنتِ تقلّلين من كل شيء. هل أكلتِ؟_ليس

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   الفصل الأول: قبل أن يبدأ الليل بالكلام

    الساعة 2:45 فجرًا — استوديو البرنامج الصوتيكانت حبات المطر تنقر زجاج النافذة بإيقاع متقطع، تتخلله تكتكة ساعة الحائط الرتيبة. في الزاوية البعيدة، انبعث ضوء أزرق خافت من شاشة صغيرة، بينما تصاعد بخار ضعيف من كوب شاي استقرّ بين يدي رها، وقد فقد حرارته منذ وقت طويل.رفعت الكوب إلى شفتيها، وارتشفت منه قليلًا، ثم أعادته إلى مكانه دون أن يتغير شيء في ملامحها.على الشاشة أمامها، كانت أرقام الساعة تتبدل ببطء. بقيت خمس عشرة دقيقة على موعد البث._أنتِ ما زلتِ هنا؟جاء صوت زينة عبر الهاتف الموضوع بجانب لوحة المفاتيح._أين سأكون؟_لا أعرف. ربما في مكان يستطيع إقناعكِ بأن النوم ليس مؤامرة كونية ضدكِ.ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي رها._أنتِ آخر شخص يحق له الحديث عن النوم. أرسلتِ لي ثلاث رسائل عند الثانية صباحًا لأنكِ لم تستطيعي الاختيار بين الشاي والقهوة._كان قرارًا مصيريًا._بالطبع._على الأقل، أنا أعترف بمشكلاتي. أما أنتِ، فتجلسين أمام شاشة منذ ساعة، وكأنكِ تنتظرين اعترافًا منها.نظرت رها إلى الشاشة، ثم إلى كوبها الفاتر._ربما أنتظر أن تنتهي هذه الليلة بسلام.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتغير صوت ز

  • شَجْوُ الفؤاد: رسائل على حافة الموت   إهداءٌ إلى القارئ الذي لا يعرف متى يجب أن يخاف

    قبل أن تقلب الصفحة، أريد منك أن تفعل شيئًا واحدًا.أغلق الباب.ليس لأن ما ينتظرك خلف هذه الكلمات يستطيع الوصول إليك، بل لأنني أريدك أن تتأكد من أنك وحدك. أريد أن يكون الصمت من حولك كاملًا، وأن تسمع دقات الساعة، وأن تنتبه إلى صوت أنفاسك وهي تعبر صدرك وتعود منه، كأنها تتأكد في كل مرة أنك ما زلت حيًّا.هل فعلت ذلك؟جيد.والآن، أخبرني... هل تثق بالأشياء التي لا تراها؟لا تتعجل الإجابة. لطالما ظن الإنسان أن الخطر يأتيه من الأماكن المظلمة، ومن الوجوه الغريبة، ومن الأيدي التي تحمل السكاكين. لكنه نادرًا ما فكّر في أن الخطر قد يختبئ خلف ابتسامة يعرفها، أو صوت يطمئنه، أو كلمة قيلت له في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى من يسمعه.نحن لا نخاف الظلام لأنه أسود، بل لأننا لا نعرف ما الذي يخفيه. وربما كانت تلك أكبر كذبة صدّقناها عن أنفسنا؛ فنحن لا نخشى المجهول بقدر ما نخشى أن نكتشف أن ما عرفناه طوال حياتنا لم يكن سوى وهمٍ متقن الصنع.أتعرف ما الذي يؤلمني حقًّا؟أن بعض القلوب لا تتحطم دفعة واحدة. إنها تتشقق بصمت، شقًّا بعد آخر، بينما يواصل أصحابها الابتسام، ويجيبون عن الأسئلة المعتادة، ويقولون إنهم بخير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status